في مستهل العدد مما يلى الافتتاحية كلمة لم تكتب فى موضوع حياة العربية ولكن يشفع لادراجها ضمن مواده انها مساهمة فى التنويه بمناسبه ثقافية عالمية كان موضوعها الفيلسوف الفرنسى العظيم " البير كامو " الذي ذهب منذ قريب ضحية النائبة الخرقاء
واذا كانت الاهمية الذاتية وحدها التى يتمتع بها الفيلسوف كافية لان توجب على مجلة ثقافية ان ترى لوفاته عندها صدى حتى ولو كان العدد خاصا بموضوع بعيد فان الطريقة العنيفة التى اختاره عليها الموت لتضفى على ذلك الواجب مزيد التاكد والتحتم على ان الكلمة التى كتبها فى ذلك الاستاذ الدشراوى وان كان مضمونها لا يدخل فى نطاق نقدنا هذا فان اللغة التى اديت بها ، او على الاصح بعض الظواهر التى تراءت في لغته لتجمعنا وجها لوجه فى هذا المضمار ، وقد كنت شديد الحرص الا اصادف مثلها فى سبيل التفرغ للمضامين
والافكار دون صورها . غير ان الموضوع يبرر ذلك ويفرضه . كما ان الهنات اللغوية التى الفتنى اليها الاستاذ قد بلغت ، على عدم ، كثرتها كيفا حتم الاشارة اليها والتنبيه الى نتائجها
فابرز ما يلاحظ من ذلك ، الطريقة التى رسم بها الكاتب لقب الفيلسوف فقد احتفظ في تعريبه بالحرف س فرسمه هكذا : " كاموس " ، فى حين ان هذا الحرف لا ينطق به - كما لم يضن حضرته بالتنبيه - فى لغته الفرنسية على عكس الحال في العربية التى لا تعرف او لاتكاد تعرف حرفا فى كلمة لا ينطق به ، فاذا اضفنا الى ذلك ان الذين سبقوا فى ترجمة الفيلسوف والكتابة عنه بالعربية وقد جروا على رسم اللقب بدون سين حسب نطقه الاصلى ، لاحظنا ان الاحتفاظ بهذا الحرف لا ينتج عنه غير اثاره البلبلة لدى بعض القراء وجرهم الى الاعتقاد بان كاموس هو غير كامو . . فضلا عن ان الزيادة غير المفيدة منافية لمبادىء الاقتصاد الفكرى الذى يجب ان يتبعه الكاتب فيما ينشىء ويجده القارى فيما يطالع . . عفوا فقد ذكرت ان من اغراض العرب بالزيادة الالحاق ، فلعل كاتبنا اذن انما اتى بالسين للاحاق ب " وزن " عرفته العربية كأن يكون " كافور " او جاموس . . مثلا
على ان ما فعله الاستاذ بالاسم بعد فعلته باللقب ان " الالحاق " لا يكون بالزيادة بل وايضا بالنقصان ، بحذف حرف ، وهو ما فعله فى Albert فهذا الاسم كما ترى يكتب بالتاء في اصله ويكتب احيانا بها واحيانا بدونها فى العربية كما لابد ان تكون قد لاحظت ، هذا من جهة الآخر فاما من جهة الوسط فان الحرف e المشتملة عليه اللفظة قد جرى عرف المعربين بقلبه ياء لينة فيقال " البير " . على انه فى صورة ما اذا ابدلت ال e الفا ليكون متحتما فى منطق الدقة الاحتفاظ بتاء ، Albert فلا يقال - والصورة هذه - الا البارت ، وذلك منعا من الالتباس بالصفة العربية اى اسم الفاعل من " بر " كما يستحسن فى الصورة الاخرى ايضا اثباتها فيحصل التاكد من ان المقصود اسم علم وليس " لبرا " اما اذا سهل همز هذه اللفظة الاخيرة وذكرت فان اثبات ذلك يصبح على نفس التحتم والتأكد . . .
وخلاصة ما يقال بهذا الصدد ان الاستاذ ملوم بتصرفه اكثر من لوم فهو لم يكتف فى ذلك بمخالفة الصحيح المهجور وحده ولا باتباع الخطأ المشهور . بل لقد عمد الى اسوا الامور وهو اتباع الخطأ والخطأ المهجور !
وقد زادنى غرابة ان الكاتب لم يتبد فى مقاله كمن صرفه الانشغال بمضمونه
عن الاهتمام بدقة اللفظ فيما يعرب . بل لقد بدا بالعكس وكانه ذو عناية خاصة بذلك فهو مثلا يعمد الى مقابلة اللفظة Ab8urde باللفظة " المحال " ناصا على ان هذه فى نظره اقرب الى المعنى من لفظة " العبث "
وانى اخشى ، استنادا الى كل ما اسلفت - ان الاستاذ انما يفهم من الاجتهاد اللغوى ومن الاصطلاح مفهوما مخالفا لموضوع الاول وغاية الثاني ، ذلك بان من يجهل فلسفة كامو سوف لن يدرك ما ان كان المحال او العبث اقرب الى المعنى الاصلى . . لان هذا المعنى - شأن لداته - لايتصور كنهه ولا تكتمل ابعاده الا بمعرفة مجاله وبيئته اعنى الفلسفة التى استخدمته
فاما من تعرف من قراء العربية على فلسفة كامو فقد تعرف عليها ولفظة العبث لا المحال هي الداله على لفظة Ab8urde فحصل لديه الترابط واستقر الدال على المدلول ، و اي اصطلاح ياتي بعد اشتهار الاول كائنا ما كان من الدقة لن يؤدى الى غير التشويش على ذاك وبالتالى الى تهويش ما يمكن ان يكون قد عرفه القارىء من عموم الموضوع نفسه
ويذكرني هذا بما كان علق به الاستاذا رني حبشي - وهو من اقطاب الوجوديين العرب - على عدد من مجلة الاداب البيروتية وفقا اوردت فى تعريب مقال له لفظة العبث ترجمة " لابسورد " ، فقد انكر عليها انطباق اللفظة واقترح للمعنى لفظة " اللامعقول " . بيد ان ذلك لم يكن له من بعد ادنى مفعول . .
فاذا كان ما تقدم هو الشان فى الاصطلاح فالمفيد ان نصرف اجتهادنا عما استقر منه بعد وذلك الى ألوف الالفاظ الاجنبية التى لما تعرفها العربية ، وهى ميدان للمهتمين خصيب
الى هنا كان يجب ان تنتهى مهمتى من التعليق على كلمة الاستاذ الدشراوى وقد خصصتها لقضايا العربية ، تبعا لغرض العدد الاصلى ، غير ان تعليقا ذيلت به الكلمة قد اغرانى بقلب الاسطوانة على وجهها الآخر . . . ذلك ان المجلة قد وصفت " الاراء المصرح بها في هذه الكلمة " بالاهمية ، ونظرا لوصفها هذا ولاعتبارات اخرى ذكرتها فهى تود لو تتعرف الى ردود القراء واحاسيسهم الناشئة عن ذلك . .
ومن جانبي اعلن ان الاهمية المسندة الى تلك الاراء غير مسلمة على خلاف ما اشعر تنا المجلة . بل هى عندى لاتعدو " تجريدة " فى البير كامو يتنازع على عرضها العقل الاحصائى والقلب الحسران . وهى لذلك فى رأيى " تأبين " اكثر منها مرثية . . . ولعل الاستاذ يعود الى نفس الموضوع بغير كلمته هذه فيتيح لمن انكر الاهمية الآن فلم يعبر عن " احساساته " ان يتحسسها فى آتى الايام فيبدى تعليقاته . . .
ولكني في انتظار ذلك لا ارى لى مفرا من ان اضيف اشارة عابرة الى ظاهرة ما كان لينبغي ان تتبدى فى تفكير متعلم متوسط الذوق والثقافة بله استاذا . واعنى بها ذلك الميزان الاخرق الذى كان الاقدمون بل بعضهم يعمد الى وضع
اديبين في كفته ليعلن - في سرعة ان فلانا اشهر او افضل من فلان . .
يقول الاستاذ عن مرثية : " واننا لفضلناه على غيره من الادباء كسارتر ومالرو وجيد ومورياك ، فضلا عن جيونو وموروا . . ص 3 " !
ولم يكتف حضرته بتفضيل كامو عن بقية زملائه بل عمد الى كل واحد من هؤلاء فمنحه " فضلا " حسب ترتيب لم يضن بعرض جدوله ، او قل مرسومه . على حد ما كان يوزع من اصناف الاوسمة فى قصر الباى المغمور .

