الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

التحرر العربى الافريقي فى عالم الغد

Share

الأستاذ في معهد البحوث والدراسات العربية وعضو المجلس المركزى بمنظمة التحرير الفلسطينية

كيف نرى حركة التحرر العربى الافريقي فى عالم الغد ؟ ما هي المهام الملقاة على عاتقها ؟

لقد برزت هذه الحركة كحقيقة هامة من حقائق عالمنا المعاصر ، وكان لها دور مؤثر على سير الاحداث فيه . ومطلوب كما هو متوقع أن يتعاظم دورها ويقوى تأثيره مع استمرارها ونموها وتطورها فى عالم الغد . ومن هنا يثور هذان السؤالان ويأتي انشغالنا فى الاجابة عليهما ومعالجة موضوع مستقبل حركة التحرر العربى - الافريقي ضمن " الحوار العربى الافريقي حول قضايا التحرر والتنمية " .

لا بد لنا ونحن فى معرض النظر فى مستقبل هذه الحركة من نظرة نلقيها بداية على نشأتها والواقع الراهن الذى تعيشه . وفى هذا الصدد نلاحظ أن بروزها جاء فى عالمنا المعاصر كجزء من ثورة التحرر التى تفجرت فى اعقاب الحرب العالمية الثانية ومثلث اعظم حقائق عصرنا . وقد ثورت ثورة التحرير هذه المناخ السياسي فى العالم وظهرت فعاليتها على مدى عقدين من السنين حين انحسر الاستعمار عن أوطان كثيرة فى آسيا وافريقيا ، وانكمشت رقعته التى كانت تغطى 35 % من مساحة العالم عام 1945 م . واصبحت عام 1965 لا تتجاوز 4 % وصار التحرر بفعلها عقيدة الشعوب التى طال التحكم فيها وروح العصر في العالم أجمع .

ومن بين موجات ثلاثة تتالت فى ثورة التحرير صنعت حركة التحرر العربى - الافريقى موجتين وشاركت فى الثالثة . فقد ظهرت هذه الثورة أول ما ظهرت فى أجزاء من الوطن العربي فى آسيا وسرعان ما تدفقت موجة التحرير

الآسيوية . ثم ما أسرع ما تلتها فى الخمسينات موجة التحرير العربية ، وفي الستينات موجة التحرير فى افريقيا المدارية .

والناظر في هذه الموجات يرى مبلغ تداخلها ومدى الترابط وتبادل التأثير فيما بينها . ويتضح هذا التداخل والترابط فى حركة التحرر العربى الافريقي على الخصوص التى هى جماع الموجتين الثانية والثالثة . فجزء من حركه التحرر العربي كان افريقيا بحكم أن الوطن العربي يشغل شمال افريقيا واجزاء من شمالها الشرقي ويمثل امتداد القارة فى آسيا . وقد ساهم هذا الجزء فى تفجير وتحريك الثورة التحريرية على تخومه الجنوبية وبقية القارة الافريقية عموما

ومن الواضح أن حرب السويس الفاصلة عام 1956 كانت نقطة تحول فى حركة التحرير العربية واشارة بدء بالانطلاق نحو التحرير فى افريقيا المدارية ، وهكذا فاننا ان مثلنا كلا من الحركتين بدائرة نجد أن هاتين الدائرتين ليستا منفصلتين عن بعضهما وانما هما متقاطعتان وتقعان معا ضمن دائرة واحدة اكبر تمثل ثورة التحرير العالمية .

ولقد اقترنت ثورة التحرير هذه فى السياسة الدولية المعاصرة بفكرة عدم الانحياز والحياد الايجابي ، التى هى ظاهرة سياسية انبثقت فى عالمنا المعاصر بفعل التحرير والانقلاب النووى اللذين تميز بها . فالتحرير اوجد الدول المستقلة حديثا التى شكلت " العالم الثالث " وبحثت لنفسها عن مكان لها فى عالم اليوم . والانقلاب النووى غير موازين الاستراتيجية الدولية وفرض على كل الدول البحث عن حلول لابعاد خطر الافناء عن العالم

وواضح أن " العالم الثالث " جمع بين دول تعيش ظروفا متشابهة ، فهى دول خرجت بثورة التحرير من الاستعمار القديم الذى كان لا يزال يتسلط ويستعمر اقطارا مجاورة لها . وهي تستشعر خطره عليها وعلى جيرانها فتعلن حربها عليه ، وتستشعر فى الوقت نفسه خطرا أكبر يتمثل فى الاستعمار الجديد وسط حرصها على حماية استقلالها الذي بذلت الكثير فى سبيله . وهي ترى نفسها قد تخلفت - بفعل عوامل عدة من بينها استنزاف الاستعمار لمواردها - عن ركب التقدم والعلم فتحاول أن تغذى السير فى طريق التقدم . وفي محاولتها هذه عليها أن تحذر محاولات الاستعمار الجديد احتواءها بالمساعدات . وهي اخيرا تعيش فى عالمها الذي يعاني من مشكلة ازمة التقسيم فيه وخطر الفناء بالحرب النووية . ولقد بلورت هذه الظروف القضايا التى يناضل العالم الثالث فى سبيلها ، وهي قضية القضاء على الاستعمار واستكمال التحرير

وقضية استتباب السلام القائم على العدل وابعاد خطر الفناء الذى يتهدد العالم  وقضية التقدم والتعاون الدولي من أجل الرخاء . ونشطت حركة التحرير العربى الافريقي في نضالها لبلوغ هذه الاهداف كجزء من ثورة التحرير فى العالم الثالث .

لم يكن قليلا ما تحقق بفعل هذا النضال فى الوطن العربي وفى افريقيا . فعلى صعيد التحرير انحسر الاستعمار وانكمش ، وعلى صعيد السلام كان هناك اسهام ملموس في المساعى الدولية التى تعمل لاستتبابه ، وعلى صعيد التقدم بذلت جهودا كبيرة . وشتان بين الصورة التى كان عليها الوطن العربي وافريقيا قبل ثورة التحرير والصورة التى أصبحت عليها بعدها . ولقد اشتد بفعل هذا الذي تحقق عداء قوى الاستعمار لحركة التحرر العربى الافريقي ولفكرة عدم الانحياز والحياد الايجابي . ونجحت هذه القوى فى توحيد ضربات لهذه الحركة كان من أخطرها عدوان اسرائيل فى يونيو 1967 على الوطن العربي ومجموعات أعمال تخريبية فى أجزاء مختلفة من افريقيا خلال العقد الاخير من السنين

وحين ننظر في الواقع الراهن الذي تعيشه حركة التحرر العربى الافريقي اليوم نجد أن هذه الضربات لم تنجح في القضاء عليها ، وانها ما تزال تشق طريقها لبلوغ أهدافها ويمكننا أن نحدد فى هذا الواقع الراهن ثلاثة أهداف ملحة تتطلب جهدا خاصا من حركة التحرر العربى - الافريقي

هناك أولا هدف القضاء على بقايا الاستعمار فى الوطن العربي وافريقيا وتحرير البقية الباقية من الاجزاء التى ما تزال تحت نير الاستعمار . ويلفت النظر أن الوطن العربي وافريقيا يشتركان فى بقاء أسافين وجيوب محلية استعمارية تخلفت منذ عهد الاستعمار ولم تصلها بعد موجة التحرير . ففي الوطن العربى هناك الاستعمار الصهيونى فى فلسطين المحتلة واحتلاله ايضا لاراضي عربية فى سيناء والجولان ، وهناك أيضا جيوب سبتة ومليلة ، وفى افريقيا هناك على الخصوص كتلة افريقيا الجنوبية فضلا عن جيوب هنا وهناك

ويلفت النظر ايضا أن بقايا الاستعمار هذه تتسم بالعنصرية الاستعمارية التى تمارسها روديسيا وجنوب افريقيا واسرائيل

هناك ثانيا هدف مقاومة أطماع الاستعمار وخطر الاستقطاب فى الوطن العربى وافريقيا . وواضح أن هذه الاطماع تأخذ بعين الاعتبار الموقع الاستراتيجى الهام للوطن العربى وافريقيا والثروات الهائلة فيهما . ويمكننا أن

نتعرف على هذه الاطماع من خلال ما يصدر من دراسات وما لا تخفيه مخططات السياسات الخارجية للدول الاستعمارية . ولقد عبر بالدوين فى كتابه الاستراتيجية للغد " عن هذه الاطماع وهو يسجل عن افريقيا أن " الاهتمام الاستراتيجى بها زاد " وان افريقيا الوسطى اقليم غنى بالمواد الخام ولكنه قليل السكان ، " وهو فراغ جزئى من السلطة " . وهو ينقل عن هنرى وولف قوله عن افريقيا " هي غنيمة اقتصادية كبرى تستحق النضال من اجلها . . لثرائها بالمواد الخام " ويتابع مثبتا احصاءات عما فيها من نسب المواد الخام . ومثل ذلك يتردد عن المركز الاستراتيجى للوطن العربى وللثروات فيه وعلى رأسها ثروة النفط . وتتحدث هذه الاطماع الاستعمارية بصراحة ووضوح عن خطر اتحاد اغلب دول القارة ووحدة الوطن العربي على مصالحها ، وتسعى في مخططاتها لمنع العرب والافارقة من بلوغ أهدافهم

هناك ثالثا هدف القضاء على التخلف الذي عانى منه الوطن العربي وافريقيا وتجاوز رواسبه وتحقيق التقدم اللازم للحاق بالعصر . ويلفت النظر من بين رواسب التخلف التى حرص الاستعمار على تكريسها تجزئة الوطن العربي وافريقيا الى وحدات سياسية فتتت الكيانات وقسمت ما لا يجوز أن يقسم وأقامت بين أجزائه الحدود والسدود

وعالم الغد الذى ننظر فيه ونتطلع الى صنعه هو امتداد لعالمنا المعاصر . . عالم اليوم ، الذى اصطلح على أن تكون بدايته هي تفجير القنبلة الذرية الامريكية على مدينة هيروشيما اليابانية فى نهاية الحرب العالمية الثانية وقد تحقق فيه انتقال البشرية الى عصر جديد من عصور تاريخها هو العصر الذرى ، وتميز هذا العصر " بانطلاق الطاقات فى عالمنا وتفجر الحياة البشرية المعاصرة فى شتى الجوانب ومختلف الميادين " . وكان أبرز هذه التفجيرات تفجر العلم والمعرفة ضمن الثورة العلمية الثانية التى امتازت بالشمول وعمق فعلها النظرى وسعة فعلها التطبيقي وتزايد سرعتها وتفجر السكان الذي بلغ حدا لم يسبق له فى التاريخ مثيل ، وتفجر الحاجات والآمال الوثيق الصلة بتفجر العلم .

وهكذا اجتمع فى عالمنا المعاصر ثورة التحرير التى كانت احدى صور تفجر الحاجات والآمال والانقلاب النووى الذى قلب قوانين الاستراتيجية الكونية رأسا على عقب . ولقد أثار هذا التفجر الهائل مشكلات عديدة لكل الشعوب وللانسانية جمعاء وما زال الانشغال بها قائما .

لقد تغيرت صورة العالم بفعل الاحداث التى شهدها عصرنا . فبفعل الحرب العالمية الثانية حدث تغير وبرزت الكتلتان الشرقية والغربية - ولكل منهما عقيدتها ضمن الحضارة الغربية الواحدة . وتزعم الاتحاد السوفياتى والولايات المتحدة هاتين الكتلتين . وبفعل ثورة التحرير العالمية تغيرت الصورة فبرزت مجموعة العالم الثالث فى آسيا وافريقيا ، وبدا بوضوح انقسام العالم حضاريا فى مستويين ، مستوى الدول المتقدمة ومستوى الدول النامية المتخلفة وهو انقسام رسمت خطوطه الثورة العلمية . وتغيرت صورة العالم بفعل الانقلاب النووى أحد آثار الثورة العلمية فحدثت انقسامات فى كل من الكتلتين عبرت عن نفسها " عقيديا " فبرزت الصين فى المعسكر الشرقى وبدت بوضوح آسيويتها . وبرزت فرنسا فى المعسكر الغربى وأعلنت أوربيتها وشرعت مع دول أوربية اخرى فى بناء أوروبا الجديدة . وبرزت الى جانب ذلك عقيدة ثورات العالم الثالث وطرحت فكرة الحياد الايجابى وعدم الانحياز ونادت بتحرير الشعوب من بقايا الاستعمار وبالسلام القائم على العدل والتعاون الدولى من أجل الرخاء . وهكذا لم يعد يحكم عالمنا المعاصر تقسيم واحد سياسيا كان أو عقيديا أو حضاريا ، وانما تحكمه تقسيمات عدة تتداخل خطوطها أحيانا .

ومن المتوقع أن تبدو هذه التقسيمات بشكل أوضح فى عالم الغد مع ما نضح من تغيرات في العلاقات بين كتله ومجموعاته ، ومع ما وصلت اليه محاولات حل مشكلات عالمنا . ولنا أن نتوقع استمرار المتغيرات ما دامت لثورة العلمية مستمرة ومثلها محاولات حل المشكلات . وما يهمنا كثيرا هو أن نعرف اتجاهات التغيير .

ان استمرار الثورة العلمية فى أبعادها الثلاث . . تقصير المسافات فى كوكبنا ، واكتشاف أعماق بحاره ، واختراق الفضاء المحيط به ، سيوصل الى مزيد من ترابط شعوب العالم وتبادل الافكار فيما بينهم . وسيوصل بالتالى عالمية أية مشكلة ، والى احساس بالوحدة فى المشكلات العامة ومن أجل مجابهة تحديات الكشوفات الجديدة . وهذا الاحساس العام بالوحدة لا يعني الغاء تمايز شعوب العالم لان ثورة المواصلات وتبادل الافكار فيما بينها بفعل هذه الثورة ستبرز بقوة الشخصية القومية المتميزة الى جانب الاحساس العام بالوحدة الانسانية . أى انه احساس بالوحدة من خلال التنوع .

واستمرار الثورة العلمية ، وما يعنيه ذلك من تطوير الاسلحة النووية والاسلحة الفتاكة عموما ، وما ينتج عن ذلك من بروز شبح الفناء وتسلط خطر

الحرب النووية التى لا تبقى ولا تذر سيفرض فى عالم الغد - استمرارا لما حدث في عالمنا المعاصر - تراجع فكرة الحرب العالمية وتزايد قوة الردع النووى وحصر المشكلات العالمية والاقليمية ومحاولة التفاهم عليها والوصول الى حلول لها تبعد أخطار التوتر على الاقل . ومعلوم أن الانقلاب النووى فرض نوعا من التوازن الاستراتيجى . وقد دخل هذا التوازن فى السبعينات مرحلة جديدة بعد أن مر بثلاث مراحل منذ الحرب العالمية الثانية . فبعد الحرب كان التوازن مختلا مع انفراد الولايات المتحدة بالسلاح النووي فبرزت بالتفاعل مع عوامل اخرى سياسية حافة الحرب وفكرة الحرب الصليبية الشيوعية فى الغرب وبالمقابل كانت فكرة انتشار الثورة الشيوعية تسيطر على الاتحاد السوفياتي . وفي الخمسينات ومع امتلاك الاتحاد السوفياتي للسلاح النووى تحقق التوازن فى كل المخاوف المتبادلة فسادت ساسية الردع الشامل بين المعسكرين . ومع تطور السلاح النووى فى الستينات فضلا عن تغيرات اخرى أخذ التوازن صورة اكثر دقة وأوصل الى سياسة التعايش السلمي بحكم " ميزان الرعب النووى "

وهكذا تراجعت الحرب الذرية الشاملة لتترك الباب مفتوحا للحرب المحدودة . وتقاربت الدولتان الكبيرتان تدريجيا ، وحدث فى داخل كل من الكتلتين تفكك وتباعد . وأوصل ذلك كله الى المرحلة الرابعة التى بدأت بدخول السبعينات ، وتضافرت فيها الجهود لتحقيق توازن مستقر من خلال سياسة التفاهم بن الدولتين الكبيرتين وحدوث الانفراج الدولى . ومن خلال قبول الولايات المتحدة للمتغيرات الاساسية فى الصورة الدولية ، وتسليمها بوجود الصين والعالم الثالث .

من المتوقع ان يرث عالم الغد من عالمنا المعاصر مشكلاته التى لم يتم التوصل الى الحلول الكلية لها ما دام هو استمرار له . وانسان الغد حين يتصدى لهذه المشكلات لا يبدأ من فراغ ، وانما يتابع محاولات الحلول التى جهد انسان عالم اليوم في طرحها مستفيدا من حصيلة التجربة وما وصلت اليه المحاولات . وهكذا فان " المعاصرة " شرط لازم " للمستقبلية " .

وفي مقدمة المشكلات الوروثة التى ستشغل عالم الغد تأتي مشكلة " أزمة القيم فى عالمنا . فهذه المشكلة تلقى بظلها الثقيل على جميع المشكلات الاخرى وتؤثر على محاولات ايجاد حلول لها . وهي تهدد وجود ومصير الانسان بعد ان اكتوى الانسان المعاصر وعانى أشد المعاناة من نتائجها وويلاتها . ويكفى أن نشير من بين هذه النتائج التى ظهرت في هذا القرن الى الحربين العالميتين اللتين نشبتا

والى حروب محدودة لمدة اخرى ، والى المجاعات والقحط والمسغبة والمرض والجهل التى ما تزال تطحن ملايين البشر على الرغم من كل التقدم الذى حققه الانسان ، والى الاستغلال والتسلط والعنصرية والفوارق الضخمة بين سكان كوكبنا الارضى ، والى شبح الفناء بالسلاح النووى فى الافق لا يكاد يغيب ويشتد وطؤه مع ازدياد التوتر . وأخبار ذلك كله تصل الانسان المعاصر من مختلف انحاء عالمنا الصغير الموحد وتضغط بثقلها عليه ان لم يعشها بنفسه

وقد تجلت ازمة القيم هذه في سيطرة منطق " القوة الغاشمة والمصلحة " على الحضارة الغريبة الحديثة التى فرضته بدورها على العالم اجمع بعد ان تسلطت عليه . وجسدت هذه الازمة الانظمة الاخلاقية والاجتماعية والسياسية التى ظهرت في هذه الحضارة وحكمت بها علاقات شعوب الغرب بعضهم ببعض وعلاقاتهم مجتمعين بأمم العالم الاخرى . واشتد خطر ازمة القيم هذه مع ما حققته الحضارة الغربية الحديثة من تقدم علمي مادى قام على بعض القيم السليمة ، فقدم لمنطق القوة الغاشمة والمصلحة ما يمكنه من التحكم . وكانت نتيجة ذلك وبالا على الغرب نفسه وعلى العالم في وقت واحد . وهكذا اقترنت الكشوف الجغرافية والثورة الصناعية بالاستعمار وويلاته ، ومن ثم التنافس الاستعمارى ، وأوصلت الى نشوب عدد من الحروب التى تضاعفت ويلاتها مرات بفعل التقدم حتى بلغت ذروتها فى عالمنا المعاصر ، ونجمت عن ذلك مشكلات كثيرة .

ألحت هذه المشكلات على الغرب فى القرن العشرين ، فجدت دوله فى محاولة ايجاد حلول لها ، وتابعت محاولات اوربية سابقة بلورت فكرة التوازن الدولي وفكرة الحكومة العالمية وفكرة حل المشكلات بالطرق السلمية . ونلاحظ أن هذه المحاولات تصدت للمشكلات العارضة ولم نلتفت فى أغلب الاحيان للمشكلة الاصل ، وهكذا جسدت هي بنفسها ازمة القيم . كما اقتصرت على اوربا ضمن حدود الجغرافيا والحضارة . فمفهوم التوازن الدولي كان على عكس ما يوحى به الاسم مقتصرا على التوازن بين دول أوروبا الكبرى ، وبقي كذلك طوال القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين حين فرض مؤتمر باندونج عام 1955 تغيرا فيه . ولا يزال الغرب فى عالمنا المعاصر متأثرا بالمفهوم الاصلى ، وسيبقي كذلك جزئيا فى عالم الغد بسبب الميراث الحضاري على الرغم من تجاوز حدود الجغرافيا . وما قلناه عن التوازن الدولى يصدق على مفهوم الحكومة العالمية ومحاولات ايجادها منذ مؤتمر فينا عام 1815 الى عصبة الامم عام 1919 . فالحكومة العالمية هنا تشمل أوروبا القرن التاسع عشر

ويضاف إليها الولايات المتحدة في القرن العشرين ، وانشغالها هو فى الحفاظ على الاوضاع الراهنة التى تعبر عن مصالح الدول الكبرى والتفاهم على استغلال الاخرين تجنيا لنشوب حروب بين هذه الدول بسبب تنافسها . وعلى الرغم من فشل عصبة الامم مع بداية الحرب العالمية الثانية فان المحاولة الجديدة التى ظهرت في أعقاب هذه الحرب وهي تجربة الامم المتحدة تأثرت الى حد كبير بهذا المفهوم ، وان كانت متغيرات العصر الذرى وتفجراته قد فرضت عليه تغييرا محدودا . ومحمل القول أن الغرب سيبقى فى عالم الغد متأثرا الى حد معين بهذا المفهوم الذى يعاني من ازمة القيم . وسيتتوقف هذا الحد ايضا على جهود العالم في طرح القيم الجديدة وتبنيها

والمتأمل في تاريخ العالم المعاصر ليقف أمام دورة هذه المحاولات الغربية لحل المشكلات الدولية ويلفت نظره أن تفاقم المشكلات كان يفرض استمرار محاولات تظهر بدورها مشكلات جديدة لانها تركز على معالجة الاعراض بمنطق القوة الغاشمة والمصلحة . كما يلفت نظره أن التقدم العلمي الذي طرح معطيات جديدة عارضت بشدة المفاهيم الغربية فى العلاقات الدولية ففرض اعادة النظر ، وكما يقول مالك بن نبي في فكرة الافريقية الآسيوية " فقد سيطرت على الحياة الدولية - بكل أسف - ارادة القوة التى لا تفارق حضارة القرن العشرين ، فهى قانون للنفسية الغربية يسجل التأخر الخلقي لانسان الغرب حتى كأنه يعيش فى القرن التاسع عشر " . ولقد حاولت الدول الكبرى تعطيل حركة التاريخ حين كانت المعطيات الجديدة تفرض اعادة النظر . ولما كان التاريخ لا يمكن تعطيل حركته فان الاحداث تتراكم وتفرض اعادة النظر والا حدث الانفجار . وهكذا نجد أن محاولات الغرب حل مشكلاته وصلت فى عالمنا المعاصر الى تحول هام وانعطاف خطير . فقد انتبه الغرب الى المشكلة الاصل . . مشكلة ازمة القيم وبدأت أوروبا التى حكمت العالم وغيرته تسئ الظن بنفسها . وأصبحت المشكلة فى صورتها العالمية تعنى مساعدة الحضارة الغربية على ازمة الضمير فيها وتلك مهمة يمكن لحركة التحرر فى العالم الثالث أن تنهض بها .

ان هذا التحول الهام فى الحضارة الغربية الحديثة تزايد خلال العقدين الماضيين بفعل انتشار ثورة التحرير . وكما كان لثورة الجزائر وثورات افريقيا اثرها الكبير على الضمير الاوروبى فى الخمسينات ، فقد كان لحرب فيتنام والثورة الفلسطينية أثرها الكبير على الضمير الامريكى والعالمى فى الستينات والسبعينات . وتزايد هذا التحول أيضا بفعل استمرار الثورة العلمية واشتداد

أخطار الاسلحة النووية ، وبدأت آثاره فى الظهور داخل المجتمعات الغربية نفسها وكان منها ثورة الشباب وحركات الرفض عامة

لقد اعطينا الحضارة الغربية اهتماما خاصا فى الحديث عن ازمة القيم لا هذه الحضارة حكمت العالم وغيرته . وما تزال مفاهيمها تؤثر عليه . ولنا أن نتوقع ظهور آثار هذا التحول بوضوح أعظم فى عالم الغد الذي سيشتد الصراع فيه بين منطق الحق والعدل ومنطق القوة الغاشمة والمصلحة . ونتوقع أن يقوى تأثير منطق الحق والعدل وما يتصل به من معان انسانية فى عالم الغد خصوصا اذا قام العالم الثالث بدوره كاملا لان تلك هى حركة التاريخ . وهكذا سيكون لهذه المعانى الانسانية اثرها فى احداث المستقبل . كما ستظهر اللغة الجديدة التى تعبر عن هذه المعانى الانسانية وعن منطق الحق والعدل ، وستتصارع مع اللغة القديمة التى تعبر عن منطق القوة الغاشمة والمصلحة . ولقد رأينا مثلا على ذلك فى صدى خطاب فلسطين فى الامم المتحدة يوم 13 نوفمبر 1974 الذى سجل ان هيئة الامم اليوم ليست هيئة الامم بالامس ذلك أن عالم اليوم ليس هو عالم الامس ، وأعلن " اننا نعيش فى عالم يطمح للسلام والعدل والمساواة والحرية . يطمح الى ان يرى الامم المظلومة الرازحة تحت الاستعمار والاضطهاد العنصرى وهى تمارس حريتها وحقها فى تقرير المصير . يطمح الى أن يرى العلاقات الدولية بين الدول كافة تقوم على اساس المساواة والتعايش السلمي وعدم التدخل فى الشؤون الداخلية ، وتأمين السيادة الوطنية والاستقلال ووحدة الاراضى الاقليمية لكل دولة . واقامة علاقات اقتصادية على أساس العدل والتكافؤ والمنافع المتبادلة ، يطمح لان تنصب الجهود الانسانية على مكافحة الفقر والمجاعة والامراض والكوارث الطبيعية ، وعلى تطوير القدرات الانتاجية والعلمية والتقنية للبشر لزيادة الثروات وتضييق الفروق بن الدول النامية والدول المتطورة ، ولكن ذلك كله يصطدم بواقع عالمى ما يزال يسوده الاضطراب والظلم والاضطهاد والاستغلال وما زال مهددا بالكوارث الاقتصادية والحروب والأزمات " .

على ضوء ما سبق ، وبعد أن تعرفنا على نشوء حركة التحرير العربي - الافريقي وواقعها الراهن ، وبعد أن نظرنا فى عالم الغد يمكننا أن نتحدث عن رؤيتنا لمستقبل حركة التحرر العربى الافريقي

بداية تؤكد أن مستقبلها هو جزء من مستقبل ثورة التحرير العالمية والعالم الثالث . والعالم الثالث مصطلح له دلالات حضارية واقتصادية وسياسية

وجغرافية وعقيدية . فهو العالم النامى الذى فجر ثورة التحرير ليغذ السير فى طريق التقدم . وهو العالم الذى يسعى لطرح مثل حضارية جديدة تعالج .مشكلة  ازمة القيم فى حضارة الغرب ، وقد استوحى هذه المثل من حضاراته القديمة ومن تجاربه النضالية . وهو عالم المواد الاولية والفقر ، كما انه عالم عدم الانحياز والحياد الايجابي . وقد بدأ التعبير عنه منذ مؤتمر باندونج 1955 واستمر في صورة مؤتمرات التضامن الافريقي الآسيوى ومؤتمرات عدم الانحياز والحياد الايجابى ومؤتمرات الوحدة الافريقية ومؤتمرات العالم الاسلامى . وواضح أن التعبير عن فكرة العالم الثالث لا يزال فى بداياته وأمامه أن يحقق تصفية بقايا الاستعمار فيه ويستكمل قوته الاقتصادبة بالتنمية الكثيفة والسريعة فى كافة مجالاتها ويلحق بركب التقدم العلمي ولقد تنوسيت أهمية العالم الثالث خلال عقدين من السنين بشكل ملحوظ ، ومن المتوقع أن تتناسي باستمرار فى عالم الغد مع ازدياد الحاجة العالمية الى ما فيه من مواد أولية وطاقة ، ومن خلال مساهمته فى طرح مثل حضارية جديدة تشتد حاجة العالم بها . وقد ظهرت أهمية هذه المثل ، فعاليتها حين برز العالم الثالث باعتباره ضمير العالم وصمام امنه وباعتباره جسرا يصل بين قوى الارتطام وهمزة وصل لا كتلة جديدة تزيد فى تقسيم العالم . ونلاحظ ان العالم الثالث مستمر فى التعبير عن نفسه على الرغم مما اصابه من عداء الاستعمار . وواضح أن هناك صعوبات كثيرة فى طريق قيامه بدوره ، ولكن من المؤكد أن المستقبل أمامه . وهو إذا كان اليوم فقيرا متخلفا فانما هو كذلك بالواقع لا بالامكانيات ، بالفعل لا بالقوة ، فامكانياته الطبيعية ضخمة ورصيده المادى شبه بكر ولديه ما يسهم به فى الحضارة الانسانية

وتتحدد على ضوء هذه الرؤية المجملة لمستقبل العالم الثالث المهام الملقاة على عاتق حركة التحرر العربى الافريقي فى المرحلة القادمة . وهي وثيقه الصلة بالاهداف التى برزت فى واقع الحركة الراهن

فالمهمة الاولى هي استكمال تحرير الوطن العربي وافريقيا والقضاء على تقايا الاستعمار وأسافينه وجيوبه ولا يمكن لحركة التحرر العربى - الافريقي ان تسكت عن الوجود الاستعمارى فى أوطانها بعد أن أصبح التحرر روح العصر ، وبعد أن آذنت انتصارات ثورة التحرير فى جنوب شرق اسيا بعصر جديد .

ولقد اوضح خطاب فلسطين في الامم المتحدة وهو يرفع صوت الثورة الفلسطينية انه مازالت شعوب كثيرة منها زمبابوى وناميبيا وجنوب افريقيا

وفلسطين وغيرها ضحية للعدوان والقهر والبطش وتشهد تلك المناطق من العالم صراعا مسلحا فرضته قوى الاستعمار والتمييز العنصرى ظلما وارهابا ، فاضطرت الشعوب المضطهدة الى التصدى له ، وكان تصديها عادلا ومشروعا وأهاب الخطاب بالمجموعة الدولية " أن تسهم في دعم هذه الشعوب ومساعدت على انتصار قضاياها العادلة ونيلها حقها فى تقرير مصيرها " .

طبيعي اذن ان تركز حركة التحرر العربى الافريقي جهدها وتنشغل أول ما ننشغل بتحرير هذه الاوطان وهذا يعنى أن تشن حربا شعواء على الوجود الاستعمارى فيها .

وتقترن هذه الحرب الشعواء على الوجود الاستعمارى فى الوطن العربي وافريقيا بالحرب ضد التمييز العنصرى الذى يمارسه هذا الوجود ، والذى نعانى منه على الخصوص جنوب افريقيا وفلسطين . وواضح أن نضال حركة التحرر العربى - الافريقي ضد العنصرية واجب انسانى عظيم يتجاوب معه الضمير العالمي خصوصا بعد ان نجح العالم الثالث فى تعرية الانظمة العنصرية فى جنوب افريقيا والصهيونية فى فلسطين أمام الاسرة الدولية فى الامم المتحدة .

كما يقترن النضال من اجل التحرر وهزيمة العنصرية بالحرص على محاربة اشكال النفوذ المختلفة وحماية الوطن العربي وافريقيا من الوقوع فى استقطاب دولة كبرى .

واضح أن هذه المهمة الاولى تعنى انشغال حركة التحرير العربى - الافريقي على الخصوص بتحرير فلسطين من الاستعمار الصهيونى العنصرى الذى يجمع بين كونه استعمار او كونه نظاما عنصريا وكونه أداة للاستعمار العالمي ونلاحظ أن التحالف الاستعمارى الصهيونى من موقع وعيه لاهمية القارة ولمكان الوطن العربى فيها عمل على تمكين اسرائيل من التغلغل فيها لتكون ذاته فى استغلالها وليقفز بها من فوق الحصار العربى فيمكن لها من الاستمرار . واذ كان قد نجح فى ذلك خلال الستينات فان مخططاته لم تلبث أن أصيبت بضربة فى السبعينات مع انكشاف طبيعة التغلغل الاسرائلى للافريقيين ومع تنامى العلاقات العربية الافريقية . وقد وقفت دول القارة وقفة واحدة فى حرب رمضان وقطعت علاقاتها باسرائيل

لا بد أن نتوقع أن تحاول السياسة الاسرائيلية على الرغم من الصدمة الكبيرة التى تلقتها فى افريقيا معاودة الكرة لتتغلغل من جديد . وقد كشفت المناقشات التى دارت في الأوساط الاسرائيلية عن اهتمام كبير بالقارة البكر لما فيها من ثروات ، ولما لها من أهمية استراتيجية كعمق للوطن العربي . وأوضحت أسباب الفشل الذى أصاب السياسة الاسرائيلية ، ومن اهمها أن المساعدات الاسرائيلية كانت استعراضية ، وكانت مساعدة رجل وروبي أبيض ، وارتبطت بالوجود الغربى فى القارة ، ويبدو أن تواجد اسرائيل سيأخذ هذه المرة بعين الاعتبار بقايا البناء ، وسيركز على البحث عن حلفاء أوربيين وسيهتم بالشباب والاعلام . ولكن سيضع فى الاعتبار الاول توثيق علاقات اسرائيل بالكيانات العنصرية الشبيه بها فى افريقيا وخصوصا جنوب افريقيا وروديسيا لان ذلك على حد قول هرتتزوج السبيل الى كسر العزلة فى افريقيا . ومعلوم أن العلاقات بين اسرائيل وجنوب افريقيا قوية جدا وهى تشمل تعاونا واسعا فى المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية ، وتعبر عن طبيعة التكوين الواحد كوجود استعماري استيطانى أوروبي

من هنا فان المعركة القادمة لحركة التحرر العربى الافريقي ضد الصهونية فى فلسطين وضد الانظمة العنصرية فى جنوب افريقيا ستكون حاسمة . وهي تقع ضمن المعادلة التى تختزل أساسيات الصراع فى المستقبل والتى تقول أن مصير الامبريالية العالمية يتوقف على مصير العالم الثالث . ومصير العالم الثالث يتأثر الى حد كبير بمصير الوطن العربي . ومصير الوطن العربي يتوقف على مصير فلسطين . ومما لا شك فيه أن مصير الصهيونية سيحدد فى نهاية المطاف مصير الامبريالية العالمية فى كل من الوطن العربي وافريقيا . ومن هنا يتحدد دور الثورة الفلسطينية وحركة التحرر العربي - الافريقي بصورة عامة .

المهمة الثانية هي السير فى طريق الوحدة لتحقيق وحدة الوطن العربي والتقدم على طريق الوحدة فى افريقيا . والصلة وثيقة بين النضال من أجل التحرير والنضال من أجل الوحدة ، وكل منهما يدعم الآخر . كما ان هذا - النضال من اجل الوحدة هو الذي سيمكن من التغلب على واقع التجزئة الذى حرص الاستعمار قبل خروجه أن يكرسه ، وسيقضى على ظاهرة تفتيت الكيانات .

وتحقيق الوحدة أو التقدم على طريقها فى الوطن العربي وافريقيا فضلا عن حيويته من أجل التحرير فهو السبيل لتحقيق التقدم واللحاق بالعصر . فعالمنا المعاصر هو عالم الكتل الكبيرة ، والتنمية فيه وثيقة الصلة بالمشروعات الكبيرة ، ولا مجال لاى كيان صغير أن يحقق تقدما ان بقى فى عزلة . واذا كان كل من الاتحاد السوفياتى والولايات المتحدة قد حقا تقدما كبيرا بعد التوحيد فان أوروبا سرعان ما حذت حذوها وكذلك الصين

والنضال من اجل الوحدة ضمن حركة التحرر العربى الافريقي يعنى المباشرة فى ايجاد الحقائق الوحدوية ويستلزم الانطلاق فى التخطيط للمستقبل فى الوطن العربي وافريقيا من نظرة وحدوية تعي حقائق واقع التجزئة وتدرك أبعاد عالم الغد وتسعى للوحدة . وان غياب هذه النظرة عن التخطيط المستقبلي سيؤدى الى بروز مشكلات التضارب والتراكم . كما أن هذا النضال سيستلزم تقوية المؤسسات الوحدوية واستكمالها لتكون قادرة على النهوض بمسؤولياتها . ولا بد أن تخطط هذه المؤسسات لبناء هياكل متكاملة للبنى الاساسية فى الوطن العربي وافريقيا وللاتفاق على خطط مشتركة للتصنيع الثقيل والمتوسط والخفيف وللتعاون المالي والتجارى والعلمى والتقنى . وقبل ذلك كله لتطوير الزراعة فى الوطن العربي وافريقيا .

ان هذا النضال سيقتضى أن تغذ حركة التحرر العربى الافريقي السير لاستكمال الحوار العربى الافريقي بهدف الوصول الى التعاون الكامل . ولا بد أن يكون واضحا أن تعبير " الحوار " هنا يحمل مدلولا يختلف عن مدلول كتلة واحدة هى كتلة العالم الثالث وتشترك فى الانتماء لاصول حضارية واحدة وتمر فى طور واحد من النمو ومصيرها واحد ومستقبلها مشترك . بينما الحوار العربى الاوروبى يتم بين كتلتين وحضارتين وعالمين

وطبيعي أن يركز التعاون العربى الافريقي على كل مجالات التنمية . ولكن عليه بداية أن يركز على التعاون الثقافي للنهوض بالثقافة العربية - الافريقية ولتأصيل القيم الحضارية التى تحكمها ولدفع حركة اليقظة التى بدأت مع ثورة التحرير . وسيتطلب هذا الامر تحقيق الاتصال الوثيق بين قادة الفكر وبين مراكزه فى الوطن العربي وافريقيا .

المهمة الثالثة هى قيام حركة التحرر العربى الافريقي بدور عالمي عن طريق الاسهام فى حل المشكلات العالمية ، وبلوغ السلام القائم على العدل وتحقيق التعاون الدولى من أجل الرخاء .

وواضح أن القيام بهذا الدور يقع ضمن حقيقة أن هذه الحركة جزء من ثورة التصحيح وجزء من العالم الثالث . وان القيام بها مقترن بالنضال من أجل التحرير ومن أجل الوحدة والتقدم . وان القيام به مرتبط بتحقيق التقدم الثقافي . وهو نابع أيضا من حاجة العالم لمعالجة أزمة القيم التى عانت منها البشرية كما أوضحنا .

ولقد استطاعت حركة التحرر العربى الافريقي والعالم الثالث عامة أن تقدم الكثير في هذا المجال منذ الستينات . وفرضت على الحضارة الغربية مفاهيم جديدة وقيما جديدة بدأت الدول الغربية تتنبه لها . ويلفت النظر ما صرح به وزير الخارجية الامريكى فى ربيع 1975 من انه ادرك من خلال عمله السياسى " ان العالم الثالث بتخذ مواقفه وفقا لاعتبارات فلسفية وليس وفقا الاعتبارات اقتصادية كما هو الحال فى الغرب " . وقد حققت الحركة انتصار اعلان كلمة فلسطين فى الامم المتحدة وانتصار بحث المواد الاولية وانتصار ادانة العنصرية وبالتالى الصهيونية كحركة عنصرية . ولا يزال أمامها الكثير لتحققه فى عالم يعاني الكثير من ازمة القيم

وبعد ٠٠

فان القيام بهذه المهام يعني فى حد ذاته صنع مستقبل الوطن العربي وافريقيا ويعني الاسهام العربى الافريقي فى صنع عالم الغد . وهو يقتضي كما هو واضح ان يأخذ التعاون العربى - الافريقي من اجل التحرر والتنمية مداه . ويشغل المكان الاول من اهتمامات الوطن العربي وافريقيا ، ويكون واعيا لكل المحاولات التى تحاول التفريق بين امتداد جغرافى واحد واصحاب تاريخ مشترك . ويكون واعيا لمحاولات الاغراء للانسياق وراء الارتباط بقوى خارجية كبديل عن هذا الارتباط المصيرى

اشترك في نشرتنا البريدية