اضغط على الزر ليسكت هذا المذياع الذي أصبحت تعبده اكثر مما تعبد خالقك .
نطق (الدرمول) بهاته الجملة وهب يبحث عن قلة الماء ليسد بها ظما برح به .
انهال على القلة كما يسقط الذباب على العسل أو كما يهوى العاشق على معشوق فى لحظة خلوة .
قهقه ( العنتوز) مترنما :((اللى شريكها يخلصها)).
انا أريد أن أبوح لك يا صديق الشدة بسر قد لا أبوح لك بسواه فى مثل هذه الليلة وفي مثل هذا القصر .
دعنا من الاسرار فما قيمة حياتنا حتى تصبح لها أسرار جديرة بأن تخفى على الناس ؟
لفظ هذا التصريح كزانية لفظت عبارة حب ، واهتم بالمذياع يدير ازراره بحثا عن أغنية تفرج عنه كربه فى مثل هاته الساعة المتأخرة من الليل.
تثاءب الدرمول وفرك عينيه وهم بالوقوف ولكنه سقط على الارض ، لقد اخذت منه الخمرة مأخذا كبيرا .
سقط على الارض.... حمد الله وشكره على ما أنعم..... وجلس القرفصاء بجانب سريره تأوه الدرمول .
نظر فى الظلمة المخيمة على ذلك القصر الفخم المتربع في ( تربة الباي) انه بيت عتيق فى فندق بني في العهد العثمانى كان ايام زمان اصطبلا لجنود الاتراك .
توارثته أجيال وآل به المطاف ليسكنه الدرمول النازح من واحة الجريد والعنتوز المهاجر من مطماطة.
أشعل الدرمول القنديل وعاد الى حيث كان....
جيش عرمرم من البق بدأ يزحف ويقوم باستعراضات في الغرفة منه ما يخرج من ثقوب بالجدران ومنه ما يتساقط من السقف كالرذاذ .
سریران عتیقان وضعا في زاويتين متقابلتين وعلقت صورتان لامرأتين ربح ابنة عم الدرمول أحبها أيام زمان وعجز عن دفع مهرها كان ذلك زمن حركة التحرير يوم كان مناضلا لاجئا بجبال قفصة .
دفن حبه هناك . اما هى فقد تزوجها ليبى .
لم يبق الا حب دفين تجسمه صورة تذكارية بعثتها له ربح يوم كان مجاهدا فى الجبل .
الصورة معلقة فوق الوسادة ويكثرة ما داسها من الذباب والبق أصبحت كخريطة للعالم التقطها كوكب فضائى.
اما الصورة الثانية فهى (خوله).
عرفها (عنتوز) سنة حرب الجلاء عن بنزرت . قالت له ابان المعركة :((لو تربح تونس نتزوج ...)) وتبخرت مع الذكريات الحلوة خوله شقراء يظهر انها من طينة فرنسية وزرقة عينيها تؤيد ذلك هذا ما يملك نزيلا تلك الزنزانة منذ ما يقرب من ربع قرن .
انتفض الدرمول من مكانه كعصفور بلله القطر وهب يبحث عن بقايا عدس مطبوخ فى القدر .
التهمة كالأفعى ووقف أمام مرآة اشتراها من سوق العصر سنة الاستقلال . كشر عن أسنانه وقال متأوها : عنتوز المدلل لقد بدأ الشيب يغزو رأسي .
- الرجوع لله . - كم عمرك الآن بالضبط ؟ - ولدت يوم زار الزعيم عبد العزيز الثعالبى الجريد.
- الله يرحمه ... - وانت كم عمرك ؟ - ولدت يوم استشهد الزعيم الحبيب ثامر - يا رجل دعنا من لغة السياسة فهى التى جنت علينا - أنت بطل ... - بطل تحت الاقامة الجبرية! - معاذ الله.
لكن في علمك كما حدثتك مرارا انى كنت من اشجع الجنود ابان حركة التحرير واعرف جبال الجنوب شبرا شبرا .
- انا باختصار (( فلاق)) ... - وستبقى (( فلاق)).... وانا مثلك عشت معركة الجلاء من ألفها الى يائها وأحببت اثناءها خوله - دعنا من الكفاح والحب وأشعل لى سجارة إن امكن - نفدت السجائر كحياتنا - لا يهم !
وأخذ الدرمول بجمع ما تناثر فى الغرفة من بقايا سجائر ليدخنها الواحدة تلو الاخرى بلهف ، فرك شعر رأسه كمن يبحث عن مجهول .
- أنا كنت فلاقا لامعا ، وها انى الآن حمال بارز في محطة الحافلات ياما حملت من أسرة وحقائب وأدباش متنوعة فوق كتفى أنقلها من المحطة الى أمكنة مختلفة من شوارع المدينة وأزرقتها ! وأصبحت والحمد لله أعرف الانهج والازقة واحدا واحدا ، وكذلك أشرفت على دهاليز غالب العمارات
وأربعون سنة قضيتها فى المهنة ..... كان الخبز متوفرا أيام زمان اما الآن فسارات الاحرة افتكت خبزنا وأصبح الحرفاء يفضلون ركوب السيارات.
أخذ الدرمول يقئ ......
قئ ممزوج بالخمرة خرجت منه رائحة كريهة تخلل ذلك عطاس عنيف كشخير البغل فى فصل الربيع. نهره عنتوز صارخا :
- صه .. انفاسك كادت تخرج -هدأ الدرمول کنار نفذ وقودها وعاد يتحدث بصوت منخفض -سئمت الحياة -هی کدخان هاته السجارة - ليس لها معنى في قصرنا اما خارجه فلها طعم لذيذ . -أنا يا أخي لا أشاطرك الرأى كانت المرحومة خوله تقول : بعد الحرب السلم . وبعد الليل الفجر قال لى أحد الحرفاء اليوم لما كنت امسح حذاءه في باب سويقة : خذ الورقة الخضراء وسترى فيما بعد !
- دعنا من الاوراق . - لم نستفد لا من الحمراء ولا من الخضراء ولا من البيضاء
خليك يا راجل ما كانش أوراق غير الحمراء واليوم ها الاوراق الجديدة بشرى خير.
- أنت أبله لا تنظر الى بعيد . - أنا حكيم - أنت بحكم حرفتك لا تنظر الا الى أسفل - مساح الاحذية لا ينظر الا الى أسفل الرجل الى حذائه . - فسر لى بالضبط آش قال لك السيد - قال لى : ديمقراطية وشيوعية - وشنوه ديمقراطي وشيوعى ؟ - معناه غدوة أنت باش تسكن فى باب بحر - وسأتتزوج شقراء ، ولابسة سروال طويل وشعرها يتدلى فوق اردافها .. ويصفق الناس.
وقام الدرمول يرقص كمجنون مقبلا صورة ربح تارة وزميله تارة اخرى.
ونهض الدرمول وعنوز واضعا الاول قلة الماء فوق رأسه والثانى ربط حزامه بقشابيته وأخذا يرقصان ويغنيان على نغمة :
- ورقة حمره..... اه يا خويه - ورقة خضره..... دور نصفك - ورقة زرقه.... يستر ربي - ورقة بيضه... منامة عتارس - دز الركبه دز ... - الحمرا والزرقا والخضرا والبيضا واشكون يربح .!؟
كان الرقص عنيفا ، وتخمر الدرمول والعنتوز كما يتخمر الصوفية فى مغارة سيدي أبي الحسن الشاذلى وتصبب منهما العرق وداست اقدامهما ما لفظته معدتهما من القئ .
كان الوقت سحرا .
وكانت الظلمة قد أرخت سدولها ، ( وسكنت حركة كل ذى نسمه حية.....) واسترخي كل منهما على سريره
بدأ زيت القنديل ينفد ، وتضاءل نوره كتضاؤل المستنيرين به .
تدثر الدرمول بقشابيته الملطخة بالقي ، والتحف عنتوز بكدرونه الاغبر كأيام كفاحه فى بنزرت .
سامرتهما الوحشة ...... بدأ شخيرهما يعلو .
هتف الدرمول : - اسمع ....... الاوراق الكل تربح (( الا نحن نخسرو)) وطواهما النوم كما يطوى الزمن الذكريات
القصر الذي سكنه الدرمول والعنتوز منذ أربعين عاما يوجد فى وكالة عتيقة زرعت في وسطها شجرة سر عشش فيها بوم.....

