الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

التاريخ واهميته

Share

- ٣ -

فلولا التاريخ لم تنكشف هذه الحقائق ؛ مولاه لم يبلغنا ما كانت عليه الامة العربية التى نمت اليها بصلة الوصل من الشفوف وبعد النظر وأصالة الرأى ولولاه ما أدركنا شيئا من نعوتها وكمالاتها الجمة ؛ ولولاه لم تطلع من اخبارها على نظير ماحكاه الحافظ الكلاعى فى اكتفائه ، والحافظ أبو الفرج بن الجوزى فى كتاب الاذكياء ، والقاضى ابو الحسن الماوردى فى كتابه إعلام النبوة من أن جد العرب اليمنية وهو نزار بن معد بن عدنان كل له أولاد أربعة : مضر وربيعة واياد وانمار ، فلما حضرته الوفاة أوصاهم ، وعين لهم ما يحوزه كل واحد مما يخلفه من المال حيث قال لهم : يا بني هذه القبة لحمراء وما يشبهها من مالى هى لمضر ، وهذا الخباء الاسود وما يشبهه ، لربيعة ، وهذه الخادمة وما يشبهها لاياد ،

وهذه البدرة والمجلس وما أشبهها لانمار ، فان اختلفتم فى شئ من ذلك فعليكم بملك نجران ، وهو الافعي الجرهمى ؛ ثم لما مات اختلفوا فى ذلك فتوجهوا الي ملك نجدان ليفصل بينهم ؛ فبينما هم يسيرون إذ رأى مضر كلاءا قد رعى فقال ان البعير الذى رعا هذا الكلأ لأعور ؛ وقال ربيعة هو أزور ؛ وقال أياد هو أبتر؛ وقال انمار هو شرود ؛ فلم يسيرو إلا قليلا حتى لقيهم رجل فسألهم هل رأوا بعيرا له ، فقال  مضر هو أعور ، فقال الرجل : نعم ؛ وقال ربيعة هو أزور فقال الرجل نعم ، وقال أياد هو أبتر فقال الرجل نعم ؛ وقال انمار هو شرود فقال الرجل نعم ، وهذه والله صفات بعيري ، فدلوني على محله ! فقالوا : والله ما رأيناه ؛ فقال : قد وصفتموه بصفاته فكيف تقولون أنكم لم تروه ؛ فارتفع معهم إلى ملك نجران ليفصل بينهم وبينه فى بعيره الذى وصفوه وأنكروا رؤيته ؛ فلما نزلوا على الملك ناداه صاحب البعير وقال هؤلاء اصحاب بعيري

وصفوه بصفاته وقالوا لم نره ؛ فقال لهم الملك كيف لم تروه وأنتم قد وصفتموه ؟ فقال مضر رأيته يرعى جانبا ويترك آخر فعرفت أنه أعور ، وقال ربيعة رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة الأثر فعرفت أنه أفسده بشدة وطئه لازوراره ، وقال أياد رأيت بعره مجتمعا فعرفت أنه أبتر إذ لو كان ذيالا لمصع به ، وقال انمار رأيته يرعى المكان الملتف ثم يتخطاه لغيره فعرفت أنه شرور !

فلما سمع الملك أجوبتهم هذه قال للرجل أنهم ليسوا باصحاب بعيرك فاطلبه في غيرهم ، ثم سألهم عنهم فأخبروه أنهم بنو نزار ، فقال أتحتاجون إلي وأنتم كما أرى ، ثم دعا لهم بطعام وشراب فأكلوا وشربوا ثم قال مضر : لم أر كاليوم خمرا أجود لولا أنها نبتت على قبر ، وقال ربيعة : لم أر كاليوم لحما أطيب إلا أنه ربي بلبن كلبة ، وقال إنمار : لم أر كاليوم خبزا لولا أن التى عجنته حائض ، وقال أياد : لم أر كاليوم رجلا أسرى لولا أنه يدعى لغير أبيه !

وكان الملك قد وكل بهم من يسمع كلامهم فأخبره بما سمع ، فدعا الملك صاحب شرابه وقال له : الخمرة التى جئت بها ماقصتها ؟ قال : من كرمة غرست على قبر أبيك لم يكن عندنا شراب أطيب من شرابها ، ثم دعا الراعي فسأله عن الشاة التى أكل لحمها ماقصتها ؟ قال هي شاة ماتت أمها فأرضعناها من لبن كلبة ولم تكن عندنا شاة أسمن منها ، ثم دعا عاجنة الخبز فأخبرته أنها حائض ثم سأل أمه عن أبيه الذى يدعى اليه فقالت له وهو ملك لا ولد له فكرهت أن يذهب الملك من داره بموته فأمكنت رجلا من نفسها كان نزل به فحملت منه ، فهو أبوه ، فعجب الملك إذ ذاك مما اهتدى اليه ضيوفه أبناء نزار ، فدس اليهم من سألهم عن علمهم بما قالوا ، فقال مضر : علمت أنها خمر قبر من كون شأن شرب الخمر ذهاب الغم وهذه أدخلته علينا بشربها ! وقال ربيعة : علمت أنها شاة رضعت ابن كلبة لأن شأن لحوم الانعام ان يكون الشحم فوق اللحم والكلب بخلاف ذلك وهذا اللحم وافق الكلب فى ذلك ! فعلمت أنه

اكتسبت ذلك من اللبن ! وقال إنمار : علمت أنه عجين حائض من عدم انتفاشه حين فت ، وشأن الخبز الذي لم يعجنه حائض الانتفاش حين فته ! وقال أياد : علمت ان الرجل يدعى لغير أبيه لابى رأيته صنع لنا طعاما ولم يأكل معنا فعرفت ذلك من طباعه لان أباه لم يكن كذلك ! فرفعت أجوبتهم إلى الملك فازداد عجبه ثم دعاهم وقضى بينهم فيما اختلفوا فيه وانصرفوا ! ..

فلهذا وشبهه مما استفيض من قوة ذكاء العرب ورجحان عقولها قضى لهم على غيرهم ، غير واحد ، من غير أهل جلدتهم ، كباقعة الفرس الاسلاميين (ابن المقفع ) المشهور بكمال المعارف والاقتدار ، إذ قال : ان امة العرب أعقل الامم ، لأنها حكمت على غير مثال مثل لها ؛ إذ هم مع كونهم اصحاب إبل وغنم وسكان شعر وادم ، يجود أحدهم بقوته ؛ ويتفضل بمجهوده ؛ ويشارك في ميسوره ومعسوره ، ويصف الشئ بعقله فيكون قدوة ، ويفعله فيصير حجة ، ويحسن ما شاء فيحسن ؛ ويقبح ماشاء فيقبح ، أدبتهم نفوسهم ،

ورفعتهم هممهم ، وأعلتهم قلوبهم وألسنتهم ، فمن وضع حقهم خسر ، ومن أنكر فضلهم خصم ، ولنقتصر الان على هذا القدر من فضل العرب التاريخي ، لئلا يقال : مادح نفسه يقرئك السلام ! على ان هذا لا يقال ، فيما هو من صميم التاريخ ، فالتاريخ مادة كبري تمد المعتنين بها بقوة النقد والادراك ،

وتهديهم الى الاتيان بالمستدركات الادبية والفوائد الخاصة التى ترقق حواشى الانسان ، وتهبه معرفة اخبار الماضيين ؛ وتلقنه دروس الذكاء والعبرة المزدوجة بحوادث من تقدمه ؛ فيضيف بذلك كما قيل ؛ اعمارا الى عمره ؛ فتراه يشارك فى المعرفة من تقدمه بآلاف السنين كأنه حاضر معهم :

اذا عرف الانسان اخبار من مضى       توهمــه قد عاش من أول الدهر

وتحسبه قد عاش اخر دهره              الى الحشران ابقى الجميل من الذكر

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية