وفى مدى عشر سنوات أى فيما بين سنتى 1940 و 1950 كتب ونشر كامو الصفوة من آثاره . وبعد نشره (( الطاعون )) سنة 1947 ، وهى الرواية التى لقيت نجاحا منقطع النظير ، مثلت له فى السنة بعدها مسرحية (( حالة الحصار )) (L'Etat de Siege) . وأسهمت نخبة من الممثلين فى الاضطلاع بأدوارها حيث انتدب لها جان لويس بارو (Jean-Louis Barroult ) ومدلين رينو (Madeleine Reynoud) وماريا كازاريس (Maria Cosares) وبيار براسور (Pierre Brasseur) ، بيد أنها منيت بالاخفاق . وفى سنة 1950 إثر رحلة له الى أمريكا الجنوبية مثلت له مسرحية (( العادلون )) (Les Justes) ولعلها من بين سائر قصص ومسرحيات كامو هى الأثر الذى يتيح لنا أكثر من غيره أن نستخلص رأيا عن ردوده للفعل تجاه الصراع النفسى بأنواعه ، مما ينشأ عن متطلبات العمل الثورى فى تعارضه مع نوازع العاطفة ومقتضيات السلوك الاخلاقى المألوف . وقد استلهم الكاتب موضوعها من الحملة الارهابية التى شنها الثوريون الروس سنة 1905 على النظام القيصرى .
فهنالك ستيبن (Stepan) الذى لا يزعجه أن يلطخ يديه بالدماء فى سبيل الثورة والذى يرى الغاية مبررة للوسيلة ، بينما نجد غيره من الاشخاص يذهب الى أن العمل الثورى ينبغى أن يلتزم حدودا يقف عندها . وهنالك خاصة كاليلييف (Kaliayev) ( وهو الذى يبدو متفوها برأى كامو ) فهو يرى قتل الاطفال منافيا للشرف ، ويقول بهذا الصدد : (( لو أن الثورة تخلت يوما عن الشرف ، وأنا حى أرزق ، اذن لأعرضت عنها جانبا )) . وكذلك يأبى أن يقترف فى حاضره أى مظلمة من أجل اقامة نظام فى المستقبل قد لا يتفق مع رغائبه ، ويردف قائلا : (( انما اعتنقت الثورة لأنى أعشق الحياة )) ويرد عليه ستيبن : (( لكننى أنا أعشق العدالة ولا أبالى بالحياة )) .
وليس من غرضنا هنا أن نحلل آثار كامو ذات الاتجاه الفلسفى ، مما قد يستدعى مزيد الاسهاب ، فهو كما يقول بعض ناقديه : (( قد عبر فى لغة
واضحة عن أفكار ليست دوما نماثلها فى الوضوح )) ونحن مقتصرون هنا على (( الرجل المتمرد )) (L'Homme Revolte) . ومعلوم أن بروز هذا التأليف قد أدى الى نشوب نزاع قلمى طويل عنيف بين سارتر (Sartre) وكامو على صفحات مجلة )) الأزمنة المعاصرة (( (Les Temps Modernes) مما أفضى فى النهاية الى القطيعة بين الرجلين .
وقد كان لاخفاق كتاب (( الرجل المتمرد )) وللقطيعة مع سارتر أبلغ الأثر فى نفس كامو ، ولاح للعيان أنه تخلى عن المعمعة . وأمسى ذلك التخلى فى نظر بعضهم عبارة عن جحد لمبادئه وتنكر لها . بيد أنه كان بين الفينة والأخرى يخرج من صمته ليقدم شهادة أو ليصدر بعض الاحكام الصارمة فى لهجتها . ففى ديسمبر 1951 أدلى كتابيا بتصريحاته فى قضية ( D M T L ) أمام محكمة بليدة . وفى سنة 1952 قطع صلته بمنظمة (( اليونسكو )) (UNESO) إثر قبول اسبانيا بهذه المنظمة الأممية مبديا مزيد الاستنكار على رؤوس الأشهاد ، كما ساهم خلال سنة 1953 فى اجتماع عقد لفائدة الشغالين الذين ثاروا ببرلين الشرقية .
وفى أواسط سنة 1955 يعود الى أحضان الصحافة وقد فتحت فى وجهه مجلة (( أكسبريس )) (Express) أعمدتها . وفى II جويلية بينما كانت الثورة الجزائرية فى مستهلها برزت له بها مقالة تحت عنوان )) ارهاب وقمع (( جاء فيها :
)) انما يعلل الارهاب فى الجزائر وفى غيرها بفقدان الاهل . فمنشؤه فى كل موطن وعلى مر الدهر هو شعور المرء بوحدته وانعزاله ، وما قد يخامره من أنه لم يعد له من ركن يعتمده أو من غد يرجوه ، وأن الجدر المحدقة به عديمة النوافذ متناهية الكثافة بحيث لا مفر من نفسها عنوة لكى يتاح له مجرد التنفس وحتى الخطو شيئا ما الى الامام . وهكذا انغلقت الجدر حول سواد أعظم ليس له من ممثل أو باى أو سلطان يتكلم عنه ويشخصه للعيان . فالصمت الحاف به والبؤس الغامر له وانطماس الغد الأفضل فى وجهه وفقدان الامل لديه والشعور المرهق بمهانة خاصة لحقته حين جاءت كل أمة تجادل عن نفسها ، كل ذلك جعل ليلا من اليأس ينيخ بكلكله على جموع الجزائر ، فلا مفر أن ينطق المكافحون من أحشاء ذلك الظلام )) .
وكذلك يدرك كامو لماذا حمل أبناء الجزائر السلاح ، بيد أنه لم يتمثل ذلك الا فى صورة تمرد لا أكثر ولا أقل . ولم ينتبه الى أنه ثورة فى واقع الأمر . فهو اذ ينتقل الى الجزائر العاصمة بعد أشهر ليلقى بنادى (( التقدم )) محاضرة ينادى فيها بما سماه (( مهادنة المدنيين )) ، يتجلى واضحا للعيان مبلغ منافاة
دعوته لواقع الأحداث . على أن الجزائريين من أبناء العاصمة أكرموا يومئذ وفادته ومنحوه عطفهم . وكيفما كان الأمر فقد كان من أثر استسلام غى مولى (Guy Mollet) اثر ذلك بأيام لمتطرفى الاوروبيين ورضوخه لارادتهم أن بدد جميع الأوهام ، وأدى الى متابعة النضال بما يفرضه من التضحيات الباهضة حتى الاستقلال .
وانقطع كامو عن مساهمته فى مجلة (( اكسبريس )) ولازم الصمت الى شهر أكتوبر من سنة 1956 حيث ساهم فى ندوة احتجاج عنيف ضد أحداث بودابست . وعلى عكس ذلك لم ترتفع عقيرته ابان الحملة الفرنسية الانجليزية على قنال السويس . ثم تنصرف من يومئذ مهجته الى المسرح خاصة .
وتعرض كامو للمرة الاخيرة لقضايا الجزائر فى (( حاليات 3 )) وكان بروزها فى يونيو 1958 ، أى بعد مضى شهر على الثالث عشر من ماية واستلام الجنرال دى فول (GI. de Gaulle) لمقاليد الحكم . وكان الجزائريون ما فتئوا معلقين آمالهم بكامو رغم ما كان من تحاشيه ادانة أعمال التعذيب على غرار نخبة من المثقفين الفرنسيين ، فأثار موقفه ذاك استنكارهم بما تقدم به الكاتب من حل مزر على غرار النائب لوريول (Lauriol) . فبينما كان قد استشهد يومئذ مئات الآلاف من أبناء الجزائر من أجل استقلال بلادهم اذا بكامو يقترح اقامة نظام للكم يقول كامو عنه : (( انه جامع مزايا الادماج الى محاسن الفيديرالية )) وهو بالضبط الحل الذى كانت قد تخطته الاحداث منذ سنة 1945 ، كما تبين هو ذلك بنفسه فى التحقيق الذى أجراه يومئذ لصحيفة (( كمبا )) . وأعجب من ذلك أنه قد اعترف هو نفسه بأن (( سياسة فرنسا بالجزائر هى دوما متخلفة بعشرين سنة عن واقع الأحداث )) .
ذلك أن كامو غير متفق مع الثورة الجزائرية لا بالنظر الى أهدافها ولا بخصوص وسائلها :
I) فهو يتخذ له موقفا متسما بالرجعية . ويقول : (( اننى مناهض كل المناهضة جميع مظاهر الاستسلام )) ويردف قائلا : (( مهما كان من حسن نوايانا ازاء مطالب العرب ، فعلينا أن نسلم بأن الاستقلال القومى انما هو بخصوص الجزائر عن صياغة قوامها العاطفة ليس الا )) .
وفى (( رسالة الى جزائرى )) نراه يلجأ فى شئ من الغلظة الى استعمال تعابير من صنف قوله : (( أنتم العرب )) و (( نحن الفرنسيين )) و(( رهطكم )) و (( رهطى )) الخ .
2) وهو الى ذلك يناضل عن فكرة للعدالة غير متضحة السمات ، ويحاول تبرير رفضه للاستقلال بما له من وجهة فى النظر مرتجلة ومفرغة فى قالب من اللبس فهو يكتب : (( مهما كانت المصادر القديمة والمتأصلة لمأساة الجزائر ، فثمة أمر قار : ليس هنالك من سبب يبرر موت البرئ )) .
وقد لاحظ ب. ه. سيمون (Simon P.H.) أن موقفا كهذا قد يفضى أحيانا الى ابقاء الحالة الراهنة على ما هى عليه من ذهاب الأبرياء طعمة للألم والموت . وكان عمانويل مونيه (Emmanuel Mounier) قد لاحظ من قبل أن رفض استعمال العنف فى الاطاحة بالحكم الجائر عبارة عن تناس منا لكون ذلك الجور الملابس للحكم هو فى حد ذاته عنف .
وهذا كامو نفسه قد سبق له أن أيد نضال الجمهوريين الاسبان الذى أفضى حتما الى قتل الأبرياء ، كما أيد انتفاضة بودابيست الشعبية ، وما كان يهمه أن مات الأبرياء من جرائها . وهو يعلم مثلا أن أعمال التخريب المقترفة من طرف المقاومين الفرنسيين كانت تنجر عنها حتما حملات للانتقام والتشفى من طرف الألمان تلتهم العدد الجم من الفرنسيين أنفسهم ضحية لها .
وبناء عليه فان زعمنا بأن ليست ثمة قضية تبرر موت البرئ يشكل مقالة وجيهة شريطة أن نعممها على كل زمان ومكان . لكن كامو تجرد من النزاهة فى حكمه اذ حصر مقالته تلك فى نطاق الثورة الجزائرية دون غيرها .
أما نحن فان ننس لا ننس ما كتبه كامو نفسه من قبل فى صحيفة (( كمبا )) اذ يقول : (( لست قائلا بأن العنف يرد عنه باستدرار البركات على جانبه. انما أظن أن العنف لا مفر منه بتاتا ، ولقد علمتنى ذلك سنوات الاحتلال )) .
3) ان من شنشنة كامو أن ينضم الى جانب رهطه و(( ذويه )) على حد تعبيره أى الى شق الاوروبيين فى الساعات الرهيبة . والحق أن هنالك تعليلا نفسانيا لموقفه هذا سواء أكان ايجابيا أم سلبيا : ذلك أن حجة العاطفة والقلب أنهض لديه من حجة العقل . وكفانا أن نذكر بهذا الصدد ما كان من رده فى ستو كهلم (Stochkolm) اثر تسلمه جائزة نوبل على شاب جزائرى كان قد استفسره خلال ندوة صحفية عما إذا كان مساندا للثورة الجزائرية أم مناهضا لها ، فأجابه كامو :
(( اننى ما فتئت أدين الارهاب ، فعلى أن أدين عمليات الارهاب الأعمى الجارية بأزقة الجزائر مثلا ، والتى قد تصيب أمى ذات يوم . اننى لمؤمن بالعدالة
( وهذه منه محض فكرة مجردة ) ، لكننى أدافع ( هنا تتكلم العاطفة ) عن أمى قبل العدالة )) .
ويعمد ج. روا (J. Roy) وهو العليم بكامو الى التعليق على ذلك الرد المتفوه به فى ستوكهلم ، فيقول : (( ان ما كان يكنه كامو من بر عريق متأصل فى نفسه لشخص تلك العجوز الأمية كان يتحول بطبيعته الى شعور دينى . فقد كان تراب الجزائر يتقمص لديه فى شخص أمه النابضة حياة )) . وينهى ج. روا توضيحه قائلا : (( كان الجزائريون مصرين فى اعتقادهم بأن كامو رجل عظيم ، وانما فرقت بينهم الحياة والمقادير . ولكن أى شئ هذه الحياة ؟ انها على الحقيقة لهى الصورة الذهنية الحاصلة فى نفسه عن المرأة التى وهبته الحياة ، أى الأم ... وما دام الأمر متعلقا بقضايا فكرية مجردة كان بمقدور كامو إدانة حماقات رهطه والتشهير بجرائمهم . أما إذا كانت الحياة نفسها هى المعنية فهو ينضم الى جانب (( ذويه )) كما هو الشأن فى المأساة اليونانية عند النطق ببعض الألفاظ النحسة ، فتسيل على اثرها الدماء )) . ويحسن بنا فى هذا الصدد أن نعرج على ما خطه كاتب فرنسى آخر هو ليون بلوم (Leon Blum) فى كتابه (( المعيار الانسانى )) (A I'Echelle Humaine) اذ يقول :
)) ليس للمرء مهجتان متغايرتان ، هذه للتغنى والشدو والاخرى للعمل الجاد ، وهذه لتذوق الجمال واكتناه الحق ، وتلك للشعور بالأخوة واستيعاب مفهوم العدل (( .
على أن كامو نفسه هو الذى يصرح فى رسالته الاولى الى صديق ألمانى : (( لسنا نجد مبررا لسعينا فى أى ضرب من ضروب الحب )) . وبوسعنا الى حد ما أن نقارن بين موقف كامو وبين وجهات نظر أديب آخر من رضعاء الثقافة الفرنسية وهو جان عمروش (Jean Amrouche) ، فهو فى عدد 16 جانفى 1958 من مجلة (( فرانس ابسرفاتور )) (France - Observateur) يوضح لنا رأيه كما يلى :
(( إن أى وطنى جزائرى لا يناهض الاستعمار على نفس المنحى والشكل الذى بعارضه به فرنسى يسارى النزعة ... ان حرب الجزائر ليست فى نظر الجزائرى معركة كغيرها . انها حرب مقدسة ، تضع الصميم من كيانه واللب من وجوده ، لا جوانب محدودة منه ، فى مهب الرياح ، وتجعله مناطا للأخذ والرد )) .
حتى اذا ما وافاه أجله ( أى جان عمروش ) لبضع أسابيع من تاريخ وقف
اطلاق النار أتيح لنا أن نقرأ ببعض الصحف أن ذلك الأديب الراحل على الرغم من تشبعه بالثقافة الفرنسية وانتمائه الواضح الى الكثلكة قد حصل له مزيد الوعى سنة 1954 بوشيح أواصره بشعبه ، وأنه ما انفك من يومئذ يناضل لفائدة القضية الجزائرية . وفى موقفه ذلك دلالة لنا على أنه مهما كان من توثق عرى اللحمة الثقافية بفرنسا ، فلن يقوم ذلك بتاتا حاجزا دون لحاق الجزائرى بمواطنيه ، ولا حائلا دون انضمامه التام الى كفاحهم .
وكذلك ما كان من جان عمروش الا أن طالب لنفسه بصفة المواطن الجزائرى تجاه ما كان يتحمله شعبه من آلام نكراء فى سبيل امتلاكه حريته .
أما كامو فلم يرد ذلك لنفسه ، بل نجده على العكس يعمد الى تشويه تلك المعركة والنيل من مقامها ويتهاوى فى (( حاليات 3 )) الى حضيض مزر اذ لا بتحاشى فى هذا الصدد من الادلاء بحجج من صنف قوله مثلا :
(( علينا أن نعتبر المطالبة الجزائرية بالاستقلال كظاهره بين سواها من مظاهر الامبريالية العربية الجديدة التى تشرئب مصر الى تزعمها فى نعرة من الغرور والتى تستخدمها لحد الآن روسيا لفائدة نواياها الاستراتيجية ضد الغرب )) . وهنا يكاد يلتحق بلويس برتراند مع وجود فارق طفيف وهو أن هذا الأخير يتحدث عن الغرب اللاطينى بينما كامو يتحدث عن الغرب مطلقا . وعلى كل حال فنحن نستروح من مقالته هذه أنه قد بلغ من أمره أن أصبح يستند الى نفس الحجج التى استظهر بها من قبل أشباه لاكوست (Lacoste) وسوستيل (Soustelle) فى دعم مذهبهم الاستعمارى ، فهو لا يتحرج من التأكيد بأk الثورة الجزائرية ليست فى حقيقتها سوى )) تواطؤ غريب تألبت فيه علينا مدريد وبودابيست والقاهرة )) ( ص 146 ) وأنها (( قد أعرضت جانبا عن سد الضروريات المادية الهائلة لجماهير ما تنفك متضخمة يوما بعد يوم ، وظلت نحلم بوحدة اسلامية شاملة ربما تكون أيسر تصورا وأبرز ملامح فى مخيلة رجال القاهرة منها فى الواقع التاريخى )) ( ص 150 ) .
ومثل هذا التعامى عن واقع الثورة كان يبدو منتظرا من طرفه من يوم أن حرر رواية (( الغريب )) وهى الوحيدة التى كتبها كامو بالجزائر من أولها الى آخرها ، والتى يتخذ منها اليوم مادة لشريط سينمائى . فليت شعرى هل يتيح لنا هذا الشريط الوصول الى مغزى هذا الأثر الأدبى . وكيفما كان الحال فمعلوم أن الشرح الذى تقدم به سارتر للرواية ، وكذلك التحاليل التى كتبها بهذا الصدد عدد من النقاد لم تحظ برضا المؤلف فلا بأس أن نضم الى
ذلك بدورنا تأويلا لنا قوامه الرمزية لا سيما إذا سلمنا بأن الكاتب قد لجأ الى الرموز فى كتابته رواية (( الغريب )) .
لقد كان كامو ابن عامل زراعى فكان يحز فى نفسه بذخ المعمرين وصلفهم المتناهى ، ثم انه ناضل فى صفوف الحركة المناهضة للفاشية وأصبح مثقفا من صنف ممتاز ، ومن أجل ذلك كان الواعى لمنزلة أوروبيى الجزائر بما اتسمت به من خصائص . وإن ننس فلا ننس أنه شرع يكتب (( الغريب )) فى سنة 1939 وهو ما فتئ ينتمى الى صحيفة (( الجزائر الجمهورية )) (Alger-Republicain) ، فكان يدرك ما فى الوضع الراهن من لا معقولية متمثلة فى وجود جالية موطنة بالبلاد وسط مجموعة بادية التفوق عدديا من أبناء الجزائر . فلا امتراء حينئذ من أن (( الغريب )) فى نظر كامو انما هو الأوروبى بأرض الجزائر . هذا المشهد الرئيسى للرواية وهو اطلاق مورصو رصاصات خمسا من مسدسه على (( العربى )) المجهول انما هو رمز الى العدوان الكامن فى نفس الاوروبى ، والذى هو يحلم بالتخلص من وقرة إنهاء لما يشعر به من وحشة مليئة بالقلق والمخاوف فى مجابهته للعربى . ولست بالقائل ، على غرار بعض المتأولين ، أن مورصو - أو بالأجدر كامو - قد تخلص بذاك الموقف من عقدة فى نفسه من صنف ما ينتاب صبيان الاوروبيين فى البلاد المستعمرة ، وأنها كانت علقت به من يوم أن اعتدى بالعنف على أمه من طرف رجل جزائرى فى منزلهم بحى بلكور . على أننى أرى أن كامو بمقتله العربى فى روايته قد حقق عن طريق اللاوعى ما كان يحلم به كل أوروبى استوطن الجزائر وأحبها لكنه لا يتصورها الا مجردة من أبنائها .
أما الحكم بالاعدام على مورصوا كما جاء فى الرواية فهو غير محتمل ، ذلك أنه ما حدث قط أن اقتص بالاعدام من قاتل أوروبى . لا ريب اذن أن ذلك الحكم الصارم انما هو اشعار بنهاية نظام آثم مناف للعدل . وكان كامو متوقعا هذه النهاية منذ سنة 1939 ، ولو أنه لم تسغ نفسه استقلال الجزائر بعد مضى عشرين سنة على ذلك التاريخ . ولنا أن نلمح وجها للشبه بين كامو المتضامن مع أوروبيى الجزائر أو ((الأرجل السود )) كما سموهم ، وبين فولكنر المتغنى بمأثر بنى رهطه من الجنوبيين الاميريكان . ونجد نفس المقارنة بقلم جول روا (Jules Roy ) اذ يقول :
(( لقد كان كامو على علم مثل فولكنر بأن الحقيقة مردها الى العاطفة والقلب ، بحيث ليس يجدى المنطق فى اقناعنا ، وان ملأ الدنيا حججا ، إذا كانت القضية تخص ذوى رحم لنا تشدنا بهم أواصر من الدم والجنس )) . وبالتالى فان الجزائريين ( أى من سماهم كامو بالعرب ) ليس لهم من أثر
مطلقا فى عامة تصانيفه . واذا ما حدث أن أبرز لنا عربيا ضمن أشخاص قصصه كما فى رواية (( الغريب )) فهو لا يتحرج بشأنه من سرد غير المحتمل وما لا يمكن تصديقه بحال ، ولعل ذلك لأن القصة ليست بوصف للواقع ، بل هى ذات طابع رمزى .
أما فى روايته (( الطاعون )) فليس ثمة جزائرى مطلقا بوهران ، وهى المدينة التى تتجلى فى روايته تلك بملامح غريبة حقا حيث يقول لنا عنها فى أول القصة : (( انها مدينة من الطراز المألوف لا تزيد شيئا عن أى مركز ولاية فرنسية بالساحل الجزائرى )) .
وفى كتابه » المنفى والملك« ( L' Exil et la Rayaume ) يقدم لنا ضمن أشخاص قصة له بعنوان » الضيف « L'Hote ) معلم صبيان فرنسي أنيط به أن يقود الى السجن رجلا جزائريا كان أودعه رجال الدرك .
ولا مفر من أن تحرجنا مثل هذه الجزئيات . فليت شعرى هل كان يرمى من ورائها الى اضفاء مفهوم الشمول الانسانى على تصانيفه ، بينما لو أقحم فى طيها أشخاصا من العرب لآلت القضية برمتها الى الواقع الراهن المتأجج سعيرا والمكهرب نضالا بما فيه من مطالبة العرب بحقوقهم .
هذا وقد لوحظ أن فقرة تناولت موضوع الاحتلال والغزو فى كتابه (( أسطورة سيزيف )) قد أدرجت فى صلب (( الكنانيش )) ( 1934 ) ( Les Cahiers ) تحت عنوان )) حوار بين أوروبا والاسلام (( . وهو نص متأثر فى مغزاه بكتاب )) فتنة الغرب (( (Lo Tentation de I'Occident) لمالرو . ولم يعن قط كامو ولا شغف بقضية هذا الحوار حيث لم يخصص له أى موضع فى تآليفه . وفى كتابه (( الرجل المتمرد )) لا يخطر على باله أن يتعرض بهذا الصدد لصورة بارزة حقا فى هذا الباب ، وتلك هى المتمثلة فى موقف أبناء البلدان المستعمرة ( بفتح الميم ) . فنحن نراه قد أهملها تماما عندما تناول بتحليله منشأ ظاهرة التمرد فى نفس العبد المسترق تجاه سده ، اذ تبدأ تساوره هذه الفكرة : (( ألا أن هذه الحالة لا يمكن أن تستمر )) .
أجل ، لقد اتضح الصبح لذى عينين ، ولم يعد من مجال للريب . لقد اختار كاموا معسكره ، وانضم الى رهطه المفضل عنده والمحبب الى قلبه ، كما كانت تشعر بذلك الكلمة التى ألقاها فى مكتبه بمقر صحيفة (( الاكسبريس )) عند
مستهل سنة 1956 ، فى وفد جاء لزيارته من قبل الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين كنت أنا من بين أفراده . فبعد أن اقتبلنا اقتبالا وديا والتمس منا الجلوس على الارض فوق بساط مفروش ( كما هو الشأن فى منزله حسب تعبيره ) شرع يفيض القول فى كلمة طويلة لم تكن فى واقعها سوى صورة جديدة طبق الاصل من تأرجحه المتعارف بين كلمتى (( نعم )) و(( لا )) ، وتردده المعهود بين الرفض والقبول . وقد ألح فى القول بأن العنف واحد فى جوهره ، وأنه لا ينبغى له إدانته وقد تلبس به المظليون ، ان هو لم يدنه كذلك مسلطا من قبل الارهابيين . ولم يكن للبراهين التى أدلينا بها أى أثر فى اقناعه وزحزحته عن رأيه . وقد أدهشنا خاصة من طرفه أن كان يستعمل كلمة (( نحن )) متحدثا عن فرنسيى الجزائر ، ولفظة (( أنتم )) متوجها الى أبناء الجزائر . وأدركنا فحوى أمره عندما أنهى كلمته بهذه العبارة ( وهى التى نقلها جان دانيال (Jean Daniel ) : (( ألا فخذوا حذركم . لقد أوشكت تدق الساعة التى لا سبيل فيها لأى كان أن يبقى على الهامش أو فى الوسط أو بأعلى الربوة . انه اذا تمادى العنف واستفحل فالواجب المحتم حتى بالنظر لمثل هو العودة الى رهطه وذويه ، حيث يستحيل الحياد أو البقاء خارج المعمعة )) .
ذلك هو كامو لما ترده لنا (( الأبدية إلى كنهه وحقيقته الخالدة )) . لقد كان كاتبا ذا موهبة لا غبار عليها ، وكان ذا حساسية مرهفة متسما على الدهر بتضامن عنصرى فى جوهره يشده الى المجموعة الانسانية التى ولد وترعرع فى أحضانها ، وما فتئت أمه منتمية اليها . ٣ ر ٣ - ى ٣ ١٣٣٤ ي ٢ ز -
فتلك هى القيود التى حالت دون تجاوزه وضعيته وخروجه عن دائرتها الضيقة بحيث يصبح الشاهد العدل الذى كان ينتظر منه أن يكونه : أعنى الشاهد المتفتح الوعى والضمير على ضروب الشقاوة والظلم الطافح بها عصره .
حتى اذا ما أدلى بشهادة شعرنا الى أى مدى سيقف فى تحملها والاضطلاع بها علي وجهها . وكفانا برهانا ناصعا بهذا الصدد أن نستشهد بقصاصتين من جريدة (( لوموند )) يرجع تاريخهما الى أوت سنة 1959 . وقد نقلت لنا القصاصتان نداءين ممضيين من طرف كامو وغيره من الكتاب أحدهما متعلق باسبانيا والآخر بالجزائر .
وقد جاء الاول بهذا العنوان : (( مثقفون فرنسيون يحتجون على أعمال القمع والتعدذيب باسبانيا )) . أما النداء الخاص بالجزائر فهو يحتج كما جاء فيه على : (( توخى الطرائق المفضية بمر الإيام الى تأجيل موعد انتهاء الحرب فى الجزائر
بما فى ذلك من تهدئة للخواطر ، واقرار ظروف أفضل وأدوم للحياة والتقدم بالجزائر )) .
فبينما تتصلب اللهجة بالنظر لاسبانيا ، نجدها معتدلة عند التصدى للجزائر . وهكذا ففيما بين سنتى 1936 و 1959 لم يتغير موقف كامو ازاء اسبانيا كما هو مشاهد عيانا . اما بخصوص الجزائر فالأمر يختلف على طول الخط .
لا غرو أن كامو قد خط بقلمه بعض الصحائف الرائعة عن جمال شواطئنا وبهاء شمسنا . وحتى بهذا الصدد قد تحولت وجهة نظره فهو اذ يعود الى تبازه بعد عشرين سنة نجده يصارحنا قائلا : » انه لمن الهوس المفرط والمستوجب غالبا للزجر أن يعود المرء الى مواطن صباه ، محاولا أن يحيا من جديد ، وهو قيد الاربعين ، ما كان قد أحبه وأوغل في الاستمتاع به في العشرين من سنية".
ثم ليت شعرى هل يصح بشأن المرء أن يقال عنه انه أحب بلدا وهو المقتصر على الاشادة بشمسه المشرقة وشواطئه الرائعة ، وقد أعرض ونأى بجانبه عن بنيه بما لهم من آلام وآمال ، كانما قد وضعهم بين قوسين .
وللمرة الاخيرة نستشهد هنا بكلمة لكامو . فهو الذى كتب يقول : أجل ان هنالك الجمال وهنالك المستضعفين . بودى أن أظل دوما مخلصا للاثنين معا ، مهما كلفنى ذلك من المشاق )) .
ونحن الآن وقد استعرضنا الاطوار المتتابعة لحياة الرجل - فمن محقق حر النزعة فى جريدة (( الجزائر الجمهورية )) سنة 1939 ، الى صحفى مقاوم بحريدة (( كمبا )) سنه 1945 ، الى معلق منفرد بوجهة نظره فى صحيفة (( اكسبر يس )) سنة 1956 - نحن الآن بعد استعراضنا حياة كامو قد يحق لنا أن نستخلص الفحوى والزبدة منها ، وهو أن كامو قد تغير كثيرا ، وأن ما زعموه من تعلقه ببلدنا انما كان تعلقه الجثمانى الصرف بطائفته ورهطه عندما دقت ساعة الحقيقة وانتفت كل الريب .
واذ قد تحول كثيرا عن اتجاهه الاول ولم يكن بمقدوره أو هو لم يشأ أن يرفع عقيرته بصفته حاملا لجائزة نوبل لفائدة شعب كان هو أيضا كغيره يكافح لنيل حريته ، من أجل ذلك لم يكن بالوفى لقضية المستضعفين . ونحن إذا ما استعدنا ملامح كامو كما كانت تبدو سنة 1936 لم نتمالك من أن نذكر هذه
الكلمة لأستاذه جان قرينيى : (( ليس هنالك من عظمة حقة دون وفاء ، أى دون ايمان باق على الدهر )) .
لقد كانت تعوز كامو رباطة الجأش ونفاذ البصيرة عندما تدق الساعة للاختيارات الحاسمة . وما أغنت عنه حدة الذكاء ولا سعة الثقافة من شئ ، حيث لم تصرفه عن الانصياع لانعكاساته العمياء بدلا من التفكير واعمال الرأى ولا صدته عن ركوب العصبية الضيقة بدلا من ترجيح القيم الانسانية الشاملة . لقد طغت عليه الاوهام والآراء القبلية الراسخة من عهد الطفولة الى حد أنه اشتبه عليه الأمر ، فلم يبد لعينيه ما سماه (( التمرد العربى )) سوى مظهر للنزعة الاسلامية العالمية (Panislamisme) وأثر من آثار الكراهية للأجنبى .
لقد كان الجزائريون يأملون عن جدارة من رجل مثله محرز على جائزة نوبل أن يقف تجاههم موقفا أفضل من موقفه المعلوم . فليست تلك الجائزة العالمية عبارة عن شرف وفخار لا نظير له ، بل هى أيضا أمانة في عنق من أسندت اليه وعبء ثقيل يضطلع به . ذلك أنها تهبه جنسية من صنف متسام حيث هي تناشد صاحبها بأن يقدم خير الانسانية جمعاء على صالح أمته الخاصة .
ولم يكن كامو مع الاسف فى مستوى هذا المثل الأعلى . ومع هذا فقد كان الجزائريون يمنحونه عن طيب خاطر لقب (( كامو الجزائرى )) لو أنه تسامى عن أحاسيسه العنصرية التافهة وسلم لنا بشرف ما كنا بصدده من الكفاح ولم يكن مشاحنا بشأن الحل الأوحد المرضى لقضيتنا وهو الاستقلال .
وإذن لكان لقب (( كامو الجزائرى )) بمثابة جائزة نوبل ثانية تخول له ، مما يجوز أن نعده جائزة نوبل لتصفية الاستعمار ، أى لأعظم حركة فى التاريخ المعاصر . لكن كامو لم يكن جديرا بهذه الجائزة العظمى . لذلك سيظل فى نظرنا كاتبا جليل القدر أو بالأحرى صاحب أسلوب فنى ممتاز لكنه سيبقى الى ذلك غريبا عنا لا صلة بيننا وبينه مطلقا .
