كانت الامة العربية ، أمة دخلت التاريخ من ابوابه الواسعة وأثرت فى مجرى التطور الانسانى العام فى كل ميادين المعرفة والابداع ، بل قادت هدا التطور طيلة مرحلة تاريخية طويلة امتدت من النصف الاول من القرن السابع للميلاد حين انتصر الاسلام ( 1 ) بصورة واضحة من 630 م ، حتى نهاية القرن السادس
عشر ( فقد سقطت غرناطة بالاندلس 1492 م ) . ولعوامل متشابكة ومعقدة ، تضافرت تاريخيا لتجعل هذه الامة تتخلف لتصبح أمة تعيش على هامش المسيرة الانسانية والتطور العام للبشرية ، فحل التخلف محل التقدم وحل الانحطاط محل التفوق ، وحل الضياع محل الوعى ، الوعى بالنفس والوعى بالاخر لان الوعى لا ينفصل عن موضوعاته التى هى الاشياء والظواهر ، والافراد ولان فى اكتشاف الانسان لذاته اكتشاف فى الوقت نفسه للآخر سواء أكان هذا الانسان ذاتا مفردة او مجتمعا معينا أو كيانا حضاريا محددا .
لقد كان الاسلام بمعناه الاجتماعى والحضارى استجابة لتحد للشخصية العربية التى كانت عرضة لمحاولات الغزو الاستعمارى الرومانى المتكررة بين سنة 30 ق . م . حتى سنة 641 م . بالاضافة إلى كونه رؤية تحليلية واصلاحية - قد تتعدى الاصلاح الى الثورة - للوضع العربى فى الجزيرة وللوضع الانسانى بصورة عامة .
ثم تتكرر الظاهرة الاستعمارية بالنسبة للامة العربية فتصيبها بالشلل فى الحركة والابتكار بداية من الغزو المغولى وسقوط بغداد سنة 1258 م ، فالسيطرة العثمانية ، فالاستعمار الغربى الحديث ، فالامبريالية والصهيونية فى عصرنا . ولموقع الامة العربية جغرافيا ، ولثروتها الطبيعية ولما تمتلكه من ماض حضارى وفكرى مجيد ما جعل كل محاولات الغزو هذه تستهدف فيما تستهدف
السيطرة الاستعمارية المعهودة الى محاولة طمس الهوية القومية ومكونات الثقافة العربية (2) .
يقول كلود كاهن فى كتابه " تاريخ العرب والشعوب الاسلامية " " ان الحضارات جميعا معرضة للفناء ، لكنها تنهض دليلا على أن الشعوب التى أوجدتها قادرة على ابداع غيرها أو بعثها من جديد " .
" دفعنى الى هذه المقدمة الطويلة ، التى لا تتجاوز كونها خواطر ، ما قرأته فى جريدة " الزمن " ( 3 ) الناطقة باللغة الفرنسية حول موضوع اللغة الفرنسية كما يراها البعض من مثقفينا فى تونس فقد ذكر أحد الكتاب التونسيين من ذوى اللسان الفرنسى كجواب عن لماذا تكتب بالفرنسية ؟ بأن :
أ - الفرنسية لغة تونسية كالعربية .
ب - هناك كتابا عندنا تمكنوا من الفرنسية الى أن اصبحت وسيلة للتعبير عندهم فأجادوها وأحسنوا الاجادة .
ج - اللغة والاختيار اللغوى هى قضية تعبير فردى .
د - الشكل اللغوى ليس مهما بل ما تتمايز على أساسه الاتجاهات الادبية فى تونس هو المحتوى .
ان هذه الاجوبة تعبر بحق عن خلط وعن منطلقات أقل ما يقال فيها أنها لا تستند الى تثبت او الى اجهاد فكرى فسقطت فى الوهم والخطأ أو هى تعتقد
انها تتجاوز بوعيها مشكلات الواقع فى بلادها او فى بلاد العالم الثالث بصفة عامة ، والحقيقة أن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تتمايز بين الامم زمانا ومكانا وهى فى نظرى سقوط فى انسانية مزيفة Pseudo - humanisme تتجاوز واقعها المحلى ومشكلاته الحقيقية التى من اهمها فى بلادنا مثلا مشكلة الازدواجية ، وأن اللغة الفرنسية هى واقع يعبر عن استعمار ثقافى ، والدليل على ذلك أن أحد وزراء التعليم السابقين فى حكومة فرنسا هو فوشى Foucht ذكر ان فرنسا خسرت امبراطورية استعمارية فيجب نعويضها بامبراطورية ثقافية ( 4 )
فالدعوة الى الفرنسية ، هى خيانة للوجود القومى والانتماء الاجتماعى والحضارى لهذه الامة . وهى اعتداء ومسخ للكيان ان كان هذا صادرا من الاجنبى فما بالك من تونسى وبهذه المناسبة اذكر البعض ممن لا يعرفون - وهم لا يعرفون لانهم لا يجهدون أنفسهم كى يعرفوا - أنه عقد فى قاعة من قاعات باريس للثقافة والاجتماعات ملتقى عالمى وذلك يوم الاحد 1975/11/23 كان موضوعه : " شرط الاستقلال الوطنى فى العالم الحديث " نظمه الديغوليون للاحتفال بالذكرى الخامسة لموته افتتحه رئيس وزراء فرنسا السابق ميشال ديبرى Michel Debre وأشرف على انتهاء اعماله الكاتب الفرنسى اندريه مالرو Andre Malraux ( الذى مات أخير ) استمر الملتقى ثلاثة أيام وجاء فيه ( 5 ) ما يلى :
- ان الاستقلال لا يفهم بمعزل عن الشخصية الثقافية والمحافظة على اللغة القومية .
- أن الالمام بلغات أخرى يمكن من الانفتاح على العالم الخارجى ولكنه يؤدى الى نوع من الهيمنة الاجنبية فى شكل من التفوق السياسى او الاقتصادى
- وان هناك خطرا وراء اللغات الاجنبية يكمن فى نوع من الاحتلال للغير تحت غطاء عالمية الثقافية خاصة عن طريق المنظمات العالمية التى كثيرا ما تخضع للدول الكبرى .
الى غير ذلك مما قيل حول هذا الموضوع .
اننى اعتقد بأنه من الممكن للتونسى أن يكتب بالفرنسية دون ان يفقد وعيه بذاته وانه لا ذنب ولا عيب يحصل من الكتابة بالفرنسية اذا كان الكاتب لا يقدر على الكتابة بغيرها بما فى ذلك اللغة الام بل هذا تعبير عن قدرة الفكر العربى على العطاء على المستوى الانسانى العام .
كما اعتقد أنه كان يمكن أن يقال أن الكتابة باللغة الاجنبية ، وبالفرنسية خاصة ، تفرضها ظروف تاريخية وتكوين خاص ، اما ان يقول عاقل إن اللغة الفرنسية هى لغة تونسية كالعربية فهذا ما يرفضه المنطق والذوق وهو عبارة من قبول للامر الواقع كما لو كان منسجما مع طبيعة الاشياء أو هو قول ينسجم إلى حد بعيد مع قوله هيجل (Hegel) ( برلين 1831 ) الفيلسوف الالمانى " وكل ما هو واقعى هو عقلى وكل ما هو عقلى هو واقعى " ( 6 )
إن القول بفرنسة اللسان التونسى لا هو قول يعبر عن منتهى ما يصل اليه الانسان المستلبAliene) (لان هذا تعبير عن ازدواج فى الشخصية الثقافية لا عن ازدواج لغوى ، فالازدواج فى الشخصية الثقافية هو تعبير عن انفصام الشخصية ، وهذا مرض معروف فى علم النفس على المستوى الفردى ولكنه ينسحب حتى على المستوى الاجتماعى ، وله طرق للعلاج ، أما الازدواج اللغوى أو تعدد اللغات فى بلد واحد فهو تعبير عن الحيوية والتطور وهو ما يفرضه منطق هذا العصر وتقلص المسافات بين أجزاء الكرة الارضية بفضل تشابك المصالح وتطور مصالح الاعلام فلا خوف منه بل يجب تشجيعه . فمن الواجب أن نعى هذا لكى لا نقع فى الخلط والمغالطات .
بعد هذه الملاحظات العابرة نستطيع ان نفهم على سبيل المثال لماذا يرفض الكثير تدريس الفلسفة بالعربية وفى اعتقادى أن هذا الرفض لا يخلو حاله من أمرين لا ثالث لهما .
1) إما عدم القورة على التدريس بالفرنسية كأن يكون المدرس متخرجا من شعبة - ج - فى الثانوى ثم واصل تعلمه - طبعا - بالفرنسية . وهذا معذور ولا ذنب عليه .
2 - قادر ولا يريد - إما لــــــ :
أ - أنه مدافع عن اللغة الفرنسية وقد تمكنا من خلال ما ابدى حول قضية التعريب فى الصحف والمجلات - حتى قبل ان تثار مشكلة تدريس الفلسفة بالعربية فى السنة الماضية - من الكشف عن معاداة الكثير للغة العربية تحت ومعقولية يمكن أن تكون مفهومة وقابلة لتبادل الرأى .
ب - انه يتجه ، بالنقد ، او الانتقاد ، الى التحول الذى طرأ على محتوى مادة الفلسفة وهذا أمر يتصل بمضمون المادة لا بشكلها ولهذا الصنف منطق ومعقوفية يمكن أن تكون مفهومة وقابلة لتبادل الرأى .
ج - انه يبارك التعريب ولكنه - حرصا على انجاحه - يريده أن يكون تدريجيا وتسبقه استعدادات لازمة وهذا ايضا موقف منطقى يفرضه التحول من لغة إلى لغة ، وتفرضه الموضوعية العلمية ، لكن ما نريد أن نلفت اليه النظر هنا هو أن جميع الحركات فى جميع الميادين تحتاج الى شىء من المعاناة والصبر والعزيمة كى يمكن التغلب على العراقيل وبالتالى الاستقرار فالاستمرار . كان التعريب مشكلة كبيرة فى سوريا والعراق ومصر وغيرها لكن مع مرور الايام استقرت الامور وأصبح التدريس للعلوم بأنواعها انسانية وصحيحة ، امرا عاديا ، وهكذا كان الامر أيضا فى اسرائيل ( 7 ) عندما عبرنت الثقافة والعلوم وكذلك الامر بالنسبة للصيينين وغيرها من الامم المتطورة بمفهومنا اليوم .
ليست اللغة كما يعتقد البعض هى مجرد أداة أو وسيلة حتى يمكن استبدالها بغيرها شأنها شأن القميص أو الملعقة بل هى الفكر نفسه ، فيها ومن خلالها يشعر الشخص بانتسابه الحضارى والقومى ، وبها يشعر بكيانه الاجتماعى بكل مقوماته وعناصر وجوده . ليس هناك ابداع وحركة بدون تحد ، ذلك هو منطق التطور وقانون الصيرورة .

