الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

التحاضن الفكرى ضرورة

Share

بجانب " اللا " و " النعم " وما تقتضيه ثورة الفكر من مجابهة حرة واعية لعوائق الانهزامية ، والفرار والكذب الجماعى ، وعدم الانتماء ، بجانب " لحظة النقد " هذه ، يبرز المفهوم الجديد المعاصر " للثقافة " ويزداد ارتباطا بالحياة وبالانسان وبالارض وبالواقع . . وهذا المفهوم بعد ان كان رهين الثقل المادى " لتراكمات الفضول الثقافى ، والمتمثل فى الاخذ من كل شىء بطرف ، والاستحالة بكل ذلك الى رأس يمثل جملة رؤوس ويحتوى على صور شمسية للتراث ومتاحف الفكر القديم ، بعد هذا ، اصبحت الان للثقافة مهمة اخرى ترتكز على قضية قيم ، وعلى قضية مواقف تحتمها يقظة الفكر الحر المتفاعل بشجاعة مع الاجواء التحريمية والاعتقادية والطامح بشهامة دامية الى تغيير خارطة هذا العالم الذى يسحقنا واخضاعه لصالح الانسان ولصالح الحرية . .

فليس بخاف اذن ، ان الفكر فى اشرف معانيه ضمن الاطار المحسوس الذى يغلفه دون ان يخفيه ، ويحيط به دون ان يحده ، قد اصبح - اى الفكر . اشمل من ان تمثله النظرة السكونية ، او الايديولجيات المحدودة ، او الثورات اللفظية الخاوية ، او بلاغة الفن الزخرفى الموميائى او فن بمعزل عن بقية الفنون . . فالفكر ، بجانب " اللا " و " النعم " اللذين ينتجهما بلا انتهاء هو انجاز فعلى وخلق دائم يستلزم تحاضنا حضاريا بين كافة وسائل التعبير من ادب ورسم ونحت وموسيقى ومسرح وغيرها من عوامل توجه ذاتية الحضارة وتنبثق من هضمنا الكامل لمعنى الحرية ومن انفتاح حسنا لعلاقة حاضرنا وحاضر الاخرين بالامس الذى كان والغد الذى ينبغى ان يكون . لهذا ، فالحاجة ماسة للحوار الثقافى الصافى والتقارب الحضارى المنشود بين الشعراء والرسامين ، وبين هؤلاء وبين النقاد للادب والنقاد للفن ، ثم بين الجميع وبين هواة السينما والاخراج المسرحى والتلفزى والاذاعى . . ومعلوم ، ان الفصل او عزلة بعض هؤلاء عن الاخرين ، هو مظهر من مظاهر التخلف الفكرى ، واللامعاصرة والمؤسف ان شيئا من هذه " الغربة " لا يزال قائم الذات فى تونس وفى العالم العربى والافريقى بوجه عام مع اختلاف نسبى طفيف بين فظاعته فى مكان دون اخر . . ولعل هذه الظاهرة ، ظاهرة عدم الاستجابة بين شاعر يهيم فى اودية ، ورسام او موسيقى او ناقد يهيم فى اودية اخرى ، هى بعض ما يفسر الرؤيا

المتوسطية " للفن ، والمواقف التأخرية التى جعلت المبادرات القليلة الثائرة غريبة عن رسالة الثقافة ، التى هى نضال فكرى شمولى من اجل اخضاع الكون للحرية والحق والجمال ومن اجل تفجير ابعاد الايديولوجيات الاقليمية باختلاف انواع ضغطها وجعلها خاضعة لسياسة انسانية عامة موضوعها الاول والاخير : تحقيق انسانية الانسان والعداوة لكل ما يمنع نمو وتجسيم هذه " الانسانية " . . ومن هذه الموانع على سبيل المثال لا على سبيل الاحصاء ، انقسام الادباء المتمذهبين الى تقدميين وغير تقدميين ويسارين ويمنيين ، والى منتمين الى كتلة سياسية ضد بقية كتل اخرى والى متحزبين فى صف المعسكر الغربى ، واخرين فى صف المعسكر الشرقى والى واقفين او قابعين فى قلعة يمين معتدل او يمين متطرف الى اخر هذه التجمعات التى تجعل كلمة الثقافة بوقا محدودا لتجزئة انسانية الانسان او جدارا حجريا بين الانسان وأخيه الانسان ، او تصامما ونكرانا لما يقتضيه " التعاصر " العميق الشامل بين الفكر والعالم .

من هنا ، وبواسطة هذا الحوار الذى تحاول الاديولوجيات كبته وتضييق الخناق عليه بوسيلة او باخرى ، يبرز مفهوم ( الثقافة ) فى اشرف معانيه ومنتهى اشعاعه ، ولئن قال احدهم ان السياسة هى " يأس الفكر " فان لاقرب الى الصحة ، هو ان السياسة وليدة الفكر واحد مناهجه الواقعيه - كما هو الشأن لبعض السياسات المتفتحة وما اقلها فى العالم ، وهل ادل على تفتحها عندنا هنا ، من تغذيتها للادب والفن ومن تفجيرها للحس القومى وحثها له عل الاستلهام من قضايانا الانسانية ، ومن انغمار شعبنا فى معركة الكيان بعد معركة التحرر - الا ان السياسة الناضجة كالتى ارتقت بالجمهور التونسى واتاحت له فرصة الوعى الجماعى بالذات ، والممارسة الوجودية

العميقة لتجربة الحرية ، هى من الفكر بمثابة الفرع من الاصل ، وعلاقة الفكر بها هى كالعلاقة القائمة بن النتيجة واحدى وسائلها . . وعلى كل فليس الغرض هنا ان نقيم موازنة بين السياسة والفكر ، بل لا بأس من الاشارة الى العلاقة الجدلية ، علاقة الحوار والتحاضن الفكرى بينهما . فكلاهما يتكامل ويقوى بالاخر ، دون ان يستطيع احدهما ان يحيا بمعزل عن الاخر : السياسة تخطيط ونظام وتصميم ، وهي واقع انسانى يجسمه شعب ما ، فى مكان ما من العالم ، اما الفكر فهو ثورة دائمة من اجل شحذ قيم جاهزة او قيم جديدة بوحى من نفس الواقع الذى تشاركه فيه تلك السياسه ثم بوحى من طبعة الفكر التى هى ثورة ضد التجمد النهائى وضد الاستحالة الى تمذهب او تحزب . . ومعلوم ، ان التحاضن بينهما يعنى التوفيق بين وظيفتين رئيسيتين للفكر ، عل المستويين القومى والانسانى ، اما انسحاب الفكر من السياسة :

او الخلط بينهما فمعناه يأس الفكر وافلاس السياسة او تصلبها ، ثم يعنى ضمن ما يعنيه عدم نضح اللحظة الحضارية للامة التى لا تفرق بين استقلالها السياسى المجسم فى التحرر من الاجنبى وفى مناعة نظامها وبين استقلالها

الثقافى المجسم فى حرية وجدانها وفكرها وعلاقتهما بالكون ، وفى وشائج القربى الانسانية مع " الاخرين " فى كل مكان غير الذى نحن فيه ، وفى اشعاع شخصية الامة الثقافية ، ومجدها الفنى وخلودها الفكرى .

فلا بد اذن ، من التحاضن الفكرى بين الثقافة وبين السياسة حتى لا يعيش الفكر بينهما فى غياب موحش فاجع او فى قبول غير نقدى بشكل موميائى او متملق فى حين ان الفكر ملتزم بمقتضى هوس التغيير الدائم للعالم كما تقدم التلميح الى ذلك فى بداية هذه العجالة .

الا انه لابد من القول ، ان التحاضن الفكرى المقصود فى الثقافة بين المنتج والمستهلك للانتاج والناقد ، ليس يعنى شيئا اخر غير الاستجابة النقدية البعيدة عن المجاملة . . او التحيز . . كما ان التحاضن الفكرى ، لا يعنى التكتل او المدرسة بل هو اوسع منهما ، لانه برفضه لنموذج " المنتمى المتعصب " لا يقصد الا اقامة الحوار البناء بين هذا النموذج وبين نموذج " الشاهد " ونموذج " الفوضوى " فضرورة " المعاصرة " تفرض على كل مثقف مهما كان نوعه ان يخرج من قوقعته الخاصة او من شعارات قطيعه ليتجاوب بشجاعة واخلاص مع مقتضيات واقعه القومى الذى يمثل الدرجة الابتدائية للتحاضن الفكرى ثم مع الواقع الانسانى الذى تقع على الجميع مسؤوليته التاريخية

اشترك في نشرتنا البريدية