الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

البطولة العربية وعوامل نشأتها، بين الواقع والمثالية

Share

تتغير الاحوال بعد الاسلام وتستقيم القيم حسب مقاييس جديدة وتبلى قيم أخرى وأنظمة أخرى طالما أثرت فى المجتمع العربى القديم ويخلف شغب الجاهلية شىء كثير من الطمأنينة والمسامحة فى صدر الاسلام فنرى الشعراء من امثال كعب بن زهير وحتى حسان بن ثابت بصفة نسبية ، يوثرون نوعا جديدا من التعبير الخفى الرقيق عن بطولة النبى ( صلعم ) واصحابه فى شكل لم يكن مألوفا من ذى قبل رغم الظواهر ولعل الاشادة بالبطولة النبوية من الامور ذات الباع الطويل التى لا يسعها مقال كهذا وان رحبت ساحته فنشير اذن الى السير الكثيرة والمدائح الحافلة بالحب الصادق والايمان الحار ونكتفى هنا بذكر كتاب لفيلسوف أجنبى خصص قسم وافر منه لمحمد ( صلعم ) ودل عنوانه وموضوعه أدق الدلالة على مفهوم البطولة ولفظها وقد سمى Carlyle " كرلايل " ( وهو ذلك الفيلسوف الانكليزى ) كتابه " بالابطال "

ثم ان للبطولة ظروفا تبرزها واحداثا تبعثها وهى ليست كالحماسة شعورا كامنا فياضا وجوا نفسيا ملهما يخلقهما منظر حربى وتثيرهما صلصلة السلاح ثم ، لن تكون جزيرة العرب بعد ، ذلك المضمار الذى يتبارى فيه الفرسان بالشعر تارة وبالحديد طورا . فتحولت الفروسية الجديدة الى آفاق غير آفاقها ومهما كان من خصب مئاثرها فان بطولة الفتوح لاتماثل بطولة الدفاع عن الاوطان وان كان الفتح الاسلامى اكثر رفقا ورحمة من الفتوحات الاخرى ولو بالنسبة للعصور القاسية التى حدث فيها ، لاسيما وبين العرب من جهة ودولتى الفرس والروم من جهة أخرى ، خصومة خفية منذ القدم فيها شىء من الاحتقار والتعدى والانتقام وفوق كل ذلك كانت رسالة تؤدى وثورة للحق تثار قبلتهما رعايا الفرس والروم كخلاص من الضيم والاستبداد .

اما البطولة التى نقصدها الآن فهى متشعبة دقيقة الوصف لا تكيف حسب المقاييس المادية الرنانه واول ما نراها نرى فيها امرا جللا وخطوبا مرعبة اعترت المجتمع العربى اثناء ما سماه الاستاذ طه حسين " بالفتنة الكبرى "

التى استغرقت مدة تناهز عشرين سنة من مقتل عثمان الى مقتل الحسين بن على فتظهر كأنها اكبر أزمة سياسية ومعنوية ودينية ابتلت الاسلام فصارت عبارة عن صراع شديد بين مفاهيم شتى منها الجديد ومنها البالى ، ومنها الاسلامى ومنها الجاهلى ، فأثرت كذلك على الوضع الانسانى بصفة عامة وعلى ما يهمنا فى موضوعنا هذا أعنى السلوك الفروسى والبطول بالاخص ويتراءى للباحث فى تلك الفترة الصاخبة من تاريخ الاسلام ان النزاع كان ينحصر من جهة فى عودة العصبيات الجاهلية ، تؤيدها وفرة البطش ويؤيدها الى حد ما دهاء معاوية واعوانه وتزيدها قساوة وغدرا سياسة الولاة الامويين وينحصر من جهة أخرى فى ايمان على بن ابى طالب ( رض ) وورعه وفروسيته وحلمه وخصوصا فى حالة الانفراد المعنوى وقل : الغرابة ، الامر الذى جعل منه رجلا يواجه وحده بالتقريب ، عالما فاجأه التطور المادى ومطامعه مفاجأة كادت تبعد الناس عن مبادئ الاسلام الحنيفة وعن خطة عمر بن الخطاب الشديدة فى انصافها وقناعتها ومثل على مثل غيره من تلك الفئة التى اتصفت باخلاقه وأبت الا ان تداوم فيما عز وشق اكتسابه من فروسية الاسلام وبطولته ولا نعنى باولئك الرجال شيعة اهل البيت ولما يأت خبرها فى ايام على بل نقصد بهم اتاسا من سائر العرب وقفوا ، من دون رياء ولا خوف وبقطع النظر عن ارائهم السياسية ، أمام مأساة شعواء ، فلطفوا منها ما استطاعوا اليه سبيلا وردوا شرها وساروا فى حربهم وفى سلمهم سيرة كانت لا تأخذهم فيها لومة لائم وليست سيرتهم هذه بالبطولة الزاهية " الباسمة الثغر " , الخفيفة القلب ، ونحن اذا أدركنا امرا ايجابيا رغم مصابه فى تلك الفترة من تاريخ الاسلام ، ايام على وبعدها ، ادركنا ضميرا حادا يتململ تساؤلا فى الاحداث وعذابا ، وادركنا صبرا جميلا على الغدر والظلم ، وبلاء حسنا لم يسبق له نظير فى ايام العرب ، ولذا فاننا نؤكد فى وصف تلك البطولة ميزتها الشاذة المحتومة المرغمة الا ما كان فيها من الحماس الذى يلهمه الشعور بالحق وما كان فيها من الاختيار والتطوع لدعوة سياسية او دينية ، اما الحماسة الباعثة للبطولة " العقائدية " المذهبية ، فاننا نجدها مع الاسف فى الحروب التى تفرعت عن الفتنة الكبرى ، أعنى حروب الخوارج وحروب الشيعة وقمعها العنيف طوال الخلافة الاموية ، ابتداء من عهد عبد الملك بن مروان ، وهى بالضبط من الامور التى كانت تأباها فروسية على ، سلفا جزافا ، وان اضطر لمثلها او شبهها فى وقائع الجمل والنهروان وصفين الا انها كدرت عليه خواطره وأوجعت ضميره ولربما كانت من الاسباب التى ادت به الى ايثار التحكيم على متابعة القتال اشفاقا منه على المسلمين وحقنا لدمائهم ، بالرغم من شجاعته النادرة وبالرغم كذلك من صحة دعوته وشرعية بيعته . والشئ الذى يهمنا فى موضوعنا هذا هو السلوك الجديد الصعب المتنوع الذى سلكته البطولة فزادت الى قيمة المألوفة قيما

أخرى كروح التضحية والنهى عن المنكر وتغييره صراحة باليد واللسان ولو كره الكارهون ولاسيما او الامر منهم والوفاء ، لا بالعهود فحسب , بل بالعقائد والايمان ، والاخلاص لصاحب الدعوة ولو بعد موته ، وكلها مفاهيم لم توجد البتة فى الجاهلية كما لم توجد فيها تلك العبارات التى تدل اروع دلالة وأسماها على وصف رجولية جديدة ، ومن بينها طبقتان على الاقل : حسن البلاء والصبر الجميل ؛ ثم الجهاد فى سبيل الله والاستشهاد ، لان البطولة الاسلامية ، شعبية كانت او خواصية ، فى الادب الشفاهى الملحون او الادب الصناعى الفصيح ، لم تكن فى جملتها الا وليدة تلك المفاهيم ، متصفة بما هو مشترك فى المعنى بين التعابير السابقة الذكر ، ومن مدلولاتها الكد والجهد والابتلاء والامتحان وحتى البلايا والمحن ، وانا اعتقد ان صورة البطولة العربية الصادقة التقليدية تتمثل فى تلك الاوصاف بل تبرز منها ، بكرا وضاحة , كالتبر من النار او كالطفل من المخاض ، وتجد هنا الفاصل بين بطولة الغرب وبطولتنا كما قدمت آنفا واذا رجعنا الى بعض الامثلة فى القرن الاول الهجرى وبالاخص فى خلافتى معاوية وابنه يزيد ، رأيناما يمجد مواقف نفر من الصحابة والتابعين ، كانوا من فرسان الوفاء وابطال التضحية وان لم يخلد ذكرهم فوز بالسلاح ولا نصر حاسم الا ما كان من علو هممهم ونصرتهم للحق . هذا حجر ابن عدى الكندى ولحجر مأساة ارتجت لها الامة الاسلامية فى أوانها رجة ذات عرض وطول ، فأرسلت السيدة عائشة الى معاوية ، فى طلب اعفاء حجر من الموت ، رجلا من رجالات بنى هاشم ، وبكى لموته وانتحب بمسمع من الناس رجل من خيرة المسلمين وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب فى المدينة ، واشمأز منها اباء وسخطا قائدان من قواد العرب وولاتها وهما معاوية بن حديج فى شمال افريقيا والربيع بن زياد فى خراسان وكان لها صدى ردده فيما بعد الحسن البصرى رحمه الله بلهجته الرائعة اذ قال فى معاوية " ويل له من حجر واصحاب حجر ! ويل له من حجر واصحاب حجر ! "

ولكن من هو حجر هذا ؟ ليس لنا بد فى التقديم له قبل ذكر محنته وبطولته المعنوية من ان نستشهد بما كتبه طه حسين : " قد كان حجر بن عدى الكندى رجلا من شيعة على المخلصين له الحب ، شهد معه الجمل وصفين والنهروان وكره صلح الحسن ولام الحسن فى هذا الصلح ولكنه بايع معاوية كما بايعه غيره من الناس ووفى ببيعته دون ان يضطره ذلك الى ان يرفض عليا او يبرأ من حبه بل دون ان يضطره ذلك الى ان يؤمن لمعاوية وعماله بكل ما كانوا يفعلون وكان حجر من صالحى المسلمين ، وفد على النبى ( صلعم ) مع أخيه هانئ بن عدى فيمن وفد عليه من قومهما ثم شارك فى حرب الشام وأحسن فيها البلاء

وكانه كان فى مقدمة الجيش الذى دخل مرج عذراء قريبا من دمشق ، ثم تحول الى العراق فشارك فى غزو بلاد الفرس وابلى احسن البلاء فى نهاوند ... وكان رجلا حرا صادق الدين يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويرضى عن السلطان ان أحسن ويسخط عليه ان أساء ... وكان ينكر اشد الانكار سنة بنى أمية فى شتم على واصحابه على المنبر ولم يكن يخفى انكاره "

وكان انكاره هذا الاخير هو الذى ادى به الى المحنة بعد قصة طويلة يذكرها الاستاذ طه حسين فى " الفتنة الكبرى " ومنها ان حجرا واصحابه قاموا ذات يوم فى وجه زياد والى العراق الغاشم وهو يهجو عليا فى خطبته ، صائحين " الصلاة ! الصلاة ! " الى ان قطع خطبته ، ثم سعى زياد فى طلب حجر بكل وسيلة ، منها التنكيل ببعض رجالات الكوفة وزعماء كندة حتى أتوه بعد أن اعطى أمانا على نفس حجر ولكنه سرعان ما غدر به ، فزور الشهادات وحمل الناس قهرا على الاتيان بها " ولم يتحرج من ان يكتب اسماء نفر لم يشهدوا ولم يحضروا هذه الشهادة " حسب قول طه حسين ، ومفادها أن حجر او اصحابه " قد خلعوا الطاعة وفارقوا الجماعة وبرئوا من خلافة معاوية وهموا باعادة الحرب جذعة " ورفع المساجين بعد ذلك الى الشام وحبسوا بقرب دمشق فى مرج عذراء تلك القرية التى شاهدت انتصار حجر مع الفاتحين فى بادىء ذى بدء ، ثم اجريت فيهم شبه محاكمة و " عرضت عليهم البراءة من على ولعنه وتولى عثمان ، فمن فعل منهم ذلك أمن ومن أبى منهم ذلك قتل " فأبى البراءة من على وأبى لعنه سبعة منهم وكانوا ثلاثة عشر ، فهيأ معاوية لارهابهم " السيوف المشهورة والقبور المحفورة والأكفان المنشورة " كما قال حجر بن عدى قبيل موته وكان فى ابائهم رغم ذلك كله وفى موتهم نوع من البطولة اذ سبق لهم الخيار فى أن يعيشوا مع لعنهم عليا ( رضى ) او يموتوا مخلصين له

وهذا أبو بلال مرداس بن أدية ، ذكره صاحب " العقد الفريد " وأطال فى الاخبار عنه الاستاذ طه حسين فقال " كان ابو بلال صاحب زهد فى الدنيا وتنزه عنها ، مؤثرا للخير ، ناصحا للمسلمين ، برا بمن عرف ومن لم يعرف من الناس ... شهد صفين مع على وانكر الحكومة وخرج مع اصحاب النهروان ثم اعتزل الشر وأقام فى مصره بالبصرة ، خارجى الهوى ، مشيرا على الخوارج , ناقدا لبعض اعمالهم منكرا لنشر الفساد فى الارض ، زاريا على اعتراض الناس وقتلهم بغير ذنب ، حتى اذا ولى زياد البصرة وخطب خطبته تلك البتراء كان الرجل الوحيد الذى أنكر عليه قوله " لآخذن البرئ بالمسئ والصحيح بالسقيم " وذكره قول الله عز وجل ( وابراهيم الذى وفى الا تزر وازرة وزر أخرى . وأن ليس للانسان الا ما سعى ) ولكنه على ذلك أقام فى مصره يأمر

بالمعروف وينهى عن المنكر ويشيع الدعوة الى الخير من حوله حتى هلك زياد وولى البصرة ابنه عبيد الله بن زياد . " وكان عبيد الله أقسى جانبا من ابيه وأطغى ، فتتبع المعارضين لسياسة بنى أمية من أهل السنة والشيعة والخوارج واتفق أن سجن أبو بلال مع من سجن " فأحبه سجانه لما رأى من عبادته وحسن تلاوته للقرآن ، فكان اذا جن الليل أطلقه وربما أطلقه النهار أيضا فكان يلم بأهله ويعود الى سجنه . وقد بلغه ذات يوم وهو مطلق ، ان عبيد الله ابن زياد ازمع قتل الخوارج المسجونين ، فلما اقبل الليل تنكر حتى عاد الى سجنه وآثر القتل على أن يخون السجان فى نفسه ويعرضه لغضب السلطان " وكان يكفى هذا كله لاظهار بطولة مرداس لو لم تكن هناك اعمال اخرى تزيدها رونقا وشيئا كثيرا من الفروسية الحربية . اطلق سراح أبى بلال مرداس بعد قتل من قتلوا فى السجن ولكن سلوكه فى سبيل الحق ومعارضة الظلم لم يزده الا حافزا بعد آخر فرأى يوما من الايام بالكوفة امرأة قد قطعت يداها ورجلاها بأمر من عبيد الله بن زياد ، ومثل بها فى السوق ، فخرج فى اربعين من اصحابه مجاهدا وهو يقول ، كما أخبرنا بذلك ابن عبد ربه : " انه والله لا يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين ، تجرى علينا احكامهم مجانبين للعدل , مفارقين للعقل ، والله ان الصبر على هذا لعظيم ، وان اخافة السبيل لعظيم , ولكنا لانبتدئهم ولا نجرد سيفا ولا نقاتل الا من قاتلنا " وهكذا كانت سيرته مع من ارسلهم عبيد الله لمحاربته فهزمهم شر هزيمة وكانوا ألفين اثنتين ورجع عبيد الله الكرة فأرسل اضعافهما فتغلبوا على ابى بلال واصحابه الاربعين اثناء موادعة كانت أبرمت بين الفريقين وقتلوهم فى صلاتهم غدرا . ومن تتبع حروب الخوارج وحروب الشيعة رأى العجب العجاب من البطولة الا انها بطولة تبعث الحزن والاسى وترجع على الاسلام بالويلات المتوالية والاصغان المتراكمة وأصدق دليل على الجو النفسى الذى أحدثته تلك البطولة المزعجة ، قصيدة الطرماح فى رجائه أن يموت شهيدا ، حسب مفهوم الخوارج , بجانب رفقائه ، وهو القائل :

اذا العرش ان حانت وفاتى فلا تكن     على شرجع يعلى بخضر المطارف

ولكن أحن يومى سعيدا بعصبة           يصابون فى فج من الارض خائف

عصائب من شتى ، يؤلف بينهم          هدى الله ، نزالون عند التزاحف

اذا فارقوا دنياهم فارقوا الاذى           وصاروا الى موعود ما فى المصاحف

فأقتل قعصا ثم يرمى بأعظمى            كضغث الخلا بين الرياح العواصف

ويصبح لحمى بين طير مقبله            دوين السماء فى نسور عواكف

فامتزجت صلابة الالفاظ وحدتها بصخب العواطف وهيجها حتى قل مثيلها

فى الشعر العربى الا ما كان من بعض الابيات فى لامية الشنفرى ، تنوه بحماسة أخرى مع ان مرجعها نفس المرجع ، ماعدا الروح الدينية : طبيعة شعواء ، تجرد تام فى الحياة وفى الممات ، وتيار جارف كالغريزة الاولى يألف قساوة الارض وعصمة السماء ويكاد أن يملا الفضاء لهفة تتردد فى جنباته وهوى عسيرا ولسنا فى حاجة الى اظهار الفرق بين مثالية الطرماح وبدائية الشنفرى ولكن الشدة واحدة والاقبال على التجرد واحد .

تم تتطور الاحوال وتتطور الافكار فى العالم العربى ويستتب السلم الاغرارا ويعظم شأن بنى العباس فى اول عصرهم الى المعتصم ، ثم تترى الحوادث والخطوب من جديد بصفة تتزايد ارتياعا فتتقلص بسببها رقعة المعنويات القديمة ورقعة السلطان الشرعى وحتى رقعة النفوذ العربى فى السياسة والجيش ، فتعبث ايدى الاتراك الغاشمة بتراث قيم صقلته العرب والفرس والموالى معا طيلة ثلاثة قرون ونصف ، ثم يتغلب بنو بويه على الدولة الاسلامية فى العراق وما وراء العراق فيتناولون ذلك التراث بمهارة وحذق غير انهم يضعفون من جانبه الاخلاقى ، لا الفكرى ، ويضغطون على خلفاء بنى العباس ويتعصبون للديلم والفرس ، واذ كنا بصدد موضوع معين هو موضوع البطولة لابد لنا ان نزيد الى الاوصاف العامة ميزة امتاز بها ذلك العصر ، ابتداء من النصف الثانى للقرن الرابع الهجرى ، وهى وفرة الجنود والولوع الشاذ بتنظيمها وتسليحها ، والمباهاة بعناصرها الجنسية المختلفة ، فهذا أمر مهم للغاية ، له أثره العميق فى خلق جو خاص وسوف يكون له نفعه الحربى البليغ فى مقاومة الصلبيين اثناء القرون المقبلة ، وعلينا ان نحقق معنى هذا كله قائلين ان شغف اهل العصر وذوى السلطان بالجنديات ، كان من شانه ان يؤدى الى كثرة العساكر النظامية المرتزقة وهى سنة سنها علوج الاتراك فى اول الامر ثم اتبعها بنوبويه فنتجت عنها عقلية ادل ما يدل عليها كلمة Militariste الفرنسية ، وهى ليست حربية فحسب او عسكرية فقط وكأنها تتمذهب بنظامية صارمة وشدة متكلفة ، المدار فيهما ان يفوق الجنود وامراؤهم جميع البشر وترجح اعمالهم ومزاياهم على غيرها فيصبحون طبقة اجتماعية على حدتها ، لها مراتب عديدة بينة ، تنتهى الى شبه نظام اقطاعى . اما فى العصر الذى نحن بصدده ، اعنى اواخر القرن الرابع الهجرى ، فان بوادر ذلك النظام كادت تقتصر على الميدان العسكرى وعلى ناحية من الميدان السياسى بطبيعة الحال ، لم تتعدهما الاقطاعية الى الميدان الاقتصادى بوفرتها الساحقة الا فى عصور الانحطاط وان كان منها انذاك النصيب المعتبر . واذا نظرنا الى الميدان الحماسى المحض رايناه يتصف بالعزة العسكرية والنخوة الحربية فى مدلولهما

النظامى اكثر مما كان يزدان بالفروسية المطلقة الا ما قل وندر وليس السبب فى ذلك قصور الترك والفرس عن السجايا التى يتحلى بها الفارس من شجاعة واستبسال ، وكانوا أهلا لها ، وانما هى الاوضاع المكونة لدولتهم كما سبق والظروف التى جعلتهم يفرغون اكثر همهم فى تضخيم قوتهم المادية ونشر سلطانهم ومحاربة دويلات العجم الاخرى بينما كانت تجرؤ الروم فتغير على الحدود وتتوغل فى الثغور وتهدد ديار الاسلام تهديدا فعليا ولولا حزم بنى حمدان وجهادهم لاغتنم العدو الفرصة للقضاء على الشرق الاسلامى . وقبل التعريف ببنى حمدان وذكر بطولتهم أود ان يتاتى للقارىء ، فيما بعد ، المقارنة بين شعر ابى فراس الحمدانى وماثر سيف الدولة وبين أنموذج من شعر أحد امراء بنى بويه ، وهو تاج الدولة ابو الحسين البويهى ، يمثل نظرية فى البطولة الارسطقراطية العسكرية النظامية المالكة ، فأقدم تلك الارجوزة :

ألا شفيت علتى      من العداة بالتى                                                                                            وصارم مهند         ماض رقيق الشفرة                                                                                         وليلة أحييتها         منوطة بليلة                                                                                              كانما نجم الثريا     فى الدجى زمقلتى                                                                                          جوهرتا عقد على     نحر فتاة طفلة                                                                                             وعسكر عرموم        يملك كل بلدة                                                                                                 حشو الجبال والفلا   مواكب من غلمتى                                                                                  نصرتهم منى ومن     رب السماء نصرتى

وهو شعر خفيف سيال لامحالة غير انه ينقصه الوقار فى اللهجة والسمو فى المعانى كما هو شأن الشعر الحماسى غالبا ولعل فى ذكر السلاح واستعمال لفظة " غلمتى " اشارة تفيد من جهة ولوعا خاصا فيه نوع من التفنن ومن جهة أخرى شعورا بالمرتبة الاجتماعية وجلب الغلمان الاعاجم وتجنيدهم والمباهاة بعددهم وطواعيتهم شبه الآلية

اما دولة ءال حمدان فكانت آية فى شتى الميادين يعتز بها التاريخ مع قصر حياتها وصغر حجمها ولا شك ان معاصريها من العرب وحتى من العجم كانوا يعتبرونها كواحة غناء للمكارم والفضائل والعلوم ، ومن بين الميادين التى فاز فيها امراء بنى حمدان فى اواخر القرن الرابع الهجرى تلك الشهامة الغراء وتلك البطولة الساطعة اللتان كاد وجودهما عند غيرهم ولا غرابة فى أن نرى كتب معاصريهم ومدائح الشعراء تلهج بذكر سيف الدولة زعيم امارة جلب وسائر الشام ، ويكفى سيف الدولة فخرا فى رعايته للفلاسفة وعلماء

اللغة والكتاب والشعراء ، أن حظى عنده اكبرهم فى كل علم وفن ويزيده فخرا أنه أحيا فى العرب وهو من قبيلة تغلب العربية ، وفى العجم وفى المسلمين قاطبة ، فروسية ومئائر سجلها التاريخ قبل ان يشيد بها المتنبى والعشرات من الشعراء ومنها انه حمى الثغور فى اكثر من اربعين وقعة وكبد الروم خسائر فادحة وهزم جيوشهم المتجاسرة فى اغاراتها على الشام و " كان له وعليه " فى غزوه اياهم ، كما يقول الثعالبى ، ولايامه فيهم وفى قبيلة كلاب التى شوشت عليه الامر ، فعال تبرهن عن جانب كبير من الانسانية والحلم , وعن سلوك الفارس العربى الذى يأبى أن يهين عدوه المغلوب ويعبث بحرمه ويوقع به من دون حق ، ويقول المتنبى فى نساء من كلاب انقذهن سيف الدولة من السبى وصان أعراضهن حينما كانت السبايا والقيان تملا الاسواق فى ذلك العصر :

قعدن كما أخذن مكرمات           تصيبهم فيؤلم المصاب

وليس مصيرهن اليك شيئا           ولا فى صوتهن لديك عاب

ولا فى فقدهن بنى كلاب           اذا أبصرن غرتك اغتراب

وكيف يتم باسك فى أناس           تصيبهم فيؤلمك المصاب

والبيت الاخير من ألطف ما قيل فى رأفة البطل الظافر ، بعدوه المغلوب وفى الاشفاق عليه وان كان أهلا للعقاب . ونجد نفس المعنى تقريبا فى مدائح ابى فراس الحمدانى ، وابو فراس ابن عم سيف الدولة ، احرز مثله حظا وافرا من الفروسية والبطولة ويعتبر شعره الحماسى قمة شاهقة منيعة فى الادب العربى ، نتحدث عنه فيما يلى كصورة صادقة لكثير من المفاهيم البطولية المتداولة عند اهل العربية ومن أبرع المديح ، ما يقوله فارس فى نده وقرينه ، بل فيمن يقتدى به فى فروسيته ومن شعر ابى فراس ، هذا الاعتراف بفضل سيف الدولة عليه :

وانك للمولى الذى بك أقتدى           وانك للنججم الذى بك أهتدى

وأنت الذى عرفتنى طرق العلا           وانت الذى اهديتنى كل مقصد

او ذلك :

حملت على ورود الموت نفسى    وقلت لصحبتتى موتوا كراما

وهل عذر وسيف الدين ركنى       اذا لم اركب الخطط العظاما

وأقفو فعله فى كل أمر              وأجعل فضله أبدا اماما

ومن قوله فى معاملة سيف الدولة الشريفة واحسانه لنساء بنى كلاب وفى غزوه الروم ابيات تطفح بصفات تكاد تشمل خير ما يتصف به الفارس البطل :

ومازلت منذ كنت تأتى الجميل  وتحمى الحريم وترعى الحسب

فكنت حماهن اذ لاحمى        وكنت اباهن اذ ليس أب

فولين عنك يفدينها              ويرفعن من ذيلها ما انسحب

ينادين بين خلال البيو           ت لا يقطع الله نسل العرب !

أمرت وانت المطاع الكريم      ببذل الامان ورد النهب

ويقول فى غيرها :

وقد درى الروم مذجاورت أرضهم   ان ليس يعصمهم سهل ولا جبل

فى كل يوم تزور الثغر لاضجر       يثنيك عنه ولا شغل ولا ملل

فالنفس جاهدة والعين ساهرة        والجيش منهمك والمال مبتذل

ثم اننا نرجع ، مع فخريات أبى فراس و " رومياته " الى ما نعتبره كالعمود الفقرى فى شعر العرب البطولى ، ولابى فراس الحمدانى محنة او قل شجى ولوعة كما سبق للكثير من ابطال العرب ، اظهر فيهما صبرا وتواضعا واحساسا بكبريات الامور والاحداث ، لامثيل لها . وقع جريحا فى احدى غزواته وأسره الروم وبقى أسيرا مدة اربع سنوات بين المرض والحنين الى الوطن وربما قال احسن شعره فى أسره هذا بالقسطنطينية وكأنه كان ممزقا بين ذكر ما سلف من مئاثره ومئائر قومه وبين ما يهفو اليه قلبه من جهاد حتى كاد يستبطئ مفاداته ، وهو اذا شكا الزمن فلأنه يعطف على امه العجوز ويرثى لحالها ويعبر عن شىء كثير من الدعة والانسانية والترحم بها مع شدة بأسه وعلو همته الى ان يقول :

لولا العجوز بمنبج            ما خفت اسباب المنيه

ولكان لى عما سألت م      ن الفدى نفس أبيه

فيها التقى والدين مجمو     عان فى نفس زكيه

يا أمتا لا تحزنى               وثقى بفضل الله فيه

يا أمتا لا تيأسى               لله ألطاف خفيه

اوصيك بالصبر الجمي      ل فانه خير الوصيه

ثم لا يتمالك فيتحسر لانفرادها وضياعها :

يا حسرة ما أكاد أحملها           آخرها مزعج واولها

عليلة بالشئام مفردة               بات بأيدى العدى معللها

ولسنا نذكر مثل هذه الابيات للاستشهاد بصدق لهجتها فحسب وانما يذكرها للدلالة على جانب يستهان به عادة فى وصف البطولة العربية ، كأن البطل آلة صماء أو دابة عجماء ، لا يحركه محرك بشرى سوى القتال وحب الغلبة والبطش بالاعداء ، ولا يهزه شعور انسانى ما ، وابو فراس هو الرجل الكامل الانسانية يكفينا درس شعره يقينا بأنه لا يتزمت ولا يتكلف فى سلوك كمن حفظ دورا مسرحيا او أفرغ شخصيته فى شخصية مصطنعة ، معصومة ، لا يمسها ضعف ولا يخالجها قلق ، واذا آنسنا ببطولة ابى فراس فلانها تقنع فى وقت واحد شعورنا بالواقع وترضى طموحنا الى مثالية يتيسر لنا ادراك ماهيتها العليا ، وكم تروعنا لهجته ذات الاخلاص والتواضع وهو الفارس الاسير الذى حمل من ساحة الوغى الى الحبس مثقلا بالجراح وكأنه - فى ظنه - لم يف بكل واجباته :

أسرت وما صحبى بعزل لدى الوغى        ولا فرسى مهر ولا ربه غمر

ولكن اذا حم القضاء على امرئ            فليس له بر يقيه ولا بحر

وقال أصيحابى : الفرار او الردى !         فقلت هما امران احلاهما مر

ولا خير فى دفع الردى بمذلة               كما ردها يوما بسوأته عمرو

ثم تهيج افكاره ويرى نفسه حرا والروم أسرى لديه : اذا عاينتنى الروم قد ذل صيدها   كأنهم أسرى يدى بلا كبل ويرى نفسه بين قومه ويعتز بهم وهم كما يقول :

لئن خلق الانام لحث كأس ومزمار وطنبور وعود

فلم يخلق بنو حمدان الا لمجد او لبأس او لجود

ولا يفوته ان يتسلى فى أسره اعتبارا لنوائب الدهر وغيره التى تسعد يوما وتشقى آخر ولربما وقع ذلك فى المكان الواحد " كخرشنة " حيث أسر نهائيا :

ان زرت " خرشنة " اسير فلقد حللت بها مغيرا

ولقد رأيت النار تنتهب المنازل والقصورا

من كان مثلى لم يبت الا اميرا او اسيرا

ليست تحل سراتنا الا الصدور او القبورا

ثم تترى عليه ذكرياته وتزاحمه فيعددها ، لاكمن عدد مفاخره وهى موات ولكن كرجل شب فى الحروب والمكارم وتشوق الى متابعة الجهاد فما فتئ لسان حالة يفصح عن كل ذلك ويتعلل بذكر الحرب وهى ، حسب تعبيره : " طعامى مذبعث الصبا وشرابى " وهو القائل فيها :

وانى لجرار لكل كتيبة               معودة ان لا يخل بها النصر

وأصدأ حتى ترتوى البيض والقنا    واسغب حتى يشبع الذئب والنسر

وهو المحصى لمكارمه التى لا تحصى :

وتعاف لى طمع الحريص فتوتى  ومروءتى وقناعتى وعفافى

ومكارمى عدد النجوم ومنزلى    مأوى الكرام ومنزل الاضياف

لا أقتنى لصروف دهرى عدة    حتى كأن خطوبه أحلافى

شيم عرفت بهن مذ أنا يافع     ولقد عرفت بمثلها اسلافى

وهذه الابيات ، أن كانت تعدد صفات خاصة بصاحبها الا انها تهمنا اهتماما بليغا لما تحويه من المفاهيم التى اضحت فى القرن الرابع الهجرى وبعده خطة يتبعها كل فارس ممتاز وناموسا يقتدى به ، فنشير من بينها الى " الفتوة " والى " العقاب " وكانت الفتوة فى أواخر العصر العباسى مذهبا فى المورءة والظرافة معا ، يسلكه ابناء الملوك والسراة اما العفاف فهى ميزة نبيلة مصدرها الدين ، وكثيرا ما اتصف بها الفرسان والظرفاء ويزيد ابو فراس الى خطته هذه ، قوانين أخرى تتم بفضلها وتكمل تلك الصورة التى رسمها لنفسه وهى فى الحقيقة صورة للبطولة فى احدى مراحلها فيقول :

لست بالمستضيم من هو دونى     اعتداء ولست بالمستضام

رب أمر عففت عنه اختيارا         حذرا من اصابع الايتام

أبذل الحق للخصوم اذا ما        عجزت عنه قدرة الحكام

ولعمرى ، ما هذا كله من شيم اناس سبقت لهم فى تكون الروح العربية وخلق الفروسية جهود ومحن ولسنا بالواقع مغترين اذ البطولة تعرف بالافذاذ والخيار وانما الروح هى هى ، توحى من استوحاها وتشهد عنها الاعمال مع كثرتها فى كل عصر .

ومتى نتقدم فى الاعصر نجد سبلا أخرى تؤدى الى هذه الفكرة وقد تغيرت الاوضاع من جديد وكادت تصير البطولة ضرورية بالتدريج ، تتحول من الفرد إلى الجماعة ، والسبب فى ذلك ترادف الاكتساحات الضخمة والغارات المستمرة العنيفة التى شنها الصليبيون والمغول والتتر على العالم العربى فى مدة ثلاثة قرون متوالية ، فكانت بطولة صلاح الدين الايوبى والظاهر بيبرس وامثالهما منوطة بجهود مجهولة لازبة قامت بها الجماهير ولطالما سبلت الانفس والنفائس وهى فى حالة العزل متيقنة بأن المصاب جليل وبأن الامة الاسلامية ربما أوشكت على الهلاك ، فهى مواقف لم يسبق مثلها وان كانت لا تتصف بالقومية حسب تعبيرنا الحديث الا انه كان ثمة شعور حاد بوحدة الامة المحمدية وبعظمة تراثها وحرمة حماها ، ولكم تعجبنا وتؤثر فينا صفحات قيمة شريفة كتبها ابن حزم

فى الاندلس تضامنا مع بنى الاسلام فى الشرق وذكريات مؤلمة سجلها الامير أسامة بن المنقذ فى الشام أيام الحروب الصليبية الاولى . ولكن أثناء الحروب الصليبيه والغزوات التترية كان يتمتع العالم العربى بالسؤدد والنظام السياسى المتقن والقوة والحضارة ومن شأنها ان رجحت كفة الاسلام مع قلة ابنائه بالنسبة لجموع الغزاة الافرنج والآسويين ذوى العدد والعدة ، وهذا ما يزيد فى بطولة ذلك العصر على العموم وبطولة صلاح الدين وبيبرس والكثير من اصحابهما فى الشام ومصر فى الوقائع العديدة وفى وقعة عين جالوت التى تعتبر حقا كاكبر انتصار احرزه المسلمون فى تاريخ مقاومتهم للعدوان الاجنبى فى اواخر القرون الوسطى ، ولكن ذلك الجهد العنيف المستمر طيلة الاعصر وتلك الكوارث المتتابعة قد ادت بالعالم العربى الى كثير من النزف واضعفت من جانبه الاقتصادى لاسيما والطرق التجارية الكبرى العالمية كادت تحيد عن الشرق الادنى بعد الاكتشافات الجغرافية التى قام بها سياح الغرب وملاحوه من برتغاليين وجنويين وغيرهم فى القرن الخامس عشر المسيحى ، ثم ألم به فى مستهل القرن السادس عشر خطب آخر هو الفتح العثمانى لسائر اقطار العروبة ما عدا المغرب الاقصى ، وبسردنا هذه الظروف كلها نريد ان نبين حالة الجو العام فى المجتمع العربى حينذاك وما كان للقيم المعنوية والنظم واساليب الفكر والعقليه ان تستمد منه ، واذا استثنينا عهد المماليك فى مصر على الاخص ظهرت لنا حالة العالم العربى فى مثالها المستمر التدريجى نحو الانحطاط بما فيه من لغة وانتاج أدبى وسياسة وحضارة ، وأمسى الصوفية وأقطابهم يقومون فى غالب الاوقات مقام الفرسان والابطال وكأن سير الأولياء و " كراماتهم " كادت تنسى مئاثر الشجعان وهى قليلة الا ما كان فى ديار المغرب من الجهاد لماما ضد البرتغاليين والاسبان وما كان ايضا ، فى ميدان الخيال والذكرى ، من التعلل بالماضى وبطولته ، وهناك فى الواقع ، ظاهرة تنبئ من جديد عن تلك الرغائب التى لاحظناها فى الشعر الجاهلى ولكنها رغائب وحاجيات نفسية من نوع آخر ، تهدف الى اعادة المفاخر والتسلى بذكراها ومن أهم خصائصها انها ليست تخالج اهل الفصحى وتضطرب فى اشعارهم ، بل أصبح يعبر عنها لسان العامة ، وتسعها المطولات من الكتب الشعبية منطلقة العنان ، مندفعة الخيال ، تتناول موضوع الحماسة بأهواء واتسم بتفاهة لامثيل لها وآثر الاصطناع على الابداع بينما كانت القريحة الشعبية منطلقة العنان ، مندفعة الخيال ، تتناول موضوع الحماسية بأهواء مفرطة وأشواق متطايرة ، تخلط الواقع بالمثالية ولا تعبه بنظام التاريخ ودقته لانها تعيش فيه بفضل غريزة حدسية وحقائق صرمدية ، تختار منها حسبما شاءت : الاصل دون الفرع ، او الفرع دون الاصل لانها تتوق الى ذكر البطولة ارضاء لحاجيات روحية أكيدة كالماء والطعام ومن غريب المصادفة اننا نجد تلك الظاهرة فى تاريخ جميع الشعوب اثناء الظروف الحرجة التى تجنازها ، لاسيما فى العصور الخالية من البطولة الفعلية وبعد الهزائم القومية الفادحة ، وكان

هذا شأن الكتاب والشعراء وحتى المؤرخين فى العهد " الرومنطيقى " وبعده بفرنسا مثلا ، حيث نشأت نزعة الرجوع الى الاسطورة المؤرخة والاشادة بالمئاثر الوطنية والاطراء بابطال الماضى ولم يصدر ذلك عن الغلاة والمتطرفين السياسين بل عن أناس اشتهروا بميولهم الشعبية كميشلى Michelet وفكتور هيغو VHugo وبيرانجى Beranger ؛ وقع ذلك غالبا بعد تكبة نابوليون الاول وفى غضون الملوكية والامبراطورية الثانية المتسمتين بروح البرجوازية والخذلان.

ولكن كان ذلك أكثر روعة فى أدب العرب الشعبى ، اذ الشعور متقد والخيال فياض ، والملاحم طويلة الذيل ، تحوى ما تحوى من الابطال والفعال . ومن شدة الولوع بها ، كان المستمعون لها فى حالة من يرى ويشاهد ويتحمس مباشرة ويفرح ويغضب وينعر ويحث ، او يحزن حزنا صادقا لفقد بطل من انطال القصة ، وهذا يدل على كرم العواطف ورغبة غريزية بليغة فى تجسد ما للبطل من احوال تعتريه فى ساحة الحرب ومواجهة الاخطار ، وهى قبل كل شئ ارادة لاشعورية يتوصل بها المستمع الامى المتحمس الى احياء ما يروقه من المواقف البطولية والمساهمة فيها باحساسه ولو طوى عليها الدهر طياته وكأنه يتلهف الى الماضى ورجالاته ، ويكون السبب فى خلق " الحاجة البطولية " عند الشعب ، ما يصيبه من كوارث تفصله عن تاريخه القومى ، وكثيرا ما تتبعت السلطات الاستعمارية بالجزائر شعراء الملحون واضطهدتهم وسجنتهم ونكلت بهم ، عملا بأوامر الجنرال " براقى ديلى " dHilliers Baraguey نائب " بيجو " حوالى سنة 1844 ، ولم تزل الى اليوم ، ولا سيما قصاص البطوليات منهم وما هذه الا لمحة من مصيبة عامة لاننا لاننسى مثلا الكارثة التى اوقعها الغرب بالشرق ، عربيا كان او آسويا ، اثناء العدوان الاستعمارى الطويل , ومن نتائجه ان الغزاة الاربويين استعملوا فى فتوحاتهم وهجوماتهم اساليب تنافى مبادئ البطولة والشرف ، فأصبحوا يطأون اصقاع آسيا وافريقيا بسلاحهم الفاتك الهدام وغطرستهم الغاشمة ، الامر الذى أساء التاثير فى قلوب الشرقيين والافارقة وجعلهم يأملون فى الاخذ بالثار عاجلا او آجلا ويرجون استرحاع كرامتهم الجماعية ، مباشرة او بواسطة أمة شرقية ما . وقع ذلك بالفعل فى اوائل القرن العشرين لما هزم اليابان الامبراطورية الروسية ، جيوشها وأساطيلها ، فى " بوأرتور " Port Athur سنة 1905 وفى غيرها من الوقائع ، وكان البابان حديثى العهد بالنظام العسكرى الجديد الطراز ، بينما كانت روسيا من اضخم الدول الغربية ، فاهتز الشرق حماسا لتلك الانتصارات الرائعة لاسيما وفى سلوك اليابان المعنوى الشىء الكثر من الشم التى كان يألفها المشارقة فى تواريخهم وتقاليدهم الادبية ، وان أظهرت الانتصارات اليابانية شيئا فانها أظهرت البينة على ان البطولة الشرقية لم تمت وانها ستعود كما كانت وان مركب النقص قد نزع من عقلية أهلها أو كاد ، ولسنا نستغرب اذن أمر حافظ ابراهيم الذى نوه بفوز اليابان فى

احدى قصائده ومدح بطولتهم وكانت له فى ذلك لهجة مؤثرة للغاية وكان له حماس من شأنه أن بشر سائر الشرقيين بعهد جديد . وهذا الرئيس جواهر لال نهرو السياسى العبقرى المسالم الوديع يقول لاحد مراسلى صحيفة فرنسية فى هذه الاشهر الاخيرة ان انتصار اليابان فى اوائل القرن العشرين كان له الصدى العميق فى نفسه وفى نفس الجيل الهندى المعاصر له فأثار فيهم حماسا وغبطة وزادهم اعتزازا بالروح الشرقية فى صراعها مع الطغيان الاروبى وهذا الرحالة الفرنسى " موريس برنو "  Maurice Pernot وكان فى انحاء افغنستان حوالى سنتى 1926-1925 ، فرأى يوما فى كابول جموعا غفيرة تحتفل بانتصار من انتصارات الامير عبد الكريم الخطابى وراعه ذلك الانفعال التضامنى بين امتين ، احداهما بأقصى المغرب والاخرى بأقصى أواسط الشرق الاسلامى بيد انه لم يكن هناك أدنى اتصال مادى لعدم التعارف بين مختلف الشعوب المستعمرة وقد ضرب الطغيان الاجنبى حول كل شعب سورا يفصله عن غيره وانما هى تيارات قوية كان يبعثها فى صميم الجماهير الشرقية والاسلامية أينما وجدت ، عامل شبه الضرورى من عوامل الولوع بالبطولة التحريرية ذات الوظيفة النفسية السياسية معا . ولا بد ان نقف عند ظاهرة كهذه , ليتيسر لنا فهم الظروف والاوضاع التى جرت فيها مقاومة الشعوب المستعمرة وقد سبق التلويح الى ان الحروب الصليبية والهجومات المغولية التربة أحالت البطولة من خاصة الناس الى عامتهم ، ومن فردية مذهبها الى جماعيته وزادتها قيمة ايجابية فعالة ترد الى ضرورة الكيان القومى او العقائد او السياسى المشترك اكثر مما ترمى الى سمعة خاصة او فخر لا لزوم فى نيله ، وبضرورة الاحوال وتطورها وتتابع الاخطار المهددة لحياة الشعوب صارت البطولة جهدا وجهادا ومجاهدة أمسى المحرك فيها غريزة البقاء وهكذا كله يقرب فى المعنى من كلمة : مقاومة ومدلولها ، ونحن نرى تدريجيا ما آلت اليه مفاهيم البطولة .

اشترك في نشرتنا البريدية