الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "الفكر"

التألق

Share

(1) الرياح ، الرياح العاصفة العاتية الهوج تملأ الأرض والسماوات فجأة ندفع الغيوم بلا هوادة فى عنف وقسوة ، وتمضى بها فى كل اتجاه ، فتتدافع ويزحم بعضها بعضا . الرياح تشتد ، وتعصف كأمواج بحر مزبد ، تحيط بي من كل جانب ، تكاد تقتلعني من الارض ، من موقعي على الارض ، وتطوح بى اتماسك مهدود القوى ، ثم يومض البرق فترتجف أجفانى ويزيغ منى البصر هي ذي السماوات قد امتلأت بالغيوم . أحدق فى صفحة السماء فلا أرى للنجوم أثرا ، السحب السود غطت صفحتها ، والليل من حولى مظلم اسود انظر إلى الليل فأحده مبهما أصم ، أحاول أن استنطقه فلا يبين ، وانظر الى السماء فأراها كتيمة لا تشف عن شئ ، فى عصف الرياح المستمر يخيل الي ان صفحة السماء ستطبق على ظلمة الارض حولى . لا أدرى أفزع أنا أم خاشع ، يشتد عصف الرياح وعويلها ، يشتد فى كل مكان ، فى كل الارجاء . أرفع يدى فلا أتبينها .

ثم تتباعد كتل الغيوم بعضها عن بعض ، وتظهر فى صفحة السماء ثغرة ، ثغرة واسعة ولكن الغيوم ما تزال كثيفة سوداء ، وفي السماء تبدو الثغرة بين الغيوم زرقاء صافية ، زرقتها شفافة هادئة كصفحة من البلور

انظر الى هذا الصفاء في الزرقه فأراه يغنى ، غناؤه عذب ، تلتقط اذني صوت صفائه . ويظهر السنا . لا لس هذا يرقا عابرا ولا ومضا خاطفا . انه سنا مقيم ثابت لا يريم . وفي ضياء السنا اراها أذهل عما حولى ، وتلف الارض ظلمة صلدة ، وأستشف صفحة السماوات . بريق بريق بريق : ذاك وجهها واني لأعرفه . وفي الحق أنى لم أرها أول الأمر ، بل رأيت وجهها ، بل جانبا ، من وجهها ، التفاتة منه ، وكان هذا كافيا لكى أتعرفها فورا ، انى لأستطيع أن اتعرفها بين ملايين الفتيات فى العالم ، لم أتساءل ما الذي جاء بها الى هذه البقعة من السماء ، حسبي انى أراها وأشعر بسعادة غامرة تعمر وجودى وتجعله يغني ، هي ذاك الفرح الوحيد الذى أشعر به كلما اتيح لي ان

أراها ، الفرح الوحيد الذى تبقى لى فى العالم . وها أنذا أراها الآن ، أراها كأحسن ما تكون الرؤية . أرى هذا الجانب من وجهها ، وان هذه الصفحة من وجهها المنيرة تلتمع ، خصلة من الشعر الاسود طويلة تغطى طرفها ، وبدت لى احدى عينيها السوداوين وفمها ، بشفتيه الرقيقتين ، وعنقها البض ورأيت الحياة ، نسغ الحياة ، ينبض فى هذا الوجه القمرى ، والوجه منى قريب ، وعلى الرغم من المسافة الشاسعة التى تفصلنى عنه ، أشعر أني مشدود اليه ، وتتعلق عيناى بصفحة السماء .

ثم أرى جسمها ملفعا بثوب أبيض سابغ ناصع كانما من خيوط الغيوم نسيجة . الجسم ممدد أفقيا فى وسط السماء ، الظهر منه الى الاعلى ، والغيوم السود الكثيفة تحمله . وينتصب رأسها كأنما كانت تسبح بين الغيوم صدرها ، وها هى ذى ترفع رأسها فجأة فيتوهج البريق ، يتوهج أمدا طويلا وتتشربه نفسى ، بؤرة الرؤية تتركز على جانب من وجهها وعنقها وذراعها وساقها . ثم ينطفئ النور ، ويختنق البريق ويخبو التألق ، فلا يبقى لها في صفحة السماء من أثر . أشعر كأن سهاما قد انتزعت من جسدى . الغيوم المتسخة تزحف مسرعة لتلاشى الثغرة التى ظهرت في السماء ، ولا تلبث الثغرة ان تغيب . فى عصف الرياح تندفع غيوم أخرى جديدة لتطرد الغيوم وتحملها الى الطرف الآخر من السماء ، وتحل مكانها غيوم حديدة أشد ظلمة وأكثر قتاما .

ويسألوننى : " وماذا عنك ؟ " فأجيب : لقد أتيت ورأيت . " ويسألوننى : " وماذا رأيت ، أيها القابع فى مكانك لا تتخطاه ؟ " اني لى أن أجيبهم ، واني لهم ان يفهموا - لو أجبت - أني رأيت الوجود من خلال ذاك الوجه القمرى ، وكان الوجود ، يومئذ ، فرحان يغنى

- ( 2 ) - وأقف أنا الآن فى حقل مترامي الأرجاء ، العشب الاخضر يكسوه غطاء جميلا لماعا يمتد على مرمي البصر ، تعلوه أزهار متناثرة فى غير اتساق ننتشر هنا وهناك ، وتبسق أشجار وارفة ، فى خطوط مستقيمة متقاطعة فيه تتطاير منها عصافير صغيرة ذات أجنحة قصيرة وتحوم حولها ثم تحط علي أغصانها ، الحقل بعيد عن كل منطقة مأهولة ، فى منأى عن كل حركة أو

ضجيج. يخترقه حول من الماء الصافى العذب ويشطره شطرين متساويين سبل الماء في الجدول بطيئا متهاديا وتمس أشعة شمس المغيب طرفا من صفحته . يتألق الحصا في قاعه ، ويبدو ساكنا صامتا فى شفافية الماء أقترب منه متمهلا ، النسيم يداعبني ويمس أزهار الحقل مسا رهوا ويحنى ذؤابات الاعشاب فى أناة وحنو ، ويمسح على أجنحة العصافير

أقول فى نفسي : فلأغسل وجهى ويدى فى هذا الماء الصافى ، ولأطفئ ظمئى بجرعة منه ، وأقترب

حين غمست يدى فى الماء وحدقت فى صفحته الجارية ومض البريق والتمع . ما الذى حاء بك الى هنا ؟ بثوبك الابيض السابغ ، لقد رأيتك على صفحة الماء ممددة رافعة رأسك ، وحبب الماء يحملك خفيفة رشيقة ، ويمضى بك الى حيث لا أدرى . لقد رأيت عنقك البض ، وبانت لى عيناك السوداوان ، ذاك وجهك القمرى ، وتلك التفاتتك ، وهاتيك خصلة الشعر الاسود التى تغطى وجهك انسى الحقل والجدول والظمأ ، أنسى الاشجار والازهار ، أغفل عن كل ما يحيط بي ، واندفع لأمسك بك ، كنت قد كورت يدى وملأتها بالماء ، واذا الماء يتسرب من بين أصابعي ، ويخبو التألق خبوا مفاجئا كما ظهر ، وما أسرع ما نختفين . وامضى باحثا عنك وأنا أسير على ضفة الجدول . وأسير ساعات طويلة ، الى أن أرى الجدول يستحيل سلسالا من الماء منتشرا على صفحة الارض ويختفى

- ( 3 ) أجلس فى منزلي ، لا يبدو على أى أثر للتعب أو الألم ، كأني ما سريت الساعات الطوال . هل بددت ذكرى رؤيتك كل آثار التعب واحتوى مرأك الألم ؟ الهدوء والسكون يخيمان على الغرفة . اضغط مفتاح التلفزيون الموضوع بجانبي ، وبعد هنيهة تضاء الشاشة . أرى مذيعة ما لم يسبق لى أن رأيتها قط تقدم أغنية حديدة . في عينيها ألمح الضياء ، وبسرعة مذهلة أرى عينيها تتألقان ، هذا وجهك مرة ثانية ، وهذا تألق عينيك نفسه يبدو أمامى ، فأتعرفه على نحو قاطع . وتختفى المذيعة ، الا ان اثرا من هذا التألق ما يزال عالقا فى شاشة التلفزيون ، وتألق عينيك ما يزال مائلا فى أعماقى . أتذكرين كنت يومذاك أسير ببطء بعد أن انجزت عملي ، فرأيتك نازلا صاعدة ، وفجأة التمعت عيناك وومضتا وبان فيهما التألق . لم ترتعش شفتاك بكلمة ، ولكن عينيك كانتا تتألقان ، تتكلمان ، تفصحان ، تبينان من غير قول . ورأيت فيهما

الصفاء والشهوة ، السكون والعاصفة ، الحفر والجرأة ، العذوبة والمرارة ، الفرح والالم ، نورا يضطرم ويخبو ، ونارا تدفئ وتحرق ، وسرابا ، يحسبه الظمآن ماء ، وأمرا ، ونداء ضارعا ، كانت العينان منك تتحركان ، تمضيان وتعودان ، تغوران وتظهران . ولم يدم ذلك كله جميعا الا المدة التى استغرقها نزولى درجتين وصعودك على تينك الدرجتين من سلم البناية الطويل ، وحين استدرت احاول رؤيتك مرة أخرى كنت قد وصلت الى الطابق الثاني ، وحجبتني عنك حجارة السلم

قلت فى نفسى وأنا أطأ مدخل البناية التى فيها أقيم : فلأفتح صندوق البريد ، فربما كانت لى فيه بعض الرسائل . أخرجت مفتاح الصندوق من جيب سترتى ببطء ، وفتحت الصندوق الخشبى الصغير المثبت فى الجدار الايمن من البناية . لا شئ فيه البتة . صندوق الرسائل فارغ دائما ، وفي كل يوم أفتحه فى مثل هذه الساعة رغم يقيني أنى لن أجد فيه شيئا . أقفلته ببطء ووضعت مفتاحه الاصفر الصغير فى جيبي ، ولما خطوت الخطوة الاولى على سلم البناية دوت الطلقة الاولى ، ولمحت يدا تمسك بمسدس ، ممدودة من أعلى فشعرت بالفزع . وبدا لى بعد لحظة أن هذه اليد لا تستهدفني لان الطلقة كانت فى اتجاه آخر مغاير للوضع الذى وقفت فيه أبحث عن بريدى . وقد رأيت أنه من الافضل ان اتريث فى الصعود ، بل خطر لى أن أعود أدراجى الا انني آثرت أن أنتحى الجهة اليسرى وأقف بجوار حائط كثيف الحجارة ولبثت أنتظر . عند ذاك دوت الطلقة الثانية . لم تنطلق هذه المرة من فوق كما كنت أخشى ، بل انطلقت من أمامى مسددة الى . كانت يد أخرى رابضة فى احدى زوايا المدخل وكأنما كانت على ثقة أننى اذ أسمع الطلقة الاولى سأتحول إلى هذا المكان والتمع البرق الذى لم يخطئنى ، وفي تألقه رأيت عينيك وعنقك البض وخصلة الشعر الاسود التى تغطى طرفا من وجهك ، ورأيتك تسبحين أمامى على صدرك الوجه مرفوع الى الاعلى كأنما كنت تسبحين فى الهواء .

*... اضطراب سيارة الاسعاف أشعر به حين تمر فوق الحفر ، وأسمع صوت صافرتها تشق دربا لها بين السيارات والمشاة فى الشوارع المزدحمة . أشعر بالمحفة تنقلنى الى أعلى . أسمع صوت المصعد الكهربائي يتحرك ويتوقف .

أسمع الطبيين الجراحين يتحاوران الى جانبى ولكننى لا أراهما ولا اتبين كلامهما . أقول فى نفسي ، أردد بصوت عال ، ولكن لسانى الجاف لا ينطق " لقد أتيت ورأيت وأحببت . " التقط بصعوبة كبرى سؤالا يطرحه أحد الطبيبين على زميله لعله يحمل فى يده شيئا ولكن الغشاوة فى عينى تمنعنى من الرؤية - هل هذا كاف ؟ يجيبه الطبيب الآخر : - هذا يكفى

اشترك في نشرتنا البريدية