صورة وملامح :
بين روابي قرية سيدى يوسف . . . تلك القرية التى تقع على الحدود الجزائرية التونسية ، وتكتنفها جبال الزان والصنوبر وتضمخ أجواءها أشذاء النرجس البرى وروائح الخزامي والرند ، ولدت شاعرتنا الرقيقة زبيدة بشير وعندما بلغت ربيعها الثامن عشر خرجت مع أمها وأخواتها الصغار من قريتها الصغيرة التى شهدت مولدها وطفولتها وبعضا من سنى صباها ، قاصدة العاصمة ، ومودعة دارها ومراتع ذكرياتها ومغاني أحلامها ، ولم تلبث أن ماتت أختها الكبرى وهجر الوالد أسرته واستقر بعيدا عنها ، وأضحى لزاما على الفتاة القروية الصغيرة ، المحرومة من عطف الابوة وحنانها ، المحزونة لفقد اختها أن تواجه أعباء الحياة وحيدة وأن تقتحم المجهول بكل ما يحمل فى طياته من توقعات ومخاوف ، انتقلت الشاعرة من بيئة القرية المنغلقة على نفسها المتقوقعة فى أحضان الجبال ، المثقلة بقيود التزمت وأغلال التقاليد الى رحابة العاصمة وحريتها وضوضائها وانوارها ، وسرعان ما جذبتها المدينة الكبيرة وشدتها الحياة الجديدة فاسدلت على ماضيها البعيد القريب أستارا كثيفة من النسيان ولم تعد ذلك الماضى أو تسترجع تلك الايام بما فيها من ذكريات حلوة أو مريرة .
فى هذه الفترة بدأت زبيدة بشير تنشر انتاجها الادبى بالصحف تحت اسم مستعار بسبب ما كانت تفرضه التقاليد الشرقية حينذاك على المرأة التونسية من التحجب والتستر ، كما بدأت في نفس الوقت تتصل بالاذاعة التونسية وتشارك في بعض البرامج النسائية ، وفازت خلال تلك الفترة فى
سنتين متتاليتين بالجائزة الاولى لاذاعة باريس ، فكان لهذا الفوز أبلغ الاثر في نفس شاعرتنا ، إذ بث فيها روحا جديدة من الامل والحماس ولم تلبث تلك الفتاة القروية أن شقت طريقها الى الصحف وميكرفون الاذاعة واستقرت احوالها المادية والنفسية ، وأخذ الاطمئنان يعود الى قلبها والسكينة تغمر روحها والحيرة تتبدد عن نفسها .
مجلة الفكر :
وينبغى ألا يفوتنا فى هذا المقام أن نذكر أن مجلة الفكر التونسية لصاحبها الاستاذ الكبير محمد مزالي كانت قد ظهرت منذ تباشير فجر الاستقلال سنة 195٥ ، فأفسحت صدرها للادباء التونسيين وأحاطتهم بالرعاية والتشجيع فلمعت على صفحاتها أسماء جيل جديد من الادباء والشعراء والكتاب ممن نشأوا في ظل الاستقلال ، فنشروا انتاجهم الادبى وابداعهم الفنى من أمثال الشاذلى زوكار ونور الدين صمود وجعفر ماجد والصادق شرف والميدانى بن صالح وشاعرتنا بلبلة تونس " زبيدة بشير " وغيرهم كثير .
تجربة مثيرة :
وبمرور الوقت نضجت عواطف شاعرتنا وتخلت عن وحدتها ونبذت انطواءها وانعزاليتها وتفتحت مشاعرها لخفقات قلبها وأحست للمرة الاولى فى حياتها بتأجج العاطفة وانشغال الفؤاد بشخص معين ، فاستسلمت لتلك المشاعر الجديدة ، وبدأت نبضات قلبها تعلن عن بدء تجربة لعلها تكون من اخطر التجارب في حياة المرأة ، تلك هي تجربة الحب بكل ما فيها من عذوبة ومرارة وحيرة وشك ولهفة وشوق ، وقلق وغيرة ، وهجر وصد ، بدأت الشاعرة تخوض تلك التجربة لعلها - كما تقول في نبرة أبيقورية ونزعة خيامية - تجني بعض السعادة قبل ان يفوتها القطار فلن يحيا الانسان مرتين
بدأت البلبلة العاشقة تغرد في خميلة الشعر وتصدح بأعذب الانغام والالحان ، تعبر من خلالها عن عواطفها وأحاسيسها ، شأن الصبايا وهن في طريقهن الى خوض تلك التجربة المثيرة ، وقد منحها الحب شجاعة لم تكن لديها من قيل خففت من خجلها وانطوائها فعبرت فى شعرها عن خواطر الانثى فى صدق وعمق ، ولكن فى عفة وطهر وحرص على الكرامة وبعد عن التدني والابتذال .
الأدب النسوى :
ونود أن نشير هنا الى أن المرحلة الاولى من مراحل الادب النسوى فى العصر الحديث اتسمت في جميع البلدان العربية بطابع التقليد وتأثرت الشاعرات خطى القدماء فيما كانوا يعالجون من أغراض الشعر وفنون القول نتيجة للبيئة الشرقية التى نشأ فيها هذا الادب النسوى ، على أن تطور النهضة النسائية فى العالم العربي بعد ذلك وأخذ المرأة الشرقية بنصيب من التعليم والتثقيف والدعوة الى اسهامها بجانب الرجل في صنع الحياة ، كل ذلك قد أتاح للمرأة أن تعبر لأول مرة عن مشاعرها الذاتية وانفعالاتها النفسية واستغراقاتها الوجدانية فى حرية ووضوح ، بعد أن كانت تخفى هذه المشاعر والانفعالات خلف أقنعة مختلفة يفرضها الحياء والخجل وتمسك بها عن تعرية عواطفها ومشاعرها
صدق التعبير عن التجربة :
لقد أحبت زبيدة بشير اذن وعاشت قصة عاطفية عاصفة كادت ترصد لها كل ما نظمت من شعر ، ولعلها كانت في ذلك أصدق الشاعرات أصالة واحساسا بالمشاعر الانثوية ، فلم توجه شعرها نحو أى اتجاه وانما عبرت من خلاله عن أحاسيسها ومشاعرها وانفعالاتها الوجدانية ، وانطلق خيالها بكل ما فيه من قوة وخصوبة وحرارة وابداع للتعبير عن هذا الحب لذلك الرجل الذي وهبته قلبها ، ولم تكن لتدري ما تخبئه لها الاقدار من تعاسة وعذابات ، فقد استولى عليها ذلك الحب وتملك جوارحها وافعم قلبها بالنشوة وأغرقتها الاحلام والامانى فهتفت فى فرحة واستبشار :
انا فى نشوة احلامي غريقه فليكن حبى وهما او حقيقة
وليكن قلبي قد ضل طريقه وانا فى نشوة الحب غريقة
واذا تصفحنا ديوانها " حنين فاننا نقرأ من خلال قصائده قصة ذلك الحب كاملة بكل تفاصيلها ومراحلها ومواقفها ، كيف نشأ وتأجج وكيف ألفت الشاعرة حب ذلك الرجل الذي كان كل حياتها ومحور تفكيرها ومعقد آمالها وكيف ظلت أسيرة لهذه الألفة :
حبيبي الفتك والحب ألفة فأنى أراك أحس برجفه
كمدمن خمر يحن لرشفه فأسعى اليك بكل حنين
وأظهر أنى لقيتك صدفه
لقد عبرت البليلة العاشقة بهذه الابيات عن أعمق أحاسيس المرأة اذا أحبت ، ويبدو الطابع النسوى في هذه الابيات واضحا جليا يكشف عن شخصية المرأة ويعبر عن خواطرها فى عفوية ويسر ، ولكن فى صدق وعمق
والواقع أن المرأة أكثر قدرة من الرجل على التعبير عن مشاعرها وتصوير أعماقها والحديث عن دخيلة نفسها وخفايا وجدانها والاعلان عن حرارة عواطفها ونبضات قلبها وخلجات شعورها ، ذلك أن الرجل مهما بلغ وعيه واستفاض وحيه لا يستطيع أن يحيط بأسرار المرأة وغموضها ، وهي أسرار مودعة بأعمق الأعماق وأبعد الأغوار ، ومن هنا تميز شعر زبيدة بشير بلمسات نسوية عميقة وهمسات أنثوية رقيقة تظهر فيه شخصية المرأة واضحة جلية بكل رقتها وضعفها وأيضا بكل قوتها وشدة أسرها .
كذلك نتعرف من خلال قصائد الديوان على نظرة بلبلتنا العاشقة الى الحب والحبيب استمع اليها من قصيدة انطلاق ، تلك القصيدة التى ترمز بها الشاعرة الى فك الاسار الذى ظل يكبت عواطفها ويخنق رغباتها ، لقد حملت تلك الابيات في ثناياها فرحة الشاعرة بذلك الحب ، فاندفعت بكل جوارحها وراءه :
قلت : ان الحب لا يعدو العباده يخضع القلب له دون اراده
فيحس المرء ما يدعى سعاده غير حبى فهو ما فوق العباده
وسقط القناع :
وتمضى الايام ببلبلتنا العاشقة وتتكشف لها الحقيقة الفاجعة عن خيبة أملها فى ذلك الذى كانت تتمناه وتظن أنه يرضى غرور المرأة فيها ، فتقول له فى حسرة وأسى :
حرمت القلب من أحلى الأمانى وزيفت العواطف دون جدوى
وحاولت التغلغل في كياني
وسقط القناع عن الزيف والخداع . . وهنا نلمح - في بعض ما نظمته الشاعرة من قصائد - اشارات عابرة الى أنها كانت ضحية للصدق فى عواطفها
والإخلاص فى حبها بجانب الغدر والزيف الذي صادفته ، والى ذلك تشير فى قولها :
تعودت التلون والتجني فكان الصدق والاخلاص ذنبى
وتقول :
غدرت وما كنت احسب اني سأمنح حبى لمن يغدر
وتقول أيضا :
ولكنى نزعتك من ضميرى وما زيفت حبى أو شعورى
وعلى الرغم من هذه النبرة التقريرية فى تلك الأبيات الا أننا مع ذلك نلمس فيها بداية مأساة الشاعرة وتفجر ازمتها النفسية التى انتهت بالفراق :
وأخيرا لم نجد بدا من الصبر على مر الفراق :
عالم الذكريات :
وهكذا تبخرت الاحلام وتبددت الآمال ، وبدأت بلبلتنا تعيش فى عالم الذكريات ، تجتر الماضى بكل ما فيه من رؤى وأطياف ، وتحن الى أيامه الخالية وتتلهف على لياليه الحانية وتناديها صارخة فيما يشبه النشيج :
يا ليالي الدفء فى أحضانه
كنت أحيا . . . . أستمد الأمل الضاحك من ايمانه
غير أنى فى ليالي البعد ضيعت وجودى
وانتهى ما كنت أرجو . . .
كيف ياليل سأنجو
بل انها تتساءل فى حنين وحيرة :
اتراه يعلم انني في الليل اذ أخلو بنفسي
تشتد الامى ويجتاح الهوى روحي وحسى :
وخياله ابدا يناغيني فأدرك سر يأسي
لن يمنع المأساة أن تبدو كما كانت بأمسى
لكنني في لهفتى وصبابتى لا أحجم
اتراه يعلم أنني أهواه ؟ أم لا يعلم
اني أحس بحيرة كبرى . . غموض مبهم
وتتمنى لو تلقي طاهرها . . رغم اقتناعها بعدم امكانية هذا اللقاء :
يا طاهرى حبى واخلاصى وصدق مشاعرى
وقف عليك . . على هواك
رغم اقتناعي انه ما عاد يمكنني لقاك
وتتعلق الشاعرة بأهداب الأمل وتمنى نفسها ببارقة من رجاء .
ولكن سرعان ما تفيق على الواقع المرير ويردها اليأس الى الحقيقة المرة فتستشعر الضياع :
عد يا حبيبي عد
ففي أعماق ذاتى ألف دعوه
والذكريات تطوف بي في كل خطوه
واليأس . الياس المدمر يحتويني
واللهفة الحرى - على رغم التعاسة - تعترينى
فاذا كيانى كله يهتز فى شوق ونشوه
وانا بدونك انتهى . . واضيع فى اعماق هوه
وتستبد الوحدة والوحشة بشاعرتنا فى ليالي الخريف وتكرر نداءها الضارع بالعودة وتهمس في ضعف الأنثى وقد أضناها الحرمان :
عد لى فانسام الخريف تزيد من ألم انفرادي
وصدى حكاياتى الحبيبة كل يوم فى ازدياد
الليل يبكى من غيابك والنجوم معي تنادى
عد يا حبيب الروح : فالحرمان قد اضنى فؤادي
ليس هذا فحسب بل انها تكاد تعلن عن ضياعها اثر انتهاء تلك العلاقة وتتساءل فى يأس وحنين :
الى أين تذهب يا صنو روحي
وتتركني للفراغ الكبير
وخوفى ويأسي ووحدة عيشى الحزين المرير
لقد غاصت الشاعرة فى عمق تجربتها فعبرت في رومانسية عن مأساتها ، تعانق أحلامها وتمنى نفسها بلقاء وتوهم قلبها بالنسيان ولكن القلب يأبى عليها الا أن تعيش أيام الحب ولياليه فتقول
لو عاد لي !
وأظل أحلم باللقاء المقبل
بالشمس تسكن منزلي
وتخط بالسطر الوضيء حدود أحلى موئل
يا رب لو احيا له يوما
فأنا بدون وجوده حيرى
بلا ماض ولا مستقبل
وأقول انسي . والفؤاد يقول لي :
لا تفعلى استسلام فى كبرياء :
وواضح من هذه الأبات وغيرها انها تصور لنا تلك الأزمة النفسية التى عاشتها الشاعرة وتعبر عن الصدمة العاطفية التى واجهتها ، ومن هنا نلمس في هذه الأبيات طابع الحزن والشجن ، ونستشعر فيها الاحباط والحرمان واللهفة ، ونستشف الصدق والعمق من خلال الألم وخيبة الامل ثم الخضوع للأقدار والاستسلام للغيب ولكن في سمو وكبرياء . . استمع اليها تقول :
عندما كنت أقول
ينتهى العمر وحبى لا يزول
لم أكن أدرك معنى ما أقول
وتقول أيضا :
إنني اسخر من نفسي . . ومن امسى القريب
عندما كنت حبيبى
عندما كنت أظن الحب حقا . . . وخلودا . . وجمال
فاذا الحب خيال في خيال
وبعد ٠٠٠ فهذه بعض ملامح تلك التجربة القاسية التى عاشتها زبيدة بشير ، انعكست آثارها على ما نظمت من أشعار كشفت لنا فيها عن شخصية المرأة وأحاسيسها الانثوية فى اطار مشرق وأصالة وصدق ، ومعذرة اذا كنا قد نكأنا جرحا فى قلب شاعرتنا الرقيقة نحن نظن أنه اندمل بمرور الزمان وأسدلت عليه ستائر النسيان .

