الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "المنهل"

التدابير الصحية :، فى المملكة السعودية لحماية الحجاج

Share

نشرت جريدة " النيوزليتر " الانجليزية مقالين جديرين باهتمام القراء لما فيهما من المعلومات القيمة عن البلاد المقدسة . والحج والحجاج . واحدهما بقلم الدكتور وصفى عمر مساعد مدير المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية وها نحن ننشر هذين المقالين بالتوالي فيما يلى :

( ١ )

التدابير الصحية " لحماية الحجاج الوافدين الى مكة "

منذ سبعين عاما خلت والمشاكل الصحية المتعلقة بالجج لم تزل موضع اهتمام وعناية العالم اجمع . وقد ابرمت فى هذا الشأن عدة اتفاقيات مختلفة . وآخر ما اتخذ من تدابير بهذا الخصوص ما وضعه المؤتمر الصحي العالمى الرابع باجماع الآراء من انظمة الحقت بالأنظمة الصحيه العالمية الجديدة الموضوعة فى جنوا مايو ١٩٥١ وقد اصبحت سارية المفعول ابتداء من اول أكتوبر ١٩٥٣ م .

ولم تكن تلك الانظمة الموضوعة سوى صورة للتدابير التى اتخذتها الامم المختلفة داخل حدودها لحماية اراضها من خطر الامراض الوبائية كما ان فى تلك الانظمة ما يحرم على اية امة ان تتخذ تدابير مجحفة او مبالغا فيها مما قد يتسبب عنه نتائج ضارة بحركة النقل والتجارة العالمية وقد اصبح ذلك الجزء من انظمة الصحة العالمية المختص بأداء فريضة الحج موقتا فى الوقت الحاضر فقد تم تقريبا تأسيس محجر صحى على البحر الاحمر بمدينة جدة المواجهة لمكة حيث يفحص القادمون وسوف يقوم هذا المحجر بأداء عمله فى موسم الحج فى اخر شهر اغسطس من هذا العام . وسيحل هذا الحجر الصحي محل موجر جزيرة قمرار المغلق الآن . وقد انشأته الحكومة العربية السعودية على نفقتها

الخاصة بمشورة منظمة الصحة العالمية ومعونتها الفنية . وسيكون هذا المحجر الاول من نوعه يقوم بأدارته والعمل به موظفون سعوديون .

اما تلك القوانين والأنظمة ذات العلاقة بالحج فسيقف العمل بها حالما تتم الحكومة العربية السعودية برنامجها الصحى واتخاذ التدابير لحماية الحج وصيانته

فمنذ انعقاد اول مؤتمر صحي عالمي بباريس فى عام ١٨٥١ والتحسينات تدخل سنوية فى الأنظمة المتخذة لصيانة الحجاج .

اما اليوم فأن على كل حاج ان يؤدى فحصا جسمانيا قبل مغادرته لبلاده وقبل ان يضع قدمه على الاراضى السعودية وقد ظهر فضل التدابير الكرنتينية الحديثة التى قامت بها الحكومة السعودية فى عام ١٩٥٢ عندما اعلنت وزارة الصحة بعد كل التحرى ان الحج لتلك السنة ( ١٣٧١ ه ) نظيف وسليم من الامراض المعدية .

" جريدة النيوزليتر الانجليزية "

٢ الحج إلى بيت الله الحرام

تفرض الشريعة الاسلامية على كل مسلم الحج الى بيت الله الحرام ولو مرة فى العمر على شرط القدرة على ذلك ولا تجزئ عنه زيارة البلاد المقدسة فى أى وقت من العام ما لم يكن فى اليوم التاسع من شهر ذى الحجة بالتقويم الهجرى .

وليس اكبر تضحية يقوم بها المسلم كاداء فريضة الحج المقدسة حتى ان البعض يكرس حياته كلها استعدا لذلك اليوم . والكثرة الغالبة من الحجاج من الطبقات المتوسطة والفقيرة ممن لا يملكون غير الايمان فى قلوبهم وعصافى أيديهم يقطعون الطريق من اوطانهم الى الديار المقدسة سيرا على الاقدام مستجدين في طريقهم وقد يمضي عليهم سنوات أحيانا وهم فى طريقهم الى الحجاز كما ان بعضهم ليس لديه الا ما يوصله للديار المقدسة وقد ادى ذلك بكثير من الحكومات المرتبطة بالمعاهدات الصحية الي منع أى حاج من السفر ما لم يدفع ثمن تذكرة الرجوع مقدما . وفى كل عام قبل ثلاثة اشهر من اليوم المشهود تتدفق الالوف المؤلفة من المسلمين من مشارق الارض ومغاربها الى مكة وقد كان اغلبهم

في القديم يأتى اليها على ظهور الجمال عبر الصحارى العربية فأصبح اكثرهم يأتى اليها الآن عن طريق البحر والجو .

( ففي حج عام ١٩٥٢ قدم الى الحجاز جوا ( ٢٥٨٦٢ ) حاجا و ( ١٢٦٨٧ ) حاجا في السنة السابقة لها ( وعلى كل حال فأن أى عدد من الحجاج يصل إلى الحجاز فسيكون اتجاهه الى مكة حيث تزدحم تلك المدينة المقدسا الصغيرة بهم حتى اذا ما وافي اليوم التاسع من شهر ذى الحجة " يوم عرفة " تجمع الكل حول جبل عرفات فتشهد هنالك نحو نصف مليون مسلم مجتمعين فى صعيد واحد احتفالا بذلك اليوم المشهود . ويقع جبل عرفات على مسافة ١٢ ميلا شرقا من مكة . فى هذا المكان وبهذ الشعار شعار الصفاء والتقوى : مئزرين ابيضين غير مخيطين - يقضي جميع الحجاج اليوم الاول من ايام الحج وفي مساء ذلك اليوم يفيض الجميع الى " مزدلفة " وهي على مسافة اربعة اميال من عرفة حيث يبيتون بها ليلتهم يتوجهون في اليوم التالي الى ) منى ( وهى على مسافة ميلين من مكة فيمئكون بها ثلاثة او أربعة ايام مكرسين جهودهم لأداء شعائر دينهم . ومن التقاليد الدينية المتبعة فى هذه الايام ذبح الآف الحيوانات ) من الجمال والغنم الخ ( وتقديمها ضحايا لله تعالى . اما الكمية الكبرى الفائضة من اللحوم التى لم يمكن في مكنة الحجاج استهلاكها فهى إما ان تترك على الارض او تدفن دفنا غير كامل فلا يمضى عليها غير بضع ساعات تحت اشعة الشمس المحرقة حتى تكون سببا لخلق مشكلة صحية كبرى وفى اليوم الثانى عشر او الثالث عشر من ذى الحجة يفيض المسلمون الى مكة حيث يملأون مرة اخرى هذه البلدة الصغيرة المقدسة إلى ابعد حد وحيث يعيشون فى اشد حالات الضيق والازدحام . ومن بين العوائد التقليدية ان كل حاج يتعين عليه ان يشرب من الماء المقدس من بئر زمزم وعلاوة على ذلك فأن بعض الحجاج يأخذون معهم علبا من الصفيح ممتلئة بماء زمزم لتوزيعها ببلادهم على اصدقائهم وذوى قرباهم . وبئر زمزم متسعة الفوهة يستخرج ماؤها بوساطة الدلاء وهو عند نقله فى الزمزميات عرضة للتلوث بميكروبات الامراض المعدية المعوية . ولذا كان يشدد ويلزم بتبخير الزمزميات التى يرجع بها الحجاج الى اوطانهم بمحطة الكرنتينة بمحجر الطور ) مصر ( ووجوب اتلافها اذا ما حدث ان انتشر وباء الكوليرا بالحجاز . فقد اثبت الواقع ضرورة ذلك اذ قد وجدت ميكروبات وباء الكوليرا بمعمل الطور وقد جاء فى بعض التقارير ان السبب الأصلي في انتشار وباء الكوليرا هذا الوباء المعدى المخيف عام ١٩٠٢ هو ان حاجا أراق

احدى الزمزميات فى بئر القرية التى يمكن فيها ) قرية موسى بمصر العليا ( فكان مبدأ انتشار ذلك الوباء بالقطر المصرى باكمله . وبرجوع الحجاج من مني الى مكة تنتهي شعائر حجيم فينتثر عقد ذلك الجمع الغفير ويبدأ كل فى اخذ الاهبة للرحيل . ان ما يتعرض له الحجاج من ظروف فى اداء فريضة الحج عنيفة صارمة لذا فأنا نجد عددا كبيرا من الحجاج الذاهبين الى مكة ضعفاء متقدمين فى السن حتى ان بعضهم لا يذهب الا بقصد اداء فريضة الحج والموت بالاراضي المقدسة فقد وجد بالتجربة ان نسبة الوفيات بعد اداء فريضة الحج اكبر منها قبله حتى في حالة عدم وجود امراض وبائية فقد بلغت نسبة الوفيات فى حج عام ١٩٢٤ من المصريين ٤ % وبين الجاويين ٢٢ % ويلاحظ ان حساب السنة القمرية لا يتفق تماما مع السنة الميلادية فقد وجد أنها دائما اقصر منها ب ١١ يوما . وعليه فأن ميعاد الحج بالتقويم العربي وهو يوم ٩ ذى الحجة لا يقابله يوم بعينه فى التقويم الافرنجى بل يتقدم عليه كل سنة عن التى تليها ب ١١ يوما . وهذا يعنى ان الحجاج معرضون دوما لتقلبات الجو القاسية حسب اوقات الحج من رياح صحراوية قارسة البرودة فى الشتاء الى سموم لافحو حرارة شديدة فى الصيف ولذا فانه لا يستغرب فى كل هذه الاحوال ان يذهب من ضربات الحرارة عدد غير قليل من الضحايا ، ففى حج عام ١٩٥١ بلغ عدد الوفيات فى منى في يوم واحد ٧٥٣ كان اكثرها من ضربة الشمس . ويقضي الحج على العموم اجتماع عدد كبير من الحجاج في مكان واحد وذلك كثيرا ما كان سببا لانتشار كثير من الامراض السارية وكثيرا مايرحل الحجاج من اوطانهم وهم فى غير حالة صحية حسنة حاملين معهم ميكروبات الكوليرا والطاعون والجدرى وما الى ذلك ،

فأن امراض الملاريا والدوسنتاريا وغيرها من الامراض الوبائية التى تتولد عن المار من الامراض المعتاد وجودها بين الحجاج الراجعين من البلاد المقدسة الى اوطانهم ما حمل اكثر الامم على جعل تلقيح الحجاج اجباريا . كما ان مرض الجدرى من الامراض المعتادة اكثر بين الحجاج فقد سجلت فى عام ١٩٤٩"٥٤٥ " اصابة بالجدرى و ١٩٨ وفاة كما ان وباء الطاعون الهائل لعام ١٨٩٦ لم يلبث ان ظهر فى السنة التالية بجدة وقد قيل ان الاصابة به كانت من قوافل الحجاج الوافدين من صنعاء ) اليمن ( التى كان يسودها ذلك الوباء حينذاك أما الحجاج فلم تظهر بينهم غير بضع اصابات عند رجوعهم ومع ان الطاعون يعتبر فى الاتفاقيات الصحية العالمية مثل الكوليرا الا ان التجربة اثبتت انه

ليس اشد خطرا من الكوليرا على الحج . وفي كل سنوات الحج تلك لم يظهر الوباء الا فى الحجاز . أما نسبة الضحايا من الحجاج فكانت قليلة بيدان ما يتخذ فى البواخر وتقوم به الكرنتينة من اجراءات ضد الغرءان فى الوقت الحاضر مما يعتبر خير وسيلة فى الحماية ضد انتشار وباء الكوليرا فمن جميع الامراض الوبائية التى كانت تهاجم الحجاج وتهدد سلامتهم لم يكن بينها وباء اخطر من الكوليرا . وانتقال وباء الكوليرا من الحجاج الوافدين الى مكة ، الى اوربا وغيرها من قارات العالم كان الباعث الاول لوضع الاتفاقيات العالمية التى تضع الحج تحت مراقبة صحية فعالة . ولم تر اصابات بالكوليرا من الحجاز منذ عام ١٩١٢ . وقبل عام ١٨٦٦ كان الحجاج يذهبون الى الحجاز فى مراكب شراعية فكان ذلك يستغرق منهم وقتا طويلا كما لم يكن عدد الحجاج كبيرا اما بعد عام ١٨٦٦ فقد اتخذ الحجاج السفن والمركب البخارية لحملهم من الهند ومصر الى الحجاز فحرموا بذلك من السفر بالقوافل عبر الصحراء التى كانت بمثابة كرنتينة متنقلة فى حد ذاتها يتعرض مرض وبائى لشمس الصحراء فيتلاشي ويموت ، فلا يحمل الحجاج معهم فى رجوعهم الى اوطانهم اى مرض وبائي .

" مقتبسة من مقال بمجلة " بوست جردويت " الطبية اللندنية " المجلد الثاني والثمانين "

اشترك في نشرتنا البريدية