الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

التائد الذى لم تصدقه أحد

Share

رفضت أن تكون أنت ذلك اليوم ، فلسفتك في ذلك ، أن الحدث غير عادى ، والعقل فقد تركيزه ، تحت تأثيرات شهد باستحالة تذليل صعابها الكثيرون ، ونعوك وأنت تنبض بالحياة ، واستنكر هؤلاء فعلتك تلك ، بالمواجهة من فئة وبالجفاء من فئة أخرى .

صرخت فى الذين واجهوك بالعتاب والزبد يتناثر من شدقيك بأنك لم لكن موجودا كامل ذلك اليوم . الوعى آية الوجود وهذا الامتياز افتقدته ساعة ما فتحت محجريك صباحا . كان الجسد جسدك والانفاس أنفاسك والنبض نبضك ، ولكن هذا لا يكفي في نظرك بأن تكون مسؤولا عن تصرفاتك كيفما كانت . لقد شل عقلك وانجذبت فى ارتباك نحو حزم الاوراق البنكية ورغم المحاكمة العادلة فى منطقهم ، ورغم قضاء مدة العقوبة اضافة الى اصابة بالهوس نتيجة التعذيب ، فلا تزال تصر على براءتك .

خلت أن باستقامتك ورجاحة عقلك ستحقق ما تصبو اليه . بطريقة أو بأخرى ستحصل على مسكن يسجل برسم اسمك ، وستعمد الى قضاء اجازتك السنوية باحدى البلدان ، غربية كانت أو شرقية متحضرة كانت أو متخلفة ثلجية كانت أو شمسية ، وستضم اليك زوجة مليحة ، واذا أسعفت بها مثقفة فستعمل الى جانبك وتقتنيان سيارة تساعدكما فى زحمة أزمة المواصلات ، وسيكون لك من البنين ما يكفى ليتواصل نسلك وتخلد هويتك .

كنت وراء مكتبك عندما رن جرس الهاتف ، ولما وضعت السماعة كانت قتامة تعلو سحنتك ، ومرارة استقرت بمذاقك وارتبكت مفاصلك ، ولاحظ زميلك منك تغيرا فسألك : - ما الامر ...

قلت وقد استقر بصرك بثقب وهمى بالحائط بينما كنت تهوى من شاهق ... - فارق أخي الحياة ولكنى أنا الذى مت ...

وانسللت برفق من المكتب ونزلت المدارج التى كانت تتراقص تحت بصرك وقدميك ، وكدت تتعثر لو لم تتماسك ، واستقبلك الشارع ، ورغم ازدحامه بالسيارات والمترجلين ، خلت أنه قذف بك فى صحراء مترامية الاطراف وبدت لك الحياة اشبه بالمستحيل . احتضنك الزقاق ، وبدا لك حشيد من كل الاعمار ، وأصغيت الى ولولة ونواح زادا فى كربك ، وكدت تولى الادبار وتختفى ، لكنك تجلدت وواصلت سيرك واكتشف الحشد هامتك فاشرأبت الاعناق ، وجحظت العيون واتسعت ، وتضخمت الهياكل وفقدت أشكالها وحركاتها الطبيعية المريحة .

اعترضت أمك تقدمك صارخة مولولة وهي ترى فيك رجل البيت الجديد ، وبرزت زوجة الاخ الراحل لما علمت بقدومك الميمون ، فدت لك آدمية فقدت المعين وطمعت فى سخاء البديل ... كرهتها فى تلك الآونة ، ولعنتها وأصلها وفصلها ، وكدت تلعن أخاك لولا قداسة الموت التى حالت دون ذلك . لم تكن مليحة وزادتها بهذلة اللوعة قبحا . لما تهاويت على أحد الكراسي حام حولك الابناء ، كبارهم يبكون ، وصغارهم لا يكادون يفقهون ، وتحركوا كالشاطين , يرمقونك بنظرات استعطاف ، وفجأة أحسست بوجودهم الحقيقي ، لقد استيقظ فيك حبهم الذى خمد لهول الصدمة والخيبة . احتضنت البنت الصغرى ولثمت جبينها ، وقربت الكبرى أعمقهن احساسا بالحدث ، وكدت تنسى واجبك ، فتحاملت على نفسك وانتصبت واقفا تستقرىء من الوجوه أمرا بالتحرك للقيام باجراءات الدفن .

استطعت كبح جماح خيالك المجنح باضفاء مسحة القتامة ، وأثلج طموحك ، فسحبت اشتراكك من صندوق الادخار السكنى ، وعدلت عن استخراج جواز السفر ، واذا ضاقت بك المدينة ، اقتحمت أول حانة وتجرعت ما يحرك كوامن شبه ميتة ، فتحلم من جديد بعالم يعسر اكتشافه ، فى مغامرات يصهل فيها جنسك العربى البربرول فى مدن أوربا ، يزقق حسناواتها فى ثورة محمومة الطاقة الشمسية . وتسيل دموعك اذا دوعبت من بعض الاصدقاء والاقارب من المخمورين عن مصيرك وأنت تعول عائلة بسبعة بطون ولم تبغ من العمر الثلاثين ، ولم تنعم بحرارة زوجة مليحة ، تعادل فيك ميزان الرجاحة ، وتطرد شبح الكبت والتذبذب ، واذا انتفضت من بينهم كالمسعور وغادرت مجلسهم

لتستقبلك الشوارغ ، تراقصت أجسادهن ، تتفرس فيك بعيون ساحرة ، يصحب ذلك ابتسامات مليحة مشجعة ، فتخالهن يشتهينك ولا ينظرن الا جرأة منك ، وتتوقف بمحطة الحافلات فيتضخم فيك الاحساس بالكبت فتحث الخطى نحو بؤرة المواخير

استلقيت على فراشك ، أحسست بارتخاء وسقوط فى هوة سحيقة تمتصك من عجزك ، وتعددت الكوابيس ، حركة محمومة فقدت معالمها ، هيجان أحد محترفي العنف ، زحف شرطة الاخلاق من لا أخلاق لهم ، أجساد شيطانية عارية تصلليك بفحيح الافاعى ، وتفوز بوصصال الديكة وتسكن حركتك ، حد الاختناق ، تقاد الى حيث لا تدرى بالكلاليب وترمى من شاهق بينما تطلق مومس ضحكة دعارة وتغمض عينيك فتلاحقك وهى تزيل ما علق بها من بصاق .

فتحت محجرين حمراوين ثقيلي الجفون ، داعبك أصغر الابناء وبادرك بقبلة بوجنتك العارية ، وصعقت ، لا يزال فى عمر الشهر الشمسى بقية ولن تكفى الثمانية دنانير التى أبقيتها بالرصيد .

هرولت فى غير عادتك بين دهشة الصبى وحيرة الأم وانت تلعن الحانات والخمارات والجرايات . قدمت صكا بريديا به ثمانية دنانير لا غير ، حشره العون البريدى فى حقة مع غيره ودفع بها فى فوهة . انتظرت طويلا ، محاولا تقسيم المبلغ على بقية ايام الشهر ، لكن الدنانير الثمانية كانت تتمرد وتتلاشى وتخيب أملك .

توالت الارقام فى مضخم الصوت ، وكان بينها رقمك ، تسلمت الصك مزكى ، وهرولت الى الشباك البلورى ، كانت وراءه فتاة تخضبت بأصباغ صارخة ، تسلمت منك الصك وبطاقة تعريفك وهي تبرقك بنظرة خاطفة , ولما تمعنت فى الصك ، كرفست شفتيها ، وحركت حاجبيها فى اهتمام بين , وسجلت بدفترها بعض أرقام لم تتبينها ولم تكن ترغب في ذلك . وانت تلعنها لبطئها انهالت عليك حزم الاوراق البنكية ، ألقيت نظرة إلى الخلف مبهوتا , لعل غيرك المعنى بها ، وأنقذك صوت فتاة الشباك من اضطرابك ، آمرة بعد ما  يقدم لك ، وأوهمتها أنك تفعل ، وحشوت الحزم في الجبوب الداخلية , وهرولت الى المنزل وكل شئ فيك يفور .

أغلقت غرفتك ، كانت ثمانية آلاف دينار ، تهت فى الاحتمالات ، لعلك أخطأت ، أو أخطيا العقل الالكتروني أو فتاة الشباك ، ولعل منظمة قومية

أو دولية أجازتك بهذا المبلغ لقيامك بواجبك العائلى ، أو لعله القدر وهبك من حيث لا تدرى .

طرق الباب ، أخفيت الجائزة فى الخزانة فى بهذلة . كانت الأم ، وقبل انسيابها فى عتاب لا ينتهى دفعت لها بورقة من فئة الخمسة دنانير وأغلقت فى وجهها الباب .

صلبوك وفقدت وعيك عديد المرات وقال لك احد الزبانية : - لو كنت مكانك لفعلت ما فعلت ... وحققوا معك .

- نعلم جيدا ان فتاة الشباك هى التى أخطأت ، ويكمن خطؤك في قبول ما ليس لك ، وما نريد معرفته ، هو كيف صرفت كل ذلك المبلغ فى فترة وجيزة .

- كان المال لى هبة ، لا اعلم مصدره ، لعله هبة منظمة اليونسكو - أتعبنا ، فلا ترغمنا على التنكيل بك .

- تزوجت شهرزاد ، وقضيت شهر العسل فى الساحل الازوردي ، والتنيت سيارة رويس رويس ، ومنزلا فخما بنيته على أطلال قصر عليه والحقت به جزءا من هيكل الرب أشمون ، فجعلت منه جناحا خاصا بمجوني علية القوم ، سميته وكر " صفر فى السيرة وكونت وكالة أسفار مع مؤسسية المكوك الفضائى الامريكى لتسجيل أسماء من ضاقت بهم الارض بما رحبت بلقيام برحلة فضائية الى المريخ والرؤساء المديرون العامون هم المعنيون قبل غيرهم للقيام بهذه الرحلة ...

وفقد المقرر أعصابه فلعنك وطرحك أرضا فسبقتك جمجمتك الى الحائط وأغمى عليك

قدم حكيم الامراض العصبية شهادة طبية فى اختلال حاصل بمداركك العقلية ، ورفض محتواها رئيس المحكمة لانك ساعة تسلمك للاموال كنت معافى من كل علة ، وصرخ محاميك بان هذا الحكم يفيد في قضية فرعية ضد من تسببوا فى فقدانك لمداركك العقلية وخسرت تلك القضية أيضا ، وكنت تفتا تردد بأن ليس الموت والجنون وحدهما يفقدان الانسان بل كذلك الصدمة والخيبة والحاجة وتهت فى المدينة ولم يصدقك أحد .

اشترك في نشرتنا البريدية