الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

التجربة اللغوية في شعر بدر شاكر السياب

Share

ربما انكر الشيوخ من الأدباء على شباب اليوم أن يكون بينهم الشاعر المطبوع ، وقد يغلو بعضهم فيزعم ان جديد ناشئة اليوم لا يمت الى الأدب بسبب ، ولعلهم يقولون : ما ترك الأول للآخر.

وماذا يضير الشباب وهم ماضون يؤكدون جديدهم ، ويقرون أصوله ، ويرسون قواعده ، فكان أن طلع فيهم أعلام سطع لهم نجم لامع ، وكان من هؤلاء بدر شاكر السياب الذى غنى الشعر منذ عشرين سنة ، فكانت " ازهاره الذابلة " ( 1 ) مادة شعرية تشير الى أدب جديد لا بد أن يفرض نفسه في تاريخ ادبنا الحديث . ربما لا يعرف الكثيرون هذه " الازهار الذابلة " هذه البواكير التى وصفها صاحبها بالذبول وهي خضلة تعمر بالحياة . فأنت تقرأ هذه الازهار فيتمثل لعينيك شعراء الغزل القديم فقد يمر بخاطرك جميل صاحب يثينة ، او العباس بن الاحنف او فلان او فلان الذين ذهبوا فى الغزل مذهبا عفيفا ، ولا تعدم أن تجد فى هذه البواكير ما يعيد اليك نفسا من انفاس ابن ابى ربيعة فى عبثه وهواه . وهكذا فغرض الشاعر فى " ازهاره الذابلة " هو الغزل . ومعانيه هى معانى الغزل فى الوانه العاطفية المختلفة ، فهو لا يكلفك عناء فى فهم عبارته وارسال الكلمة على نحو ما يفعل ناشئة اليوم فى استخدام الكلمة العربية بحيث يخيل اليك أن نفرا منهم يجردون الكلمة عن أصولها ، ويبعدونها عن ظلالها المألوفة فتستقر فى حيز جديد لم يألفه ذوو الحفاظ من الشيوخ . ستقول : إذا أين جديد صاحبنا السياب في " ازهاره الذابلة " ؟ أما أنا فأقول لك ان مادته جديدة ، وان جمهرة الفاظه تومئ الى أن أختيارها حسن ، وانه توسع فى المجاز والاستعارة توسعا أدخل الجدة على الدلالة اللغوية ، فأنت تفتح مجموعته هذه فتقرأ قوله:

ديوان شعر ملؤه غزل بين العذارى بات ينتقل

أنفاسى الحرى تهيم على صفحاته والحب والأمل

وستلتقى أنفاسهن بها وتحوم فى جنباته القبل ( 2 )

ألا ترى أن هذا الموزون المقفى قد اشتمل على " هيام الانفاس " و " حومان القبل " وذلك من المجازات الجديدة التى اخذ بها السياب . ثم يقول ( 3) :

ديوان شعر رب عذراء اذكرتها بحبيبها النائى

فتحسست شفة مقبلة وشتيت انفاس وأصداء

فطوتك فوق نهودها بيد واسترسلت فى شبه اغفاء

يا ليتنى اصبحت ديوانى أختال من صدر إلى ثان

قد بت من حسد أقول له : يا ليت من تهواك تهوانى

الك الكؤوس ولى ثمالتها ولك الخلود وانني فان

وبعد فهذا نمط من شعر السياب فى الحب ، وهذا اللون يمثل المرحلة الاولى من فن السياب ، تلك المرحلة التى تتسم بالوضوح والسهولة ، فأنت تقرأ هذه النصوص فتقف منها موقف المطمئن للدلالات والمعانى التى تشير اليها . وهكذا فغزل الشاعر وان كان يقصد الى العفة ، فانه لابد صائر الى دنيا الناس فهو يذكر الشفاة والقبل ، وربما تعدى ذلك الى النهود التى تحضر فى كثير من قصائده ، ثم انك تستمتع باستعمال الشاعر الذى يفصح عن فهم جديد في المجاز اللغوي فهو يقول مثلا فى القصيدة نفسها :

والليل والانسام عاطرة

والزورق الغافى المجاذيف

وغفوة المجذاف شئ من هذا الجديد فى الاستعمال فى قصيدة لا يتنكر مجموعها للمعروف من الدلالات ، وحديث الغفوة يتكرر فى قصائد الشاعر , فهو يقول مثلا فى قصيدة يسميها نشيد اللقاء:

ان سجا ليل

، وأغفى فى ذراع الريح غاب

والاغفاء في هذه المرة للغاب يستسلم فى ذراع الريح ، وليس من شك أن هذه الطريقة فى التعبير جديدة في هذه اللغة الظريفة المونقة ، ولك ان تفتح مجموعته هذه من أى مكان شئت ، لتبصر هذا اللون الجديد فها هو الشاعر يتحدث عن يوم عابس فيقول : ( 4 )

الريح تجأر بالشكاة الى الجداول والنخيل

والسحب واهية النقاب تحف بالصحو الجميل

تلقى على الغاب الكئيب عبوسة الضجر الملول

والشمس كالأمل البعيد يذوب فى الشجن الهزيل

رباه والعشرون من عمرى تسير الى الذبول

سودا مكفنة الأهلة بالتنهد والعويل

كانت تمر جريحة الأيام ، رعناء الخيول

ظلماء مطفأة السراج ، كأنها بعض الطلول

وبعد فهذا أسلوب حافل بالجديد من الاستعمال الذى لاتنكره اللغة ما دامت قائمة على المجاز والتوسع ، وماذا يقول النقاد المتشددون واللغويون المتحذلقون ؟ أينكرون ذلك ؟ وقد غبر على الشعر العربي قوم ذهبوا الى مثل ما ذهب اليه ناشئة اليوم ، فتقبلت جديدهم الاذواق فكان له أن استقر في نماذج الأدب الأصيل . وربما كان جديد السياب غريبا على الأسماع حين انطلق به منذ ما يقرب من عشرين عاما أما اليوم فأنت تقرؤه ويقرؤه النفر المتشدد دون أن يكون له مثل ما كان له بالأمس ، وهكذا تقرأ قصيدته " امنيات " ( 5 ) فتحسب ان هذا الجديد قد شارك السياب فيه غير واحد من أدباء الشباب:

أمنيات دغدغت حسى باغماء طروب

وانتشاء فاتر الآماد ، نعسان الطيوب

الأريج الدافئ المغناج ، منغوم الهبوب

اسكرته الليلة القمراء في سهل رطيب

غير أن شيئا واحدا ربما انفردي فيه السياب عن كثير من اقرانه ، ذلك هو اخلاصه للبيئة التى نشأ فيها, تلك البيئة التى تستقر فى الريف البصرى الحافلة بالماء والشجر ، ولا أريد أن اغفل ذكر " سيد الشجر " الذي قال فيه المعرى :

وردنا ماء دجلة خير ماء

وزرنا سيد الشجر النخيلا

فللنخيل فى أدب السياب مكان خاص ، وفى غاب النخيل ميدان هوى ، وموطن ايحاء يقف منه السياب مسحورا معجبا مزهوا ، وما أظن أن الاستاذ عباس العزاوى قد فطن الى هذه الناحية فى بحثه عن النخل فى الأدب العربى ، والسياب يصف هذه الطبيعة البصرية فلا يدع من ذلك شيئا ، فهو يذكر الشط والمقصود " شط العرب " من أنهار البصرة الكبيرة ، ثم يذكر المد والجزر والشراع فهو يقول : ( 6 )

أى غاب ساهم الافياء بسام النخيل

نائم فى الضفة السكرى على حلم جميل

انظر كيف يوحى غاب النخيل للشاعر ، فهو سأهم الافياء ، نائم فى الضفة السكرى على حلم جميل ، ويبلغ تعلق السياب بهذه النخلة المباركة فيأوى الى كوخه الذي يعمره من جذوع النخيل فيقول : ( 7 )

مأواى كوخ من جذوع نخيل

فى غابة لفاء بين التلال

وهو لا ينفك يحدثنا عن غابه هذا فيقول : ( 8 )

رب غاب كبلت أنسامه شم التلال

في ربوع الريف مكتوم الضحى بين الظلال

شاحب الأيام والساعات ، مهدوم الدوالي

وكيف لا يذكر " الغاب " وهو موطن هواه ، وموئل الذكرى:

والجوسق المستوحد المهجور فى غاب النخيل ( 9 )

تأوى اليه الغادة السمراء لاهبة الغليل

والغاب ساعتي الحبيبة . . من ظلال عقرباها

كم أنبآني أن طرفى بعد حين قد يراها

واليوم يسقي مدك العاتى أواخر كل جزر

وهكذا يستكمل مواد الطبيعة البصرية فى مدها وجزرها فيقف من ذلك  وقفات مختلفة بين اخلاد فيها وهيام بها تارة ، وبين حيرة وقلق تارة أخرى وهكذا يقول : ( 10 )

أنا حائر متوجف قلق

كالظل بين جوانب البحر

المد قربني الى شبحي

والآن تبعدني يد الجزر

وأنا الضياء تخيفنى دجن

وأخاف أن سأضيع فى الفجر

ولعل من هيامه بهذه المواد أنه يقول : انه قبس هواه فى ظلال النخيل وما أظن أن شاعرا قد خلد النخيل وهام به على نحو ما ذهب اليه السياب فهو يقول : ( 11 )

ويا شاعرا علمته النخيل

وحسناؤهن الهوى والغزل

أمازلت حيران فوق الضفاف

شجيا تنادى فتاة الجيل

اذا المد وافى تبعت الجرار

بعينين تستغفلان المقل

ولم تتنكر هذه الأزهار الذابلة لكثير من مواد لغوية شاعت فى الأدب القديم , فلعلك تستغرب أن تجد فى لغة السياب مادة الجون والجون من كلمات الاضداد فهي تطلق على الأسود والابيض وان كان صاحبنا لا يلمح فيها غير وجهها القاتم ، وهي على كل حال من مواد الأدب القديم ، فهو يقول : ( 12 )

هاتان عيناها يكاد الحنين

يذكى سراجيه بتلك العيون

الدهر ينسى فيهما كل حين

أعوامه الجدلى وبعض القرون

ان شاءتا أن تمنحاك الربيع

فينان يندى فى ليالي الشتاء

عاد الهزيع الجون بعد الهزيع

روضا تحليه الزهور الوضاء

وهو يستعملها فى قصيدة أخرى ويقول : ( 13 )

كان لى عند النوى ثار وقد ادركت ثارى

وانجلى ليل الشتاء الجون عن نور ونار

فالسياب يقتنص الكلمة من الأدب القديم لأنه يراها اداة صالحة ، ومادة موحية معبرة . ومثل هذا استعماله " الاصغرين " والأصغران من مثنيات اللغة التقليدية مثل : الجديدان والعصران والنيران ، ويطلق الأصغران على القلب واللسان ، فقد جاء " المرء بأصغريه قلبه ولسانه " ، اما السياب فيقول : ( 14 )

إذا كنت منك اقتبست النشيد

فمن أصغرى اقتبست الشعل

ويرجع للكلمة فى القصيدة نفسها فيقول :

أمن أصغريه استفاض النشيد

اليها الى الذئبة الضارية

وقد اعجب الشاعر بمادة " اتثال " وصورها المشتقة اعجابا غلب عليه فجاءت المادة فى كثير من مقطوعاته ، والشعراء يعشقون الفاظهم فيخضعون لها ، واستعمال هذه المادة على هذا النحو من الكثرة يستدعي النظر ، فالمادة تشير الى نوع خاص من الحركة ربما كان لها فى احساس الشاعر صوت وحركة لا يبدوان على ما نعهد ، فهو يقول : ( 15 )

ذلك النهر الذى أدنيت متى وهو ناء

لاح لى ينثال عذبا من ينابيع الغناء

وهو يقول فى القصيدة نفسها:

أسمعينى صوتك المطراب تنثال الأماني

ولا بد أن نعرض لهذه المادة فى النصوص لنتبين طبيعة الحركة والصوت فيها . يقول الشاعر : ( 16 )

وانثال من سهرى على سهرى

ينبوعك المتثائب الرطب

ويقول ايضا : ( 17 )

والجدولان انثيال ليس توقفه

فى لجة الشاطئ المغمور لفاء

وهو يقول فى القصيدة نفسها:

والجدولان انثيالان استحثهما

روحان:راض بما يلقى ومستاء

والسياب جرىء على عادة الناشئة فى اشتقاق الصيغ فلا يبالي ان كان الذى يقوله معروفا مالوفا أم جديدا لا تقره اللغة الفصيحة ، وقد يكون ذلك ارضاء للوزن الذي اخذ به ولم يتنكر له في جميع قصائد هذه المجموعة . ومن ذلك استعماله اسم المفعول من الفعل " خفي " المضعف ، وتضعيف هذا الفعل غير معروف ولعله نقله من العامي الدارج فظنه فصيحا ، فهو يقول : ( 18 )

يا بنانا طاهرا يمتد نحوى بالسلام

نابض الهزات بالشوق المخفى والغرام

ويستعمل الشاعر لفظة " الكوخ " غير مرة ، ولكنها اتت فى بيت من ابياته مؤنثة على " كوخة " ، وربما كان ذلك سيرا مع الوزن الذى اضطره الى تأنيث لم يتبعه الا في هذا البيت ، فهو يقول : ( 19 )

الكوخة القفراء عن كثب

تلقى كآبتها على النهر

والدوحة اللفاء رنحها

ان الربيع يهم بالسفر

قد عقب عل الكوخة القفراء بالدوحة اللفاء فتم له بذلك الانسجام وتضطره القافية أن ينال الكلمة بشئ من التغيير كما فى قوله :

واليوم بين ازاهر الدفل

والريح ترعشهن بالقبل

ألا ترى ان " القبل " جعلته يعدل عن " الدفلى " الشجر المعروف الى " الدفل " ! وهي لا يكترث بالمسطور من قواعد اللغة ، فاذا قرأت له : ( 20 )

يا نوم كل عوالى حجب

ولو التقيتك ذابت الحجب

فقد استعمل الفعل القاصر( التقي ) على صورة غير القاصر ، وقد التزم بهذا الاستعمال غير مرة. وربما تأثر السياب بالدلالة العامية للكلمة ، ومعلوم ان بين الدلالات العامية ما يخالف الفصيح ، فقد تطلق الكلمة الفصيحة لمعنى غير معناها فى اللسان الدارج ومن ذلك استعماله " حاش " فى مفهومه العامى العراقى ذلك ان الفعل يعنى " قطف " فى الاستعمال العامي ، كأن يقال " حاش الفلاح الثمر "  اما استعمالها في اللغة الفصيحة فشىء آخر ، فيقولون مثلا " حاش الصيد " بمعنى جاءه من حواليه ليصرفة الى الحبالة. والسياب يقول : ( 21 )

وما تنطف الاغصن الباكيات

على أغصن حاشهن الردى

وبعد فهذه المامه قصيرة بشعر السياب فى " ازهاره الذابلة " لابد أن يعقبها نظر طويل فى مجموعته الكبيرة " انشودة المطر ".

اشترك في نشرتنا البريدية