الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

البناء القصصي وأشكاله عند يوسف إدريس

Share

لقد اختلف النقاد في تحديد انر.ع القصص واشكالها وطرق عرضها - فهناك من يقسم القصص وبنوعها بحسب الشخصيات والاحداث والأزمنة كالدكتور محمد يوسف نجم الذي يرى انواع القصص تتمثل فى قصة الشخصيات ذات العديد من الشخصيات والقصة التمثيلية وهى التى تتلاحم فيها الشخصيات بالحوادث - وقصة الحوادث ، ثم قصة الاجيال والقصة التاريخية ( 1 ) .

كما ان من النقاد من يرى - وفي رايه الكثير من الصواب انه يعسر ان تحدد طرقا خاصة محدودة يسير عليها القصاصون فى طرق العرض واشكالهم القصصية وذلك لان تلك الطرق تعود الى ابتكار الكاتب وعبقريته ونقطة بدايته او نقطة نهايته التى يختارها الكاتب ومنها تنطلق قصته او اليها تنتهى كما يتنحى الكاتب تماما عن القصة ليترك للبطل مهمة الحديث عن نفسه .

و " الحق ان عرض القصة " له طرق كثيرة يصعب تحديدها ، اذ ان حرية المؤلف في هذا الجنس الادبى لا تحدها القواعد كل التحديد ، وعبقريته هى التى تعينه على الافادة من الطريقة التى يختارها ، او على الانتفاع بكثير من الطرق بزاوج بينها فى قصته . فقد يبدأ المؤلف قصته من أول حوادثها ، فيصف نشأة ابطالها وميلاد علاقاتهم بعضهم بالبعض ويتبع

ذلك منهجا زمنيا فى عرض الاحداث ، كما فى قصة " ما دام بوفارى" لفلوبير مثلا وقصة - " الاخوة كرامازوف "

وقد تبدأ القصة بنهايتها وكثيرا ما يقع ذلك فى القصص البوليسية . فنبدأ بوقوع الجريمة لتمييز خيوطها والرجوع الى كشف الغامض منها . وقد يبدأ المؤلف قصته من فترة خاصة من حياة الشخصية الرئيسية فى منظر صامت يعتمد على الوصف اعتمادا كبيرا . ثم يقف ليرجع الى الوراء سنين كثيرة ، يشرح بهذا الرجوع المنظر الذى قدمه اولا وهذه الوسيلة غالبة فى قصص بلزاك  (2) .

ثم قد يدع الكاتب بطل القصة يتحدث عن نفسه بضمير المتكلم ليخلق الشعور بالالفة والثقة ولكن على الكاتب ان يحتاط فى السرد حينئذ فيسرد الحكاية بما يحيط بها من مجال ، لتكون مقنعة من الناحية الفنية (3) .

على ان هناك محاولة لتحديد الاشكال القصصية قام بها - سلوفسكى - من الشكلانيين ولم يضف اليها البنيويون أو الهيكليون شيئا - وقد حددوا هذا الاشكال بأربعة أنواع هى التالية :

1)   بناء النظم :     Enfilage  2)  بناء التوازى :      Parallelisme   3)  البناء الدائرى   Construction circulaire 4)  بناء تدرجى    (4)   Construction en paliers    

وسنعتمد على تقسيم سلوفسكى لاستخراج البعض من الاشكال القصصية التى اعتمدها يوسف ادريس في مجموعاته القصصية الثلاث ونوعية البناء الغالب عليها .

وطريقة العرض عند يوسف ادريس قليلا ما خرجت عن الاساليب الكلاسيكية للقصة المعروفة من الوصف والسرد والسيرة الذاتية الى ما يسمى الحوار الباطنى .

بناء النظم :

بناء النظم : وهي عبارة عن قصص يربط بينها رابط كما تنتظم حبات المسبحة فى الخيط ومثل هذا النوع نجده فى الف ليلة وليلة وكليلة ودمنة ومثل هذا الشكل لا نجده فى قصص يوسف ادريس .

بناء التوازى :

وهو سرد قصتين تدور احداثهما فى فترة واحدة وهذه كذلك لا نجد يوسف ادريس يبنى بعض قصصه هذا البناء .

البناء الدائرى :          circulaire Construction

وهو ان يبدأ الكاتب بنهاية القصة ويسير فى سرده حتى يعود الى النهاية .

ونجد الكاتب قد اعتمد على هذا الشكل الدائرى فى قصة " سره الباتع "  (5)  حيث بدأ من النهاية التى وصل اليها السلطان حامد الذى له ضريح فى كل قرية قرب الجبانة واخذ يتبع القصة حتى وصل الى النهاية التى بدأ منها حيث قتل جنود نابليون السلطان حامد وقطعوا جسمه الى قطع القوها فى اماكن متباعدة ولكن حيثما القوا قطعة اقام الفلاحون حولها ضريحا لذا كانت له هذه الاضرحة فى كثير من القرى .

البناء التدريجي :      construction en paliers

وهي التى تتدرج فيها القصة او مقاطعها فى تصوير الاحداث وغيرها من عناصر القصة وهذا البناء هو الشكل الغالب على قصص يوسف ادريس .

وهناك اشكال اخرى غير التى ذكرنا اعتمدها يوسف ادريس كالتضمن  L’Enchassement وطريقة التناوب او التداول  L’Alternance

التضمين :   L’enchassement

وهذه الطريقة التضمين تتمثل في قصة قد يقطع تيارها قصة اخرى - اى تتضمن القصة الاصلية قصة أخرى ( 6) .

وهذا النوع من التضمين نجده عند يوسف ادريس غالبا فى سرده لقصة حياة شخصية ما قد تكون عابرة اى لا تعتمد عليها القصة الاصلية وباستطاعة الكاتب ان يستغنى عن ذكرها .

لكنه قد يرى انه من الاوفق لزيادة بلورة الصورة فى ذهن القارئ للقصة ان يفدم لنا تلك الفصة ضمن القصة الام . وهذا كما فى قصة سرة البائع - عند ذكر قصة حياة السيدة انتر ناسيونال اوجين (7) ونجد كذلك هذا النوع من التضمين فى قصته الطويلة - الغريب عندما يضمن القصة الاصلية - قصة زوجة ذلك المجرم البندرانية الجميلة التى يضعها فى العزبة ولكن لا احد يتجزأ على القرب منها - وهى تعمل ما فى وسعها لتتحداه محاولة ربط علاقات مع أى رجل بل حتى مع شاب صغير ارسله اليها ولكن لا احد يجرأ على ذلك فرفا من انتقام زوجها المجرم الخطير .

وقد امتد الحديث عنها مدى عشر صفحات وأكثر " وفتح الباب ولو مضة خاطفة لمحت اجمل وجه وقعت عليه عيناى وجه ابيض يكاد بياضه ان يصبح شفافا ومن وسامة تقاطيعه ان يتحول الى صورة من الصور التى نراها على علب الحلوى والملبس وكان واضحا انها انتهت توا من الحمام (8) " فهى امراة وأنا شاب غلظ صوتى وبرزت حنجرتى ثم انها ليست صغيرة فقط وانما حلوة بطريقة لا يتصورها العقل ... فيكفى ما في عينيها من سواد جميل يشع رغبات مجنونة تكاد تنطق وتصيح ولا تجد فى كل هذا حرجا من الطبطبة واخذى تحت أبطلها ، وأدارت وجهى ناحيتها كما حاولت ان أغض طرفى أو استدير " (9)

ويواصل الكاتب هذه القصة المضمنة للقصة الاصل . " - بتكذب على ليه يا أفندى ابتلعت ريقى بصوت حاولت كتمه وقبل ان ابتلعه مرة أخرى قال : - انت عملت حاجة مع وردة . ويبدو انه لمحنى اعتدل فى مكانى ملسوعا فوجدته يستطرد معدلا سؤاله - والا هى لعبت عليك يا أفندى (10) .

وقد تكون القصة الثانية المضمنة تدور حول احدى الشخصيات الرئيسية فى القصة وهذا كما فى قصة " فوق حدود العقل " (11) اذ تتضمن القصة التى نقوم على احتيال ضابط شرطة على أخيه ليدخله الى مستشفى المجانين حتى يستأثر هو ببعض القراريط تتضمن قصة اخ ثالث وهى التالية :

" ما يغركش يابيه اصل انا اعصابى تعبانة شوية وتعالجت عند الدكتور ناشد فهمى المدرس بتاع الامراض النفسانية فى الدمرداش .

اصل حصل لى انهيار اعصابى اصل قتلت مرة حرامى ومن يومها وانا بدوخ وكل ما اشوف بندقية نفسى تغم على ...

اصل كنت عسكرى داورية وبعدين شفت حرامى بيكسر دكانه لما شافنى جرى ضربت طلقة فى رجليه اهوشه ما وقفش - فضربت فى المليان قام الطلقة فى ظهره ومات وفضلت واقف جنبه لما النهار طلع ... حولونى على المستشفى وخدت 12 جلسة كهربائية في مخي ... ( ص 255-256)  (11)

طريقة التناوب او التداول Alternance     وهذه طريقة اخرى فى الاشكال القصصية تطلق على الطريقة التى يسلكها فى سرد قصتين معا انما بالتناوب او التداول حتى ينتهيا معا (12) .

وهذا البناء القصصى نجده فى قصته الصوفية - صاحب مصر - والقصتان اللتان يتداول سردهما معاهما قصة عم حسن العجوز - وقصة حياة الشرطى صميدة ولكن مع افاضة اكثر فى تحليل شخصية حسن " وتلك هي حياة عم حسن اختارها وكل انسان يختار حياته بالطريقة التى تحلوله . بعضنا يختار

المهنة الناجحة ويقضى عمره يحارب زملاءه من ابناء الناجحين " (13) " لابد ان نحسد عم حسن على حياته تلك فهى فى رأيك لابد ارحب وأوسع حياة الغت المكان والزمان والبعد الرابع "  (14) .

ولكن تلك تفاصيل لا معنى لها ، ومحاولة يائسة كشرح " كل " من الصعب شرحه فعم حسن ليس مجموعة تصرفات "  (15) ثم يعود الى ذكر حياة الشرطى صميدة طبعا كل ذلك بدون انتظام انما بالتناوب والتداول " وصميدة ليس اسمه وانا لا اعرف اسمه ولكنى لابد اذا سميته ان اختار له لقبا كصمييدة فيه حرف صاد مذكر الموسيقى "  (16) .

ثم يعود الى قصة صميدة بعد صفحات وصفحات " ولابد لنا لنكمل القصة أن نعرف أشياء كثيرة عن العسكرى بشكل عاجل ، فهو قروى حياته الحق بدأت بالعسكرية ودخول الجيش ، وكان الجيش مدرسته هناك صاحب شبان المدينة وعرف المدينة من خلالهم وخرج وقد آلى ان يعرفها بنفسه "  (17) .

وينهى هاتين القصتين قصة عم حسن العجوز والشرطى صميدة اللتين يتناوب ذكرهما رابطا بينهما أواصر وجاعلا لحياة كل منهما علاقة بحياة الآخر " والى الآن لم يزل صميدة مؤمنا واثقا ان عم حسن لابد حى يرزق ناصبا عشه عند تقاطع ما من الطريق ولا تزال كلما مرت به عربة نقل بعد ان يأخذ أرقامها ويرد تحية سائقها يسأله ان كان قد رأى أو التقى بعم حسن "  (18)  .

وهكذا انتهينا من الحديث عن الاشكال القصصية فى مجموعات يوسف ادريس الثلاث وطريق عرضها واكدنا على ان الطريقة الغالبة على قصصة هو الشكل - البناء التدرجى - وان سلك البناء الدائرى فى قصة واحدة وبناء التضمين فى ثلاث قصص وبناء التناوب فى قصة واحدة هى صاحب مصر .

اشترك في نشرتنا البريدية