الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "المنهل"

البعث

Share

) قصة للأستاذ محمد علي مغربي في ١٤٢ صفحة من القطع المتوسط طبعت بمطبعة مصر سنة ١٩٤٨ م على ورق جد صقيل طبعا جد جميل (

أخي الأستاذ محمد علي مغربي !

شغلتني قصتك "البعث" ، يوما وبعض يوم ، استوعبتها خلالهما قراءة ودراسة وتحليلا.. وبرغم أنك كنت قد أطلعتني على مسودتها قبل نشرها بثلاثة أعوام أو أربعة ؛ وبرغم أني قد كنت قرأتها يومذاك قراءة فحص وإمعان ، فها أنا وقد أخرجتها اليوم فى هذه الحلة القشيبة الأنيقية أجدني وأجدها كأننا لم نتلاق من قبل .

ليس هذا - يا صديقى - تقريظا ، وانما هو الحقيقة الممثلة التى شعرت بها وأنا أتلو قصتك البديعة الساحرة . فهنيئا لنا بفنك وإلى الأمام ! . . وها أنا وقد أوفيت مطالعتها - على ندرة ما أوفى بمطالعته من كتب وقصص فى هذه الايام أجدني قد دونت ثمار هذه المطالعة السريعة متوخيا نبل القصد فيما دونت ، سواء كان تقديرا أم نقدا . . والابريز الثمين هو الذي يعنى بعرضه على المحك . . اما الزبرج فمكانه سلال المهملات...

هيكل القصة

"فتى مرح من جدة امه " أسامة " أصيب فى الربيع العشرين من عمره النضر بمرض خطر فرأى أهله ضرورة ترحيله الى الهند للاستشفاء ، وقد أعجب بكل ما وقعت عليه عيناه فى أثناء رحلته ، وفى ريف الهند وبالمستشفى الذي يعالج فيه أحب فتاة مسيحية من المنبوذين وأحبته ، وصمم على الزواج منها

برغم هوة الفوارق التى بينهما ، ووافقت على ذلك فى الوقت الذى فوجيء بس أبيه ومرض والدته فاضطر الى العودة الى بلاده بعد أن شفى من مرضه وبعد ان تعاهدا على الاقتران . وتقلبت به الحياة في الحجاز أربع سنوات وأحب بالطائف فتاة تحكي فى الجمال خطيبته بريف الهند ، وحاول الزواج منها فحالت دونه الأقدار ، ومن ثم اتجه الى عمل اقتصادى فارتحل الى مصر وعاد منها ونجح في مشروعاته نجاحا باهرا وقد وخطه الشيب ، وقد حطم قلبه ذكرى حبيبته الهندوكية الحسناء ، وأين هي منه الآن ؟ وشتان بين مُشرق ومُغرب ! ولكن يد القدر الرفيقة شاءت ان تجمع بين الحبيبين على حين غرة فقد دفعتها عاطفة الحب المتأججة الى اعتناق الاسلام فالحج لتلاقي حبيبها فى مهد الإسلام وقد سعدا باللقاء في منى ونعما بالاقتران " ا ه

هذا هو هيكل القصة مجردا من الزخارف والاعلاق ، ومنه يبدو أن أماكن حوادثها الحجاز ومصر والهند ، اما هدف القصة فنبيل .. إنه الاصلاح الاجتماعي والديني في أبهى حللهما .

استعراض وتحليل

وتتمثل فى " البعث " الحبكة الفنية ، وانسياب الألفاظ ، ودفاقية التعبير ودقة الملاحظات ، وجمال الاستطراد والاستعراض . . ومن أمثلة ذلك: "وكان أحب مناظر البحر اليه حينما تكون السفينة فى وسط البحر ، فلا يرى الناظر - من أي جهة نظر - إلا السماء والماء ، وإلا هذا الموج المتلاطم ينطح السفينة فى قرنها ، وربما طار منه رشاش الى  من كان على ظهرها " ص ١٤

والمؤلف متمكن من شخصيات قصته ، خبير بمناهجهم في الحياة وأساليبهم فى التفكير ، ولذلك يضع الأشياء في مواضعها ، ولا يسمح للخلل الفني أن يتطرق الى سحباتهم ، أو آرائهم أو أحاديثهم حينما يستعرض شيئا من ذلك ؛ وقد استطاع أن يدير ما أداره من الحوار فيما بينهم مبرزا شخصية كل منهم وسمة كل منهم فى إطار خاص متمايز عن سواه . . وبذلك أدي حقوق فن القصة حق الأداء وكان موفقا كل التوفيق . . ها هو يستنطق شخصية هندية مسلمة هو " الحاج أكبر علي"

أحد العلماء المستعربين بالهند فيقول عن لسانه للفتى الحجازي : ( أنت عربي من مكة ؟ ) ص ١٧ وانت إذ تدير فى دماغك هذه الصيغة لابد أنك ستقتنع بأن قائلها عالم هندى مستعرب اذا كنت على اتصال بهؤلاء الناس . . كما استطاع ان يندس الى أعماق نفسية الشاب الحجازي المرح "أسامة " بطل قصته ، فيستخرج لنا من طواياها العميقة نفسا نزاعة الى الدين برغم ما يلوح عليها من عدم الاحتفال وقلة المبالاة ، فهو بهذا انما تحسس النفسية الحجازية التى غرس فيها الايمان منذ أجيال فلا تتأثر جذورها العريقة بما لا يتفق وتعاليم الدين إلا بقدر محدود بسيط لا يلبث أن يزول اذا تكشفت النفسية على حقيقة أمرها من كثب أو من بُعد . . وقد تلمس بمبضعه السحرى العرق الحساس من وطنية الشاب المرح الذي كان يبدو سهلا حينما انتقد تأخر الحياة الاجتماعية والعمرانية فى بلاده بإسلوب ساخر عميق في أثناء حواره مع الحاج أكبر علي عن الفروق الواضحة بين الحياة فى الهند والحياة فى موطن الفتى ص ٣٠ و ٣١ .

وتتسع نظرات القصة - لا للحياة فى الحجاز والهند فقط ، بل للحياة فى العالم أجمع ، وتعالج أهم القضايا العالمية التى تشغل بال الناس فى الشرق والغرب اليوم مقاومة وتأييدا ، ألا وهي قضايا الاستعمار وأسبابه وموجبات توطده ومقومات القضاء عليه ، ويستخرج الحكمة الأساسية من ظهور المستعمرين بمظهر المصلحين إذ يعزو هذه الظاهرة الى عامل الأثرة وعامل المصلحة ، فهم يسعون للنهوض بما يستفيدون منه من المرافق بالمستعمرات ، ترفيها لانفسهم وجلب ربح لمواطنهم من اقتصادياتها ص ٣٤ ، كالبقرة الحلوب يسمنها زيد من الناس ليفيد من لبنها اولا ، ومن لحمها أخيرا .. . أما هى فإلى الدمار والهلاك . على كلتا الحالين . .

ملاحظات

فاذا عرضنا لنقد القصة من الناحية الفنية ، أو الناحية الادائية ، فلن نجد إلا ثغرا بسيطة هينة لن تؤثر فى جمالها ولا فى معنويتها . . ومن ذلك أنها وصفت " صفرة المرض" ، بالجمال ص ٤ . . وقد حوت نغمات من اسلوب الدكتور طه حسين : " وتم هذا سريعا وسريعا جدا " . ص ٥ . وقد أقحمت فى هذه الجملة :

" ترك أسامة - فهذا اسمه ب غرفته ص ٧ "فهذا اسمه" بدون أن يكون لها لزوم جوهرى ، وتكرر هذا الصنيع في جملة : " ونفض عبد القهار صاحب - فهذا اسمه - قصته " ص ٤٦ . وبرزت فيها " لازمة " هي صيغة " جميلة" فوردت في خمس وعشرين جملة ، وتكررت صيغة بالمعنى بدون لزوم فني : "لهذه الوالدة الحزينة ، ولهذه الام الحنون" . ص ١٠ . . كان يكفى : "لهذه الوالدة الحزيلة الحنون". . "كان الفتى يقضي أيامه فى السفينة موزعة بين السير على ظهرها وتفقذ كل ثنية وغرفة فيها ، ص ١٤ . . يا نرى كيف يتسنى له ذلك؟ " يتصل بسلك أو ماسورة " ص ٢٧ . . كان الأولى : " أو انبوبة " . وكراشي أعظم من بومباى كثيرا وأروع.. انظر ص ٢٨ . . وكل ما رآه الفتى الحجازي في الهند مطرب معجب بدون استثناء . . واسترسلت فى حوار من طرف واحد حتى بلغ أربع صفحات . . وفي القصة نظريات شعزية فلسفية عن الكون والمجتمع كبحث " التعاون " بين الكائنات : القمر والشمس على الليل والنهار والماء والأرض على الانبات ؛ والإنسان وأخيه على تكوين العمران . . انه فصل ممتع ص ٨٩ و ٩٠ . . وقد زاولت قصة ( فكرة ) شيئا من هذا القبيل أيضا ، وبطلة " البعث " تضاهى بطلة " فكرة " تماما فى نزوعها الى مظاهرة القوة والرجولة ص ٩١ ، وفي القصتين تمجيد لمبادئ الإسلام وتعاليمه ودعوة الى التمسك بها . . وكلا بطلي " البعث " و " فكرة " انقلب فى احدى المواقف استاذا ومعلما متحمسا للاصلاح الاجتماعي ، فأسامة يدعو بحرارة : " كيتي " الى الإسلام المملوء بالاصلاح ، و " فكرة " تدعو سالما الى هذا الاصلاح من نوع آخر . انظر ص ٩٨ من " البعث " . . وقد ورد فيها : " ابريق الشاي وكوباته " ص ١٠٧ ورد فى القرآن المجيد صيغة ( أكواب ) لا كوبات وهي جمع ( كوبة ) فهل وردت في اللغة ؟

وكادت قصة (البعث) تخلو من التطبيعات وهذه عناية تذكر فتشكر .

وبعد فان (البعث) تعد بحق بعثا للحركة القصصية الناجحة فى هذه البلاد ، وإني لأراها (كتاب السنة الممتاز) فى حقل الأدب القصصي الحديث عندنا .

اشترك في نشرتنا البريدية