الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

التأثير والتأثر في الادب

Share

إنه لمن دواعى الاعتزاز والشرف (*) أن ألقى بين أيديكم هذه المحاضرة ، وإنه لمن حسن طالعنا نحن أبناء هذا الجيل أن نحيا هذه الفترات الرائعة وأن نقضى هذه الساعات المليئة الشيقة مع باعث الأمة ورائد الفكر فى تونس ننهل من تجربته ونستوضح الطريق على ضوء عبقريته الفذة فى ظروف نحن فيها أحوج ما تكون الى توجيهه إذ نجابه العديد من دقيق المشاكل وتعترضنا كل يوم قضية جديدة من قضايا النمو المادى والتطور الفكرى .

إن الأدب التونسى قد انتهى إلى آخر مرحلة الطفولة وهو الآن يدخل فى طور الاكتمال والكهولة بما يترتب عن ذلك من جسيم المسؤوليات . فقد دقت ساعة الاختبارات فيما يتعلق بالرسالة التى ينبغى له أن يؤديها ، والمناهج التى يريد أن يسلكها . لذلك فهو فى حاجة الى العودة الى نفسه والتفكير فى ذاته ليكون على بينة من مصيره . فقد يكون من لجدوى بمكان أن نعود الى تجربة أدبنا واتصالاته بالآداب الأخرى نستنطقها ونستخلص منها الدروس لاختيارات المستقبل . وهذا هو ما جعلنا نختار موضوع التأثير والتأثر فى الأدب .

وقد أبيتم ، يا فخامة الرئيس ، بالرغم من اتساع المسؤولية وتعدد الشواغل . إلا أن تولوا هذه المسائل عنايتكم وأن تشرفوا بأنفسكم على هذا اللقاء الذي ستتناول فيه قضايا الفكر ومستقبل الأدب فى بلدنا ، حرصا منكم على أن تعيدوا الى هذه الأمة روعة مجدها الحضارى بعد أن أرجعتم لها الحرية والكرامة وأن تتدرجوا بها الى أسمى مراتب الاكتمال الانسانى

بعد أن خطوتم بها حثيثا نحو مراتب التقدم المادى ، فتكونون قد أسديتم بذلك أجل خدمة للأمة وللانسانية قاطبة .

(( إن كل ما يصبو إليه هذا الجيل من أدبائنا هو أن يكون عند حسن ظنكم فى تحمل المسؤولية التى عهدتم بها إليه وأن يكون خير عامل من أجل الرسالة التى اضطلعتم بها لخير هذا الشعب ولخلود هذه الأمة )) .

معنى التأثير والتأثر

الادب كائن حى ووجود يتراوح بين الخلود والزوال يكتب الكاتب قصته ويخلق الشاعر القصيد وهو يرمى الى تخليد فترات من كيانه النفسى وخلجة من خلجات روحه او فكرة خاطفة خامرت عقله فى اسرع من البرق يريد ان ينجو بها من محق الزمن وتقلب حالات النفس البشرية التى لا يستقر لها قرار . فيحاول حصرها بعد ان كانت طليقة وتجسيمها بعد ان كانت محض فكر او خيال ، وليس له من آلة وحول الا اداة اللغة المحدودة القاصرة فينجح حينا ويخفق احيانا .

فلا غرابة اذن ان نجد من الادب مالا يولد الا ليموت ، ومالا يخلق الا ليزول وان نجد بجانب ذلك آيات من الفن باقية على مر العصور متجددة على وجه الدهر ، فانت ابن القرن العشرين - تقرأ هذه القصيدة او تلك من شعر امرىء القيس وطرفة والحطيئة وعمر بن أبى ربيعة وبشار وأبى نواس وأبى تمام والمتنبى والمعرى ، او تطالع صفحات من كليلة ودمنة لابن المقفع ، والبخلاء للجاحظ ، والاغانى للاصفهانى ، والامتاع والمؤانسة لأبى حيان ، ورسالة الغفران للمعرى ، فتجد من الفن ما تطرب له ، ومن الابداع ما يثير اعجابك ، ومن الغذاء ما يشبع عقلك ، وما ذلك الا لان فيها جمالا ثابتا مع الاجيال هو سر خلودها وهو الذى يحدو اهل الثقافة لا من العرب فقط بل ومن غيرهم ممن بعرف العربية الى مطالعتها والتمتع بها . فمن منا لا يعجب بوصف الليل لامرىء القيس على تداول الناس له واى فتى لا يتأثر بفلسفة طرفة الشاعر الشاب واينا لا تاخذه دقة الوصف لطبيعة البادية المتوحشة فى قصيدة (( ضيف ولا قرى )) للحطئية . ثم من من من منا لا يهتز لعبقرية بشار وللجو السحرى الغامض الذى يحدثه خيال أبى نواس وتلاعب الضلال والأضواء فى صوره . ونحن نستطيع أن نعدد الكثير من هذا .

ومع ذلك فانه لا يخطر بذهن كاتب او شاعر من معاصرينا ان يكتب على طريقة هؤلاء القدماء الذين كانوا بالنسبة لعصرهم ، وبيئتهم محدثين ومجددين. ولو فعل ذلك لما استسغناه منه ولما وجدنا فى نتاجه ما يفى بحاجتنا الفكرية والادبية .

ذلك ان ثبوت الروعة الادبية لا ينفى ان يكون فى الادب عنصر آخر هو التغير والتجدد ، ونعنى به تلك النزعة الى التطور والسير فى المسالك غير المبتذلة وذلك التوق الدائب الى ادراك خبايا النفس البشرية والكشف عنها لفتح آفاق جديدة للفكر والفن باستنباط قوالب طريفة واشكال غير مالوفة من الفن والتصوير والتعبير ، فالتجدد والتجديد فى الادب سنة دائمة . ولو ان ادبا من الاداب توقف عن هذه الحركة التصاعدية بتحجر مناهجه الفكرية وقوابه الفنية كما تم ذلك بالنسبة للادب اللاتينى او اليونانى لما كان مآله سوى الجمود ثم الموت مهما كانت روائعه ومهما كان ثراؤه .

ان الادب ككل كائن حي يتطور وينمو وهو لذلك يغذى ويغذى ، يقبل ويلفظ يؤثر ويتأثر ، فعملية التأثير والتأثر هى أساس التجدد فى الادب ، وهى كالتطعيم بالنسبة للجنس النباتى والحيوانى بفضله تنمو خصاله ومزاياه وبواسطته تزول نقائصه الخلقية او تعالج فيطرد فيه الرقى وينتفى عنه الجمود والضعف والانقراض .

ونحن نعنى بالتأثير والتأثر هذا التفاعل الجدلى بين الاديب ومجتمعه اولا ثم بين الاديب والتيارات الفكرية الادبية الاجنبية ثانيا . فلننظر اذن فى مدى التأثير والتأثر فى الادب فى هذين المستويين ، وسوف لا نبتدىء بالتفاعل بين الاديب ومجتمعه كما قد يتبادر الى الذهن ، بل بتأثير التيارات الفكرية والادبية الاجنبية فى ادبنا المعاصر .

لماذا ؟ لان اعظم ظاهرة امتازت بها الحركة الادبية الحديثة هى بلا منازع هذا التصادم الذى حدث بين الادب العربى من جهة والادب الاجنبى من جهة اخرى فنتجت عنه تلك التحولات الجذرية فى ادبنا المعاصر سواء من حيث مفهوم الادب ووظيفته وموضوعه او من حيث اساليبه وفنه .

ولا بد ان ندقق من الآن اننا سوف لن نتحدث عن هذا التفاعل بالنسبة للادب العربى كله فان المقام لا يتسع لذلك وانما سنقتصر فى بحث موضوع التأثير والتأثر على الادب التونسى وحده .

فلننظر اذن ما هى العوامل والتيارات الاجنبية التى أثرت فى الادب التونسى المعاصر وعلى اى طريق تم هذ التصادم والتفاعل ؟ ثم ما كان مداه بالنسبة لابرز الاصناف الادبية اى الشعر ثم القصة ثم المسرح ؟ بعد ذلك نجيب عن سؤال اخير هو : ما كانت نتيجة هذا التفاعل ؟ هل ساهم فى ازدهار الادب التونسى وتكوين شخصيته ام انه حاد بنا عن الطريق السوى فكان سببا فى تشويه هذه الشخصية والاخلال بها .

بوادر النهضة

لا اظن أنه من المجازفة او من الخطا القول بان بوادر النهضة الادبية فى تونس قد بدأت تظهر فى اواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين .

نعم هناك من النقاد ومؤرخى الادب من يرجع اصول هذه النهضة الى القرن الثامن عشر فيعد من روادها عددا من شعراء ذلك القرن كمحمد ابن محمد الوزير السراج المتوفى سنة 1736 ، وعلى الغراب المتوفى سنة 1769 ، ومحمد ماضور المتوفى سنة 1811 ، ويستخلصون من ذلك ان النهضة الادبية التونسية قد استمدت اصولها من روحها وان تيار التجديد فى الشعر التونسى الحديث قد بدأ باحياء التراث القومى القديم (( فلم يرد هذا التيار ، على حد تعبيرهم ، فى محاولة التونسيين كما ورد فى محاولات المشارقة ، تبعا لما تمخض عن احتكاكهم بالغربيين ، وانما انطلاقا من شعور ذاتى صرف تملك الرواد المجددين )) .

ولو اننا رجعنا الى شعر هؤلاء الذين يعدون من الرواد الاول لنهضتنا الادبية ، لوجدنا ان نتاجهم لا يمكن ان يعد من التجديد الا بكثير من التسامح . فاشعارهم تقليدية فى اغراضها اذ لا تخرج عن المديح والهجاء - تقليدية فى معانيها واساليبها . اما ما قيل منها فى التصوف فهو اقرب الى الابتذال منه الى الابتكار ، وهذا نموذج منه لمحمد ابن سعيد الحجرى المتوفى سنة 1783 م . قال يستزير أحد الاولياء الصالحين :

هل فيكم من جزيل الحب ما فينا         فان شوقكم قد كاد يفنيا

يا سائرين كسير الشمس سيرتهم          والذكر يتبعهم كالروض تلوينا

تقاسمتنا عجيبات لبعدكم                  فالذكر يضحكنا والبعد يكبن

لم املك الصبر اذ حان الرحيل بكم       لا يمكن الصبر من بعد المحبينا

ولا اظن أن فى هذا الشعر من الخيال وعمق المعانى وجودة الابتكار ما يثير الاعجاب او يبشر بالتجديد .

فالاقرب الى الصواب اذن أن نقول إن بوادر النهضة الادبية فى تونس لم تظهر الا فى اواخر القرن التاسع عشر وفى الربع الاول من القرن العشرين وان نعتبر ان رواد الحركة التجديدية فى تونس هم ذلك الجيل من الشعراء الذى ترأسه عن حق او عن غير حق المرحوم الشاذلى خزنة دار وأبرزهم سعيد أبو بكر ومحمد الفايز القيروانى وقابدو ، وسالم بو حاجب .

ما كان حظ هؤلاء من التجديد ؟ اظن انه لم يكن عظيما ، اذ هو لا يتجاوز تطعيم الشعر ببعض المعانى الاجتماعية والسياسية والفلسفية الحديدة وأما أهم المواضيع المستحدثة فى ذلك الشعر فهو الشعور الوطنى إلا أنه يبقى غامضا باهتا متلاشيا بين المعانى الاخرى . فلا نجد فى شعر هذا الجيل عاطفة وطنية عميقة متأصلة ، كالتى ستتجلى فى شعر مصطفى خريف بل كثيرا ما ينقلب الشعر الى مجرد مفاخرة على الغرب وتغن ساذج بماضى الامة العربية وتفوقه على حاضر الامم الاوروبية .

فهذا ما يقوله قابادو فى هذا الغرض :

ايجمل يا أهل الحفيظة انهم       يبزوننا فخرا لنا كان فخمه

لقد قتلوا دنيا الحياتين خبرة     فمن لم يساهمهم فقد طاش سهمه

ثم اننا نجد بعض المعانى الاجتماعية الحديثة كارتباط الانسان بالارض مع انها تبقى محتشمة مقتضبة كقول سالم بو حاجب :

علينا عباد الله خدمة ارضنا فما هى الا ، فى الحقيقة ، أمنا

على ان هذه المعانى على جدتها قد ابرزت فى غالب الاحيان فى قالب عتيق على النمط العمودى ، وفى اسلوب قلق لم يخلص بعد من الطرق البلاغية الرائجة فى عصور الانحطاط . ولنا فى الابيات الثلاثة السابقة أوضح دليل على ذلك . فالشعر التونسى فى هذه الفترة قد تجدد الى حد غير بعيد فى معانيه ، وبقى تقليديا فى اساليبه الفنية وفى خياله ، وقد يرجع ذلك الى ضيق ثقافة هؤلاء الشعراء وفقر البيئة الادبية والفكرية والسياسية والاجتماعية آنذاك فى تونس .

ومهما يكن من امر فقد كان دور هؤلاء الرواد هاما اذ انهم قد زرعوا بذور حركة ادبية تجديدية اتت ثمارها على يد زعيم التجديد بلا منازع أبى القاسم الشابى ، وسوف لا نتحدث الآن عن دور هذا الشاعر فى النهضة الادبية التجديدية وسيأتى ذلك فيما بعد ، اما الذى نريد ان نقره فهو ان هذه الحركة لم تتم ولم تبرز معالمها الا بعد مدة من الاحتكاك مع الغرب وبعد ان تمتنت الصلة بين تونس والحضارة الاوروبية .

اللقاء بين الفكر التونسى والحياة الفكرية فى الخارج

إن هذا الاتصال باوروبا يرجع الى اوائل القرن الثامن عشر ، وقد تم على طرق متعددة منها الاتصالات البشرية على طريق التجار ، ومن كان يأتى تونس وينتصب بها من الجاليات الاجنبية ومنها الاسفار التى كان يقوم بها بعض رجال الدولة وحتى البايات انفسهم الا ان هذه الاتصالات كانت تتم فى نطاق ضيق لا يشمل دائما من كانت لهم - بمقتضى ثقافتهم وتكوينهم - أهبة للاستفادة من التيارات الفكرية والادبية القائمة آنذاك فى اوروبا .

اما اول من حاول الاطلاع على النهضة الاوروبية فى مظهرها الشامل وفى مختلف الميادين الصناعية والسياسية والفكرية واول من حاول التعريف بقيم هذه النهضة واتجاهاتها فى تونس واول من حاول ان يقحم هذه القيم وهذه المظاهر لا فى عقول نخبة سياسية محدودة ، بل فى المجتمع التونسى باسره فهو المصلح خير الدين باشا .

فخير الدين اول من قاوم ما كان يغذيه رجال الدين من ريبة ازاء الحضارة الاوروبية وما كانوا يبدونه من مقاومة عنيفة ازاء كل ما تبدو بوادره من عوامل الاصلاح والتطور كتحرير المرأة والاستمداد من التشريع الحديث وتحوير التعليم كل ذلك بدعوى التمسك بالدين والحفاظ على نقاوة الايمان .

وخير الدين هو اول من نادى بتلك القيم الغربية التى كان لها مفعولها فى الادب والشعر : كالايمان بالعدل والحرية ، وعناية الانسان بما يصلح حاله فى الدنيا بقدر ما هو معتن بما يصلح حاله فى الآخرة ، والاعراض عن المعتقدات الفارغة وإقامة الدولة على أسس دستورية صحيحة ونظام محكم .

اما فى المجال الثقافى فقد كان اعظم اثر له بالاضافة الى اصلاح التعليم فى جامع الزيتونة ، وتكوين مكتبة كبيرة نظمها تنظيما حديثا وتحسين مطبعة الدولة وتوكيل نشر الكتب العلمية والادبية اليها قلنا كان أعظم أثر له ، احداث معهد عصرى ، تعلم فيه العلوم العربية والشرعية وبجانبها الثقافة العصرية واللغات الاجنبية ، نعنى بذلك المدرسة الصادقية . فلقد كانت بفضل ما تدرسه من لغات وعلوم وبفضل النخبة المزدوجة الثقافة التى أنتجتها ، الرابط المتين بين المجتمع التونسى والحضارة الغربية ، ثم بين التيارات الفكرية فى اوروبا والنخبة المثقفة فى تونس ، فالصلة الاولى بين الحياة الادبية فى تونس والتيارات الفكرية الغربية هى اذن حركة خير الدين الاصلاحية وما كان لها من أثر فى الميدان الثقافى .

اما الصلة الثانية فهى نتيجة طبيعية للاولى وهى حركة الترجمة ، وقد كان تأثر الحياة الادبية فى تونس بما ترجم من الادب الغربى عن طريقين : مباشر وغير مباشر . فما ان توفرت اداة اللغة لدى بعض الادباء التونسيين واتقنوا الفرنسية حتى اقبلوا على بعض روائعها الادبية يترجمونها ويعرفون بها ويشرحون لتلامذتهم معانيها .

اما التأثير غير المباشر فقد تم عن طريق الشرق وكل منا يعلم ما كان لصحيفة (( أبولو )) وصاحبها أحمد زكى أبو شادى من تأثير على عبقرية الشابى الشعرية ونزعته التجديدية ، فالشابى لم يكن يحسن اللغة الفرنسية وهو يعترف بذلك فى رسالته للاديب محمد الحليوى اذ يقول : (( نسيت ان اذكر لك ان مما طلب منى أبو شادى فى رسالته الثانية ان أمده من حين لآخر ببعض الدراسات والابحاث ، وعلى الخصوص فى الادب الفرنسى .

فصاحبنا يعتقد انى اعرف الادب الاجنبى . . . وانه ليحز فى قلبى يا صديقى ويدمى نفسى ان اعلم اننى عاجز عاجز ، واننى لا استطيع ان اطير فى عالم الادب الا بجناح واحد منتوف )) .

اما بالنسبة للنثر فان الترجمة قد قامت بدورها كعامل تجديد وخاصة فى مجلة المباحث التى اصدرت خلال اربع سنوات ما يقرب من ستة وثلاثين مقالا وقصة مترجمة .

بقى ان نشير الى عامل ثالث من عوامل النهضة والتأثير فى الادب التونسى المعاصر وهو الصحافة ، لا لانها هى فى حد ذاتها من مبتكرات الغرب ومستورداته بل لانها اصبحت منذ بداية هذا القرن المعين الاول لادبائنا على الانتاج ففى صفحاتها التقى الادب المتجدد بالادب الغربى المزدهر ، فانصهرت فى تلك الصفحات الافكار وتبلورت الاتجاهات وتم بفضلها التفاعل بين الادب المترجم والادب القومى وبين مقوماته التقليدية من جهة والمقومات العصرية مر جهة اخرى .

كان لهذه العوامل الثلاثة الحركة الاصلاحية ، وحركة الترجمة وانتشار الصحافة ، دور هام فى انبثاق النهضة الادبية فى تونس ، وكانت ثلاثتها متولدة عن تأثير الغرب وحضارته ، على ان موقف الادباء والمثقفين كان ازاء هذه الحضارة وتأثيراتها على نوعين : منهم من تحمس لهذه الحضارة وما تولد عنها من تيارات فكرية وادبية فاقبل عليها يقلدها تارة ويستلهمها اخرى؛ومنهم من تنكر لهذا الغزو الفكرى فحاول مقاومته بالتمسك بالماضى الاسلامى والعربى واقبل عليه يحيى تراثه الادبى والفكرى ويزيل عنه ما علق به من غبار مدة عصور التقهقر والجمود ؛ فكان ذلك الصراع العنيف المثمر فى آن واحد بين انصار القديم وانصار الحديث وبين بعض الشيوخ من جهة وعدد من الشعراء والمثقفين الشبان من جهة اخرى .

وبالرغم مما كان بين الموقفين من تناقض فقد كانا فى نظرى متكاملين . فما كان للأدب التونسى لينهض لو لم يجد فى احياء القديم أساسا ينبنى عليه وآلة لغوية قابلة للصقل والتطور ، وما كان ليحصل للادب التونسى ما حصل له من الغنم والاثراء ، والانطلاق نحو آفاق جديدة ومعان حديثة طريفة لو لم يكن ذلك التفتح للتيارات الاوروبية .

التفاعل بين الأدب التونسى والأدب الأجنبى

فماذا كانت النتيجة بالنسبة للشعر ثم للقصة ثم للمسرح ؟

أ - فى الشعر :

اما بالنسبة للشعر فقد كان ذلك التجدد الجذرى وتلك الثورة الخصبة فى اغراض الشعر اولا وفى قوالبه واسلوبه ثانيا . فقد تم التجدد فى الموضوع

والمضمون بتجاوز المعانى الجزئية التى تخللت شعر الرعيل الاول من المجددين ، وتخلى الشعر مع الشابى - وهو أكثر شعرائنا تمثيلا لهذه الفترة - تخليا كليا عن اغراضه التقليدية من مدح متملق واخوانيات فاترة وغزل لفظى ليس فيه من صدق العاطفة شىء .

عاد الشابى تحت تأثير الرومنطيقية الغربية الى وجدانه وتجربته فاذا به يكشف لنا حالات نفس تتراوح بين اليأس القاتم والامل العذب ، بين التفاؤل والتشاؤم ، فيصور الثورة العارمة على القيود والظلم والامتهان ويصور الحب الوديع الهادىء للمرأة للطفل للكون للانسان . وقد يعجب بعضهم ان نعتبر الشابى من محبى الانسانية ! فهل يمكن ان نفهم تغنى هذا الشاعر بالحرية والحق وارادة الشعوب الا كاثبات ضمنى لهذا الحب ، وهل يمكن ان يؤمن الشابى برسالة الشاعر وقداسة الشعر ما لم يؤمن بالانسان والانسانية .

ومهما تحدث النقاد عن يأسه ونقمته فانه لم ينقم على البشرية الا لانه أحبها كاصدق ما يكون الحب وآمن بمصيرها كاعمق ما يكون الايمان .

وقد كانت العاطفة الوطنية كذلك من أبرز الاغراض الشعرية التى بعثها الاحتكاك بالغرب وقد كانت جياشة صاخبة فى شعر الشابى ، اما فى شعر مصطفى خريف فهى عميقة متأصلة فيها هدوء وفيها ترو فيها تشبث بالقيم الاسلامية والوطنية ، وفيها أيضا تطلع الى المستقبل .

اما الغزل فقد ابتعد عن الوصف والتغنى بمحاسن الجسد وصار مستوحى من تجربة روحية عميقة .

وتجدد الخيال بتجدد الموضوع فكل منا يعرف أهمية العناصر الطبيعية والكونية فى الخيال الشعرى عند الشابى بعد أن كانت منعدمة أو تكاد عند من سبقه وعند القدماء من الشعراء اما المظهر الذى لم يتحدث عنه النقاد الا قليلا فى خيال الشاعر فهو المظهر الرمزى .

ترنم الشابى بالغاب وبالجبال والانهار وبجمال الصبح وتشبه بالاعاصير والصقور ومع ان هذه العناصر كلها من عالم المحسوسات والجماد فهى المكونات الاساسية لعالمه الروحى ، فهى رموز للحقائق التى كان يصبو اليها : هى رمز للجمال ، للطهر ، للقوة ، ولكل نفس أبية ثائرة .

ولم يكن لهذه الثورة فى الاغراض الشعرية ولهذا الخيال الخصب الجامح ان يبقى على الاطار التقليدى للشعر . فكان أول ما نتج عنهما تفكك هيكل القصيدة والتحرر الصريح من الشكل العمودى ومن وحدة الوزن والقافية والبيت ، واثراء الموسيقى الشعرية اثراء عجيبا مهد للقوالب الشعرية المتعددة التى استنبطها الشعراء التونسيون فيما بعد .

وآل تجدد الخيال الى تجديد الاسلوب فتطهرت اللغة من مظاهر الجمود

والتحجر ، المتمثلة فى الصور البلاغية المعقدة واثرت بالفاظ جديدة وعبارات مستحدثة قادرة ، بايقاعها الموسيقى وطاقتها على الايحاء واثارة العواطف والخيال ، والانتقال بالقارىء الى عالم الشاعر الساحر واجوائه الروحية .

هذه ابرز مظاهر التجديد فى الشعر التونسى خلال الربع الاول من هذا القرن وهى كلها ثمرة هذا التصادم بين الادب العربى والتونسى من جهة وبعض المذاهب الفنية والادبية فى الغرب من جهة اخرى . ونحن لم نأت على كل هذه المظاهر ولا اردنا استيعابها وكل ما قصدنا هو ان نبين مدى تأثير الاداب الغربية فى الادب التونسى الحديث وما تولد عن ذلك من النتائج بالنسبة للشعر .

ولئن كان هذا التأثير - كما اشرنا سابقا - مباشرا وغير مباشر فى مجال الشعر اذ هناك من هذه المناهج الفنية ما اقحمه الشعراء الذين تمكنوا مر الاحراز على ثقافة مزدوجة عربية وفرنسية كسالم بن حميدة وهناك منها ما أتى على طريق الصحف الادبية الشرقية ، فان الامر لم يكن كذلك بالنسبة للقصة .

ب - فى القصة :

فالقصة التونسية ليست مدينة للشرق العربى فى شىء ، فهى وليدة تفاعل مباشر بين الثقافة التونسية من جهة والثقافة الغربية من جهة اخرى .

وسوف لن نعتمد فى التدليل على هذا القول على مقارنة التواريخ اذ انه مما لا نزاع فيه ان القصة العربية الشرقية قد سبقت القصة فى تونس بسنين كثيرة ، فالاولى قد ظهرت الى الوجود مع (( عرائس المروج )) لجبران 1906 و (( حديث عيسى بن هشام )) للمويلحى 1907 ، ثم (( زينب )) لحسنين هيكل،وقد تلتهما بعد ثمانى سنوات . فى حين ان القصة التونسية لم تظهر الا خلال الربع الثانى من هذا القرن على يد على الدوعاجى ومحمود المسعدى فقد نشر الاول قصته (( حول حانات البحر الابيض المتوسط )) حوالى 1932 ، وظهرت (( مولد النسان )) للمسعدى فى افريل 1945 وكذلك بعض حلقات من احاديثه . هذا اذا ما اعتبرنا من باب التمهيد رواج الاقصوصة المؤلفة او المترجمة قبيل ذلك بقليل على يد أدباء لم يكتب لهم ان يبرزوا فى هذا الميدان مثل مصطفى آغة والشاذلى خزنة دار وسعيد الخلصى وعبد العزيز الوسلاتى .

فالقصة العربية الشرقية قد سبقت اذن القصة فى تونس ومع ذلك فانه لم يكن للشرق اثر يلمس فى الفن القصصى التونسى واول ما يدعو الى هذا الراى هو ان القصة التونسية لم تستوح من نفس الاصول العربية التى اعتمدها كتاب القصة الشرقيون .

فاغلب النقاد برى ان القصة فى الشرق ان هى برزت الى الوجود تحت تأثير الغرب فقد استمدت اطارها الفنى واسلوبها من فن أدبى قديم هو فن المقامة ،

الذى نسج على منواله ناصيف اليازجى فى مجمع البحرين ( 1865 ) واحمد فارس الشدياق فى كتابه (( الساق على الساق فيما هو الفارياق )) .

فهل كان الامر كذلك بالنسبة للقصة التونسية ؟ اظن ان القصة التونسية كما وضعها المسعدى ترجع الى اصول ادبية عربية ابعد من المقامة وهى اقرب ما تكون فى اسلوبها الى القصص العربية القديمة واساطير الجاهلية ، نشعر بذلك عند قراءة (( مولد النسيان )) و (( حديث القيامة )) و (( حديث البعث الاول )) ، اما المصدر الثانى لاسلوب القصة عند المسعدى ولو كانت فى صيغة مسرحية فهو القرآن وهذا جلى واضح فى السد .

اما على الدوعاجى فان تأثير القرآن ظاهر فى قصصه نلمسه بوضوح مثلا فى (( أم حواء )) أضف الى ذلك اننا لا نجد فى القصص الشرقية ما يشابه من قريب او بعيد قصص المسعدى والدوعاجى سواء من ناحية المنهج او الموضوع والافكار او الاسلوب والمبنى .

ولعل ما اثبتناه الآن من ان القصة التونسية لم تمر من طور المحاكاة للشرق وانها كانت نتيجة تفاعل مباشر بين الثقافة العربية والغربية فى تونس هو الذى يفسر لنا تأخر ظهورها اذ كان من الطبيعى ان يتطلب هضم الثقافة المزدوجة فترة مديدة من الزمن .

فالمسعدى لم يتأثر بالادب الغربى عن طريق الشرق بل تأثر به مباشرة ، تأثر به فى مضمونه ومعانيه واتجاهه الفلسفى . فمؤلفات المسعدى هى قصة الانسان يجد نفسه أمام الفراغ المهول وأمام سخرية الاشياء وانغلاق الكون عن فهمه وهى تحليل لذلك القلق الوجودى (I'Absurde) الذى تعرض له سارتر فيما بعد وتحدث عنه (( كامو )) فى بعض قصصه ومؤلفاته وهى تأملات حول جدوى اعمالنا وقدرة الانسان على الفعل والخلق .

وتأثر المسعدى بالادب الغربى فى اسلوبه فنحن نجد الى جانب التأثير القرآنى العربى المتمثل فى تلك الجمل المتينة المقتضبة التى تهز فكرك هزا وتلهب خيالك صورا والى جانب الترتيلات التى هى اشبه ما تكون بابتهالات الكهنوت ، نجد نزعة غربية محضة تتمثل فى ظاهرتين :

اولاهما : تأثر الكاتب بالادب الرمزى ، فأوجه الشبه كثيرة فى نظرى بين رموز السد وشخصياته ورموز ((مالارمى)) Mallarmé وشخصياته الميثولوجية .

أما الثانية : فهى تأثره بالادب المنغلق بما يتضمنه ذلك من احتقار للضعف البشرى واستنكاف الاديب من ان يبذل فنه وشعره لانسانية قد لا تدرك روعته وكنهه ، فهو أسير السخافة البشرية وهو الطائر الذى تعوقه اجنحته عن التحليق فى أعلى الاجواء الفكرية فينطوى على نفسه ويكتب لذاته .

وعلى الدوعاجى هو ايضا تأثر بالغرب الا انه لم ينهج المنهج الفلسفى لقد كان على الدوعاجى - حسبما رواه صديقه المرحوم فريد غازى - شغوفا بمطالعة الصحف اليومية يستوحى منها مواضيعه ويتغذى مما يجده فيها من احداث يومية

تطلعه على نقائص المجتمع وعيوبه ، ويحلل من خلالها النفس الانسانية تحليل موليار اللاذع المر فينتقدها ويسخر منها ، وهو لا يعمد الى التحليلات النفسانية المملة ولا الاعتبارات الفلسفية والاجتماعية حسب الدكتور فريد غازى فهو قبل كل شىء فنان ادرك جوهر القصة فجعل اهم بحثه فيها عن العقدة ، وهو يتبع فى وصفه وتحليله طريقة الامريكان المعروفة بعين الكامرا التى اتبعها (Hemingway) و(Steinbeik) الا ان اكثر الكتاب تأثيرا فى الدوعاجى حسبما يراه فريد غازى وحسبما صرح له به القصاص التونسى نفسه هو (Jack London ) صاحب رواية (Le Pâtre des Etoiles) وقد كتب  الدوعاجى رواية عنوانها (( راعى النجوم )) .

هكذا يتبين لنا ان قسط الادب الغربى فى ظهور الأدب القصصى التونسى كان من الاهمية بمكان فالقصة التونسية لم تبرز الى الوجود الا تحت هذا التأثير ، مهما كانت الاصول العربية التى استندت اليها ، فكل من المسعدى والدوعاجى عرف الفرنسية وتأثر بآدابها كما ان كلا منهما كان يمتاز بثقافة عربية متينة متأصلة فلا غرو ان يكون أدبهما اروع مثل لانصهار الثقافتين واطيب جنى تجنيه الثقافة التونسية الجديدة الناشئة ، وكذلك الامر بالنسبة لكثير من القصاصين والشعراء الذين برزوا فى السنوات الاخيرة .

ج - فى المسرح :

بقى لنا ن نتعرض الى نوع ثالث من الانتاج الادبى وهو الروايات المسرحية والحقيقة ان المسرح فى تونس كان اقل حظا من الشعر والقصة على الاقل بالنسبة لما نشر او لما كتب له ان يظهر على المسرح فلم تجد عليه الايام والظروف بعبقرية كالتى جادت بها على الشعر فى شخص الشابى او على القصة فى شخص المسعدى والدوعاجى .

ويكفينا ان نذكر ان المسرح اتانا على طريق الشرق من مصر . فقد دخلت احدى الفرق المصرية تونس لاول مرة سنة 1906 فى نفس الفترة التى قام فيها المرحوم محمد بورقيبة بتأسيس اول فرقة مسرحية تونسية وهى فرقة (( النجمة )) ، وكانت تعمل تحت ادارة ممثل ايطالى ، ولم يمر وقت طويل حتى اندمجحت الفرقتان وواصلتا العمل بتمثيل روايات مترجمة عن مسرحيات اوروبية مثل (( روميو وجوليات )) ( لشكسبير ) و (( السيد )) (Le Cid) و (( سنا )) ((Cinna للشاعر المسرحى الفرنسى (( كورناى )) ((Corneille وبعض مسرحيات لـ (( موليار )) (Molière) و (( هيفو )) (Hugo) .

وتواصلت المبادلات مع الشرق فى السنين الموالية فقدم الى تونس فى سنة 1921 الممثل المشهور جورج ابيض فقدم مسرحيات فتح بيت المقدس والحروب الصليبية ولويس الحادى عشر وغيرها .

وعرف النشاط المسرحى فى تونس شيئا من الفتور ما بين 18 - 1914 من جراء الحرب لكنه لم يلبث ان عاد الى حياته بمجىء يوسف وهبى سنة 1927 فمثل غادة الكاميليا والبؤساء ( لهيفو ) ثم بمجىء فاطمة رشدى سنة 1932 ونجيب الريحانى سنة 1935 .

وبالرغم من ان المسرحيات كانت فى مستوى غير ممتاز ان لم نقل ردىء ، وبالرغم من انها لم تكن تمت بصلة للواقع التونسى والروح التونسية ومطامح الشعب التونسى فى ذلك الوقت فقد كان الاقبال عليها عظيما . وسرعان ما انتبهت ثلة من التونسيين كحسن الزمرلى ومحمد العقربى ومحمد الحبيب الى اهمية المسرح فى مجتمعنا وما ان ادركت مهمته على وجهها الصحيح ورسالته التثقيفية والاجتماعية حتى حاولت التخلص من تبعية الشرق وتقليده وعملت على ابراز مسرح تونسى له مقوماته واتجاهاته . الا ان المسرح التونسى بقى رغم ذلك ضعيف المستوى قليل الانتاج لاسباب قد يطول الوقت لشرحها .

ومهما يكن من امر فان هذا اللقاء بين الادب العربى التونسى والحضارة الغربية قد كان فترة حاسمة فى تاريخ حياتنا الفكرية وهى ان لم تتولد عن نتاج ضخم فى الشعر والقصة والمسرح فقد فتحت للادب التونسى آفاقا جديدة سيواصل فيها سيره وكانت الخطوة التمهيدية لفترة ما بعد الاستقلال وللنهضة الشعرية والقصصية والمسرحية التى نشهدها فى تونس منذ عشر سنوات خلت ، فقد عرف الادب التونسى منذ الاستقلال انطلاقة جديدة وحياة ازخر واثرى من الحياة التى عرفها قبل الاستقلال ، وكأن دخول دخول تونس فى فترة من العمل السياسى الحاسم والمقاومة المسلحة فى اواخر الخمسينية الاولى واوائل الخمسينية الثانية من هذا القرن قد شغلت الادباء عن الانتاج والتفكير الا انه ما ان انجز الاستقلال السياسى حتى راجت سوق الادب وظهرت فى أفق الفكر كواكب جديدة وحلت محل العوامل الاجنبية او قل تغلبت على العوامل الاجنبية عوامل داخلية قومية ، فوجهت الادب نحو مناهج جديدة أهمها :

(I - تقهقر شعر الوجدان والذاتية الذى بلغ اوجه مع الشابى أمام شعر الالتزام بمظهريه الفلسفى والاجتماعى وانتقل محور الشعر من (( الانا )) الى الشعور الجماعى ولم يعد الشاعر ذلك النبى المجهول ينبذ قومه وينبذونه بل اصبح منهم واليهم بآمالهم يتغنى ولآلامهم يتأثر ، يغذون شعره ببطولاتهم واعمالهم بمشاكلهم ومطامحهم وهو ينير أمامهم السبيل بشعوره وحدسه ويكشف لهم عن حقيقة الفن والكون والجمال ويغرس فى القلوب الجافة والعقول المتحجرة انبل المطامح واسمى المبادىء والافكار . ولعل ابرز امثلة نضربها للشعر الملتزم المتفلسف هم : المختار الوزير ، وجعفر ماجد ، ونور الدين صمود ، والصادق مازيغ ، وللشعر الملتزم ذى الاتجاه الاجتماعى : مصطفى خريف ، وأحمد اللغمانى ، ومنور صمادح .

2) - تحرر يكاد يكون كليا من القيود الشعرية نجده خاصة عند محمود التونسى ، ومحسن بن حميدة .

3)- حدوث نفس التحولات فى اتجاه القصة من حيث موضوعها فلم تعد

مستلهمة من المشاكل الذاتية ولم يعد محورها تجربة المؤلف الوجودية او بعبارة اصح لم تعد قائمة على هذا العنصر وحده كما هو الشان فى قصص المسعدى ، ، كما ان القصة خرجت من طورها التصويرى الوصفى البحت كما انتهجه الدوعاجى . فمصطفى الفارسى ، ورشاد الحمزاوى ، ومحمد العروسى المطوى يصف كل منهم المجتمع البدوى بمعتقداته العتيقة وعقليته المتأخرة او حياة الشباب فى العاصمة بما فيها من تهور وقلة اكتراث لا كما يرسم الرسام لوحته بل ان غرض النقد واضح جلى فى مؤلفاتهم والدعوة الى الاصلاح لا لبس فيها والعمل على بعث روح وطنية وثابة وعقلية متفتحة قابلة للتطور لا يقتصر على الايماء . حتى لكأنك تشعر أن هذا الاتجاه يبتعد فى بعض الاحيان بالعروسى المطوى عما يقتضيه الابداع الفنى فتنقلب بعض الصفحات فى قصته (( حليمة )) الى مقال وعظى .

هذا من حيث الكيف اما من حيث الكم فاغلب الظن ان الادب التونسى لم يعرف فى تاريخه فترة اكثر خصبا واعظم انتاجا من التى عرفها فى هذا العقد الاول من الاستقلال .

وقد نتج عن ذلك بروز هذا الادب الجديد المتشبع بالروح التونسية المتغذى من المجتمع التونسى ، ونحن إذا وافقنا بعض النقاد ممن يقول ان الشخصية الادبية التونسية لم تكتمل فاننا نعتقد ان بعض ملامح هذه الشخصية قد برزت بعد وانه ليس لاحد ان ينكر ان هناك أدبا تونسيا يتميز عن الادب الشرقى من جهة والادب الغربى من جهة اخرى فى اساليبه ومواضيعه ومناهجه ، وان الخطى التى انجزت خلال السنين الاخيرة لاكبر دافع على الاعتقاد انه سوف لن يمر طويل وقت حتى يفرض الادب التونسى نفسه كأدب طريف مكتمل ممتاز .

على انه قد يكون من الغرور ومغالطة النفس ان نعتقد اننا بلغنا الغاية فى هذا المجال واننا اصبحنا نعد من العبقريات ما تعد الاداب الاخرى ، وان اخطر ما نخشاه ان يوهمنا توفر الكم بسمو الكيف وحرى بأدبائنا ان لا يغفلوا عن ان السير ما زال طويلا والطريق شاقة لتسفر كل هذه الجهود عن أدب تونسى رفيع متأصل تتجلى فيه روح تونسية جلية المعالم ويتميز بمذاهبه فى التفكير والتحليل النفسى او الاجتماعى وبأساليبه الفنية والتعبيرية .

ولئن كان لتقصير أدباء الرعيل الاول عذر فى افتقار المجتمع التونسى وخموله فقد صار هذا المجتمع اليوم لا يقل عن المجتمعات الاخرى خصبا وحياة وان لادبائنا الناشئين فى هذه الثورة الزاخرة التى نحياها وفى مجتمعنا الاشتراكى المتطور فى مجهود الفلاح التونسى وفى مجهود العامل فى صراعه المقدس من اجل الحياة فى آماله ويأسه فى إرادته وعجزه فى انتصاراته وانهزاماته أمام الفقر والجهل أمام مركبات الاجتماعية والنفسية لادبائنا الناشئين فى كل ذلك مادة لا تنفد ومعين لا ينضب .

فشرط الاديب الحق عندى هو اليقظة للواقع والبيئة والنفاذ لما يخالج المجتمع من عواطف وافكار وما ينطوى عليه من خير وشر ومن سمو ودناءة لا ليقدم للقارىء من هذا الواقع صورة طبق الاصل بل ليصوغ منه عملا فنيا يسبغ عليه من فكره وروحه وفنه ما يرفعه الى اعلى مراتب الجمال فيصبح الواقع نقطة انطلاق للخيال المنشىء والفكر المبتكر للقيم الجديدة فاذا العمل الفنى المنبثق من الحياة ينقلب بدوره خلنا للحياة .

وقد كان لأدبائنا فى اوائل هذا القرن معذرة عن التقصير فى جبروت المستعمر وعمله على مسخ شخصية هذه الامة وتجميد افكارها واطفاء روح الحياة والخلق فيها ، اما اليوم فقد هبت ريح الحرية وقامت دولة العقل وارتفع الجهل وانجلى عن الضمائر كابوس الخوف والتضليل فاستيقظت الافكار بعد جمود وانطلقت الالسن بعد صمت وحل محل الشعب الخامل شعب يعى وشعب يسمع .

ولقد توفرت لأدبائنا ذات اليد وتكافأت الاسباب من طباعة ونشر عن طريق الاذاعة والتلفزة والصحف لتروج سوق الادب ويبلغ أثره اقصى ابعاده وليخرج من عزلته وجموده وعجزه وقد اصبحت العناية شاملة وازداد التشجيع لكل من يجد فى نفسه اهبة للابداع والخلق وليس ادل على ذلك من حضور رئيس الدولة وباعث الامة فى هذا الحفل وبين هذه المواهب الناشئة .

واظننى ايها السادة قد اتيت على اهم جوانب هذا الموضوع الحيوى موضوع التأثير والتأثر فى الادب ، وقد اتضح لنا ان الادب التونسى الحديث لم ينشأ منعزلا على نفسه وانما هو حصيلة تفاعل دام نصف قرن بين عوامل متعددة مختلفة منها ما هو خارجى اجنبى ومنها ما هو داخلى قومى ، وليست هذه التجربة - على طرافتها - الاولى من نوعها فقد كان الادب العربى على مر العصور عامل تأثير ومحل تأثر ، تأثر بالادب الفارسى واليونانى فى العصور الاسلامية الاولى وأثر فى الاداب الغربية من خلال أدباء الاندلس وصقلية ، الا ان الفارق بين تلك الفترة وهذه ان العرب كانوا فى كلتا الحالتين الاوليين فى وضع القوى سواء فى الميدان السياسى او العسكرى ، ونحن اليوم فى حالة الضعيف ، فكانت العملية بالنسبة لنا دقيقة خطيرة تهدد كياننا كأمة ، كما تهدد شخصيتنا الحضارية وقيمنا الفكرية والانسانية ، الا انه لم يبق اليوم فى نظرى مجال لهذه المخاوف .

لقد اثبتت التجارب ان للادب التونسى والعربى من التاصل ورسوخ الذات ما يسمع له بمجابهة هذه التيارات وان يتفتح لها ويتفاعل معها دون ان يهدد كيانه المسخ او الاضمحلال وسواء أحببنا أم أبينا فقد اصبحت عملية التفاعل والتأثير والتأثر عملية حتمية بالنسبة لكل الاداب مفروضة فرضا على كل المجتمعات ، تفرض عليها من الخارج ان هى رفضتها من الداخل وتتسرب اليها من حيث لا تشعر ان هى انغلقت دونها من حيث تشعر .

فى عصر الذرة والصواريخ فى عصر المكالمات اللاسلكية عبر الكواكب الصناعية فى عصر اخترعت فيه الاذاعة والتلفزة تكشفان لك كل يوم خبايا العالم وتقدمان لك باللفظ والصورة فى كل مكان وفى كل حين ما يطرأ على الضمير العالمى وما يخامر النفوس البشرية ، فاذا انت تستمع عبر الاثير الى جلبة الكون فى نشاطه الصاخب المتنوع واذا انت تشهد حياة الانسانية المتدفقة فى خلافاتها ووئامها فى صفائها وكدرها ، واذا انت تتبع من بيتك ومن مقعدك كل ما تمخضت عنه العبقرية البشرية من عجيب الاختراعات وطرائف الافكار وبدائع الادب والفن فى عالم اكتظت طبقاته الفضائية بالمبادلات الفكرية ، وتلاقحت فيه العقول والاخيلة لا فى مستوى الفرد وحده بل فى مستوى الشعوب قاطبة فى مستوى الملايين من البشر فى هذا العصر وفى هذا العالم اصبح من العسير بل قل من المتعذر على المجتمعات ان تعيش منطوية على نفسها منفردة بكيانها وعلى الاداب ان تبقى منعزلة بافكارها واحاسيسها دون ان يتسرب اليها الافلاس والتقهقر والفناء .

هناك من ادبائنا اليوم من يحبذ التأثير والتأثر ومنهم من لا يرتاح الى ذلك ، وان مثل هذا الجدال فى نظرى لا يعنى شيئا بالنسبة لعصرنا ، وليست المسألة فى رفض التفاعل او قبوله فنحن فى هذا المضمار لسنا احرارا فى اختيارنا ، اذا نحن اخترنا التقدم ومواكبة العصور والايفاء بقسطنا سواء عاجلا او آجلا فى بناء الحضارة العالمية وفى تطور الفنون والاداب الانسانية ، واذا نحن اردنا ان لا نعيد خطيئة اجدادنا فى عصور الخمود والتقهقر ، ونحن نلمس اليوم ما اضعناه وما لحقنا من خسارة من تلك الفترة التى عاش فيها الاسلام والعرب منطوين على انفسهم فى غفلة عما يجرى حولهم ، فاذا كان هذا التطور وهذا التفاعل والتمازج والتلاقح هو مصير البشرية غدا فاحرى بنا ان لا ندخل المصير قفزا الى الوراء ، وان نسير فيه عن تبصر وتفهم .

انه من حقنا ان نختار اسلوب الحياة الذى هو اسلوبنا وان نعتز بالتراث الادبى الذى هو تراثنا الا انه لا يجوز لنا بوجه من الاوجه أن نجهل العالم المتحضر من حولنا .

افلا يليق بهذا الجيل ان يحاول السير فوق القمم الشاهقة لا لشىء الا ليتبين الى ابعد حد ممكن طريقه على السفح وبين المرتفعات والوهاد وليختار للاجيال المقبلة اسهلها واوضحها . والسلام .

اشترك في نشرتنا البريدية