قد يبدو الموضوع طموحا يهدف الى حل معضلة خطيرة تتصل بشعر الشابى من خلال ديوانه الوحيد اغانى الحياة (1) ولكنه فى الحقيقة يستجيب الى نداء ذاتى محض . فقد تواتر الحديث عن الشابى شاعر الوطنية ، وكنت دوما اتخرج إزاء هذه الاضافة . واذا قرأت مقالا بهذا العنوان (2) ازداد حرجى لاننى لم أجد فيه ما يقنع بان الشابى كان فعلا شاعر الوطنية بما تحمله العبارة من معانى الحماس والنضال السياسى والتغنى بالوطن . وعزفت عن الرجوع الى معنى الوطنية كما تثبته المعاجم الحديثة الاوربية ، واقتنعت ان التعريف الضرورى ينطلق من الديوان نفسه . ولما حرصت على معالجة الموضوع نقبت عن المراجع فوجدت ما قال الاستاذ توفيق بكار منذ سنوات خلت صالحا بالنسبة الى اليوم (( ثم ان هذه الكتابات - حول الشابى - الوافرة وفرة قد نحا فيها اصحابها - الا قليلا منهم - منحى غريبا - (3) ووجدت ايضا ان (( مشاركته فى دراسة ابى القاسم الشابى )) منظلق جدى وعميق لكل عمل يتصل بهذا الشاعر - ولا يعنى هذا الحكم التنكر للاعمال الجليلة التى قام بها المرحوم محمد الحليوى او التى باشرها ومازال يحمل لوائها الاستاذ ابو القاسم كرو ، وانما يدعو الى التخصص
فى مواضيع جزئية والتعمق فيها حتى نستجلى قيمة شاعرنا الحقيقية - ولا ندعى البتة اننا بهذا العمل الذى نقدم سنسد ثغرة فى دراسة الشابى ، بل ان الغاية الاساسية هى انصاف الشاعر وتحديد قيمة فكره بالقياس الى موضوع الوطنية . اذ يبدو انه انتهج منهجا فريدا فى تحليلها وفي معالجتها وفي الارتفاع بها الى القيم الانسانية . وقد تراءى لنا ان الوطنية لها حقل دلالى خصب لا يكتمل الا اذا رجعنا الى الرومنتيكية نستنطق منها ارضية تفكير الشاعر ونسعى الى استقصاء وحداتها الدلالية لنقنع بالترابط بينها وبين الوطنية .
مظاهر الرومنطيقية فى شعر الشابي :
جزم الاستاذ توفيق بكار فى مقالته (( بان الشابى في وقت ما من حياته قد عاش الرومنتيكية كتجربة وجودية وكمذهب ادبى معا . فبعض رسائله وصفحات من يومياته.. تدل دلالة صريحة على ذلك . قلنا فى (( وقت ما من حياته ..لان الرومنتيكية فى عهده الادبى الاول كانت مجرد محاكاة وما دام لا يسعنا ان نتبين ذلك فى شعره الا اذا رتبت القصائد ترتيبا زمنيا مضبوطا فلنا ان نعتبر قول الحليوى الآتى : (( فالطور الاول هو طور التشاؤم القاتم وفي هذه المدة كان ينحو نحو جبران وينكب على مطالعة المعرى انكبابا كليا . فلما نظم أول اشعاره كان مفرطا فى اليأس والتشاؤم وكان هذا التشاؤم من النوع السهل الرخيص الذي يشاركه فيه كثير من صغار الشعراء ومقلديهم فهو تشاؤم لا تعرف مبعثه ولا الداعى اليه ولا علة ترديده وسبب وجوده (5).
لقد ملات الرومانتيكية على الشابى حياته واخذت لبه ووجد فيها وعاء يستوعب احاسيسه ويحتضن افكاره . وكانت معرفته بها وان كان جاهلا بحقيقة الأدب الاوربى وبما وصلت اليه المدارس الغربية من بلورة مذاهب جديدة (6) معرفة كافية للايمان بها سواء بمجهوده الشخصى وبمطالعته الفردية او بمناقشاته واحتكاكه مع ارباب الفكر فى عصره (7) . ولن نبحث عن مصادر
الشابى الرومانتيكية فقد كان موضوعا ساهمت به كلية الاداب فى التعريف به (8) ولكن سنسعى من خلال قراءة الديوان ان نستجلى مظاهر الرومانتيكية كما ينطق بها شعره وان نبحث ثنى ذلك عن التلاقي الصادق بين نفسية الشاعر وهذا المذهب الادبى.
لقد اعتبر جون جاك روسو المجتمع عامل افساد للفرد ، يستهويه نحو الغواية ويستلبه استلابا . وباتت الفكرة قائمة الذات عند الرومانتيكيين ، وان ظهرت موجة الرومانتيكية الاجتماعية (9) فان للفردية شانا ذا بال عند الرومانتيكى وليست الظاهرة الاجتماعية اساسا عنده سوى اضطلاع بوظيفة فيادية فى صلب المجتمع . ولا غرابة ان نجد ابا القاسم الشابى يوفر فى ديوانه مادة تكشف عن موقفه من المجتمع باعتباره مؤسسة تاوى الافراد ولا مجموعة من الافراد منتظمة (10).
الانسان عند الشابى انسانان ، الاول خامل العزم منهزم والثاني ثابت العزم مكابد . هما نموذججان بشريان اشتاقت الدنيا الاول فوضعته وضعا نناسليا خصبا وتاق الثاني الى المجد ولكن سبيل المجد جبل حزيز لا يقدر عليه الا ذو مضاء.
والناس شخصان : ذا يسعى به قدم من القنوط ، وذا يسعى به الامل
هذا الى الموت ، والأجداث ساخرة وذا الى المجد ، والدنيا له خول
على ان الدنيا لا تستعبد الا قليلا اذ جرى على البشر ان ينساقوا اليها وان يتعلقوا بها بل يصبح الارتباط تعشقا وتزاحما وتنافسا فى صلب الهيكل الاجتماعى . ولا يخصص الشاعر بنية اجتماعية مخصوصة ولا يمكن فى نظرنا ان نضيق مجال نظره فى الحدود التونسية اذ الشابى في هذا السياق انسان يروى قصة الانسان مع الوجود ويسرد أوليات الواقع البشرى كما تلوح من
خلال مقولات المجتمع . انه الحضور الانسانى فى صلب الهياكل الاجتماعية وهو لا يتغير اذ جعل مصير الانسان فوق الارضى واحدا وقد اجبر عليه قهرا. وينضاف الى القهر المسلط تفتق غريزة الشرف الانسانى . وكانما الوجود معادلة رياضية ، يؤدى طرف القدر العابث فيها الى طرف اندفاق ذهان القوة والصلف فى الانسان فلا انتظام الا بالمخاتلة :
ملئ الدهر بالخداع ، فكم قد ضلل الناس من امام وقس
تلك براعة الانسان الاولى ، اشد ما يبرع فى الرذيلة فيفسد ويفسد ويتفاقم تهاوى المؤسسة الاجتماعية الى الانخرام . ولا يحصر البغي في الفقيه او رجل الدين ، وان كان ذلك اجلب الى الانتباه (11) والذ فى الرواية ، بل هى حقيقة الانسان ما دام في مجتمع يتكالب على المادة فيفتك بالانسان وتتمزق القيم فى مدن الدعارة وبناءات الجور يأوى اليهما الاشقياء فتعود الحياة ألما مرضيا .
كرهت القصور وقطانها وما حولها من صراع عنيف
وكيد الضعيف لسعى القوى وعصف القوى بجهد الضعيف
ليس الوقوف عند حقيقة المجتمع انعكاسا لكآبة شخصية او انفجارا لتشاؤم فردى ، قد تسهم الكآبة فى النفور من المجتمع وقد يدعم التشاؤم ذلك ، بيد ان الشاعر يسعى الى ان يموضع موقفه فيؤكد ان الحكم يرجع الى خبرة واختبار.
آه من الناس الذين بلوتهم فقلوتهم في وحشتي وحبورى
لا يكون العزوف عن المجتمع ، حتما ، قضية فردية ، بل يتسنى ان يتولد عن تأمل وكدرية فما اجتمع الانسان مع الانسان الا ولاح التنافس فالتنافر. ولا ينجم الازورار عن الحياة الاجتماعية عن النفس الرومانتيكى فحسب ، بل يستتبع تجربة صادقة فى ذلك الاطار . وقد ادرك المعرى ذلك ومارس ابو العتاهية قبله التجربة ذاتها أو كاد ، وغيرهما فى هذا الاتجاه كثير.
ولكن الشابى رومنتيكى لون استنكافه عن مخالطة الانسان فى المجتمع بلون المذهب الذي عانق وبه آمن . ولا ضير ان تتوفر المقابلة دوما بين ذلك الاستنكاف والفردية المستسلمة للانزواء والهروب . وقد تجلى ذلك فى شعر الشابى بل اصطبغ صبغة التساؤل الحاد ينطق عن تامل وعن حيرة وعن استنكار.
واذا دخلت الى البلاد فان افكا رى ترفرف فى سفوح الطور
حيث الطبيعة حلوة فتانة تختال بين تبرج وسفور
ماذا اود من المدينة ، وهي مرتاد لكل دعارة وفجور ؟
تلك هي المقابلة بين انا الشاعر والمجتمع تتجلى من خلال المقابلة بين الحياة فى المدينة وهى كريهة اليه ، والانزياح عن الواقع بالتحليق في السفوح والطبيعة وهو محبب اليه . وقد تبلغ القطيعة بين الشابى والمجتمع ذروة الحدة فاذا التباين اكيد والمغالاة واجبة :
ما فى وجود الناس من شئ به يرضى فؤادي او يسر ضميرى
فما فى وجود الناس سوى اللغو (12) والمرج والشاعر ينشد الهدوء والطمانينة . ولئن اراد الشابى ان يبرر التباين باسباب موضوعية تنطق عن الترووى والتفكير ، فانه اعزى فى جوانب اخرى سر التبرم الى استنطاق احوال المجتمع فى مقولاته المختلفة كل ما فى المجتمع فى نظر الشاعر يدعو الى الياس والى النفور . لانه يحتكم الى التناقض وتستقيم لديه المفارقات حتى لكانها المنطق ذاته . وتنقلب قصيدة الشابى فى هذا السياق الى محاكمة عنيفة صياغها على شدتها فى شكل سردى فيه لهات ومرارة . اذ الفتاة الجميلة لا تنجيها عفتها ولا تدنسها شهوتها والشقي توقظ فيه نزعة الشر والنبىء يتهم ويرجم والشعوب الضعيفة تضطهد ثم تتوالى نماذج بشرية اخرى لا تلقي في المجتمع سوى الجحود لان الناس فى نظر الشاعر لا نسب لهم الا الى الشيطان ، فيبقى الانسان لعنة لاخيه الانسان.
فان تقصى الشابى احوال المجتمع وجدها تؤكد تامله . واذا استعرض العلاقات البشرية داخل المجتمع وجدها وحشية فحق له ان يثبت دونما تردد :
اي ناس هذا الورى ؟ ما ارى الا برايا شقية ، مجنونة
جبلتها الحياة فى ثورة الياس من الشر كى تجن جنونه
فاقامت له المعابد في الكون ، وصلت له وشادت حصونه
ولو جاز أن نقتبس مصطلحات الفلسفة العربية القديمة لقلنا : إن النفس النباتية والنفس السبعية قد سيطرتا على النفس العاقلة فاذا الانسان فى المجتمع وليد نزواته وغضبه بهما يتعامل مع الاوضاع والاشخاص . وان سلب الانسان عقله انساق الى الشر انسياقا :
فافهمى الناس.. انما الناس خلق مفسد فى الوجود ، غير رشيد
ولنا في اغاني الحياة محاولة لفهم الناس فى سلوكهم وفي اخلاقهم فاذا القصيدة تخرج عن شكل المحاكمة كما سبق للشاعر ان صاغها فى مواطن أخرى وتصبح بيانا واضح المعالم يخبر عن صدق تجربة وعن صدق كلمة وليست التجربة فردية وليست الكلمة ذات دلالة آنية ، وانما هما استعبار للوجود الانسانى فوق الارض ، واذا الشاعر يقنع ان سنه الذهنى اعرق من سنه الحقيقى وأكبر .
ما قدس المثل الاعلى وجمله فى اعين الناس الا انه حلم
ولو مشي فيهم حيا لحطمه قوم ، وقالوا بخبث : انه صنم
لا يعبد الناس الا كل منعدم ممنع ، ولمن حاباهم العدم
حتى العباقرة الافذاذ ، حيهم يلقي الشقاء وتلقى مجدها الرمم
الناس لا ينصفون الحي بينهم حتى اذا ما توارى عنهم ندموا
الويل للناس من اهوائهم ابدا يمشى الزمان وريح الشر تحتدم
ان المجتمع اداة افساد للانسان ، فالمولود يولد على الفطرة والمجتمع يفسده . وهي حقيقة ادركها الشابى ادراكا واعيا . بيد ان السبيل التى توخى ، وان كانت محدودة المدى مقصورة عن بلوغ اوجها ، عدمت العقل اداة لذلك الادراك فللشاعر موقف واضح من هذه الطاقة ييسر علينا فهم مصطلحات خاصة به تنصهر فى عالمه الشعرى .
يعتبر الشابى العقل اداة محدودة لا يبلغ بها المرء غايته من الوجود وقد قابلة دوها بالقلب بوصفه وسيلة ناجعة لدرك غايته من الحياة واستنفاذ اغراضه من الوجود . وطبيعى ان يتنكر الشاعر للعقل اذ افكر بعد الحياة الاجتماعية ورفض مواضعاتها وقوانينها وهيكلها ، وهي خاضعة فى قصورها وفى بلورتها للعقل ، اما القلب فيمكن ان يتجاوز ذلك الواقع وان يتمرد على الوجود ليسعي ثابتا الى المرغوب.
والعقل رغم مشيبه ووقاره مازال فى الايام جد صغير
اما القلب فله شان مخصوص فى تفكير الشاعر:
يا قلب انك كون مدهش عجب ان يسال الناس عن آفاقه يجموا
كانك الابد المجهول.. قد عجزت عنك النهى ، واكفهرت حولك الظلم
لقد نشد الشاعر فى القلب المدى فاستجاب له وايقن ان طاقته ارحب من العقل بل العقل عاجز عن محاذاته وهو الى ذلك (( منبع الاخطاء الذى لا يفيض ، والسم الذى يفسد مشاعرنا نحو الطبيعة ويقتل الحقيقة التى منبعها القلب.. ايها العقل انما انت فتنة )) (13).
ان تمرد الرومنتيكيين على الاوضاع الاجتماعية صورة لتمردهم على الاوضاع الادبية . فان اتسم الأدب الكلاسيكى بعقلانية (14) مجحفة فان الرومانطيقية قد اتخذت مسلك العاطفة (15) وفجرت القلب تفجيرا مزدوجا . جانب اول بقى فيه القلب مصدر العاطفة والاحساس المرهف ، وجانب ثان متميز اصبح فيه اداة معرفة بها يفهم ويتقصى ويستنتج . فالاعراض عن الحياة الاجتماعية مطية
لجيشان العاطفة وغائية معرفية تستند الى ارضية اخلاقية تدعو الى خلق نظرى متسام وقد اقر فيكتور هيقو ذلك فى مقدمة روايته البؤساء(( نتيجة لقيام القوانين والعادات يوجد نوع من اللعنة الاجتماعية التى تصطنع انواعا من الجحيم فتفوق بمقدور الناس المقدور الالهى لمصير الفرد (16).
ورغم التماثل النسبى بين الشابى والرومنتيكيين فى هذا الموضوع فانه لا يفوتنا ان نلاحظ ان الطابع الكلاسيكى لم يمح امحاء تاما فى اغانى الحياة بل نحس فى مواضع كثيرة تاثير الشعراء القدامى فى الشابى وكيف يستطيع الا يتأثر والشعر العربى الى عهده لم يجد فى غير القدامى النموذج الذى يحتذى . ولا نروم في هذا السياق ان نومئ الى المعارضة (17) او الى المحاكاة المفضوحة (18) بقدر ما نسعى الى الاقناع بان الشاعر العربى لا يخرج خروجا مطلقا عن التشبع بالشعر القديم (19) ولعله يجوز ان نقر ان الرصيد الثقافى الشعرى عند الشابى واضح فى موقفه من المجتمع ومن الحياة ، هو موقف مشابه لموقف ابى العلاء المعرى او المتنبى او بشار بن برد مع الاختلاف الطبيعى بين كل هؤلاء تبعا للمزاج وللظروف وللموقف المتخذ من الحياة . على ان الشاعر العربى كان دوما يتبرم بالمجتمع فيريد توجيهه أو تحطيم سخافاته أو تقويم حماقاته وقد يبلغ التبرم درجة القطيعة وقد يبلغ الفتور فيمتزج الامل بالياس . والطريف عند الشابى ان هذا الرصيد الثقافى الشعرى وجد تربة الرومنتيكية فنما فى ضوئها وارتفع الشابى على حدود تجربته وصغر سنه الى مخاطبة الانسان فى ناحية من نواحي جوهره . وليس يسيرا ان يجمع الشاعر بلطف بين التقليد والطرافة . هو تقليد كما اسلفنا مرده الى ولع الشابى بالشعر العربى وان عدم فيه الخيال (20) فان الرصيد باق والتاثر ملحوظ. وهي طرافة الانفتاح على الأدب الغربى والتلاقح مع الرومنتيكية ، فاذا الشابى شاعر متميز بذلك التوفيق العجيب . ولعل هذا التميز ذاته فى موقف الشابى من المجتمع ومن الحياة الاجتماعية يمحضنا للبحث عن خصائص معالجته لموضوع
الطبيعة . وهو موضوع لم يخل منه الشعر العربى القديم فى المشرق او فى المغرب (21) ولكن تناوله عند المحدثين اصطبغ بالوان جديدة يجدر ان نستنطقها فى اغاىي الحياة بالنسبة الى الشابى.
تكاد لا تخلو قصيدة من الديوان من الوقوف عند الطبيعة . فهى الارضية التى منها انطلق الشاعر لبناء عالمه الشعرى . هي الاطار الذي تدور فيه الاحداث (22) ، وهي الاحلام التى تنبثق بصدق من اعماق الشاعر لتهوى امامها الحقيقة المادية المعيشة (23) بل ان للطبيعة شانا اعظم عنده.
هى الاجزاء التى ينتخبها لتكون سندا له فى مواجهة ما يكره او يرفض وينبذ.
فهى الزهرة الذاوية تنطق عن الحزن المسلط على نفس الشاعر
وقد تكون ريحا او رعدا او صباحا او جدولا او خريرا وهي عناصر يصطفيها الشاعر ليشير بالجزء الى الكل فاذا الصورة تتمط من الاستيعاب الكلى الى الانتقاء الجزئى .
والطبيعة توحى للشاعر بالصورة الشعرية فتصبح استعارته او تشبيهه ، وهي تشخص فتشع حياة وقد جمع كل ذلك فى هذا المقطع :
بالامس قد كانت حياتى كالسماء الباسمه
واليوم ، قد امست كاعماق الكهوف الواجمه
قد كان لى ما بين احلامى الجميلة جدول
يجرى به ماء المحبة طاهرا ، يتسلسل
تسعى به الامواج باسمة كاحلام الصبا
وتنقلب الطبيعة طرف حوار يبثه الشاعر ما يجيش فى نفسه من أحاسيس او من افكار :
فسالت الليل ، والليل كئيب ورهيب شاخصا بالليل والليل جميل وغريب :
اترى انشودة الرعد انين وحنين رنمتها بخشوع مهجة الكون الحزين؟
لقد استبدت الطبيعة بالشاعر وبنفسه وبلغته ويافكاره . فاذا التداخل بين الطرفين اكيد على ان هذا الالتحام اتخذ في الديوان الوانا متباينة تبدو متناقضة .
فالشاعر يجد فى الطبيعة ملجأ وفيها ينشد تنزيه ذاته عن ادران المجتمع وهذا المعنى كثير التواتر في الديوان ولكنه لم يعدم اثبات مظهر آخر نجد فيه الشاعر يتآحد فلا الانسان يعى ما فى نفسه ، ولا الطبيعة تحتضنه وتواسيه.
وجئت الى الغاب ، اسكب اوجاع قلبي نحيبا كلفح اللهيب
نحيبا تدافع فى مهجتى وسال يرن بندب القلوب
فلم يفهم الغاب اشجانه
وظل يردد الحانه
وكذلك النهر صد عن الشاعر صدودا مؤلما فبلغ به الاسى مبلغ القنوط
وعانقت في وحدتى لوعتى وقلت لنفسي :(( فاسكتي ))
وقد تتآزر الطبيعة مع الحياة البائسة لتسدل على الكائنات ستار الالم ولا تتوانى حتى عن قصف عنصر من عناصرها الجميلة (24).
لا يرى الشاعر من تربد نفسه الا وجودا قاتما ، فتكف الطبيعة او عنصر منها عن اذكاء الامل او موساة كيانه الجريح ، وتصبح صوت نشاز يود الشاعر لو ينقطع او يبتر .
على ان التناقس بين المعنى الاول والثاني ظاهرى فى نظرنا . لان كيان الشاعر كما يلوح من الديوان يجزا الى مستويات ثلاثة.
المستوى الاول هو الوجود المادى ، يعيش من خلاله الشاعر حياة عادية وسط مجتمع وفى خضم علاقات بشرية موضوعية وقد اشرنا سابقا إلى موقفه من هذا النمط من الحياة فهو عالم الظاهر.
والمستوى الثاني هو الطبيعة ، ذلك المأوى الذى ينقاد اليه والاطار الذى اليه يسعى ومنه يبحث عن الطمانينة وشفاء النفس البائسة . وقد ملك الغاب
حياة الشابى وشعره (25) حتى اضحى معبدا يقيم فيه صلاة الوجود القدسى . فهو عالم اعماق الشاعر.
والمستوى الثالث هو نفس الشاعر ، ووجودها فى الشعر نابض يتدفق حياة وحرارة سواء فى حالة الامل أو فى حالة اليأس . ولكن حضور (( أنا )) الشاعر بلا جدال متواتر تواترا ينم عن كبرياء عتية وأنفة جريحة . هو عالم باطن أعماق الشاعر .
ويحق ان نتساءل عن العلاقة القائمة بين هذه المستويات الثلاثة ، اذ تبدو فى الظاهر بديهية ولكنها فى نظرنا متى تحددت تكشف عن الابهام المتعلق بالتناقض فى موقف الشابى من الطبيعة.
لاشك ان علاقة (( انا )) الشاعر باطاره الموضوعى منعدمة فى السياق الرومانتيكى الذى حللنا . وستكتسي هذه العلاقة لونا آخر مبابا بالقياس الى الدافع الوطنى عند الشابى وتلك قضية نعود اليها لاحقا.
اما علاقة (( الانا )) بالطبيعة فهى تتشكل على النحوين السالفين وسر الازدواجية فى نظرنا يعود الى تجربة الشابى البشرية الاصيلة . فعلى حداثة سنه ، كان قد تعمق او حاول فى فهم الحياة . وقد اعانه اطاره الموضوعى العائلى وكذلك المحيط الجغرافى الذى فيه نشأ تمرده المبكر على التقليد والمقلدين وحساسيته المرهفة على تاصل تلك التجربة . وهي فى نظرنا لا تكتفى بالممارسة الفعلية ولا تخضع لمنطق المعيش الخالص بل تضيف إلى ذلك تجربة ثقافية وفكرية اذ كان الشابى (26) يعيش الوجود ماديا وذهنيا بل كان سريع الانقياد الى التامل والى التجريد فاذا الخيال عنده يخرج عن حلية الوهم والافتراض ليصبح ممكنا نظريا يصنعه الشاعر بطاقة التفاكر (*) التى اخصب, فاثرى تجربته البشرية ثراء اسهم في تحديد علاقة مزدوجة بين اناه والطبيعة.
( يتبع )
