( ٤ )
ايها المصغون الكرام ! كان كتاب التاريخ ومدنو اسفاره القديمة يقسمون التاريخ تقسيما ؛ فيرجعون اصوله الى نشأة امم قديمة كالعرب والفرس والروم والقبط ، ولكن نهضة العلوم الاجتماعية وتوفر البحث فى اصول الامم ودرس مسائلها وتطوراتها اسدل ذيلا وارفا من وفرة الاطلاع وفيوض المعرفة على علم التاريخ فأمست التقاسيم وهى اكثر ما تكون اتساعا وضبطا وترتيبا . وبات التاريخ البشري وهو فن متحد ترجع اليه الامم كلها على اختلاف ملها ونحلها فى الاستضاءة بأنواره ، كل على قدر حظه من العلم ونسبته من التاريخ نفسه ، ومن شؤنه المتفرعة عنه وحوادثه التى تكثر وتقل بحسب الادوار التى لعبتها الامة تقدما وتقهقرا .
هذا التاريخ عند العرب واليه يساق الحديث قد استمد نظامه الاول من القرآن مادة كل شىء واصل كل فن وعلم ، ففيه ( ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا فى كتاب الله يوم خلق السموات والأرض ) وهى المعروفة باسمائها العربية التى أولها المحرم وآخرها ذو الحجة ؛ وعلى ترتيبها وعدم الزيادة والنقص فيها استمر الحال الى ان رسم سيدنا ابراهيم الخليل عليه السلام الحج فى عاشر ذى الحجة فصارت العرب بعده تقف في حجها عند حد ما رسمه ابوهم ابراهيم فيه ، وكان الحج لاجل ذلك ياتي في الفصول كلها ، فيجد أهل مكة على ماهم فيه من الخصاصة وضيق المعيشة حرجا ، فكانوا لذلك يتضررون بايتان الحج فى غير ابان الغلل والمياه فنشأ من ذلك ان قامت العرب بشوري فيما بينهم اشار عليهم فيها رئيسهم وخطيبهم
اذ ذاك بتخصيص وقت الحج بفصل وجود الغلل والمياه من كل سنة . وكان أول من انسأ الشهور من مضر ، مالك بن كنانة ، وكان آخر ناسئ منهم : ابو ثمامة جنادة بن عوف بن أمية بن عبد ؛ كما للازرقى نقلا عن الكلبى وكان ذلك من جملة تعاليم أملتها رعونات الجاهلية فأقدموا عليها ، وزحلقوا الشهور عن مجالها فأخروا المحرم إلى صفر ، وصيروا صفرا ، الى أول الربيعين وهكذا . فهذا أصل نسيئهم اى تأخيرهم بعض الشهور او زيادتهم فى عددها ، المنبه على نعيه عليهم وذم صدوره منهم فى قول الله تعالى : ( انما النسيئ زيادة فى الكفر ) الآية .
واستمر حالهم على هذا مدة ، من مائتين وعشر سنين او عشرين سنة ، الى سنة حجة الوداع ، وهى العاشرة من الهجرة النبوية ، فاتفق فيها رجوع الحج الى ما كان رسمه فيه الخليل عليه السلام وهو عاشر ذي الحجة ، فقام فيها نبينا ﷺ خطيبا منبها على رجوع الحج لأصله ، وعلى تغييره ، بعد ، بقوله : ( الا ان الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والارض )
هذا وغني عن القول ان تاريخنا تبتدئ مادته العامرة من هجرة النبى ﷺ من مكة الى المدينة ، وقد كانت العرب تؤرخ أيامها ووقائعها كالامم القديمة بالحوادث والحروب
وإذ عرض لنا بحث ايها السادة المستمعون فى اول من ارخ ، فاولاد آدم عليه السلام بصلبه كما نقله ابن عساكر في تاريخه عن الشعبي ، وذلك انه لماهبط آدم من الجنة وانتشر بنوه في الارض ارخوا من هبوطه فكان ذلك هو التاريخ حتى بعث الله نوحا فأرخوا من بعثته الى ان كان الطوفان وغرق من غرق وبجانوح ومن معه فارخوا من حادثة الطوفان ؛ ثم لما كثر بنو اسماعيل وافترقوا ارخ بنو اسحاق من نارا ابراهيم الى مبعث يوسف ، ومن مبعثه الى ملك سليمان ، ومن ملكه الى مبعث عيسى بن مريم ومن مبعثه الى مبعث النبي ﷺ، وأرخ بنو اسماعيل من نار ابراهيم الى بناء الكعبة المشرفه الى ان تفرقت معد فكان كلما خرج قوم من
تهامة جعلوا التاريخ من خر وجهم ، ومن بقى بتهامة يؤرخ من خروج سعد ونهد وجهينة بنى زيد من تهامة تم أرخوا من موت كعب بن لؤى الى عام الفيل ومضى التاريخ على ذلك الى أن ارخ عمر بن الخطاب من الهجرة وذلك سنة سبع عشرة او ثمان عشرة من الهجرة ، وعن ابن عباس قدم النبى ﷺ المدينة وليس لهم تاريخ ومضت ايام ابي بكر واربع سنين من خلافة عمر على هذا ثم وضع التاريخ وروى الحاكم فى الاكليل من طريق ابن جريج عن ابى سلمة عن الزهري ان النبى ﷺ لما قدم المدينة أمر بالتاريخ فكتب فى ربيع الاول ، وهذا معضل والمشهور خلافه كما فى الفتح ونحوه للأبيارى نقلا عن المحب الطبرى . واختلفوا فى سببه قال ميمون بن مهران . وقع الى عمر صك فى شعبان ، يعنى غير معين ،
فقال عمر : اى شعبان هذا ؟ الذى مضى او الذي هو آت او الذى نحن فيه ؟ ثم جمع الصحابة من المهاجرين والانصار ، وقال لهم ضعوا للناس شيئا يعرفون به سنيهم وبعد تبادل الآراء اتفقت كلمتهم على ان يكون من الهجرة : وفى رواية عن سعيد بن المسيب ان الذى اشار على عمر بالتاريخ بالهجرة هو على بن ابى طالب كرم الله وجهه ، كما اجمعوا على ان يكون فاتحة العام المحرم لكونه منصرف الناس من حجهم ، ولأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم إذ البيعة وقعت اثناء ذي الحجة ، وهي مقدمة الهجرة ، ولانه اول الاشهر الحرم ، واختاره ايضا على كرم الله وجهه ، وقال . لانه اول السنة . وفى الفتح انه يستفاد من الآثار ان الذي اشار بالمحرم : عمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم ، وكان ذلك لسنتين ونصف من خلافة سيدنا عمر ، وكان وقوع اختيار الصحابة رضوان الله عنهم ، على التاريخ بالهجرة ، لانها وقت استعلاء الاسلام ، ومبدأ توالى فتوحه للأنام والتفرقة بين الحق والباطل ، وقد اهتدوا باشارة القرآن فى قوله تعالى : ( لمسجد اسس على التقوى من اول يوم احق ان تقوم فيه ) وهو يوم قدومه ﷺ ، مهاجرا للمدينة فلنقتصر عليه طبق ما شرطناه وبالله التوفيق -
