وفجأة تدوى في الجو صيحة . . صيحة عظمي ترددها اصداء المكان ، خيل الى ، ان الحجر والمدر . . والبحر والشجر . . وكل كائنات البشر . . تجسم الصيحة وترددها ، كانها ترنيمة مقدسة . . لو تعويذة من كل شيطان رجيم!!
يا الهي
الارض تضطرب . . والسماء تصطخب . . والدنيا تمور لكأنه قد آن وقت البعث
والنشور . . والكتل البشرية هائجة مائجة . . ثائرة غاضبة . . متوثبة متحفزة . . ونظراتها شرهة نهمة متقدة . . يخيل لكل من تصوب اليه تلك النظرات . . أنها ستثقب صدره . . وستنفذ الى أغواره وتخترق أعماقه . . وهذه الكتل البشرية تجرى . . تجرى بسرعة مذهلة كأنها في سباق . . أو كأن قوة خفية تطاردها . . وهى تحمل أشياء في أيديها . . ليس بمقدورى أن أتبينها . . وتزار زثيرا مرعبا لست بمستطيع أن أستوضح كنهه أو أن أفقه منه شيئا !
عجبا . . ان هذه الكتل البشرية تزحف صوبى . . وتقترب من بيتي . . لماذا ؟ . ربما تقصدني بشر . . ربما تسعى لتدميري ؟ ، إذا لأتحص ولأحكم رتاج الباب . . حتى لا تخترقه هذه الأسود
الضارية . . فتصيب بالأذى ! . . ولكن ، ماذا جنيت ؟ ، ما الذى فعلته حتي أسحق العقاب
حمدا لله . . حمدا لله ، ها هوذا الجمهور الآن يتخطى حدود بيتي . . ويندفع بقوة . . ويهدر ويزمجر . . ويرغى ويزيد . . ويرعد ويبرق ! . .
حمدا لله مرة أخرى . . اذن لست أنا المقصود . . لم لا أخرج كي أرهف السمع وأستشف الخبر ؟ لقد فاض الاناء بغريزة حب الاستطلاع وطفح الكيل . . يجب أن أخرج . . يجب ،
وأدلف من الباب . . وأجدني أجرى في الطرقات . . تماما كما يجرى الناس ، وأعدو . . أعدو بسرعة قصوى . . كذلك العدو الذى يعدوه الناس . . بيد أننى أعدو دون هدف . ودون وعي . . أعدو بذهول . . بجموح . . الى أين ؟ . . لست أدرى ؟ ، كل ما أدريه هو أنني لا أريد الوحدة . . لا ابتغي العزلة . . أريد أن أحذو حذو هذا السواد الأعظم من الجمهور وأنهج نهجه . .
ويلي : ليتني أعرف ما يحمله هؤلاء الناس . . اه . . لقد تبين لى الآن . . انها مسدسات وبنادق ورشاشات . . انها قنابل ومفرقعات . . عجبا . . لماذا كل هذا ؟ ! . .
أنت يا عم . . صبرا ، لماذا تجرى وأين تقصد ؟ ، ولم هذا السلاح في يدك ؟ ٠ . والعم ينطلق بسرعة . . بأقصى سرعة . . دون أن يجيب . . أو ينبس ببنت شفة وانت يا أخانا . . يا عم . . يا سيد . . ألا تجيب ؟ . . قف قليلا . . تريث هنيهة . . هدئ من روعك . . أجبني . . افدني . لم تجرى ؟ . والى أين تغدو ؟ ، ماذا ؟ ! . .
ابتعد عن سبيلك ؟ . . أنزو من طريقك ؟ . - . . لماذا..لماذا
ماذا نقول ثور الله في برسيمه ؛ وماذا ايضا . . إختبئ يا جبان ؟ ! . . انتظر يا سليط اللسان وستعرف من منا الجبان ! لكنه يواصل جرية بسرعة . . بأقصى سرعة . . وهو يتمتم بكلمات مبهمة غامضة . . عجزت عن فهم ما ترمي اليه . .
يا الهى . . اننى حائر . . جد حائر . . صدرى منقبض . . وانفاسى تتحشرج فى حنجرتى . . كما أننى أوشك أن أختننق . وروحى يضيق عليها الخناق حتى لتكاد تزهق !
يا ناس . . ما الخبر . . ) ما هي الحكاية ( ؟ ، يجب أن أفهم . . يجب . .
أنت يا فتى . . يا شاب . . الى أين الى أين ؟ . . ما بالك منطلقا هكذا كالسهم . لم لا تجيب ؛ . .
ويترييث الفتى . . وينظر الي شزرا بعينية الحادتين . . نظرة غريبة أودع فيها كل معاني الرثاء . . كأنه ينظر الى معتوه أصابه مس من جنون ! . . ثم يجيب وعيناه ترسلان اللهب . . ونظراته المفترسة تنفذ إلى أعماقي : المعركة في صرفند العمار يا عم . . المعركة في صرفند . . هل فهمت ؟ .
ماذا ؟ ٠ المعركة في صرفند العمار ؟ ! . . ومن الذي يحاربنا ؟
ويضيق الفتى بى ذرعا . . ويأسف بينه وبين نفسه اذ أضاع معى عبثا . . وقتا أثمن بكثير من الكلام ! ، فيواصل انطلاقه وعدوه كحصان جامح دون أن يجيب ،
وأقف ذاهلا . . آه لقد فهمت . . انهم
اليهود الفجرة . . انها الصهيونية الآثمة . . انه الاستعمار الدخيل . . عدو الله ورسوله . . عدو الشعوب . . بل عدو الانسانية . . ماذا يريد منا هذا الأخطبوط الرهيب ، ما الذي يبتغيه هذا السرطان المقيت ، وهذا المتغطرس الأحمق . . والصلف الدانق . . والمتعجرف المعتوه ؟ ما بال قوى الشر والعدوان قد تكالبت علينا وتآزرت ضدنا . . ولكن لم التساؤل . . وعلام المناقشة ؟ ؟ . . الظرف لا يحتمل تساؤلا ، والوقت لا يطيق نقاشا ، فهناك عدوان سافر . . ومعتد مستبد غاشم . . ومعركة طاحنة ، وحرب ضروس فاصلة . . ندور رحاها بين الحق والباطل . . بين لخير والشر . . بين الايمان والجيروت . . بين المبدأ وقوة السلاح .
ويستبد بى السخط والحنق فأسائل نفسى فى ثورة مكبوتة وغيظ مكتوم : وانت يا هذا . . ما الذي يوقفك هكذا . . كالمتخاذل المتقاعس . . المترنح المتداعي . . المشلول حركة . . المسلوب الارادة ؟ أوضعوك تقدر الموقف . . أم نصبوك لتناقش وتجادل وتحاور وتطاول ؟ ايتسنى لك أن تدرس سياسة العالم . . وتصدر القرارات الايجابية . . فتدين هذه الدولة . . وتصم اذنك . . وانت في موقفك المزري لا تحرك ساكنا ، والعدو . . العدو يوشك أن يدهمك ينقض عليك ؟ تحرك . . اصنع شيئا ما . . يا من تتمسك بنواصى القومية التشبت بالوطنية . . وتتشدق بالالفاظ الرنانة التى تفيض حماسة وتغلي بالثورة الغزاة والدخلاء . . ها هوذا : الهدف امامك . . فأقدم ولا تحجم ، ودع السلبية جانبا فليس لها فى الحروب مكان . . كن ايجابيا . . كن فدائيا . . فأبرز ساعدك . .
وتطاول بذراعك . . وساهم كما يساهم غيرك في انقاذ الوطن . . فالوطن يناديكم ويستصرخكم . . فلبوا نداءه واستجيبوا لنصرته . .
ووجدتني أجرى . . وبسرعة قصوى . . تماما كما يجرى الناس في الطرقات . وأصرخ يملء شدقي : سلاح . . سلاح . . اريد سلاحا . . سأحاربهم . . سأفتك بهم . . ساقضى عليهم . . لن امكنهم من وطني . . لن يحتلوا بلادى . . وبينما انا في انفعال شديد إذا بشخص يرتدي زى المجاهدين . . يربت على كتفي في رفق ولين ويقول : تفضل يا اخي ها هو ذا السلاح . . وأمسكت بالمدفع الرشاش الذي سلمنيه . . وانطلقت أعدو بسرعة . . بأقصى سرعة . . تماما كما يفعل الناس . . قاصدا الى هدف معين هذه المرة . . ووصلت الى مكان المعركة . . والى ميدان البطولة والفداء وساحة الشرف . . هناك في قلب فلسطين . . وهناك رأيت . . ويا لهولى ما رأيت . . رأيت العجب العجاب . . رأيت السنة اللهب تتعالى الى عنان السماء ، وسمعت أزيز الرصاص يعزف لحن الموت . . وقصف المدافع كأنه ينذر بالآخرة . . ودوى القنابل كأنه صور القيامة . . وهدير الدبابات وما تطلقه من حمم كأنها تعلن يوم الهول الأكبر والطائرات تغير بقنابلها ورشاشاتها على الأماكن الآهلة بالسكان . . وعلى المدن والقرى الآمنة المطمئنة ، وعلى النساء والاطفال والشيوخ . . وعلى المقعدين والعجزة ، ورأيت وسمعت من قومنا عجبا . . رأيت البطولة الحنكة تتجلى في أسمى معانيها . . رأيت شيبنا وشبابنا . . ونساءنا
واطفالنا ، يستبسلون في الدفاع عن حمى الوطن . . ويستأسدون في الذود عن ذمار الديار ببطولة خارقة . . وبعزم لا يلين . وقوة بطولية لم يشهد التاريخ لها مثيلا !
يا الهي . . لكأن الدماء تغلي في الصدور . . والقلوب تخفق بشدة . . والأعصاب متوترة . . والأيدى متشنجة على الأسلحة . . ورصاصنا ينطلق في شدة وقوة . . ويزار في قسوة ووحشية . . يتصيد جنود الاحتلال بالعشرات والمئات . . وطائرات العدو تهوى على الارض محطمة مهشمة تندلع فيها السنة اللهب ! ورشاشاتنا تندفع قذائفها كالسيل الجارف نحو مظلات العدو الهابطة . . فتحيلها الى اكوام من الرماد ! . .
يا الهي . . ما بال الحمل الوديع يغدو أسدا جصورا ؟ . . ما بال شعبنا السمح المتواضع . . قد تنمر واستأسد ؟ !
وقلت لنفسي كأنني انقلبت فجأة الى فيلسوف : أتستطيع ان تصف الشعب العربى ؟ ! . . وأجاب شئ من داخلى : نعم . . ان شعبنا بسام ضحاك مرح . . طيب العنصر . . كريم الخلق . . لين الجانب . . سهل القياد . . يحب الفن . . ويضحك للنكتة . . ويستظرف الفكاهة . . ويستملح النادرة . . فاذا ما مسته الاهانة في شرفه وكرامته وعزته . . انقلب عملاقا جبارا وماردا ضخما وبطلا مغوارا . . ينطلق فيحطم في طريقه كل المعتدين !
ووددت لو أمعنت في هذا الوصف . . وتماديت في الاسهاب . . وتبحرت في التحليل . . بيد ان قنبلة دوت بجانبي وكادت تدمرني . . كأنما تنبهني وتزجرنى وتقول لى ان ليس هنا مجال لفلسفة ولا سوق لتجارة الالفاظ ، فثارت ثائرتى . .
وها أنا ذا اتقدم باستبسال لم اعهده في نفسي من قبل . . وقوة جبارة ساحقة لم المسهافى كيانى قبل هذا الحين . . وأطلق النار صوب العدو بعزم لا يلين وبقوة لا تستكين وها أنذا أرى فتى فى نحو الرابعة عشرة من عمره . . فتى الجسم ممشوق القامة . . يناضل في قوة وجبروت . . قوة المردة . . وجبروت العمالقة ، رغم حداثة سنه . يا له من فدائى بارع . . فها هى ذى رصاصاته تسقط عساكر الأعداء صرعي . كأنهم أعجاز نخل خاوية ! ، وها هو ذا الآن بطلق قذيفة ، فتصيب طائرة اسرائيلية فتخر على الارض ساقطة . . واننى لأراها الآن تشتعل فيها النيران . . وان ركابها ليلقون حتفهم عن آخرهم .
ايها القلب . . ما بالك تخفق لمرأى الفتى الفدائى ؟ ! لا بد أن تكون شجاعته قد بهرتك ، وخلبت لبك ، وأطارت رشك وأطاشت صوابك . . ما بالك تخفق ايها القلب بربك . . يا من تربض في حنايا الصدر آمنا مطمئنا . . ما بالك تشيع بين جوانحى خليطا من المشاعر والأحاسيس منذ اليوم ؟ ! ما خطبك حتى تفيض على الجسم كله . . كل هذا القلق والاضطراب وعدم الاستقرار ؟ ! . .
ياعجبا ؟ . . ان الفدائى الصغير يجوز الصعاب ، ويخترق الحواجز . . وها انذا انقدم فأحاذيه وكأنني أتحداه . . ونظرى مسلط عليه ومعلق به . . كأن قوة مغنطيسية تجذبني اليه . . وقلب يخفق ولا يكف عن الخفقان ، و ينبض . . ينبض شدة ، والفدائى الصغير يضرب . . يضرب بقوة ، حتى لكأنه قد اتقن كل دروب الحرب . . ونبغ في جميع فنون القتال
وفجأة . . تدوى في الجو صيحة . صيحة عظمى ترددها اصداء المكان . . خيل الى ، أن الحجر والمدر . . والبحر والشجر . . وكل كائنات البشر . . تجسم الصيحة وترددها . . كأنها ترنيمة مقدسة . . أو تعويذة من كل شيطان رجيم ! .
والفتى . . واحسرتاه على ذاك الفتى . . الفتى الغص الاهاب . . الممشوق القامة . . البرعم الندى . . تفارقه فتوة الصبا . . وتنأى عنه حيوية الشباب . . فيترنح . ويتترنح . . ثم يسقط على أثر تلك الصيحة . . يسقط صريعا يعالج سكرات الموت !
وأحس كأن قلبي يكاد ينخلع . . وصدرى يضطرب ويصطخب . . وكيانى كله يهتز . . وقوة خفية تدعوني للاقتراب من الفتى . فلا أهلك حيال ذلك سوى الاذعان والخنوع . .
وأسير . . ويطول سيرى . . حتى أبلغ ذلك . الفتى المضرج بالدماء . .
ويحي . . من هذا . . أيخدعني بصري . معاذ الله . . انه هو . . هو بعينه . . ولدى . . ولدى الوحيد . . محسن !
ويتتابي شبه جنون . . فأنكب عليه أنا أصرخ : محسن . . محسن . . ثم اخر مغشيا على وأفيق من غيبوبتي بعد .بر هة لست أدرى أطالت أم قصرت . . اقبض على الرشاش بكلتا يدى فى عصبية قاهرة . . وأطبع قبلة على الجبين الأزهر لوث بالدم . . جبين محسن . . وانطلق انا أردد فيما يشبه الهوس : لا بأس يا محسن . . لا بأس . . فلتقتل في سبيل الله .فداء للوطن . . وليكن دمك الطاهر الذي اراقه الطغاة وأهدره الغاصبون . .ليكن
قربانا على مذبح الحرية . . وفداء فى سبيل الله . . وليكن مقدمة للنصر المؤزر المبين ان شاء الله . . ولتصعد روحك الطاهرة إلى بارئها . . تشكو اليه ما فعله الآثمون . لانتقمن لك يا محسن . . لأنتقمن لك ، فارقد في لحدك هادئا مطمئنا . . قرير العين . . ناعم البال . .
وأجد نفسي امضي من الحديد ! . . حتى ليخيل الي أنني استطيع أن أتعقب فلول الصهاينة بمفردى إلى ما وراء البحار ! . .
وأغدو في طريقي . . واتقدم . . وأطلق الرصاص في قوة عظمي . . ونفسي تتشفي وهي ترى جنود الاحتلال يتساقطون كهشيم تذروه الرياح
ها انذا اقترب من يهودى أصفر الوجه . . ضخم البنية . . دئيص الجثة . . كأنه الخنزير . . وعلى كتفيه تلمع تيجان ونجوم . . لست أتبين الآن تماما عددها . . اذ أن سناها الوهاج يكاد يخطف الأبصار ، ها هوذا الآن يطلق صوبى حمما من فوهة مدفعه الرشاش . . أيها اللعين . . ألا تخشانى . . ألا تعرفني . . انا أبو محسن . . انا أبو البطل . . أبو الفدائى الصغير ، أيها الآثم الدخيل . . سأرديك قتيلا . . خذ هذه الطلقة أيها المجرم . . خذها ودعها تستقر في رأسك . . ودعها تلطخ جبينك بالعار . . ولتكن يا لعين مقدمة الثأر لمحسن .
حمدا لله . . حمدا لله . . لم يخفق حدسى . . ولم يخب ظني . . ها هى ذى الرصاصة قد استقرت في رأسه . . وها هو ذا الصلف المتغطرس يخر صريعا . . وها هي ذي الدماء تنزف بغزارة من فوهة في رأسه كأنها صنبور ماء أسود !
يا للعجب . . ماذا أرى . . لا بد أن يكون
عليه المعول . . وآية ذلك ان خمسة عن جنوده يقتربون الي دفعة واحدة . . ويفرضون حولى نوعا من الحصار ليثأروا منى . .
ايها الغاصبون . . لن تنالوا مني شيئا . . سابيدكم عن آخركم . . سأنتقم لمحسن . . وستأثر للوطن . . اقتربوا . أتستطيعون ؟ . . اتحداكم . . بل أتحدى الصهيونية العالمية في أشخاصكم ! ، يا الهي . . ان يدي قد تشنجتا حتى لكأنهما قد أضحتا قطعتين آليتين . . والرصاص ينهال من جعبتى بغزارة حتى لم يبق منه بقية . .
ماذا بوسعي أن أصنع الآن وقد نفدت مني الذخيرة ؟ . . انسحب ؟ . . ولكن ألا يعد ذلك هزيمة مني . . ألا يعتبر هذا نكصا على عقبي ؟
اه. . اننى أملك الآن مدية حادة . . ألا تجدى ؟ . . الا تسعفني ؟ . . لا أظن ، ايتها المقادير . . الا تكونين عونا لى . . ألا تتطوعين لمساعدتي ؟ . . حتى الانسحاب قد عز على ، الآن . . يظهر أن منيتي قد دنت . . والأجل قد وفي . . وشبح المنون يقترب . . تماما كما يقترب نحوى هؤلاء الأعداء المتربصون . . ألا من مخرج من هذا المأزق . . ألا من ملاذ؟ ٠٠
آه . . آه ....آه يا مجرمون . . بترتم ساقي وأصاب بدوار وبغثيان ، وساقي . . ساقي المهيضة الجناح . . تنزف منها دماء غزيرة . . ثم يغمى على ! . .
وأفيق من غيبوبتي . . لأجد ساقي المبتورة بجانبي وجثة ولدي الوحيد محسن . . كانما عفا عليها الزمن وعبثت بها يد
القدر . . وزوجتى . . زوجتى سعاد . . وقد تحجر دمعها . . وهز الحدث كيانها . . : أصابها بسهم ادمى قلبها . . قد ارتسمت - على وجهها كل معالم الكارثة . . وبانت في اساريرها كل آثار المأساة . . وهي تردد فى سخط وتبرم ، وامتعاض وحنق : حمدا الله على السراء والضراء . . لقد تآمرت ضدنا قوات البغي والعدوان . . فهتكت فينا وفتكت . . وأعان الاستعمار العالمي علينا الصهيونية ، فأبادت منا وقت . . وتاالله . . لقد بذلنا كل مرتخص وغال . ودافعنا بكل جهدنا وطاقاتنا وامكاناتنا المحدودة . . بذلنا الأرواح فما بخلنا . . وجدنا بالدماء فما شحنا . . ومع ذلك فها قد سقطت صرفند العمار . . انها وأيم الله لوصمة في جبين التاريخ !
ونظرت الى محدثي الذي كان يحدثني بكل مشاعره واحاسيسه وانفعالاته . . وكل خلجة من خلجاته كانت تساهم في التعبير وفي وصف المعركة . . كأنه لا يزال يخوض غمارها . .
نظرت اليه في اكبار واعجاب . . وصدرت بالرغم عني كلمة . . أخشى أن يؤولها بما يسئ الظن بي وبها ! قلت له : مبارك ! . قال في دهشة وقد جحظت عيناه وزوى ما بين حاجبيه : ما هو هذا الشئ المبارك ؟ !
قلت وانا اكاد أتلعثم وأشير الى ساقه المبتورة : انه وسام الشرف . . أعظم وسام في دنيا البطولة . . فمبارك . . مبارك مرة اخرى .

