الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

البوليس على (( سوق العصر ))

Share

قصة

مرت سحابة قاتمة مرتعدة الحوافى على فضاء (( الزقاق )) فرشت هامات بناياته البرصاء المتداعية رذاذا باردا ، تسربت منه قطرات حزينة الى جسم (( العم سعيد )) فامتدت يده الى سجائره يأكل بضاعته . انها السيجارة الثالثة ولم تمر ساعة بعد . تردد قبل ان يودعها شفتيه المضطربتين ثم اشعلها اخيرا وهو يغمز (( ربح )) الفتاة المنتصبة فى المدخل المقابل .

(( دع الغم يا سى سعيد . . بعد الشدة الفرج . . يدبرها ربى . . ان من فتح الافواه يملؤها بتقسيم الارزاق )) . ثم هدرت فى جوفه اغنية شوق طربة ولكنها خرجت من بلعومه عواء ذئب جائع فى الصحراء . ولم يستحسن (( حمودة )) المقرفص امام حارة (( بطاطة )) تراكم فوقها الذباب صوت (( العم سعيد )) فصرخ فى وجهه ساخرا : (( ما ينقص الكلب كان خاتم )) فضحكت (( ربح )) ضحكة هزت أعطاف الجدران القديمة . وتناهت ضحكتها الى (( بائع الروبافيكا " فلعن النساء والقمار . . لقد خسر ثمن المعطف الذى باعه فى (( طرحين )) فعادته مرارة الحظ المشؤوم وحقد دفين فى اطواء النفس ، حقد الرجل الذى لهث وراء (( ربح )) أشهرا طويلة ثم آب ممغوص الفحولة مسخورا منه . كل ذلك اجتمع فى لحظة واحدة بعد ان كان روافد غضب منفردة تغيض هنا وهناك فى وجدانه فود لو حطم أشداق (( ربح )) العاهرة فى الحين . قصدها وفى عينيه ترقص كل شياطين الدنيا وكوابيس الفزع . وتوجست (( ربح )) منه خطرا فتراجعت امام زبده ونيرانه ، وفى سرعة البروق الصيفية اخترقت عينا (( بائع الروبافيكا )) الثوب اللزج المفتوح على الصدر لتنفذا الى خيرات الله وابداعاته : نهدان متدليان غطاهما ستار سميك من تجاعيد فتراقص شاربه الذى بدأ يغزوه بياض الشيب واقتحمت قسماته شهوة عارمة ، فاحس سقوطا فى بئر مخملية الجنبات . وعندئذ صرخت (( ربح )) فى وجهه بكل سخرية :

- أش عملتك تقحرلى . . . إيد الراجل ما توليش .

وغمغم (( بائع الروبافيكا )) : (( كيدهن عظيم . . أستغفر الله )) ثم اندحر متراجعا ترشقه نظرات (( العم سعيد )) و (( حمودة )) ايه يا دهر . . العصر عصر

النساء والعواهر . . واحس بملح القهر يتراص حول شفتيه وينفذ الى مذاقه . لماذا التراجع ؟ ما تراه يرجو منها ؟ ألم تقل له منذ البداية انه لن ينال منها شعرة واحدة .

(( آش فيك يعجب يا بباع الروبافيكا . . . لا مال ولا وهرة كان الشيب والمخاط )) .

التفت الى (( العم سعيد )) وكأنه لا يتوجه الى احد وقال بصوت هادر :

- مالا جيفه . . عرضها تبول عليه الكلاب ، يولع فيه الماشى والجاي . . قلة الخير والفسق ووسع الفم . . والله لولا خوف ربى لصمغت بها الارض .

ولكن (( العم سعيد )) لم يكن منصرفا اليه . كانت عيناه على شرفة العمارة القديمة المقابلة . منذ حين أطلت اليهودية (( نعمات )) وفى فمها عقب سيجارة ثم اختفت . . كان أهل الزقاق دائم التطير من إطلالة (( نعمات )) تظل نافذتها مغلقة أياما وحتى أسابيع وعندما تفتح تنعق غربان الشؤم فى فضاء الزقاق . مع وجهها المتغضن تأتى كل الهموم : يتخاصم الاحباء ويسيل الدم وينشب الخصام ويقضى الجميع الليلة فى (( بودفة )) ولو تأمل (( العم سعيد )) وجه اليهودية مليا ذلك اليوم لادرك ان عصا سحرية ملأت تضاريسه اضواء ساطعة او هكذا يبدو من من بعيد . أشعل (( العم سعيد )) سيجارة اخرى وجذب منها نفسا عميقا لسد منافذ الخوف التى بدأت تنثقب فى جسمه . ومهما يكن فلا خوف عليه ، فالرقباء الذين وضعهم (( القمارجية )) يحرسون كل مداخل الزقاق (( عمران )) و (( بوراس )) اللذان يديران مائدة القمار اعدا العدة لمواجهة كل الاحتمالات ولم يكن ثمة داع لكل هذه المخاوف ! ولكن قلبه لم يهدأ . مكث يرف كطائر احدقت به قضبان القفص . أيسأل (( حمودة )) عن سبب اطلالة (( نعمات )) ؟

مكان (( حمودة )) خال ، و (( حارة البطاطا )) تشكو الذبول والاهمال واستغرب ان يختفى (( حمودة )) بمثل هذه السرعة . التفت يمنة ويسرة يبحث فى الوجوه المتعبة عن راحة : (( ربح )) تعرض متاعها الساقط ، و (( بائع الروبافيكا )) يدس فى فتحة بنطاله رافعة نهد مهترئة ، و (( القمارجية )) يوزعون الورق وان خيم عليهم صمت الانتظار . لا شئ يوحى بالخطر ولا مدعاة لاعلان الطوارئ . ولكن (( حمودة  )) ؟ و (( حارة البطاطا )) ؟ و (( نعمات )) ؟

ضرب (( العم سعيد )) فى الوهم طويلا ثم بدأت تتشكل فى ذهنه صيغة الجواب : (( نعمات )) رضخت لمطالب (( حمودة )) ، سيتزوجها ويظفر بالثروة . . سيهجر التثاؤب الممل و (( البطاطا و (( الفجل ) . . . (( الدينار كل شئ يا شيخ

(( سعيد )) , الدينار هو اللى يرجع الذيول روس والروس ذيول . . لو كانت الدنيا بالاصل لكان (( سعيد الفرشيشى )) ايهزو فيه الناس على اكتافهم )) .

وعادته (( نعمات )) بشكل غير معهود ، ارداف متماسكة فى غضاضة الفروع المخضلة ونهدان كبيران فى حجم الزنبيل المترع بالشهوة ، وهما ولا شك اكبر من نهدى (( ربح )) آه يا (( ربح )) لو كان تقبلينى . . . عمك (( سعيد )) سيد التراسة ، نساء (( ماجر ))  و (( الفراشيش )) صغيرة وكبيرة عشقت عمك ((  سعيد )) حلايل فى خباواتها دخلتها والرصاص يلعلع وخرجت منها سالم . . . ))

اختنقت اوتار صوته وسعل طويلا فردت الجدران المتهالكة على سعاله . جذب سيجارة من العلبة المعروضة أمامه على صندوق صغير . (( آش يربح ابن آدم من ها الدنيا . . . ما شى للدود والتراب )) .

(( ربح )) كانت هى الاخرى تبتسم . اقتربت منه بخطوات مترددة ومدت له ستة مليمات طالبة منه سيجارة (( حلوزى )) . رد لها المليمات وناولها السيجارة وشفتاه ترتخيان حلما وشهوة . نظرت اليه فى حنق وقالت :

- آش بيك تمد فى شلاليفك كالحمار . . الشيب والفساد . .

وقعت كلماتها على وجهه نثار زجاج مهشم ، فمزقت غشاء الحلم وعرت من حقيقة امره ما كان مستورا . وسحب كلمة حلوة ارادت اقتحام شفتيه :

- باش تكونى أم الوليدات . . وسعادة ما قدها سعادة !

وابتعدت (( ربح )) مقتفية آثار شاب قوى البنية اخترق الزقاق دون ان ينتبه لذلك احد . فبلع (( العم سعيد )) ريقه ويأسه وخزن فى عمقه النقمة كما يخزن (( سوق العصر )) المواويل والاغانى والفقر والغزل . .

- بلغت (( ربح )) أقصى الزقاق وعيناها على الشاب ، كتفان عريضان تعلوهما بدلة أنيقة ، وقامة مستقيمة منتصبة فوق حذاء عالى الكعب . . كانت تلهث وراءه كالكلب خلف سيده صاعدة آخر الزقاق الذى بدأ الضوء ينسحب عن بعض جوانبه . . وقع خطوات آتية من الخلف تحدث صريرا كالريح الشتائية فى ثقوب النوافذ ، ثم التفت يد خشنة حول عنقها ككلابتين من حديد ولم تستطع (( ربح )) الالتفات : - الصور يسبب عن بعض ب جرير - ت

- قداش من مرة حذرناك . . .

انها تعرف هذا الصوت الاجش ، لنبراته فى نفسها وقع الطبول وحدة الرعد فى نفس الصغار . لقد وقعت فى المصيدة وستكون الليلة بادرة حقا . صرخت :

- خلونى يا ناس  . .  آش يهمكم فى  . . كيف نبات جيعانة القانون ما يهموش ، وكيف نلقى خبزة تحلو جلفكم كى الكلاب . . دمى بعثه فى السبيطارات باش نعيش كيفكم . . آش يهمكم فى بدنى . . هو بدنى منو ناكل ومنو نلبس . . خلونى ناكل لحمى يا ناس ! .

فى سرعة ترمش العين ارتفعت اليد ثم هوت ثقيلة على الوجه اللائث الاجدب ، ثم ارتفعت ثانية وهوت . . وثالثة ورابعة . . وسال دمع عسير اختلط بآثار الصفع الزرقاء . . .

اطلق (( القمارجية )) سوقهم للريح واختفوا فى التواءات الزقاق كالرهبان يذوبون تحت الطواقى المخفية ، قلبوا فى عدوهم (( حارة البطاطا )) البائرة فتدرجت تحت اقدام (( بائع الروبافيكا )) فالتقطها ودسها فى جيبه وهو يلم بضاعته متعثرا فى سنيه الستين ، وعلى لسانه تسيل الشتائم والادعية , الجدران تدور يسرعة مذهلة ووقع الاحذية والجزمات سنابك خيل غازية !

قطع (( بائع الروبافيكا )) نصف الزقاق رافعا فى عسر قدميه الثقيلتين الغائصتين فى وحل الاعوام . (( آش ناكل يا ربى كان حازولى شواليقى . . ثلاثة سنين حوفة وتدبير راس . . . )) .أحس بصرة الاسمال تفقد ثقلها ثم تبين له وهو فى المنعرج الاخير من الزقاق انه يمسك . . شكارة فارغة . . التفت الى الوراء بعين بللها دمع مباغت . . جورب هنا . . صدار هناك . معطف مشنوق على طاولة (( القمارجية )) وقميص على كرسى ماسح الاحذية . .

ثم تقاطر اعوان البلدية بلمون كل شئ . وقال احد المارة :

(( الضعاف ما يملكوش رخصة الحياة ! ))  واخرج (( بائع الروبافيكا )) رافعة النهد المهترئة من فتحة بنطاله ورماها فى صندوق قمامة وواصل طريقه يمد يده المرتعشة مرة اخرى الى جموع المارة .

. . . مرت العاصفة وبقى (( العم سعيد )) . كان التاجر الوحيد الذى عاش تقلباتها فى تحد لا شئ يبعثه على الفرار ، علبة السجائر اخفاها فى جيبه ومكث ثابتا يشهد المعركة . شهد كرنفال الجزمات اللامعة ثم طفا فوق الركام والشظايا .

وعاد الصمت الى الزقاق المقفر ، واطلت (( نعمات )) من شرفتها وخلفها (( حمودة )) يتفرجان على مخلفات الزوبعة .

أخرج (( العم سعيد )) علبة (( الحلوزى )) ، تحسسها فألفاها فارغة فكورها وقذف بها بعيدا ، ثم ابتعد بخطى ثقيلة منهكة وخلفه ترعد ضحكات (( حمودة )) وصراخ (( نعمات )) .

اشترك في نشرتنا البريدية