واتسم موقف الشعب من الشابى ، فى خيال الشاعر وفى نتيجة تفاعله مع مجتمعه ، بالحركة والفعل . وقد ردد الصيغ الفعلية المعبرة عن السلوك المادى الضيق فاستبانت الحدود ثانية فى تفكير الشعب وفى انفعالاته . الا ان تشنج المجموعة يقابل الم الشاعر . فالطرف الاول يتصرف بمقتضى النفس الغضبية الحيوانية والطرف الثانى يتجذر فى المدار العاطفى القبلى وقد تجاوز النفس الناطقة اليه . ولا عجب ان يتضارب الطرفان وان تتهاوى العلاقة الى القطيعة . والطريف ان الشعب فى هذا الاطار راى الشاعر فى مراة نفسه فنفى عنه العقل والتوازن من ناحية واعتبره ساحرا كافرا من ناحية ثانية . اما الصفة الاولى فتدعم التباين فى طريقة التفكير وفى العقلية ذاتها ، واما الصفة الثانية فتذكر باللون الشعرى الجديد الذي به آمن الشابى ومارس فبدا ساحرا وكافر وقد نقل الشابى جملة من الاتهامات التى كان يكيلها عدد من التقليديين له .
وخصص الشاعر قسما من ديوانه تخلل ذينك الموقفين السالفين وانفجرت فيه نفسه لوعة وامتعاضا . وهو يقيس ما فى باطنه من عوالم جميلة شادها الى مالقيه من الشعب من معاداة ونفور . اعتمدت جنة نفسه على نمط جديد من السلوك ومن التساوى . فتبنت الثورة على الجور ودعت الى الحياة الحقيقية ورفعت الازهار الجميلة واستمسكت برحيق الوجود المسكر . وهى دعامة شخصية الشاعر الفذة المتعالية ومكوناتها الاحساس المرهف والحكمة المتبصرة والنبوة الصادقة . فاذا النفس الحية وعاء لشخصية جموحة القياد . ينسجان
عالما حالما يوازى العالم المادى الاجتماعى . ولكن اللحمة بين الطرفين لم تكن لتنمو او تشتد لو لم ترتم فى احضان الطبيعة . فوجدت فى حياة الغاب نشوة الانفراد والاستعاضة عن لغو الناس بالاندماج الكلى فى الطبيعة والالتحام مع عناصرها فهى الملجا الوحيد حيث يجد الحياة ويرجو الموت .
لقد تردد تعرض الشابى الى الشعب بين المفاهيم العامة والمعانى الخاصة ، وبين الحث على رفع المستوى الذهنى والحض على المقاومة ورفض الاستكانة والخضوع للمستعمر . ولكن الموقف الحقيقى يتجلى فى القسم الثالث ولا يتوارى الحب والرحمة وراء الغضب والاتهام . . فطبيعى ان يحس الشابى فى اعماقه بالعطف على الشعب وان يقسو فى شعره بل ان القسوة ذاتها تنطق عن الحب الدفين . لذلك راينا من المنطق ان نميز بين علاقة الشابى بالحياة الاجتماعية وموقفه من الشعب . فالجانب الاول كما اسلفنا ، يندرج فى نطاق التفكير الرومانتيكى العام وهو يعتبر المجتمع مؤسسة تدفع الى تدهور القيم الانسانية الاصيلة ، فهو موقف فكرى مذهبى يعتبر المجتمع عامة هيكل افساد للانسان .
والجانب الثانى يتصل بالوضع التونسى المخصوص وقد ابرزنا ان الشابى لم يجانب مخالطة مجتمعه ولم يستنكف عن معاشرة الشعب فاذا الصلة بين الطرفين تقوم على الاساس العاطفى المحض وتستند الى ارتساخ قدم الشاعر فى التجربة الاجتماعية . فاذا كانت فكرة المجتمع المؤسسة مرفوضة لدى الشاعر ، فان الاحتكاك مع الانسان ضرورة عنده ، والارتفاع بالشعب الى القيم الفاضلة مسؤولية عزيزة . ويحق ان نتساءل فى هذا السياق عن معنى الوطنية كما يتوفر فى الديوان ؟
ما هى النزعة التى اختار الشابى للتعبير عن وطنيته ، وما هى مياسم هذه النزعة وقد ابرزنا انها تختلف جوهريا عن الخط الذى اتبعه معاصروه من الشعراء ؟
يبدو ايمان الشابى بالشعب وبالقوة الخامدة فيه ، مطية فى الديوان للاشارة الى الغد الافضل وانتظار امل يقينى . وقد ردد الناس معه دائما ، انشودة الحياة وارادتها :
اذا الشعب يوما اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر
ولا بد لليل ان ينجلى ولابد للقيد ان ينكسر
ولكن الشرط الذى وضعه الشاعر لتحقيق هذه الارادة لا يستقيم مع النضال ضد المستعمر فحسب ، هذا النضال بديهى ولكنه لا يتصل بلب القضية التى
بسط الشاعر الا فى جانب زهيد منها . المسألة بالنسبة الى الشابى اشكال يؤدى تجاوزه إلى الانعتاق من الاعراض وتحقيق الجوهر . فالدلالة الاولى للوطنية فى نظره مرتبطة حتما بفهم الحياة ، ووضع هذا المفهوم فى الاطار الذهنى خطير فى نظرنا لان المعركة الاساسية كما تلوح فى اغانى الحياة انما تنزل فى المستوى العقلى أولا وفى المستوى الوجدانى ثانيا . فسبيل تحرير الشعب ، واستجابة القدر له تنحصر بداية فى غائية معرفية . وهى تقوم على تصوير نمط من الحياة جديد به يقنع الشاعر او يحاول ان يقنع بزيف حياة الواقع .
ولم تكن طريقة الشابى فى تصوير هذا النمط الجديد تعليمية عقيمة ، بل اعتمدت رسم خطوطها وبث الروح فيها حتى تصبح نموذجا ناطقا . فهو قد وضع الشعب بين وضعيتين . وضعية الحياة الحقيرة ، ووضعية الحياة الباسمة ومتى كانت الهمة متيقظة كان الشوق الى الحياة اصدق .
فويل لمن لم تشقه الحيا ة من صفعة العدم المنتصر
كذلك قالت لى الكائنات وحدثنى روحها المستتر
لقد نحت الشابى ملامح هذه الحياة الجديدة من الطبيعة ، ومحاورته عناصرها اوحت له بماهيتها فنجده يلتجىء الى الريح والى الجبال والى الارض والدجى والى الربيع يستلهم معنى لتلك الحياة التى اقترح . ثم اورى الى خصائصها :
وشف الدجى عن جمال عميق ، يشب الخيال ، ويذكى الفكر
ومد على الكون سحر غريب ، يصرفه ساحر مقتدر
وضاءت شموع النجوم الوضاء ، وضاع البخور ، بخور الزهر
ورفرف روح ، غريب الجمال باجنحة من ضياء القمر
ورن نشيد الحياة المقدس ، فى هيكل حالم ، قد سحر
واعلن فى الكون : ان الطموح لهيب الحياة ، وروح الظفر
اذا طمحت للحياة النفوس ، فلا بد ان يستجيب القدر !
قرن الشابى معنى الوطنية بالدعوة الى الانعتاق عن اصفاد التقليد والعقلية الساذجة والامتثالية المكبلة ، والى السعى الى بناء حياة عميقة وجميلة فى باطن النفس فى درجة اولى وفى المجال المادى فى درجة ثانية . ولا تشيد هذه الحياة على الوهم ، اذ هى متوفرة فى الانسان بالقوة ، ومنتشرة فى الوجود على الشكل نفسه ، ولا تتطلب الا تحويل القوة الى الفعل بالرياضة والمران وبتزكية الذهن 947 75
و (( غسل الادمغة )) . ومهمة الشاعر ان يعين على ذلك التحويل وان يقنع بانه ضرورى . وان خرج تعبير الشابى عن هذا المفهوم فى لبوس الحماس والمبالغة والتردد بين التجنى والتحنى فيؤكد ان الوطنية الحق هى التسامى والتعاظم والعودة الى الفطرة . وقد آمن ان الوطنية بهذا المعنى تيسر بناء عالم اجتماعى جديد طاهر . ولعلنا ندرك درجة الالم العتية التى هزت الشاعر فى ديوانه وجعلته يناضل من اجل وطنيته ودفعته فى حالات عديدة الى الشعور بالقهر والاحساس بالغربة . وهو لا يفتا يشير الى تذبذبه بين عالم الشقاء وعالم الامل . او بين وطن ارض النجاسة والدعارة والحماقة ، ووطن سماء الجمال والفن والعيشة اللذيذة . وقد عبر عن هذا المعنى باشكال مختلفة ولكنها تتآزر لتنطق عن التمزق النفسى .
شردت عن وطنى السماوى الذى ما كان يوما واجما ، مغموما
شردت عن وطنى الجميل . . انا ال ـشقى فعشت مشطور الفؤاد يتيما
فى غربة روحية ، ملعونة اشواقها تقضى ، عطاشى ، هيما . .
ان حيز دلالة الوطنية فى شعر الشابى ثرى يستمد خصوبته من تلك العلاقة ذات الاوجه المتعددة بين الشاعر والشعب وقد تدرج فى نسج وحدات ذلك الحقل من القيم العامة الى النضال والمقاومة الانيين الى البحث عن خلاص اكيد بالعروج الى حياة جوهرية تطهر فيها النفس وتزكى فيها العقول . وما الحرص على هذا العروج الا سبيل فى نظره الى التاصل والتحرر فالمعادلة واضحة فى ذهن الشاعر . طرفها الاول وهو الاساسى ، ايمان ، بحياة الفن والجمال او العمل على تحقيق القيم الفطرية ، وطرفها الثانى وهو نتيجة بديهية ، التخلص من الاستعمار ومن كل الوان العسف والاستبداد . وفى هذه المعادلة يكمن اختيار الشاعر . لقد كان عارفا باحوال شعبه مطلعا على ما يدور فى الساحة الاجتماعية والسياسية من قضايا ولكنه رغب عن مجاراتها وطمح الى التسامى بالشعب الى كنه الوجود .
ولم يكن الشعب سخيفا ، طفلا صغيرا فى واقع الاحداث الا فى ذهن الشاعر وبالقياس الى طموحه . واستعراض ابرز الوقائع فى عصر الشابى يؤكد هذه النتيجة .
لم تكن السنوات الاولى من فجر القرن العشرين سنوات نضال بل اقتصرت خلالها النخبة المثقفة من المصلحين على النشاط الفكرى والاجتماعى دون
السياسى (46) . على ان مدا المنحى ولد بتعاقب السنوات جيلا كثرت فيه العناصر المتحررة والمتطورة . ويتسنى ان نعتبر سنة 1906 بداية الوعى السياسى عند هؤلاء المصلحين (47) وقد اكتمل باصدار جريدة (( التونسى )) (48) وان بقيت السنوات الفاصلة بين 1885-1909 عجافا لم تلح فيها مظاهر الانتفاضة على المستعمر والغضب على الاوضاع السائدة ، فان سنة 1910 ، وسن الشابى لم تتجاوز السنة والواحدة ، شهدت بداية الوثبة الشعبية ، وقد كانت وليدة التلقائية ورهينة سؤ تصرف الادارة الفرنسية ومن هذه الاحداث :
1 - اضراب طلبة جامع الزيتونة وقد بلغ عددهم 800 طالبا ، وقد طالبوا باصلاح التعليم (48) .
2 ـــ 30 أكتوبر 1910 مظاهرة ضد قرار التجنيس .
3 ـــ 29 سبتمبر 1911 هجوم إيطاليا ضد السلطنة العثمانية لبسط نفوذها على ليبيا وسخط التونسيين على هذا الاعتداء تجلى بقلم عبد العزيز الثعالبى .
4 ـــ 7 نوفمبر 1911 حادثة الزلاج وهى اول صدام عنيف بين سكان تونس العاصمة والسلطة الاستعمارية (49) .
5 ـــ حادثة التراموى وهى تعبر عن غضب سكان الحاضرة . ففى يوم 8 فيفرى 1912 قتل طفل تونسى اثر حادث قطار كان يقوده ايطالى ، فتحمس
التونسيون وهجمة الايطاليين على تركيا ترن فى ذاكرتهم ، لمقاطعة القطار وللاضراب عن مخازن الايطاليين (50) .
6 ـــ بين سنه 1915-1916 تجسم التمرد فى قبائل الجنوب التونسى (51) .
7 ـــ ولادة (( الحزب التونسى )) فى سنة 1919 برئاسة عبد العزيز الثعالبى ، احمد الصافى ، حسن قلاتى . وظهور (( تونس الشهيدة )) فى نوفمبر 1919 .
8 ـــ فى غرة فيفرى 1820 اجتمع عدد كبير من اعضاء الحزب التونسى من بينهم حسن القلاتى ، طيب الجميل ، احمد السقا ، الشاذلى بودربالة ، عبد الرحمن اللزام ، حمودة المستيرى ، الطاهر بن عمار ، الصادق الزمرلى . . وتعدد الاجتماعات ليتولد الحزب الحر الدستورى التونسى ليعوض الحزب التونسى . وقد انطلق هذا الحزب فى نضال سياسى ثرى :
9 ــــ ارسل الحزب وفودا الى باريس لمناقشة قضية الاحباس ( 6 جوان 1920 ) وسافر وقد آخر بقيادة الطاهر بن عمار لاقناع لوسيان سانت بالاصغاء الى مطالب التونسيين قبل ان يباشر مهام المقيم العام الجديد .
10 ـــ ظهور حركة محمد على الحامى وميلاد النقابة التونسية G.G.T.T يوم 3ديسمبر 1924 وقد ناضلت النقابة نضالا صادقا وعملت على ضمان حقوق العمال التونسيين .
11 ـــ ظهور حركة وطنية ذات نفس راديكالى انطلاقا من سنة 1930 (52) . وقد مهد لها نشر (( اللواء التونسى )) Elendard Tunisien 'l للشاذلى خير الله ، ومن ابرز المساهمين فى التحرير الحبيب بورقيبة (53) .
12 ـــ المؤتمر الافخرستى ورد فعل التونسيين . ماى 1930 (54)
13 ـــ احتدام الانتفاضة الشعبية فى سنة 1931 بمناسبة الاحتفال بخمسينية الحماية الفرنسية (55) .
14 ـــ قضية التجنس (56) واستغلال الوطنيين الوازع الدينى لاشعال نار الغضب الشعبة ـــ حادثة دفن السيدة القبايلى يوم 1 ماى 1933 .
15ـــ ميلاد الحزب الدستورى الجديد : مؤتمر قصر هلال 3 جانفى 1934 والملاحظ ان هذه الاحداث لم تبق شغل النخبة الشاغل بل كان للشعب منذ بداية الوعى السياسى دور فى اشعال الانتفاضة بكل تلقائية وبداية كل ثورة انما هى التلقائية . كما يجدر ان نلاحظ كما سبق للدارسين المختصين ان اكدوا ذلك ، ان النضال السياسى فى المستوى القيادى خرج من ايدى البرجوازيين الى الطبقة المتوسطة ودعمتها حركة العمال فاتخذت ابعادا شعبية مهمة . كما نلاحظ التطور الذى حصل فى المستوى الفكرى فلم يبق جامع الزيتونة يحتكر الجانب التعليمى والثقافى بل ولدت الصادقية منذ نشاتها سنة 1874 جيلا مثقفا ثقافة مزدوجة الى جانب خريجى معهد كارنو من التونسيين وقد افضى اندفاق هذه النخبة الى احتدام المعارك بين القديم والحديث سواء فكريا أو سياسيا أو عقائديا والغذاء الاساسى لهذه الحياة الملتهبة كان الصحافة (57) فهو الوعاء الذى يمكن الرجوع اليه لفهم عمق الوعى القومى على عهد الشابى . بل اننا نزعم ان تلك الفترة التاريخية كانت الارضية الخصبة التى ولدت نشاطا ادبيا وسياسيا ذا بال .
ولن ندرك سخط الشابى حينئذ على الشعب الا بالقياس الى نفسيته الحساسة وقد تبالغ فى الالم عند المصادمة او الاتهام ، وبالقياس خاصة الى المبدأ الفكرى الذى دعا اليه . لا يرى الشابى فى النضال السياسى او التمرد الشعبى حلا جذريا للقضية التونسية ، فذلك ضرورى فى الظرف الانى فحسب ، بل محور المسالة عملية غسل للادمغة ودعوة الى الحياة الفطرية وهى المنطلق الوحيد فى نظره للتحرر الصادق . فكلما تطهرت النفس البشرية ، تحررت من القيود وعرفت ان سر الوجود يقظة حس . انه الاختيار الخطير بين طلب العاجل او السعى الى الاجل . بين مواكبة الحدث السياسى والتعبير عنه كما فعل جل معاصريه أو الاغضاء عن الحادث والزائل والحرص على الجوهر وعلى الاصل .
وما اندفاع الشابى الى المعنى الثانى الا وليد ايمانه بالرومنتيكية ، فهى التى زينت لفكره ولنفسه حياة الفطرة وأوهمته ان النضال تعال عن الواقع المعيش الى الوطن السماوى ، وطن القيم السرمدية . وفى هذا المجال لا نستطيع
البتة ان نفصل الحقل الدلالى الرومنتيكى عن الحقل الدلال الوطنى . بل ان الوطنية لا معنى لها اذا عزلت عن الرومنتيكية بالنسبة اليه . هى الاطار الذى يستوعب النضال والمادة التى تشحن حب الوطن . ولا يخفى ان تونس صورة فى نظره للطبيعة الأم الأخاذة . وان التونسى انعكاس للانسان عامة فولج الشاعر بهذا المعنى الغرض البشرى واصبح شعره ذا ابعاد ثلاثة متكاملة :
بعد ذاتى عبر من خلاله عن تجربته الخاصة وافصح عن خلجة نفسه وطموح فكره .
وبعد موضوعى ، تعرض الى الشعب باعتبار الترابط العاطفى بغض النظر عن المؤسسة الاجتماعية المستلبة وفيه عائق تحرر شعبه ودعاه الى حياة الطبيعة والجمال والفن .
وبعد انسانى هو خلاصة ذينك البعدين السالفين . فاصبح الشابى نموذجا بشريا ينطق عن مشاغل النفس الانسانية واصبح شعبه صورة للمجموعة البشرية يدعوها الشاعر الملهم الى الخير الابدى والى الخلاص الروحى . ومتى اقتنعنا ان وظيفة الشاعر كما آمن بها الشابى ، همس وايحاء ازداد ادراكنا لنوعية اختياره فهو اراد ان يبنى وجودا ساميا فى شعبه ليتجرد عن الوجود التافه . واراده ان يعى كنه الحياة قبل ان يتحرر من قيود المستعمر .
اذا كانت دلالة الوطنية داخلة فى حيز المساحة الرومانتيكية فهل ترسب فى السلبية وتبدو تحليقا فوق الواقع وكفرا بالواجب ازاء الوضع السياسى والاجتماعى .
لقد وقف الدارسون من هذه القضية مواقف متباينة وآثرنا ان نذكر بهذه المواقف ثم ننفذ الى الراى الشخصى .
فريق اعتبر ثورة الشابى (( تهديمية )) لا تسعى الى معالجة الواقع ولا ترمى الى اقتراح بديل يستعيض به الشاعر عن الاوضاع الراكدة فى بلده ، وتعليل هذا الرأى يرتكز على نفسية أبى القاسم وارادته التحطيم و (( التقويض )) (58) . وفريق آخر أكد أن الرومانتيكية أفقدت الشابى صوابه واتزانه الواقعى فاذا به (( يستلهم سماء الفن ولا يستلهم ارض البشر )) . وتعليل هذا الراى ان
الشاعر أخطا فى فهم كنه الحياة وظن ان الحقائق السرمدية كفيلة بان ترفع الشعب الى النجاة فهو قد تاه (( برومنتيكية فى متاهات الميتافيزيا )) (59) .
وفريق ثالث أراد أن يبرر متاهات الشابى فى الرومنتيكية فاعتبره شاعرا (( لا يملك سوى قلبه )) ولا يمكن ان يعد سياسيا (( او اداريا )) يسعى لقلب النظام او قائدا عسكريا فيشنها ثورة دامية يزحزح تلك الهياكل المتجبرة عن عروشها ليفسح للشعب طريق التحرر والحياة ، حياة انسانية كاملة )) (60) .
وفريق رابع اعجب بالشابى فتملكه الانبهار حتى اعتبار الشاعر (( احد هؤلاء المكافين الابطال بل نموذج رفيع منهم )) وراى ان المجتمع التونسى كان مريضا فى جسده وروحه باليا فى تفكيره وارائه مستسلما لاوضاعه الفاسدة استسلام العناصر غير العائلة الى هيئة الايام والليالى . . كما يقول جبران (61) .
جلى ان معظم الدارسين اقروا ان الشابى لم يمارس تجربة اجتماعية مادية فى شعره فقال الامر ببعضهم الى فهم موقفه ضربا من الهروب والاغراق فى متافيزيا نسج معانيها انطلاقا من الرومنتيكية . وآل الامر بالبعض الآخر الى تبرير ذلك الهروب وشذ من راى ان شعره وطنى حماسى نضالى خالص .
ونود فى هذا العمل ان ننطلق من مظنة تصوره الجوهرى لنصوع موقفا اخر من تجربة الشابى الشعرية .
عرف شارل نودييه الرومانتيكية فقابل بين اتصالها بالمجتمع واتصال الكلاسيكية وراى انها تسعى الى بناء مجتمع جديد اذ فى تيارها تعبير عنه واضح ، ولم تكن الكلاسيكية سوى صورة للمجتمع الراهن (62) .
واستنتج غنيمى هلال فى هذا السياق نتيجة خطيرة ادرك من ورائها ان الادب الرومانتيكى (( صورة صادقة للاتجاهات الثورية والوطنية )) (63) . ولا ضير ان يؤكد ان هذه المدرسة اتاحت فى أوربا للانسان الاوربى الحصول على حقوقه (( اذ مهدت للثورات وعاصرتها )) (64).
ليست الرومنتيكية حينئذ عند المؤمنين بها تحليقا فوق أرض البشر وعروجا الى سماء القيم السرمدية،فقد تبدو كذلك وما هى بعزيزة على ابطان جوهر فعال يساوق مفاهيمها ويناغم اهدافها . لم يكن هذا التيار ممارسة ثورية صاخبة،ولكنه لم يعدم المساهمة فى دعم الثورات او فى التمهيد لها . وليس العالم الطبيعى ذو الجمال والفن والسمو سوى نموذج تحذو حذوه وتريد به ان تمحض الواقع البشرى المرير . ولم يخف على الناقدين الفرنسيين دور جون جاك روسو فى الاعداد الفكرى للثورة الفرنسية حتى ذهب بيار لاسار الى ان الرومانتيكية هى روسو ، وروسو هو عنصر من العناصر البارزة للثورة (65) ، ولا تثريب هنا ان نذكر بدور مدام دى ستال وقد صاغت الشعر الذى يحيا فيه الماضى الوطنى ، وبدور لامرتين وهو الرومنتيكى الملتزم السياسى واحد دعامات الثورة الفرنسية . وشان فيكتور هيقو لا يقل عنهما فى بناء صرح المجتمع الثورى وفى المناداة بالادب الثورى كذلك . فليست الرومانتيكية كفرا بالمجتمع، بل هى نداء الى استبدال ادرانه بالقيم الفطرية ، هى تاصيل للانسان فى انسانيته الظاهرة . فى المستوى البشرى ، والوطنية هي اعلان الثورة ، ثورة المفاهيم والقيم ، فى المستوى الاقليمى . فالوطنية الرومنتيكية هى بناء عالم السمو فى واقع البشر ، وهى استدراج الشعب الى معانقة الجمال والفن والحب فان تم ، يسر الانعتاق من قيود الظلم والاستعمار او التخلف والحيف هى الثورة الفكرية الممهدة للثورة المادية ، السياسية والاجتماعية . ولنا فى روسو والثورة الفرنسية خير دليل . وفى وجه من الوجوه نقر ان للشابى ،بالنسبة الى الحركة الوطنية التونسية ، دورا مشابها لدور روسو ، ولا فكاك للزعماء السياسيين من نموذج فكرى ينضاف الى روح الثورة عندهم والى عقلانية العمل النضالى . وليس ضروريا ان يتضح ذلك الدور . وضوحا تاما ، فهو داخل فى مستوى اللاوعى ، وهو منصهر فى اللقاح الذى يتبلور بين الزعيم السياسى ومحيطه الشعبى والفكرى الثقافى . ولم يخطىء طه حسين حين اعتبر تفكير اخوان الصفا تمهيدا للثورة السياسية وراى انهم ارادوا ان يقلبوا نظام الحكم بقلب نظام العقل (67) . وما حرص الشابى على وصف عالم الجمال والفن الا بناء لنظام ذهنى جديد وتشييد لمتصورات طريقة تقابل الراهن والمرتسخ فى حياة
الشعب اليومية . فشعره دعوة الى تحرير النفس البشرية جوهريا ونداء لمعانقة القيم الانسانية الطبيعية ، تلك هى القيم الاصيلة فى نظره ، وفيها نجد وجها من وجوه قصة الانسان التونسى زمن الاستعمار (68) . فقد وجد التونسى المستكين ، ووجد التونسى المناضل بفكره وبساعده ، ووجد التونسى الطامح الى بعث الحياة الحقيقية كما يتصورها هو فى الشعب ، والشابى حر فى ان يتصور هذا البعث ، وعلى ان حركته لم تكن اعتباطية بقدر ما خضعت لارضية فكرية رومنتيكية امتزجت بكبريائه العتية وقدت مناسبة لنفسية متالمة حساسة ولمكونات شخصية تفاعلت مع محيطها على نحو مغاير لكل ادباء مجتمعها . وقد اشرنا ان هذا النمط من التفكير يكون عادة قادحا للثورات ولعل شعر الشابى بما يحمله من مفهوم وطنية مخصوص عنصر من العناصر الفكرية المركبة التى مهدت مع العناصر الموضوعية المادية الاخرى للنضال التونسى الفعلى . وبذلك يصبح الشابى مرحلة حاسمة فى الفكر التونسى الحديث ولا يستمد قيمته البتة (( لعدم وجود ذكر لشعراء تونس فى الشرق العربى . . ولو نخلنا ديوانه لما وقف على قدميه مع اى شاعر من شعراء الدرجة الثانية فى البلاد العربية كالعراق وسوريا ومصر )) . . ( 69 ) وهو رأى ينبنى على الارتجال وجهل بالابعاد العميقة التى تحملها أغانى الحياة وهى لعمرى أثرى ، على صغر سن صاحبها ، من شعر الزهاوى أو مهدى الجواهرى أو عبد المحسن الكاظمى على طول تحريتهم الشعرية وتمتعهم بعمر طويل . بل تتمثل القيمة الحقيقية لهذا الشاعر فى فذاذة معانيه الشعرية وفى خصائص معاناته الاجتماعية وفى مياسم حساسيته ومرارة مرضه ، هى فذاذة تبلورت فى اغاني الحياة فى شكل مغازلة لنمط حياة بشرية فطرية تداخلت فيها الرومانتيكية بالوطنية وزعمنا انها نموذج حى ، قادح للنضال السياسى والاجتماعى هى فذاذة اترعت ـــ لا محالة ـــ بفردية عميقة ولكنها لم تكن شاذة اذ آمن جيل الشابى بالزعامة الفردية وبانتشال (( الكثرة )) او (( العدد )) او (( السواد الاعظم )) برسالة الفرد المتميز . ذلك منطق جيل ولى وقد كانت له مبررات تفهم فى ضوء نسيجها الداخلى ومنه تستمد مصداقيتها وان كنا ، فى التصور نكفر بالتميز الفردى ونؤمن بنجاعة المجموعة.

