الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

البطولة في الثورة الجزائرية

Share

ان الافكار الوطنية ذات اللب والاتقان تمكن غالبا فى ضمائر فئة من الناس تخالجهم بدقة واضحة ؛ واذا وجدوا أنفسهم في حالة من العزل والضعف النسبي ، آثروا الكفاح السياسي الصريح ، ان امكن ذلك . . ولكنه لم يتمكن لهم بالمرة والطغيان الاجنبى سائد ، ومقابض القوة المسلحة وأسباب القوة الاقتصادية بأيدى أقلية من الغاصبين الظالمين يتصرفون فى مصير شعب باكمله حسب ما توحية اليهم اهواؤهم العابثة ؛ اما الشعب ، فان له فى الموضوع اراء اخرى مصدرها القومية الحدسية ، ومبعثها المنطق الغريزى السليم الذى لا يعبأ تارة بما تفرضه سطوة الظروف أو لزوم التدريج في عمل سياسي لا يؤمن بنفاذه البتة وهو تحت نير الاحتلال المنافى لادنى تحرر سلمي يقع برضا المستعمر . والعامة تذهب في ذلك مذهبها فى العمل بالشرعيات ، فهي تقتصر على الفرض والواجب والحلال والحرام وقلما تفقه معنى للمباح والمكروه والمستحب ؛ وسنراها في ميدان البطولة والجهاد تبالي بالكليات والاصول أكثر مما تعتنى بالجزئيات والفروع فيطرأ على ذلك تضحيات جسام وأضرار عظام يقرأ لها الشعب حسابها ، لا لانه يعتبر أعماله كنوع من الانتحار او كلون من الرياء ، بل لان هناك تعبيرا كليا بالذات وما فيها من مشاعر وأفكار وأعصاب وعضلات ودم وروح ؛ ومن بين المشاعر ما يشوبه الخوف ويخالطه التردد ويمازجه الريب ؛ ومن بين الجسمانيات ، مافيه توتر او قلق او رعشة وما فيه عرق وكزز ، وهذا شأن كل من يواجه الموت وبالاحرى اذا كان شابا يجاهد في سبيل الحياة المثلى ، وربما يتظاهر الشعب المغلوب على امره بمظاهر الخذلان واليأس اذا كان اعزل ، عديم القادة ، ولكنه لا يفقد الرجاء يوما من الايام في التحصيل على السلاح وايجاد العزائم الحرة في ابنائه ؛ وبمجرد ما يحصل على السلاح ولو على القليل منه ، وكأن الابواب تتفتح امام ارادته ، وكأن لآماله مسالك شاسعة المدى ، تذهب به كل مذهب فتوفر لديه الامكانيات المعنوية مع الضيق المادى ويظهر لنا من هذه الناحية ان البطولة الشعبية ليست محض انتحار جماعي تدفع اليه اللامبالاة او يدفع اليه اليأس ، ولطالما سمعنا عن باقية الاسلاف بعد انهاء الثورات الجزائرية الكبرى في اواخر القرن الماضي ، صدى التلهف المتردد الذي كان يخالج الشعب فيما

يخص طلب السلاح عبثا ، وكثيرا ما وقع ذلك ابان الثورة الحاضرة ، ومن العجيب ان منظمات كاملة العدد ، ) تسع الخمسين او المائة من الشبان ) عديمة الجهاز اللائق ، ماعدا بضعة بندقيات من الطراز البالى ، زحفت الى مقارعة العدو وكأن تمسكها بتلك البضعة الضئيلة من السلاح غير الكافي لجميع المحاربين ، قد ضاعف معنويات رجالها وزادهم بأسا وعزما ، فأصبحت حصتهم التافهة من السلاح كالخاتم السحرى الذى يبدد الظلمات ويخترق تراكم الاهوال والزوابع ؛ وقع ذلك فى الاشهر الاولى للثورة ، وكان الباعث فيه أن لاتخيب الجماهير بعد اندلاع فاتح نوفمبر 1954 اذا ما رأت فتورا ما .

أو تخيلت أن تراه - فى سير الجهاد ، وأن ينتظر توفر العدة اللازمة انتظارا ايجابيا يزيد فى استعداد الشعب الروحي حتى يتيقن من كفاية السلاح ،

وهو قليل فى حقيقة الامر ، ومن استبسال أبنائه ، وهم مصرون على جهادهم ولذا ، علينا ان نراعي تلك الظروف والأوضاع التى صارت تهيمن على خلق بطولة جديدة يكون للسلاح فيها قيمة شبه الرمزية الى حد ما ، ريثما تتأهب الضمائر والعزائم لمجابهة حالة خطيرة ، وتستيقظ الارادات الكامنة والهمم الراكدة ؛ ثم تكون له قيمة حاسمة فى مراحل التجمهر والمقاومة وعندما تشتد الغارة من جانب المستعمرين وتضخم افواجها وتترى . ويبقى التباين شاسعا مستمرا ، يرجح بالعدد والعدة والضغط لفائدة المستعمرين . ويرجح بالايمان والمعنويات والشعور بالحق والتضحية لصلاح الوطنيين

وتتراىء لنا من خلال ذلك ميزة أخرى تتصف بها البطولات الثورية فى ميدان التحرير الوطني ، وهى النضال من أجل الحق ، وكأننا بالمجاهد وهو يعزز جانبه بتضامن العالمين له ، والكون والمخلوقات جمعاء ؛ وكأن الطبيعة  الشعواء التي التجأ اليها تحتضنه كالام الحنون وتؤيد كفاحه ؛ وليس ابرع دليل على هذا من أقصوصة عن الثورة الجزائرية نشرها عثمان سعدى بمجلة " الآداب " اللبنانية لشهر مايو 1959 ، يقول فيها البطل بعد عملية فدائية ناجحة ضد معسكر فرنسى وهو يحاول التخلص من التطويق الذى ضربه العدو عليه وعلى رفيقيه : " هل أنا هو الذي تسلق هذا الجدار الصخرى الفظيع ؟ انني لا أصدق عينى ! نعم ، أنا الذى فعلت هذا وما زلت أتحسس في نفسي قوة تمكننى من الوصول الى قمة " شيلية " بجبال أوراس . ما سر هذه القوة ؟                                      وهذا النضال العنيد ؟ انه الايمان . . الايمان بالله وباليوم الافضل المنشود .

لقد أكسبنا ، نحن المجاهدين ، التزامنا لقضية الجماهير " قوة هذه الجماهير " نفسها وأصبح الفرد منا يؤدى عمل جماعة بأسرها . . . ألم تهتز قاعدة كاملة بطيرانها وبوليسها وجنودها المحترفين ومدفعيتها من اجل ثلاثة

" فدائيين ؟ كانت صفارة الخطر تطلق فى الحرب العالمية الثانية من اجل " سرب طائرات ألمانية . . . اما فى ايامنا ، فانها تطلق من اجل فدائى " معزول . . . كنت ، وانا اقطع صخور " وادى الرمال " ، أحس بأن الكون " كله ، بكواكبه ونجومه وشهبه ووديانه وبشره يحارب معى ، لاننى اؤمن " كما يؤمن اى مجاهد اننا نناضل من اجل الحق ، من اجل مثل .. من اجل " مبادئ تقربها شرائع السماء والارض ، وتعمل من أجلها الملايين فى مختلف انحاء العالم . . " فانا نقف من بطل الاقصوصة وهو يدرج فى معانى الجهاد ويتخلل في الكون بعطفه ويستمد منه قوته ، موقفنا من بعض الصوفية كمحي الدين بن عربي وافكاره فى اتصال الحق بالخلق وفى وحدة الوجود بصفة عامة ؛ وانها لميزة فى غاية الدلالة على التصاعد المعنوى الذى يجعل من المجاهد الوطني رجلا ذا مثالية كلية خارقة تحتضن الكون والبشر باسرهم ونزيد على سبيل التدقيق قائلين ان البطل الثورى يحب جميع الثورات التحريرية الشعبية اينما وجدت ويمقت جميع الطغاة الظالمين اينما كانوا لان ايمانه بالحق والحرية ايمان كلى هو الآخر ، ومن أهم الاحداث على الاطلاق تلك التى ادخلت في رقعة الجهاد وروحه ، كيلا جديدا وعرضا أى عرض هما التوغل في الغابات والجبال ، والانتعاش بمناعتها الرصينة المهيبة ، وليس هذا مجرد استعارة في الكلام ، اذ الجبال والغابات هى قواعد البلاد الراسيات وركائز نباتها وجذور دوامها الكونى ، ولا يبعد الرأى من انها تلهم اولادها فى ايام الجد وتأسوهم فى ايام الشدة . وكم للشعراء والكتاب فى هذا المجال من عبر ونظرات ان اعوزتهم الموضوعات ! وكم لهم من مصادر للوحى ومنابع في تلك الطبيعة المهملة المجهولة بالامس والتى اصبحت تأوى شعبا كاملا وتحوى مسالكه الخفية ومراكزه السرية ومخازن سلاحه وميزته ، وتأمن المغارات العميقة والرزاز والقمم الشاهقة والوديان الجرداء التى اتخذها أبناء الشعب حصونا وقواعد لهجوماتهم المتوالية الخاطفة ، وصدق محمد صالح باويه اذا قال : " في كهوفي ، في حقولى ثورة النصر كنوز تختفى "

ولسنا ندعو الشعراء الى مدح طبيعة " داجنة " مؤنقة ، ملطفة ، مخنثة ، طالما اشبعنا وصف ربيعها واروانا الى حد التخمة والسامة ، وانما هى طبيعة الشنفري والطرماح ذات الذئب والطير ، وطبيعة ذى الرمة وابن شهيد ذات الجن والغول ، وغابات أساطيرنا الشعبية التى تكفل اليتامى وتجعلهم يأنسون الوحوش ويؤنسونها

وللغابات معان أخرى ورموز لا تنتمى الى النشوة " الرومنطيقية " بل الى

مفاهيم الحرية العاملة واباء الضيم والخفاء الايجابي ، وقد بين ذلك ، الفيلسوف الالمانى " أرنست يونغر " (Junger) فى كتيب قيم الفه سنه 1951     وربط فيه الصلة الوثيقة بين " المتمرد " الثائر وما يسمية " بالالتجاء الى الغاب " (١) او على الاصح : الاستعاذة بها من الظلم والطغيان ؛ وليس المعنى هنا معنى حرفيا بحتا ، وليس الموقف موقفا سلبيا فاترا مذعورا ، وانما هو عبارة عمن هرب بايمانه وتستر وانفرد مع نخبة مختارة من رفاقه ليحاربوا الاستبداد ، لا ليتخلصوا منه بالفرار . والغابة بذاتها ميدان للحرب . ويقول " (Junger )    " يونغر " : " اما الساحة التى يجرى فيها كفاحه  "اى الثائر " " فهى الغابة الموجودة بكل مكان . توجد الغاب في الخلاء وتوجد في المدن .

" ويعيش فيها " المتمرد " مختفيا ، يتخذ عمله العادى قناعا للتنكر . وهناك " غابات فى وطنه ، وثمة غابات أخرى بكل أرض سواه تليق لبسط مقاومته " والقيام بها ، وتوجد الغاب بالاخص بين ظهران العدو ، وليس المتمرد " بالرجل المغتر . . فانه يعرف معتقلات العدو الاجبارية ، ويعرف مخابئ " المضطهدين وملاجئ الفئات القليلة التى تنتظر ساعة العمل . . . . فهو من " يقوم بجهاده على طول السكك الحديدية وطرق التموين ، ويهدد الجسور " وجهاز المواصلات ، والمستودعات ، ويضطر العدو ، بمجرد وجوده ، لتوزيع " الجيوش الدفاعية وتوفير مراكز الحراسة ؛ وينظم المتمرد شرك الاستعلامات " المتسلسلة ، والعرقلة والتخريب ونشر الاخبار بين الجماهير ، وينسحب " بعد ذلك فى المواضع الوعرة غير المسلوكة وتحت الظواهر المجهولة " التى لا تنبئ عن اسمه....فهو الرجل الذى يبث القلق والانزعاج على " الدوام ، ويثير الافزاع الليلية غير مباشرة . . . " أليس هذا الذى عرف به الثائر الجزائرى من فدائى وجندى ومسبل ؟ أجل ، انها البيئة الجزائرية بعينها ، وانه المسرح البطولى الذي تسعه الجزائر من أقصاها الى أقصاها منذ خمسة اعوام وسرعان ما يتجاوز الفيلسوف الالماني تكهنه العجيب الى تفسير القيم التى يستهدفها الثوار فى عصرنا هذا المتصف بصفات الاستبداد والذعر والكوارث حسب تعبير " (Junger )  ومن بين تلك القيم التى تدرا بها الدواهي المذكوره يلح ، طبعا ، فيم للحرية من عظيم الشأن ، ولكنه لا يكتفي بنعتها المتداول ، بل يسعى الى تقليب الاوضاع المأثورة ويقول : ولا بد من مفهوم

جديد للحرية لا يعزي بشئ قط الى المفاهيم التفهة ، عديمة الملح والذوق التى " تدل عليها الآن كلمة حرية ، ومن المفروض فى اول الامر ان لا يقتنع الانسان " بسلامة " جلده " ونجائه ، ولكن أن يكون كذلك في استعداد للمخاطرة به " فهى اذن حرية فعالة لا تركن الى التمتع بالدعة والانانية والتقاليد السفساطية ،

ويزيدها الفيلسوف وضوحا اذ يقول ، وكأنه يريد به تسكين الخواطر التى تزعجها الحقائق الجديدة : " انما هي الحرية القديمة وقد كساها زى العصر

" الحرية الجوهرية الاولية التى تستيقظ فى قلب الشعوب عند ما يثقل على بلادها طغيان الاحزاب واستبداد الغزاة الاجانب ، ولسنا نعنى بذلك حرية " بين اثنتين : اما الاحتجاج واما الهجرة ، ولكن حرية أبت الا أن تشن الغارة " وقد صادفت حقيقة (Junger ) واقعا أضحى الشعب الجزائرى يعيشه بالكلية ، لا سيما تلك الحرية التى خولتها الجماهير طاقة تحريرية هائلة فصارت تحريرا وكفى ؛ تلك الحرية التى تجعل من كفاحها شيئا وضعيا " لان الثائر ، كما يقول المفكر الالمانى

" هو الشخص الملموس الذي يعمل فى الظرف الملموس . . وهو الذى " يتوصل الى منابع المروءة قبل ان توزعها فى الناس قنوات الشرائع والقوانين " . وهناك جانب آخر فى مقاومة الشعوب ، من موجبه ان لاتتقيد بما سنه لها المستبدون ، بل تعارضه وتسير مع أنظمة غير انظمتهم ، بشرط أن تساير هي الاخرى مبادئ العدل والانصاف والكرامة ؛ والمروءة تشمل كل هذا وسواه من المفاهيم وتحتوى حتى البطولة ، ومن البديهى أن تكون للبطولة في ذلك الحق النفسى العام معان ممتازة ذات خطورة وجدوى ، وذات رونق مهيب جليل ، بالرغم من الخفاء الذي ترتديه لزاما او غالبا ، ولعل( Junger )     يشير فيما يأتي ، الى أهم خاصية تمتاز بها المقاومة التحريرية وبطولتها فى العصر الحاضر ، وهي الخفية فى العمل الى حد الغلو فى نكران الذات والنزاهة والاقدام على الهلاك ، ولا على سبيل المنفعة الوضعية فحسب ، ولكن بدافع من التضحية القصوى وردع الخوف ، فيقول : " ان الغابة كتامة لاتبوح بالاسرار .

" وهي منزل الموت الاكبر ، ومقر لخطر من اخطار الابادة والفناء ، ومن مهمة " الهداة المسؤولين أن يأخذوا بيد من يدلون لكى يتغلب على الخوف ؛ فهم " الذين يجعلونه ، على المدلول الرمزى ، فى حالة من يموت ويبعث ؛ وان النصر لقريب من التهافت ، مجاور له ؛ فتعين معرفة ذلك على الترفع فوق " العنف الدهرى ، اذ يدرك الانسان بسببها أن الظلم العنيف لن ينال منه " شيئا بل من شأنه أن يقره في فضله الجليل وعظم كرامته " .

ان فى شرحنا لاراء المفكر الالمانى رغبة ترمى الى تحليل ظروف جديدة قد انعكست فيها صورة المقاومة الجزائرية بصدق عجيب . فهى بطولة اصبحت تسردها الحوادث سردا وتعدد ماثرها يوما فيوما ، والاستشهاد " بيونغر معناه ايضا الدلالة على عالم باطن ظاهر من المعنويات والحقائق كاد يسود تدريجيا فى الضمائر والعقائد والواقع اليومى ، ويحل محل ما سبقه من الاوضاع البالية والمفاهيم المزيفة والقيم العليلة ، والحريات الكاذبة ، والاوهام التى تضحى لها بعض الشعوب بمستقبلها عن طيب خاطر وهى تفضل الاقتناع بحاضرها المبهم لانه يزدان بزخارف خلابة من الاستقلال والسيادة

فى ودنا ان ينظر القارىء الى ما سبق نظرته الى رسم عام يسع مشاكل الرجل الثائر في صراعه العنيد وهو بين البقاء ، والنصر والهزيمة وبين ما يحب وما يكره أو قل باختصار بين الحياة والموت : حياة يريدها حرة عزيزة الجانب وموتا يراه نهاية فى التضحية والاستبسال وحفظ الجماعة من الهلاك القومى . وترجع بهذا الى موضوعنا الاساسى ؛ اذ المقصود من الرسوم التصميمية أن تطفح ، بعد ، بالتفاصيل والاوصاف والالوان ؛ ونقول أن البطولة الجزائرية حسبما تظهر فى شذرات الادب العربي المعاصر ، بطولة تتعدى الخطوط الموجزة والهياكل النظرية لتحفل بالواقع ومئاثره - والامة كذلك ؛ ولنا فى اشعار احمد المختار الوزير التونسي ومحمد صالح باويه الجزائرى وفى قصة عثمان سعدى الدليل الكافي والحجة الساطعة تكسوهما قريحة هؤلاء الادباء وايمانهم حماسا فى المعنى وجمالا في العبارة ، وكان الالهام المتقد الذى يشع من محيا الجزائر الاليم الوقور قد مس ثلاثتهم فجعلهم يدركون على السوية - ومن غريب المصادفة - ذلك السر الذى أصبح المحرك الاول لبطولتها وهو الحياة ، الحياة القومية والحياة عبر الموت ورغم التنكيل

يقول مختار الوزير فى حديثه عن الفتاة الجزائرية المجاهدة

وظلت تذكر اخوانها                    تغالبهم زمرة باغيه

وتبدو جماجمهم حولها                   مبعثرة فى الثرى ناويه

وتذكر قتلاهم بالجبال                  وريحهم والدما الجاريه

وتذكر ايمانهم بالوجود                    وتذكر غايتهم ماهيه

فتأسي وتنهض مشبوبة                 كان للهدى بعثت داعيه

تريد الحياة وما فى الحياة                من العيش فى نعمة راضية

تريد الحياة وما فى الحياة                من الخلق والقوة البانيه

تريد الحياة وما فى الحياة                من المجد والعزة السامية

ويقول محمد صالح باويه : احس ، احس دبيب الحياة يمزق ليلى وليل الرعاه ويغزو وجودى فى خيمتى وفى حيرتى وفى خطواتي الى أملى . . . الى مصرعي . . . .

صدى أغنياتى صدى امنياتى تبوح به طلقة المدفع وانى احس ايا طفلتي احس الحياه تبارك قومي برغم الطغاه

وفي الاخير يقول عثمان سعدى بلسان بطله الفدائى الذى يشخص الثائر الجزائرى فى موقفيه المتكاملين : بذل النفس لنيل الحياة " وصعدت جانب الوادي " في خفة ، متسللا وراء الصخور ، كان دافع المحافظة على الحياة يدفعنى تلقائيا " الى اتخاذ كل الوسائل الى النجاة من رصاص الفرنسيين ، لاننى أو من " كما يؤمن أى جزائرى ان الثورة فى حاجة الى كل جزائرى ، وخاصة اذا " كان ثائرا ، وكما قال احد قادتنا : نحن ثرنا لالنموت وانما لنحيا ، فموتنا " حياة . . . ان كل فدائى يستشهد سيوفر باستشهاده عشرات الانفس " وحياة أفضل لشعب بأسره " وهذا معنى جديد ذو بال من معانى البطولة الجماعية . واذا امعنا النظر فيه ، رايناه يفيد كذلك انتعاش الكيان الاجتماعى اثناء الجهاد وقبل النصر التام ، وقد راعنا فى الجزائر منذ خمس سنوات اندفاع الشباب خاصة وارتقاؤه وتدرجه من حضيض اليأس والهوان الى قمم الرجاء والعزة ، وكان بالامس مغصوب الامانى والكرامة ، يعيش على هامش الحياة ، تذهب اعماله سدى ويذهب دمه هدرا ، فأصبح بفضل كفاحه كمن بعث من جديد رغم الاخطار والويلات ؛ ولكن هى الحرية الهيجاء التى صار يرتوى منها مرها وحلوها ، والاستماتة المثلى ، وليست كحياة الذل والخوف

والجهاد الشريف الذي يصل الحاضر بالماضى ويتطلع حثيثا الى سبل الغد وما وراءها من نعمة ونعيم . حقا ان فى حياة الشباب الجزائرى اليوم لعبرة وقد غدا يركب للمصاعب كل مركب بحيوية كانها اعيدت من جديد وايمان فذ كاد ، قبل ، أن يحول الى قنوط . واذا كان من شأن البطولة أن تنهج للشباب خطة الاقتداء ، فان لمثاليتها فى صميم الشعب ومختلف طبقاته

وأعماره ، عملا فسيح المدى ، يشفى من الضجر القاتل ، ويفتل اسباب التضامن فى عمق الاعماق ، ويرجع بالافكار المبعثرة الهائمة الى سبيل الجهاد المشترك والمائر المشتركة والآلام المشتركة لاسيما ولكل من المجاهدين والفدائيين والمسبلين عرق وثيق يربطه بعائلة او جماعة قروية ، مهنية من ءلاف العائلات والجماعات فى سائر البلاد الجزائرية ، وصلة روحية تاريخية دموية تربطه بأسرتي المغرب الأكبر وبالعالم العربي قاطبة .

وفى قصة عثمان سعدى التى اشرنا اليها المثل البليغ لتلك الخطة المعنوية التى أنقذت الثورة الجزائرية بفضلها جموعا وافرة من الشباب فالبطل الروائى شاب فى العشرين من عمره سبق له ان تضلع من الترداد المزمن الى المعاهد وملازمة الحانات ثم اندلعت الثورة وهو فى حالة الاضطراب والتيه

لا يدرى ما يعمل ولا يدرى بمن يتصل لانخراطه فى المقاومة ، وارتبك عليه الامر وكاد يحتقر نفسه ومحونه اذ " الخاوة " مصرون على نزع البغي والفساد من احياء قسنطينة العربية ؛ وتصور لنا القصة بالتدقيق شيئا من ذلك الانقلاب الاخلاقي النفسى الذى عمد الى تطهير الشباب وتزكيتهم بالعمل المفيد وروح التضحية . وكثيرا ما يروعنا موقف البطل وهو ينتظر انخراطه فى صفوف الفدائيين ، فييأس منه لطول الاجل ، ثم يبتهل ويغشه الحماس عندما يرضى عنه " المجلس العسكرى الاعلى " فيختبره في عمل خطير يكون فاتحة شديدة المراس ، رهيبة ، فى طريق الجهاد ، ويكون ، بالاحرى ، نوعا من الابتلاء تمتحن به صلات الرحم والضمير معا .

وزيادة على ذلك ، فان البطولات الجماعية التحررية ، بمقتضى الظروف التي تجعل منها قيما محلية لا هوادة فيها و لادلال ، تحتاج الى جهاد أبناء الشعب كافة ، رجالا كانوا أو نساء ؛ ولا جدال في أن الامر العجيب الذي امتازت به الثورة الجزائرية من ناحيتها الاجتماعية ، هو كفاح الفتيات واستبسالهن واقبال النساء عامة وحتى العجائز على المشاق والاخطار في مجال ربما تكل دونه عزائم الرجال ؛ والسجون والمعتقلات المخصصة " للجنس اللطيف تشهد بذلك ، بقطع النظر عن ضحايا القمع والتنكيل . ومن الغريب المستحسن وهي ميزة من مميزات الفروسية واللياقة العربيتين ! ( ان اكثر الشعر الذي قيل فى الثورة الجزائرية عن لسان شعراء العالم العربي قد أوحته ماثر نسائنا المجاهدات ومحنتهن القاسية . هذا الشاعر العراقي عبد الكريم الدجيلي نختار من قصيدته الطويلة الابيات التالية :

والمخلصون كمثلها          في النائبات همو قلائل

فتقحمت مسوح الجها       د بجاحم والموت مائل

وترجلت عن فكرة         ان الغوانى لاتقاتل

عاشت بلاد انت فى         ساحتها رمز المناضل

سلمت يداك فقد تجمع     فيهما محل ونائل

كف تهزين الوليد بها         وأخرى للقنابل

وهذه الشاعرة اللبنانية زهرة الحر تشيد باخواتها الجزائريات وتنعر لهن وهن :

يتلقين سياط الظالمين شامخات الرأس عزما ويقين

وهما مثلان من بين الامثلة العديدة

ومهما كانت بطولة العصر الحاضر فانه لا يسوغ لنا نسيان مافاتها ، والجهاد واحد كأنه لم ينقطع منذ 1830 رغم الفتور الذى اعتراه بضرورة الحال ، فغير أوضاعه مدة طويلة . ثم حانت عودة الروح للشعب الجزائرى الذي طالما جعل الاستعمار من بلاده فى القرن الاخير ميدانا لاقسى حرب عرفها التاريخ آنذاك ، وجعل هو منها مضمارا لبطولة لم تذهب تعاليمها هباء اذ أنها امست تغذى الاجيال جيلا بعد جيل ولو بصفه مبهمه تارة ومتيقظة تارة الحدس فيها واليقين سيان ، والاسطورة والذكرى متداولتان ، وعلى القارئ ان يدرك ما فى هذه البطولة وتلك من الام ومحن يشيب لها الوليد وتدمي لها القلوب ؛ فليست مجرد اعمال حربية تثير النخوة والحماس من دون ان تشوبهما مرارة وشجون . وكثيرا ما تتظاهر لنا فى الشعر العربى البطولي مسحة من الزهو وعدم المبالاة بالعذاب النفسى ، غير ان الحقيقة خلاف ذلك ، يعزي كتمانها بالعفاف والاحتشام تارة ، وبالتصلب الذى يتعمده صاحبه ، طورا

وان فرضنا مثلا ، ان شاعرا من شعراء الاندلس الفرسان نوه ببطولة قومه ايام الهجمات الاسبانية الجارفة المتدفقة على دويلات الطوائف ، فانه لم يسعنا في الغالب ، معرفة الاضرار والمصائب التى نزلت بالمسلمين يومئذ لولا المرائى وبالاخص تلك القصيدة الرائعة المؤلمة التى كتبها الشاعر الرندى استنجادا بالسلطان " يايزيد " التركى وحثا على نعرة الاسلام لبنيه المضطهدين فى الغرب ، كما ان فخريات الامير عبد القادر وحماسياته لا تنبئ مباشرة عن المأساة العظيمة التى كانت تحيط بشعبه من كل جانب ، الا أنه استنجد هو الآخر بالخليفة العثمانى فى عصره وأخبره عن حالة الجزائريين وحاجتهم الى التاييد فى قصيدة يقول منها

فالمسلمون بأرض الغرب شاخصة أبصارهم نحوه يرجون اقبالا

كم ساهر يرتجى نوما بطلعته وحائر يرتجى للحزن تسهالا

ولكن اضطرت الجزائر للكفاح منعزلة منفردة فاوجدت اسباب جهادها بالكد والغناء ، وأخرجت من بين جماهيرها رجالا أشداء صاروا يقتدون بأميرهم ورفقائه الابطال وكلهم فى عنفوان الشباب لم يتجاوز كبيرهم الرابعة والعشرين من عمره وقد سبق لهم ما سبق من ابتلاء الصعاب وممارسة الاعمال ذات البال كالفروسية وطرد الوحوش وشد الرحال لطلب العلم والسياحة النائية المتعبة ، وربما الوقوف الجرىء في وجه الحكام المفسدين مع توفر الحرية واكتمال الصحة والرخاء فى العيش غالبا والاعتزاز بانتسابهم الفطرى البديهى الى العرب والاسلام ، وعلى مثل هذا كان الامير والكثير من قواده العسكريين كمحمد البوحامدى وأحمد بن سالم والبركانى ومحمد بن علال بن على مبارك وغيرهم ، وان نذكر الابطال الذين خلدهم تاريخ الجزائر يبادرنا في أول وهلة ذكر ابن علال وهو الشاب المثرى الذى تنازل عن أمواله الطائلة وحظوته الاجتماعية الممتازة بين قومه فى ربوع " الساحل " بناحية " القليعة " ليلتحق بالمجاهدين ، وسرعان ما يستعمله الامير عبد القادر على ولاية واسعة يقرب الخط الناري في غربي " متيجة " ثم على عاصمة " مليانة " وسهول " شلق "

ومضايق " وادى الفضة " الاستراتجكية وسط المعمعة والزحاف ، وكان طلب ابن علال من أهله قبل مفارقته اياهم ان يصلوا عليه صلاة الغائب ويعتبروه كالمفقود نهائيا . وحرص الفرنسيون حرصا شديدا على محاولة اغرائه بالمال والمناصب الفاخرة وكانوا يعلقون رجاءهم فى هزم الامير وانهاء الحرب يموت محمد بن علال خاصة ، أو على الاقل باستسلامه أو أسره . . ولكنهم حاولوا عبثا . وكتب له الاستشهاد بوقعة " سيدى يعقوب " سنة 1843 وكان اظهر فيها من ربط الجأش والبطولة الجبارة ما اضطر العدو الى المثول بصفوف الجيش أمام جثته ، اجلالا له بعد موته ، واذا نظرنا الى ماثر غيره ، رأينا فيها العجب العجاب ، يوم كان قواد الكتائب والبركانى نفسه ، مع علو مرتبته ، يقدمون على حصر المدن المحتلة ويهاجمونها بدون مدفعية ، تحت نار العدو المتطاير العنيف لا تفصلهم عن مشيدات الافرنسيين الحربية الا بضعة أمتار ، يوم كانت تبسط سجلات الشرف ، فيتسابق اليها المتطوعون يقيدون فيها أسماءهم قبيل الهجوم المستميت على المدافع الضخمة المدوية ، لاخذها من أيدى العدو ، وكثير ما كانت تؤدى بهم بسالتهم تلك الى شبه انتحار ، يوم كانت تجرؤ الفئة القليلة من الفدائيين على دخول ثكنة فرنسية وهم يتظاهرون بالدروشة ويخفون السلاح تحت اسمالهم البالية ، فلم ينج منهم أحد وقد أوقعوا بالعدو ما استطاعوا  يوم كان الرجل منهم يأبى ألا أن يقتل رميا بالرصاص بعد أسره

فينفذ فيه الضابط الافرنسى الامر قائلا في تقريره العسكري " قتل فلان بطلب

منه وبحجة أنه ليس من الذين يستأسرون " ، يوم كان يعلق بعض المجاهدين التمائم و " الاحجبة " ، لا فى سبيل النجاة من الموت ، بل رجاء في الاستشهاد وتشوقا اليه ، ومتى أمعنا النظر فى هذه الاحداث كلها ، أمكننا القول بأن اقبال الجزائريين على الموت فى الحرب الاولى ، بهذه الصفة الشاذة ، كان كثيرا ما يطرأ عن أسباب شتى ، دينية ووطنية ونفسية منها الجهاد المزدوج المتناهى الى أقصى حد ، طلبا لحسن الجزاء ويقينا منهم بأن الاسلام يعلو ولا يعلا عليه ، فالموت في سبيل الدفاع عنه اعلاء لشأنه وحفظ لحماه ، ومنها التمتع العريق بالحرية ونخوة الاستقلال ، الامر الذى يدفع بصاحبه الى الذود عنهما وهو المتشبع بحيويتهما وروحهما وبالوفاء الى أرض الاجداد ، لا يهنأ خاطره اذا تخيل مثالها الى العبودية وفقدان العزة ، ومنها قسوة العدوان الفرنسى والجرائم البشعة التى ارتكبها الغزاة ، والتخريب والتنكيل بالابرياء واغتصاب الاراضى واختطاف الاطفال المنهجى واعتبار النساء كالغنيمة يوزعن غالبا على الجنود بعد الغزو والنهب وطرد العشائر طردا والسعى فى ابادتها بكل وسيلة وما نتج عن هذا وذاك من مشاعر وانفعالات فى قلوب الجزائريين وأعمالهم وبالاخص عقد العزائم على ردع الاذى واقتحام الشدائد والمخاطرة بالنفوس ، وقد أصبحت البلاد ميدانا واسعا لحرب ضروس قلما ينجو من شرها القوى المسلح فبالاحرى الضعيف الاعزل ،

ونضيف اليها كل ما تعود عليه الرجل الجزائرى المغربى العربى من صلابة الجانب فى العراك والزهد فى الحياة والصبر والاستهانة بالموت واباء الضيم وروح التضحية ، ولنا فى " يوميات " بعض القواد الفرنسيين انذاك الشهادات الكثيرة على مثائر البطولة التى لاحظوها رغم أنفهم عند الشعب وقادته وأميره الاغر ، عبد القادر بن محى الدين ، وطالما راعتهم من هذا الاخير - ولا تزال تروعنا - انسانيته الكريمة المصحوبة بشيم الفروسية وصدق الايمان . ومن فرط الاقدام ومزيد الاستبسال اللذين عرف بهما فى ساحة الحرب ، كان يفتتن الجنود الفرنسيون بمطلعه ويكاد يعتريهم نوع من البهت والاندهاش ، وهو الرجل المعتدل القامة ، النحيف البنية ، الوديع السيماء الا أنه كان لشخصيته تأثير فعال وسطوة معنوية يبعثان الحماس فى قلوب ذويه والذعر فى نفوس الاعداء ، وان كان يعذر حصر مكارمه وفعاله ، فان عشرات الكتب التى ألفت عنه فى مختلف اللغات مع احترام الواقع غالبا والتنويه بفروسيته ، لا تفى بالموضوع كله وينقصها ما في قصائد الامير ورسائله ومخطوطاته ومدائح شعراء العامة كالطاهر بن حواء وغيره ، من الحقائق والمعانى الباطنة والظاهرة ، وقد ضا الكثير منها أثناء الغزوات وتخريب المدن ، ولكن الشئ اليسير الذى وصل الينا يدل الدلالة الكافية على الرجل ومئاثره ، ويشير الى مدى الاعتبار والتقدير

والاعجاب التى حظى بها حتى من طرف أعدائه ، وكيف لا وهو الذى طالما سعى فى التلطيف من أشرار الحرب وتحسين حالة الاسرى واطلاق سراحهم بدون عوض ، ومن جملة ما قام به من كريم الاعمال أنه أرسل يوما الى الاسق  Mgr Dupuch معيزا حلائب تتبعها جديانها ، لتغذية أيتام الجنود الفرنسين ،  

واذ اشتهر الامير عبد القادر بشجاعته وحلمه فانه اشتهر كذلك بتواضع نادر الوجود ، كان كثيرا ما يدفعه الى ايثار الغير على نفسه فى الاسر الشاق بحصون فرنسا ، حيث كان يتزهد فى العيش لكى يتأتى له أن يسعف أصحابه بما لديه من ضروريات الامور ، ويمتنع حتى من التدفئة في أيام الشتاء القوارس ولياليها ليتبرع بحصته من الوقود على رفاقه الاسرى ، واما عن امارته وأيام جهاده فلا تسأل ، الشىء الذى جعل أقلية الاقطاعيين وأذناب الاستعمار الخونة المتغطرسين ينقمون على سلوكة مع الشعب ومعاملته اياه كأحد أبنائه والانصاف للجميع والسهر على المصالح الشعبية وهى كلها من خوارق الاعمال وأعظمها شأنا في عصره وان كنا لا نستغرب مثلها في أيامنا هذه لتطور الافكار السياسية الى حد - والحق يقال - نسبى غير مقنع ، واذا نحن تتبعنا في حياة الامير عبد القادر جميع العناصر والمظاهر التى تتألف منها بطولته ، فلا محالة أن سلوكه هذا السلمي الاخلاقى ذا الورع والصلاح فى ظروف الطغيان والعنف وأحوال السؤدد والرئاسة ، لجدير كذلك بالبطولة ، مكمل لصفاتها الاخرى من شهامة وبذل للنفس وعزم واستبسال وكان له فيها ، كما لا يخفى ، الحظ الوافر . وقلما صدق شاعر فى فخرياته صدق الامير وهو يشيد بقومه ورفاقه ويذكر أيام نصره ، ونأسف كثيرا لكوننا لم نستشهد بقصيدته الطويلة التى بعث بها الى بعض آجناده وكانوا قد التجأوا الى " وادى سبأو " تحت حناح القائد أحمد بن سالم بعد معارك حامية ومتاعب قاسية ، فطلب الامير عبد القادر من خليفته ان يحتضنهم ويرفق بهم ، والقصيدة كلها تشوق اليهم وتنوبه بجهادهم وتسلية . نذكر منها البيت الوحيد الذى حضرنا وهو

يوم الوغى يوم المسرة عندهم

وفي الصباح مسوا له بتهلل

ونقتصر في حالة الاسر والفاقة ، ( مع ابداء الشكر للهادى حمو) على القطعتين اللاتين أدرجهما فى مقالته عن " أناشيد البطولة "  "1" ، يقول الامير عبد القادر في أولاهما :

ركبنا للمكارم كل هول  وخضنا أبحرا ولها وحال  2

اذا عنها توانى الغير عجزا    فنحن الراحلون لها عجال

سوانا ليس بالمقصود لما        ينادى المستغيث : ألا تعالوا

سلوا عنا الفرنس تخبرنكم      ويصدق اذ حكت منها المقال

فكم لى فيهم من يوم حرب      به افتخر الزمان ولا يزال

وكان فى ودى لو اتيحت لى الفرصة لذكر قصائد أخرى ، أما القطعة التى ستلى ، فانها تعبر للغاية ، مع قلة أبياتها ، عن تلك الخاصة العجيبة من خصائص الجهاد الذى قام به الامير طيلة خمس عشرة سنة - ولا سيما فى السنوات الاخيرة - وهى تنقله السريع المفاجئ فى جميع أنحاء الجزائر وكأن له قابلية الوجود بكل مكان وبكل معركة ، وكثيرا ما انبهر المؤرخون من ذلك وغدوا يعددون جنود الفرنسيين الذين أضنتهم المشاق وأهلكتهم الحرب بدون قتال وهم مجدون فى اللحاق بالامير ، يتوقعون بروزه بينهم أو يرجون اقصاءه عنهم وسرعان ما يأتيهم من حيث لا يشعرون ، فيتخلل صفوفهم الكثيفة و " طوابيرهم الجهنمية " - حسب تعبيرهم ويضرب ضرباته القاسية ثم يعود

ادراجه متنقلا فى الفضاء الجزائرى ليل نهار ، وهو اذ يقول :

سلى الليل عنى كم شققت أدميه         على ضامر الجنبين معتدل عالى

سلى البيد عني والمفاوز والربى          وسهلا وحزنا كم طويت بترحالى

فما همتى الا مقارعة العدى            وهزم لأبطال شداد بأبطالى

اذ يقول هذا فانه لا يبالغ وقد وطئت سنابك خيله أدنى بقعة من أرض الجزائر تقريبا

وفي الختام يجب على الباحث فى البطولة العربية العصرية ملاحظة أمر خطير جدا وهو أن تلك المئاثر الساطعة كانت ، يا للاسف ، نتيجة صراع مزعج ، أسفر فى الماضى ولا يزال يسفر فى الحاضر عن ملامح ومجازر نادرة المثيل ، وقل ولا غرو ان عدد الشهداء فى حروب الجزائر منذ 1830 يكاد يناهز المليونين بقطع النظر عمن قضى عليهم الاستعمار بالعسف والجوع والدواهى المقصودة والجوائح المدبرة . اذن ، فبكم تعاوض بطولة هذا ثمنها ؟ ويزيدها خطورة ، انها ليست من الاعمال التى يستغنى عنها ، فهى حتمية ضرورية كغريزة البقاء وكنفس الحرية ، ويحين عاجلا ان شاء الله أوان الافصاح التام عما أحرزته الثورة الحالية من غرر وأمجاد وان كان قد شهر منها النصيب الكافى وعرف من بين شهدائها وأبطالها الحشد الوافى %

اقرأ فى العدد المقبل لمصطفى الاشرف البطولة العربية وعوامل نشأتها بين الواقع والمثالية

اشترك في نشرتنا البريدية