الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "المنهل"

التاريخ وأهميته

Share

-٢-

أيها المصغون النبلاء ! هل كان يمكننا لولا التاريخ أن نميز بين الشرائع والاحكام ؟ ونعرف قصص الانبياء عليهم الصلاة والسلام ؟ وسير الخلفاء العظام ، والملوك والامراء وآثار البخلاء وشعار الكرام ؟ وهل كان من الممكن لولا التاريخ أن نعلم ماعسى أن يوجد فى الاسانيد وطرق الرواية والنقل من انقطاع أو عضل أو تدليس أو إرسال ، أو مجاهيل أو جهال ، والاسانيد هى وسائل الدين ؟ وهل كان متأتيا أن يحقق الناسخ من المنسوخ ، والراجح المرجوع اليه من المرجوح المرجوع عنه ؟ هؤلاء المهاجرون والانصار والبدريون وسواهم فى طبقات أخرى أكنا نستطيع الفرق بينهم لولا التاريخ الذي دلنا عليهم ؟ ثم يتلوهم بنفس الاعتبار ، تمييز الصحب من الاتباع ، والاتباع من تابعيهم ، ومن كان فاضلا أو مفضولا ، أو معروفا أو مجهولا ، ناهيك باحوال الرواة وطبقاتهم وتمييز الضعفاء منهم وقدر المثقاة قدرهم ، ومعرفة القول المعمول به من المهجور والمتأخر من المتقدم والسابق من اللاحق . . أكان يتضح كل ذلك لولا التاريخ الذي أراه الفن الاجتماعي الضرورى ، والعلم المتأكد لمعرفة كل شئ به ، وبناء كل أساس عليه ، ولولاه لما شعر آت من الخلق بذاهب ، ولا اتصل حاضر منهم بغائب ، اكانت تعرف المسالك والممالك ومنشأ الامم وتطورها ، والاطوار التى مرت عليها دون أن نلجأ الى

التاريخ وفروعه يفيدنا بكل ما تحاول ، ويفيض علينا نورا يهبنا الارشاد والاهتداء لما تريد . . هذه العبادات وأوقاتها ، والمعاملات الشرعية اكثرها؛ منها مثلا الامساك والافطار والحج و الزكاة وعدة المرأة ومدة الحمل ووضع الجنين وحلول الدين وانصرام الاجال أيفرض إمكان ضبطها دون تقييد التاريخ ودراية التاريخ ؟ ! أو ليس التاريخ يرافقنا في كل شأن من شؤوننا الاجتماعية عامة أو خاصة واليه نضطر في جميع مالدينا ؟ !

أن التاريخ - وأعيد القول - هو العلم الضرورى , وهو أخطر العلوم الاجتماعية شأننا ، الذى يقدر أن يهبنا كل ما تقدم وسواه من معرفة انسابنا وأحسابنا ودرجة إتصال الواحدة منها بالأخرى وأهميتها وتقديرها . ولا أزيدكم تعريفا بالتار بخ فقد عرفتم أنه كاشف العواقب وناشر المناقب ؛ ومذيع أقدار الدول وعظماء الرجال ، والمبرهن عن مقاماتهم فى كل مجال .

التاريخ يهدى الحاكم ويرشد القضاء العادل الى تدقيق الشؤون وإيضاح النوازل وقد كشف غوامض الزور والتدليس في غير قليل من القضايا الرائجة والحوادث التى تطرأ فى كل وقت يحفظ التاريخ نفسه لنا ، من هذا النوع ، مانتداوله من قضية رئيس الرؤساء التى أدلى بها يهود خيبر بعقد يتضمن أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط الجزية عنهم يوم فتح خيبر . . فلما قدم ذلك الى حافظ المشرق أبى بكر الخطيب ، قال : هذا مزور ، لان فتح خيبر كان سنة سبع من الهجرة ، وسعد مات قبل ذلك يوم بني قريظة ولان معاوية إنما أسلم سنة ثمان بعد فتح مكة فكيف يشهد فيما وقع قبل ذلك عند فتح خيبر سنة سبع ؟ ! فأزاح ببيانه التاريخي كل شبهة ، عن تزوير ذلك العقد ، وبطل سعى المدلي به ورد . . ثم في سنة ثلاث عشرة ومائة والف زمن سلطنة الجد السلطان اسماعيل الاكبر أدلى اليهود بنظير أثرهم المزور

مرقوما عليه بتاريخ غرة صفر عام ثمانية وعشرين وسبعمائة ، سمى مختلقة نفسه محمدبن ابراهيم بن عبد الرحمن الهروى والعاطف عليه قاسم بن يحيى بن أحمد بن سعادة ، وعلى ذلك الصك المفتعل عدة افتاات بابطاله ودحض حجة مريد الادلاء به للاحتجاج .. وقد ألم بذلك كله الشريف العلمي في (جامع نوازله ) وتعدد ظهوره مرات اخرها عام اثنين واربعين ومائة والف على ما في (طالعة نشر المثانى ) .

وفى مقدمة صحيح الامام مسلم أن المعلى بن عرفان قال : حدثنا ابو وائل قال خرج علينا بن مسعود بصفين ، فقال ابو نعيم يعنى الفضل بن دكين حاكيه عن المعلى أتراه بعث بعد الموت ؟ ! يعنى لان ابن مسعود توفي سنة اثنتين أو ثلاث وثلاثين قبل انقضاء خلافة عثمان بثلاث سنين ، وصفين كانت في خلافة على بعد ذلك بسنتين فلا يكون ابن مسعود خرج . عليهم بصفين وهناك غيرهما وغيرهما .                   (يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية