قصيدة من الشعر "العملى"
الشعر الذي لا يكتب على الطروس ولا يوزن بـميزان الخليل هو شعر يقرأ في الشوارع والميادين والساحات لا فى الكتب والدواوين والمجلات انه شعر من اروع الشعر
هاهنا .... وهناك .... وهنالك
رجال يمشون ويجيئون ويعرقون
هاهنا يرفعون الانقاض ويحطمون الجدران الخربة
وهناك يحملون الركام والحطام والتراب ....
وهنالك يزيلون المزابل المتراكمة والقمامات
كما فعل عمر بن الخطاب من قبل بقمامة بيت المقدس
ثم يبنون مكانها الحدائق البهيجة والساحات الفسيحة
والاشجار المظللة والملاعب المريحة
والمعاهد والملاجيء والنوادي والمصحات
عجبا ! اين كان هؤلاء الرجال ؟ ومن اين جاءوا ؟
اني لم اكن اراهم من قبل وان كانوا من اهل بلدي
انى لم اكن اعرف انهم بهذه الكثرة الكثيرة
من اين خرجوا ؟ هؤلاء الرجال وهؤلاء الشبان
وكيف اصبح كلهم يبني ويشيد ويغرس ؟
واقول لنفسى ، وانا اشاهدهم يكدحون ،
فى الشارع والساحة ، وحول سور المدينة وعلى حافتي الطريق :
لماذا لم نفكر من قبل فى بناء مدينتنا ورفع انقاضها المتراكمة ؟
وكف ساغ لنا ان نتغنى بالمجد الماضي والتاريخ الحافل
ونحن نرى معالمه تهوي حجرا حجرا ؟
وكيف كنا نقنع بالعيش فى اطار القرون الوسطى
ونحن نحسب مع احياء القرن العشرين ؟
وكيف كنا نرى القذارة والجيف ملقاة على ابواب المدينة
ولا نشعر بوجوب تغيير ذلك ؟
كان يقال لنا ان اموالا صرفت للبطالين وان اشغالا فتحت للعاطلين
ونـمر بالطريق فنرى رجالا ينقلون التراب من مكان الى مكان
ولا نرى اثرا لاعمال البطالين والعاطلين ،
لماذا كانوا يصرفون المال ولا يعملون عملا نافعا ؟
هل كان ذلك عن سوء نية وفساد طويل ؟
ام كان ذلك عن كسل وجهل وغباوة
هل كانوا يريدون ان يبقونا الى الابد نعيش فى القبح والقذارة ؟
كنا نرى الزائرين والسائحين يأتون مدينتنا من أطراف العالم
كنا نراهم يطوفون فى الاحياء ويتجولون في الاسواق
وكانوا يحملون مصوراتهم ، وآلتهم السينمائية
ويصورون .... ويصورون .... فماذا كانوا بربك - يصورون
لقد كانوا يتسلون بقذارة احيائنا ويهدون منظرها للعالم
ولم نكن نستطيع منع ذلك
ولم يكن يصغى لنا حين نطالب بتغيير ذلك
"العامل" مشغول بـملء جيبه من البيضاء والصفراء
لا هم له الا حبك الشباك الفاضحة ، لعقد الصفقات الرابحة
والمستشار البلدي بورجوازى جاهل
صنيعة للدخيل ومعين للغاصب
لا هم له الا جلب النفع لنفسه وذويه .
والمستعمر هو كل شيء في بلادي
سيطر على كل شيء ، واحتكر كل شيء
إن شيد فانما يشيد قصره ، وان جمل فانما يجمل بستانه
وان نظف فانما ينظف حيه الذى يسكنه مع ابناء جنسه
لم نكن نستطيع ارغامه على شيء
لانه سيطر على كل شيء ، واحتكر كل شيء
حقا ! لقد كان ذلك عصرا مظلما قاتما
وكنا به جد اشقياء وجد مبتئسين
اما اليوم فقد عزمنا على البناء والتشييد
تغنينا بذلك طويلا فى الخطب والقصائد
ولكننا اليوم نريد ان نعمل ... بل بدأنا نعمل .
نريد ان نبنى " اطارا " يليق بكرامتنا
اطارا صالحا لان تعيش فيه امة حرة مستقلة
امة تحكم نفسها بنفسها . . . .
امة يحكمها ابناؤها لا الاغراب
وماذا يهم الاغراب من امر بلادي وهم يمرون بها مرا
اما نحن فان امرها يهمنا جدا
اننا ولدنا فيها ، وفيها ترعرعنا وشببنا
وسوف نشيخ فيها وندفن تحت ترابها
كما دفن فيها من قبل آباؤنا واجدادنا .
نعم ! نريد ان نبنيها من جديد - لنضم الطارف الى التليد
نريد ان يراها الزائرون والسائحون نظيفة نقية ، بيضاء غراء
نريد ان نعيش فيها سعداء
نريد ان نرجع لها جمالها ورواءها وبهاءها
لترجع في نفوسنا العزة والكرامة والكبرياء
نريد ان ننقلها من القرن العاشر الى القرن العشرين
ها هى ذي الايدي العاملة والسواعد الفتية
هاهم اولاء الرجال ، وهاهم اولاء الشبان
لقد رايتهم يعملون ويكدون ويجهدون جهدهم
هذا ... وهناك ... وهنالك . . وفي كل مكان
لقد غادروا العرصات ونوادي البطالة
لقد تركوا المقاهى والملاهي
واجتمعوا ليبنوا من جديد مدينتهم الخالدة
ألا فليبارك الله هاته الامة الجديدة
وليبارك الله قائدها وباعثها الى الحياة

