الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

البلاد العربية وحقوق التاليف

Share

مقدمة :

أتيحت لى طيلة الاثنى عشرة سنة الاخيرة أكثر من فرصة للدفاع عن حقوق المؤلفين على الصعيدين القومى والدولي وكان لى شرف المشاركة فى اعداد القانون التونسى لرعاية حقوق المؤلفين وبعث جمعية المؤلفين والملحنين التونسيين . كما كان لى الشرف أن اتقدم الى الجلسة العامة لمنظمة اليونسكو فى دورتها الرابعة عشرة اكتوبر 1966 بلائحة خاصة برعاية حقوق التاليف فى البلاد النامية طالبت فيها بمراجعة سياسة الدول المتقدمة فى هذا الميدان الحيوى الذى يتوقف عليه التبادل الثقافي والتفاهم المنشود بين البشر على اختلاف أجناسهم واوطانهم ولغاتهم ومذاهبهم السياسية وأساليبهم التربوية . كانت اللائحة عدد 5122 هذه تدعو الى توحيد الانظمة الدولية الخاصة برعاية حقوق المؤلفين وتهدف بالذات الى مراجعة اتفاقيتى " اتحاد بارن " و " الوثيقة العالمية " التى تشرف عليها منظمة اليونسكو . وصادقت الجلسة العامة على اللائحة بالاجماع وكلفت المدير العام للمنظمة بالسعي لتحقيق محتواها فى أقرب الآجال .

وعلى اثر هذا الحدث الهام دعي الى جنيف مقر " اتحاد بارن " فى ندوة استشارية مجموعة من الخبراء الاوروبيين والافارقة والاسيويين للنظر فى امكانية اعداد مشروع لمراجعة وثيقة " اتحاد بارن " وحضر الندوة مندوبون عن المغرب الاقصى ولبنان وتونس . وسمع الاوروبيون صوت العرب بخصوص هذه القضية وتم الاتفاق على ضبط خطوط " بروتوكول " صادقت عليه الدول المنضوية تحت لواء " اتفاقية اتحاد بارن " فى مؤتمر سوكهولم الذى تمت اثناءه مراجعة هذه الاتفاقية والمصادقة على " البروتوكول " الذي ألحق بها لصالح الدول النامية وتيسير التعاون بينها وبين الدول المتقدمة المصدرة للآثار الفكرية .

ومازالت الندوات والاجتماعات تتوالى حول هذا الموضوع على الصعيد الدولى وآخرها اجتماع عقد بباريس فى شهر جويلية المنصرم 1971 وكان موضوعه الدعوة الى مراجعة الوثيقتين الدوليتين مراجعة اخرى على ضؤمداولات مؤتمر سوكهولم 1967 الذى لم يكتب لقراراته أن تدخل حيز التنفيذ . وترمى مراجعة الوثيقتين الى تمكين أكثر عدد ممكن من البلاد النامية من التمتع بالآثار الفكرية العالمية على اوسع نطاق وبايسر السبل وباقل التكاليف الاقتصادية . . خاصة فيما يتعلق بحاجة هذه البلاد النامية الملحة والمتزايدة الى نقل هذه الآثار الى لغاتها القومية والى جلب اكثر عدد ممكن من نسخ هذه الآثار الفكرية الى اوطانها بما فى ذلك الاسطوانات والتسجيلات والاشرطة السينمائية ذات الصبغة التربوية .

ومعلوم ان الترجمة والاستنساخ كانت ولم تزل موردا لا يستهان به من العملة الصعبة التى تتحملها الدول النامية رغم ضيق ما باليد للحصول على الرصيد الثقافي الذي تستعمله فى برامجها التربوية والتثقيفية ان عن طريق الكتاب المطبوع أو عن طريق الصوت المسجل أو عن طريق الشاشة التلفزية أو السينمائية .

حاجتنا الى التفتح على الثقافات الاجنبية تدفعنا الى الدخول فى حوار مع الدول المتقدمة صناعيا واقتصاديا لنطالب أكثر فأكثر بالتخفيض من معلوم النقل والترجمة والاستنساخ دون المس من حقوق المؤلفين المشروعة ودون حيف أو تنطع أو تجاهل لمسائل يعتبرها غيرنا فى الدول المتقدمة جوهرية حيوية ومازال البعض منا - مع الاسف الشديد - لا يقيم لها وزنا اما عن جهل أو تعنت أو تكبر أو عدم اكتراث .

1 - دور الكاتب فى المجتمع :

العمل الفكرى ينطلق من مجهود فردى ليتصل مباشرة بالمجتمع ويخدم الصالح العام . فهو تجاوز للفردية . ولهذا السبب كان للمؤلف دور .

وان دور المؤلف في مختلف شعب الثقافة والعلم والمعرفة دورروحانى سواء بالنسبة الى قومه ومنطقته الجغرافية ودائرته الحضارية أو بالنسبة الى ماوراء حدود وطنه وما وراء حدود عصره . فالثقافة تجاوز للزمان والمكان . . . وعمل

المؤلف في أى شعب واى زمان مساهمة الفكر البشرى فى تطور المجموعة الانسانية قاطبة .

ولخطورة هذا الدور ولايجابيته وفعاليته أصبح من واجب الدولة أن تضمن للمؤلف العيش الكريم وأن ترعى حقوقه الشرعية على الاثر الفكرى الذى هو قطعة من ذاته .

لكن كثيرا ما نتحدث عن واجب المؤلف وعن مسؤوليته فى المجتمع . . وكثيرا ما نطالبه بخدمة قضايا شعبه والقضايا العادلة بصورة أعم ولكنن نتحدث فى نفس الوقت عن حقوق المؤلف . فما هى هذه الحقوق ؟

2 - حقوق الكاتب المشروعة :

1- من حقوق المؤلف ان تتوفر لديه حرية التعبير وحرية الخلق الفكرى . ولا يتوفر له ذلك الا اذا كان الاعلام حرا بموجب حق افراد الامة جميعهم في العلم والمعرفة .

وحرية الخلق والتعبير تعنى اولا وبالذات حرية المؤلف المطلقة فى البحث والاستقصاء والاستنباط وبالتالى فى ترويج نتائج عمله والاتصال بالجمهور وبث افكاره فيه واحاطة الناس علما بما يختلج فى صدره من مشاعر واحاسيس وما حصل له من معرفة عن طريق التجربة والخبرة والتطلع والاستكشاف .

فالمؤلف الحق المطلق فى نشر مصنفاته الفكرية وتوزيعها واذاعتها وترويجها على أوسع نطاق .

2 - ومن حقوق المؤلف تنمية شخصيته الفنية والفكرية فى حرية ليس للدولة ان نخنقها أو تحد منها باسم الردع أو الزجر او بعنوان الدفاع عن كيان وشعارات هو فى طليعة من يحرسونها ويذودون عنها اذا كانت فى خدمة العدل والسلام . فالمؤلف مسؤول .

3 - يتعين التمييز بين امرين : الاول وهو مبدأ رعاية المصالح العامة بنقل الاخبار ونشر الثقافة وتوزيع الافكار على افراد الشعب . والثانى وهو يتمثل فى الدعوة الى رعاية مصالح رجال الصناعة والتجار وبصورة أعم من يستغلون المصنفات الفكرية على حساب اصحابها المؤلفين .

فمن صالح المؤلف ان تذاع افكاره وتروج آثاره . . لكن على ان لا يكون ذلك على حسابه او بالرغم منه او بتشويه تلك الآثار او بتوجيهها وجهة لم يقصد اليها صاحبها .

ولا يمكن لاى شعب أن يتثقف ويتطور الا اذا وجد أرباب الفكر فيه كل لتشجيع وكل الرعاية وكامل الاعتبار من قبل الدوائر المسؤولة . فللمؤلف حق فى الحياة الكريمة .

4 - لاحق للمؤسسات الموكل اليها نشر الآثار الفكرية وترويجها أن تتدخل فى شؤون الخلق المتصلة بالمؤلف اتصالا عضويا . وما هذه المؤسسات الا وسائل اعلام . ويمكنها أن تحمي نظمها وقوانينها وترتيباتها كما ترتضيه لكن شريطة الاتمس هذه النصوص التنظيمية حقوق المؤلف الشرعية .

فللمؤلف وحده حق ممارسة سلطانه المطلق على اثره الفكرى فى جميع وجوه استعماله من قبل مؤسسات الترويج وفي شتى مراحل الاستهلاك .

3 - طبيعة حقوق التأليف وفحوى هذه الحقوق :

يتصل حق المؤلف بعملية الخلق الفكرى ذاتها فهو متصل الجذور بطبيعة الاشياء لانه يتمثل فى فعل الخلق ولان اساسه ومبرره ذات المؤلف كشخص مادى .

لذلك لا يجوز لاى شخص معنوى مهما تكن مكانته ومنزلته فى الدولة ان يبتز من صاحب الاثر حقه على اثره وان يحل مكانه فى التمتع بهذا الحق . وبهذه الصورة يتعين ان ندحض الدعاوى الرامية الى اعتبار المؤلف مجرد عامل اجير تستخدمه مؤسسة صناعية أو تجارية تنفرد بحق التأليف لاغراضها ومصالحها وتستغل الآثار الفكرية حسب هواها كما تفعل بأي بضاعة مادية عادية معروضة فى سوق البيع والشراء . فالاثر الفكرى اسمى من ان يكون بضاعة مادية .

6 - الاثر الفكرى تعبير صادر عن ذات المؤلف . وهو فى نفس الوقت مورد مادى لا استغناء للمؤلف عنه . لذلك لا يجوز ان ينتقل حق التأليف من

مصدره الى مستعمله الا فى حالة موت المؤلف فينتقل الحق من المصدر الى فرعه عن طريق الميراث وبحكمه . فلا فرق هنا بين الاثر الفكرى وبين ما يدخره الانسان فى دهره من مال أو متاع يعود بعد وفاته الى اهل بيته وذوى القربى ارثا طيبا حلالا .

فالمؤلف بنشره آثاره الفكرية مدة حياته يشرك الناس لا فى ملكيته بل فى التمتع بالثمار التى تجود بها تلك الملكية فنفع الاثر الفكرى وحده هو الذي بصبح شيعة بين الناس أى المحتوى المعنوى فحسب . اما الاثر ذاته فيبقى على ملك صاحبه لا حق لاحد عليه سواه .

ولذلك فان استعمال الآثار الفكرية لصالح المجتمع وتوعيته وتثقيفه من شأنه أن يخضع للشروط التى يضبطها المؤلف بصفته المالك الاوحد لافكاره والمسؤول الاوحد عنها . عن طواعية وبالمختار . فلا اكراه في ميدان الفكر .

ولا يحق - والحالة هذه - لاى مجتمع من المجتمعات أن يفرض على المؤلف سلطانه بالرغم منه . باسم الصالح العام أو أى شعار من هذا القبيل بقطع النظر عن قيمة الشعار وعدله وتساميه وانسانيته . بحيث لا يجوز استعمال الاثر الفكرى لاى عرض من الاغراض دون الترخيص الصريح من مؤلفه وموافقته المكتوبة التى يمكن أن تقوم حجة عليه عند الاقتضاء وفي حالات النزاع بالخصوص وبهذه النظرة تختلف الآثار الفكرية عن المخترعات الصناعية . فالآثار الفكرية تتابع فى الزمان وهى استنباط اشكال تتكامل ولا يمحى لاحقها سابقها او يحل مكانه بابية حال اما الاختراعات الصناعية فعبارة عن مجموعة من درجات فى سلم التقدم التقني . . كل درجة تعوض الدرجة التى سبقتها وتحل محلها الى ان تاتى درجة لاحقة فتنسيها .

فالتطور الفكرى والتطور التقني لا يخضعان لنفس المقاييس . 4 - ممارسة حق التأليف ومدى حمايته :

7 - وانطلاقا من هذا الاعتبار يتعين التمييز بين الاثر الفكرى وبين البضاعة المادية فذاك لا يباع ولا يشترى وانما هو يستعار ويعاد الى صاحبه وتلك اذا بيعت سقط حق بائعها واتصل بذات المشترى بمجرد انتقالها من حوزة الاول الى حوزة الثانى .

ولذلك فحقوق المؤلف على اثره الفكرى مختلفة عديدة لانها متصلة باستعمالات مختلفة عديدة منها النقل بالطباعة والصورة والاسطوانة والشريط بنوعية السمعي والمرئى ، ومنها الاقتباس والتمثيل والعزف والاخراج والاذاعة والتلفزة والعرض على الجمهور بصورة أعم . وكل استعمال من هذه الاستعمالات وجه من وجوه الاستهلاك مقيد بموافقة المؤلف موقوف على ترخيص صريح صادر عنه دون اى احد سواه . فالمؤلف هو صاحب الامتياز فى كل عملية من هذه العمليات وهو شريك فى نجاح الاثر الفكرى لرجال الصناعة والمستغلين لاثره بصورة اعم . ويجب ان تعود آثاره عليه بالنفع المادى الناتج عن ذلك الاستغلال فى صورة نسب مئوية تخصم من المداخيل الحاصلة من العرض على الجمهور على اختلاف العروض وانواعها . ولذلك يتعين أن يقرأ لكل استعمال حساب . فلكل عمل اجر يناسبه وقد تتفاوت مقادير الاجر لكن بعد اتفاق الطرفين المؤلف ومن يستغل اثره الفكرى .

8 - على انه يمكن استعمال الآثار الفكرية دون ترخيص من مؤلفها فى حالات معينة يضبطها القانون منها استعمال تلك الآثار من قبل الخواص وفى نطاقهم المحدود . ومنها استعمال الآثار الفكرية لاغراض اخبارية او لاسباب تربوية أو تثقيفية محض لا تعود بالنفع المادى على من يستغلها ولا تلحق ضررا بالاستهلاك التجارى الذى هو من حق المؤلف وحده بصفته مالك الاثر لذلك لا يجوز للخواص ان يستنسخوا الاثر الفكرى لغايات تجارية فيبيعون هكذا ما ليس لهم حق عليه ويغبطون حق المؤلف المشروع .

وينبغى أن تأخذ الدول كل هذه الاحوال بعين الاعتبار فتشرع للاستعمال وتضبط حدوده وان تقر قبل كل شىء مبدأ رعاية حقوق المؤلفين الذين هم فى كفالتها حتى لا يبيح التجار لانفسهم حقا راجعا لغيرهم . فلا فرق بين سارق الفكر وسارق المال  . . . ولكل سرقة عقاب

9 - وحق المؤلف ينتقل عند وفاته الى خلفه او ذوى القربى من اهله . لذلك بتعين ان تشرع الدولة لحقوق ورثة المؤلفين ليمكنهم ممارسة حقهم والتمتع بموارد الآثار الفكرية بعد وفاة اصحابها او تكليف من يستخلصها باسمهم ولصالحهم من مستغليها .

ومعلوم ان حق التاليف يسقط عن اصحابه بعد مرور سنوات معدودات على وفاة صاحب الاثر الفكرى . وقد تختلف آماد الاستحقاق من قطر الى قطر ومن

تشريع الى تشريع . لكن الاثر لا يصبح ملك المجموعة الا بعد مرور سنوات على وفاة صاحبه على كل حال . وفي اقرار هذا المبدأ فى كل التشريعات احترام المجموعة البشرية لروح المؤلف ورعاية لاهله من بعده وان فى زمن محدود ( من خمس الى خمسين سنة )

وما مبدأ اسقاط الحق المادى مع ابقاء الحقوق المعنوية بعد وفاة المؤلف الا بدافع تعميم ألفائدة وتمليك العامة حقا من ورائه خدمة الثقافة واشعاع الفكر ورواج الآثار الفنية والادبية والعلمية والفكرية على اوسع نطاق واشمله .

5 - مؤسسات رعاية حقوق المؤلفين ومشمولاتها :

10 - ولتعقيد المسائل المتصلة بحقوق التاليف ولتشعبها وتنوعها وجب على الدول ان تتولى التشريع لها وضبط القوانين لرعاية من تعود عليه بالنفع ماديا ومعنويا . والى جانب هذه القوانين والتشريعات وجب ايضا بعث مؤسسات خاصة موكول اليها السهر على هذه المصالح المشروعة وليست هذه المؤسسات او الجمعيات أو الشركات ذات صبغة تجارية وليس من غاياتها الاثراء على حساب اصحاب الحقوق بل ان دورها يقتصر على استخلاص المحاصيل الراجعة إلى المؤلفين وتوزيعها عليهم توزيعا عادلا يضمن لهم العيش الكريم ويرعى ابناءهم واهليهم من بعدهم الى حين .

11 - ويتعين على الدول ان تمد لهذه المؤسسات ذات الصبغة الانسانية يد المساعدة لتمكنها من القيام بواجبها على الوجه الاكمل . وتتمثل هذه المساعدة فى اعفاء هذه المؤسسات من الضرائب والاداءات فى نطاق قانون يحمي حقوق المؤلفين ويضبط ما لهم وما عليهم من الحقوق والواجبات وينظم العلاقات بينهم وبين من يستغلون آثارهم الفكرية .

ومن مشمولات مؤسسات الدفاع عن حقوق المؤلفين تمثيل هؤلاء امام السلط القضائية فى حالات النزاع كما ان من واجبها الاسهام فى اعداد القوانين الوطنية لرعاية حقوق التأليف والمشاركة فى اعداد القوانين الدولية التى تدعم هذه الرعاية وتقرها كمبدأ يجب احترامه والدفاع عنه على اوسع نطاق تيسيرا للتبادل الثقافي بين الدول وتعميما للثقافة وخدمة للفكر والتفاهم البشرى .

12 - وان ايجاد قوانين حقوق الممثلين فى الدول العربية وبعث مؤسسات بوكل اليها الدفاع عن هذه الحقوق قد أصبح اليوم امرا ضروريا يحتمه العصر وتمليه علينا جميعا سنة التطور .

6 - رعاية حقوق المؤلفين على الصعيد الدولى :

ونحن في عصر قربت فيه الاقاصى وقصرت المسافات وقد دخل التبادل الثقافي في طبيعة البشر فاصبحنا نشاط الناس فى ثقافتهم ونشاركهم في افراحهم واتراحهم من خلال الشاشة الكبيرة والصغيرة وعن طريق السلك واللاسلكى وكل الوسائل السمعية والبصرية المتنقلة على البسيطة او السائرة مع الافلاك فى الفضاء الفسيح .

ثم اننا لم نزل نستورد من الشرق والغرب الآثار الفكرية التى تثرى رصيدنا الثقافي وتطعمه وتطوره وتنميه فتلك حقيقة لا يجدر بنا ان نطمسها او ان نتجاهلها فنكون كالنعامة التى ترغم انفها فى التراب عندما يداهمها الخطر لئلا ترى الزاحف عليها .

كنا فى عهود النهضة من المصدرين للفكر والثقافة والعلم واعترف لنا الا جانب بذلك ومازالوا يعترفون ولكننا اليوم فى حاجة الى توريد الآثار الفكرية اللازمة لنهضتنا التربوية والثقافية وثورتنا التقنية العلمية والفنية . . نحن فى حاجة الى نقل الآثار الفكرية الاوروبية والامريكية الى لغتنا والى الاستنساخ والاقتباس والاستيحاء والمحاذاة فان نحن لم نرع حقوق الغير فمن يرعى حقوق مواطنينا على قلتهم ؟

لذلك يتعين ان نبدأ برعاية حقوق مؤلفينا فى مرحلة اولى ثم ندخل فى حوار مع الغير على قدم المساواة وعن طواعية وبالمختار فنشاركهم فى نهضتهم لا من خلال ثقب مفتاح بل من باب مفتوح المصراعين ينفذ منه الهواء والنور ذهابا وايابا فينعشنا وينعش غيرنا فى طلاقة وحرية . . . وهذه مرحلة ثانية واجبة هى أيضا وهى تحتم علينا الانضمام الى المنظمات الدولية الساهرة على رعاية حقوق المؤلفين على الصعيد الكونى .

ونعلم ان المؤسسات الوطنية لا بد لها ان تتعامل مع مثيلاتها وان تكون هكذا حلقة من سلسلة حلقات تقوم بواجبها فى صالح المجموعة . فى صالح المؤلفين قبل كل شئ . . وفي صالح المستغلين لآثارهم أيضا . ذلك انه كثيرا ما يتعذر على مستغلي الاثار الفكرية الاتصال المباشر بصاحب الاثر وبالتالى بصاحب الحق المادى والادبى فيعسر لذلك السبب الحصول على الترخيص من المؤلف قبل استعمال اثره الفكرى كما يعسر ايصال المكافأة العادلة لمستحقيها فيضيع هكذا حق المؤلف عن قصد او عن غير قصد . وتكثر المظالم والسرقات الادبية  واختلاس افكار الغير .

فبهذه النظرة يتحتم علينا اذا اردنا ان نفتح لمؤلفينا آفاقا جديدة ان نعمل على رعايتهم على الصعيدين : الصعيد الوطني بسن قوانين كفيلة بحماية حقوقهم فى اوطانهم والصعيد الدولى بالانضمام الى احدى الاتفاقيتين " اتحاد بارن " " الوثيقة العالمية " او اليهما معا : كما هو الحال بالنسبة الى لبنان وتونس .

ونعلم ان البلاد العربية التى سنت قوانين وطنية تحمي حقوق المؤلفين لا يتجاوز عددها الآن الستة وهي المغرب وتونس والجزائر ( وان كان القانون الذي ورثته عن الاستعمار الفرنسى نافذا الى حد اليوم ) وليبيا ومصر ولبنان .

كما نعلم ان من بين هذه الدول دولتين عضوتين فى اتفاقية " اتحاد بارن " هما المغرب وتونس . ودولتين انضمتا الى " الاتفاقية العالمية " التابعة لليونسكو وهما لبنان وتونس .

اما الدول الاخرى فقد احجمت عن الانتماء لاى وثيقة من الوثائق الدولية الخاصة برعاية حقوق التاليف لاسباب نعرفها او لاسباب نجهلها .

اما ما نعرف من هذه الاسباب فيتلخص فيما يلى : 1- ترى بعض الدول انه يكفى الاقتصار على سن قانوني يرعى حقوق  مؤلفيها دون سواهم تحاشيا لما قد ينجر عن انضمامها للاتفاقيات الدولية من تصدير العملة الصعبة .

2 - وترى بعض الدول انه لا حاجة لها قطعا بسن قانون وطني لضمان حقوق المؤلفين اذ بكفيها ان تشترى الآثار الفكرية من اصحابها وتستعملها ما طاب لها الاستعمال .

3 - وترى بعض الدول ان المؤلف مسخر لخدمة المجموعة مجند ابدا وانه اذا  اراد ان يعيش مكرما فما عليه الا ان يتوظف ويعيش براتبه .

4- أما الصنف الرابع من الدول العربية فلا تعير للقضية اى اهتمام فهى  لا تعترف رسميا بضرورة سن قانون يرعى حقوق المؤلفين بدعوى ان الجاحظ  فى عصره لم يتمتع بأية رعاية ولم يكن يخطر بباله انه صاحب حق . ويمكننا  ان ندحض هذهم المزاعم بما اوردنا من الحجج في مستهل هذا البحث مع اضافة النقاط التالية :

1 - مسألة رعاية حقوق المؤلفين متصلة بالاخلاق العامة فلكل مالك حق التصرف في ملكه خاصة وان المؤلف من صنف الملاكين الذين لا يستغلون عرق جبين غيرهم .

2 - لكل دولة من الدول الحق في سن قانون وطني يرعى حقوق مواطنيها اكثر من غيرهم .

ولها من تحدد من تصدير العملة الصعبة بوضع الموارد المتأتية من حقوق التأليف الراجعة للاجانب عل ذمة هؤلاء على ان تصرف هذه المبالغ داخل حدودها الجغرافية .

3 -الآثار الفكرية لاتباع ولا تشترى . . وانما تستعار بمقابل وليس من الاخلاق الكريمة ان يسلب من المؤلف حقه عن طريق الاكراه .

4 - المؤلف مسخر لخدمة المجموعة حتما . . لكنه فى حاجة الى الخبز . فمن اشبع مطيته لم يخش موتها فى وسط الطريق وشعوبنا فى حاجه الى من يدافع عن قضاياها باستمرار وطول نفس وتفان واخلاص . ولا تكون المثابرة بفراغ البطون اما الوظيف فمرته لا يكون ألا فى مقابل عمل اداري . . وكثيرا ما يقعد هذا العمل المؤلفين عن الخلق . وان هو لم يقعدهم فكثيرا ما يطبعهم بطابع الازدواجية وهو مرض عضال يصيب الكثير من ارباب الفكر عندنا عندما يشعرون في نفس الوقت " الحاكم " والمحكوم عليه " لسان الدفاع " و " نائب الحق العام " . وقد كتب " كورتلين " من المسرحيات المرحة - المرة فى هذا المرض ما يشفى الغليل .

5 - وبه نرد على من لا يعير القضية اى اهتمام ؟ من نسيته تغافل عنك ومن لم يلبس عصره ظل على اطلال ما ضيه يبكى ويستبكى . . اما البكاء فمن حقه واما الباكون الذين يستجببون لندائه فى عصرنا فقد تقلصت ظلالهم وشغلهم عن البكاء الطموح لتحقيق الغد الافضل . . ونحن فى عصر احتل فيه الحوار محل النواح والندم على مافات .

وخلاصة القول ان التعاون الدولى ولقاح الثقافات ووجوب الاتصال والتفتح على الآفاق الجديدة واجب علينا يخرجنا من الانكماش على انفسنا والانزواء والعزلة ويبوئنا في الدنيا المكانة التى نستحق ومنا من هو جدير بهذه المكانة  . . لكل عراقيل كثيرة تحول دونهم وما يستحقون ومن هذه العراقيل تجاهل الدول المتقدمة لثقافتنا وحضارتنا ولغتنا ولكل قضايانا بصورة اعم . . هذا صحيح لكن ماذا فعلنا لنعرف بانفسنا ونفرض وجودنا فى عالم متحجر لا يعترف الا بمن يسطع نجمه في ميادين الصناعة والتقنية والعلم ؟ هل يجدر بنا ان نتجاهل من يتجاهلنا او هل يتعين علينا ان ندخل فى حوار مع الغير لنسمع صوتنا فى مرحلة اولى لنشعر بوجودنا ثم نرغم الغير على الاعتراف لنا بما نستحق . ثم نشوقه الى معرفة المزيد عنا ثم نفرض وجودنا عليه فيعترف لنا بالمساواة ويبادلنا الاحترام والتقدير .

على هذا الاسباب يقوم التعاون الدولي البناء . . بتبادل الآثار الفكرية واشعاع الثقافات وتظافرها وتماسكها فى خدمة الانسان . . وفي تسطير مصير البشرية

7 - توحيد الجهود العربية بإزاء حقوق التأليف :

1- يجب أن نقر اولا بمبدأ ضرورة ايجاد تشريع وطني يضمن حق المؤلف . على اثره الفكرى فى كل دولة عربية على حدة .

2 - ان نحن اقررنا بهذه الضرورة وجب تنسيق اعمالنا لتكون هذه النصوص مستوحاة من واقعنا معتمدة تجارب السابقين منا فى هذا الميدان . مستمدة روحها من مبدأ الاعتراف بالفضل لذويه .

3 - ان يقع هذا التنسيق عن طريق الجامعة العربية ( ولست ادرى لماذا لم تقدم عليه الجامعة الى حد اليوم ) - او اى هيئة عربية يوكل اليها النظر فى اعداد مشروع قانون مثالى تتفق عليه الدول العربية بعد المناقشه والتمحيص والاستقصاء واعتبار كل الظروف والملابسات الخاصة بكل بلد على حدة .

4 - يمكن دولة عربية لا تشمل قوانينها الآن رعاية حقوق المؤلفين ان نستعين بدولة عربية اخرى لها تلك القوانين ولها مؤسسات خاصه برعاية حقوق المؤلفين . بصورة ثنائية . واعتقد ان لا دولة تبخل على شقيقتها بالوثائق او الخبراء في هذا الميدان الحيوى الذي يتعلق بحاضر الانسان العربى ومستقبله .

5 - ان نتقدم فى الصف موحد الى المنظمات العالمية الموكل اليها ضمان حقوق المؤلفين . وان نطالب بمراجعة النصوص الدولية على ضوء ما اتفقنا عليه وعندها وعندها فقط تسمع كلمتنا ويخشى خطرنا . ونعلم ان لنا فى العالم

الثالث انصارا يعيشون محنتنا ولا ينتظرون منا الا جمع الكلمه معهم للوقوف صفا موحدا ضد كل تعسف او تجاهل او سيطرة من الدول المتقدمة تقنيا .

يجب ان نثبت للعالم ان تخلفنا ليس تخلف فكر وذهنية وليس من عدم قدرتنا اليوم على التفاعل مع الثقافات الاخرى وهضم ما طاب لنا منها وطبع ما تقبل منها الطابع العربى . . تخلفنا ليس من احجامنا على الاخذو العطاء وليس من انكماش وليس من قعود وانما هو من ضيق ذات اليد . . مادى لا دخل للمعنوبات فيه . وهو تخلف تتحمل الدول المتقدمة قسطا وافرا من المسؤولية فيه . لقد كنا ولم يزل البعض منا نهبا للمستعمرين وعرضة للامبريالية العالمية وللصهيونية البغيضة وللميز العنصرى ولكل الساحقات والماحقات ولم تزل قوى الشر تعرقل مسيرتنا الثقافية وتحول دوننا ودون نور المعرفة الساطع الشامل . وخبر حجة لنا على ذلك ان الدول المتقدمة تبدى كل الاستعداد لمدنا بالسلاح نفتك به ويفتك بنا بواسطته لكنها تتحجر كلما طالبناها بحقنا المشروع في العلم والمعرفة والثقافة فلا تسمع اصواتنا ولا تسعى الى حل مشاكلنا التربوية لانها تستصغرنا جاهلين وتخشانا عارفين  .

وقد لاحظنا هذا التحجر منذ اول جلسة طرحت فيها قضايا حقوق التاليف على الصعيد آلافريقى في برازافيل ( من 5 إلى 10 اوت سنة 1963 ) وشارك فيها نواب عن البلاد الاوروبية . فكان موقف هؤلاء متسما بالابوة والعطف ونوع من التفهم المتصنع لكن اقناعهم بضرورة ادخال تحويرات جوهرية على تشريعاتهم القديمة لتلائم هذه النصوص اوضاع العالم الثالث كان امرا عسيرا ولولا تدخل منظمة اليونسكو وتبنيها لمقترحات البلاد النامية هو الذى ارغم المتحجرين على قبول مبدأ مراجعة القوانين الدولية على اساس العدل والمساواة .

واختم هذه الدراسة - التى لا يمكن ان تكون الاسطحية تغلب عليها العموميات لما للموضوع من من منعرجات لا يسمح بالتعرض لها جميعا ضيق المجال - اختم هذه الخواطر اذن باقتراح :

يتعين الا نخرج من هذا المؤتمر الابتوصية صريحة ندعو فيها دولنا إلى تعيين من يمثلها فى ندوة علينا ان نحدد موعدها من الآن . وتكون هذه الندوة بمثابة الاجتماع الاخبارى يتبادل خلاله ذوو الاختصاص منا او على الاقل من يهمهم امر رعاية حقوق التاليف وجهات النظر ويطلعون على آخر ملفات هذا الموضوع الشائك ليكون عملنا بعد ذلك مركزا لا مجازفة فيه ولا ارتجال . لان الموضوع دقيق وعليه يتوقف فى نظرنا اشعاع الثقافة العربية ورواج اللغة العربية والآثار الفكرية العربية .

اشترك في نشرتنا البريدية