الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

التداخل الدلالي بين الرومنتيكية والوطنية، فى شعر الشابي

Share

الوجه الاول فى العلاقة يقوم على التماثل بل على الانصهار ، وهو متواتر غالب على وجود الشاعر ، رومنتيكى (27) فى معانيه وفي تصوراته . والوجة الثانى يسرع فيه الشاعر الى الانزواء والتفرغ الى أعماق أعماقه للتآحد ، انه ينشد التجذر فى باطنه لان مدلول الغربية قد طغى عليه وسلم حرية معانقة الطبيعة .

وقد نبالغ ان نعتنا الشابى بالمازوشية اذ لم يتجاوز استعذابه العذاب مدار خياله وصوره الشعرية . ولكنه كان يعى اندفاق " اناه " بالقياس الى عامة الناس وتميز عالمه الباطنى عن عوالم الاخلاط .

كآبة الناس شعلة ، ومتى     مرت ليال خبت مع الامد

اما اكتئابى فوعة سكنت     روحى ، وتبقى بها إلى الابد

وما التآحد الا محاولة الانطواء على الذات بشكل واع متبصر ، وبادراك ارادى معلوم وبلوغ صفوة النفس يعتصرها الشاعر ليبلغ جوهره ويماحك جذوره وفي هذه العملية يتجلى سعى الشابى الى الاضطلاع بادميته والى تحمل مسؤوليه وجوده الخاص بحمل جراب النفس القمىء بثبات رغم العراقيل والاقدار .

ويؤدى النوسان الدائب بين المستوى الثاني والمستوى الثالث الى ظاهر منناقض هو فى حقيقته تكامل يدعم تاصل التجربة البشرية ، ويفضل بنا فى

هذا القسم من العمل الى الالحاح على ان الشابى فى المستويات الثلاثة رومنتيكي وهو ان ابدى احيانا عقوقا ازاء الطبيعة فانه لم يجانب البتة هذا المذهب ولنا ان نلاحظ عرضا ان المستوى الثالث على رومنتيكيته ، نحا نحو الشكل الصوفى فى التعبير - ولم تكن الصوفية غريبة عند الشابى - به عبر عن معاناة صادقة وعن رياضة نفسية اترعت فى الغالب ألما ونشدت قيما روحية خالصة قدت من طموحات الشاعر (28) وازورت عن الحلول او الاتحاد ولم تكن سن الشاعر موضوعيا ولا نمط الحياة الذى عاش يساعدان على الالتزام بالصوفية الدينية فاستعاض عنها بصوفية ادبية رومنتيكية (29) . وليس البحث عن سر الذات حكرا على الصوفية بل ان " غرض الرومانسية الوحيد هو الحقيقة الفردية اى " اسرار طبيعة الكاتب الخاصة " : ان اول واجبات الكاتب هو ان يكون هو نفسه بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، وان " يؤمن بقلبه " . وقد كتب هوغو في سنة 1824 عن ( l'Eloa ) لفينى ، فاقترح المثال الاعلى نفسه :

فلنجرؤ على القول بصوت مرتفع . لا ينهل الشاعر عبقريته . فى الحقيقة ، من ينابيع هيبوكرين ( Hippocrene ) ولا من ينبوع كاستالى ( Castalie ) ولا حتى من ساقية بارميس ( Permesse ) ، بل انه ينهلها بكل بساطة ، من روحه ومن قلبه " (30) وقد استطاع الشابى شاعرا ، بتجربته الاصيلة وحساسيته المتدفقة ان يعبر عن مشاغل الشابى انسانا فخرج عن المدار الضيق الى مدار رحب انسانى .

لئن كان موقف الشابى من المجتمع وكان حضور الطبيعة فى شعره من ابرز عناصر الرومنتيكية عنده ، فان الديوان لم يخل من المظاهر الاساسية الاخرى وقد نالت عند الدارسين نصيبا من الاهتمام والبحث (31) والوقوف عندها فى هذا العمل يسعى الى استنفاذ اغراض الرومنتيكية لاستبصار مواطن التداخل بينها وبين الوطنية .

ففى غرض الحب ، نجد الديوان يتسع الى معالجة الشابى لهذا الجانب العاطفى ، وليست القضية ان نبحث عن صدق تجربة الحب عنده ، بل ان نستطلع الملامح الرومنتيكية فى هذا النمط من الشعر . وقد وجد الشعراء الرومنتيكيون فى الحب مجالا خصبا لافراز حساسيتهم المتدفقة . وقد تلون عند الشابى الوانا متميزة نطقت عن نفس حرى .

يتحول الحب عند الشاعر سرا لوجوده ، يفسر حالاته المتناقضة ويفصح عن انفعالاته المتضاربة ، بل نتساءل عن قيمة هذا المفهوم فى تفكيره إذ يبدو انه اوغل فى نفسه من الطبيعة وارسخ فى باطنه من الانشغال يرفض الحياة الاجتماعية ويعود الحب بالنسبة اليه كائنا حيا يناجيه ويشاكسه ، فكان حياة الشاعر حب ، وكان حبه عالم مخصوص يجد فيه طموحه الحالم ويتغذى به خياله الخصب وترتوى احاسيسه فينشا انسانا جديدا قد خالطت فكره نسمة الوجود الحق وامتزج به رحيق معاني الحياة السرمدية :

ايها الحب انت سر وجودى    وحياتى ، وعزتى وابائى

وليس الحب مطية استقصاء لحقيقة الوجود والنفس ، او تساؤل فى ماهية الحياة ، بل ينقلب الى تعبير عن ضمير الشاعر المكلوم فيرووى قصة شقائه ويحكى نبذة من ترجمة حياته . انه قصة تجربته ومجال معاناته والطريف ان الشابى يلتجئ الى الطبيعة الحزينة لتواسيه فى موت حبه وحرمانه بل يبلغ بالفن مستوى استنطاق الطبيعة وتشخيصها اذ هي الوحيدة قادرة على ادراك فظاعة الحدث .

على ان حب الشابى للمراة قد سما قارتفع عن ادران الواقع واحتضنته الطبيعة وتبنت تجربته السعيدة وبالحب عرف التسامي عن عالم الشهادة الى عالم رومنتيكى لا يدرك كنهه الا عاشق وجد الحب سبيلا لتفحير الامل من باطنه وتمزيق الغيوم المتلبدة حوله .

فتنهــدت ، ثـــم قلــــــت ، وقلـبـــــــى     من يغنيه ؟ من يبيد شجونى ؟

قالت : " الحب " ثم غنت لقلب    قبــــــــــلا عبقريــــــة التلحيـــــن

هى المرأة ، تبعث الرجل وتقده من سحر وجودها ، كائنا ساعيا الى الطهارة ، بل هى امراة لا يتصورها الا رومنتيكى يؤمن بالحب السامى ، ويرى انها سبيل                                          95                          671

الى الطهارة والى القداسة ، وهى الهادية الى جوهر الحياة الاصيل اذا عرفها الشاعر أو رنا اليها احرم وخشع ، واذا سعى اليها انتشى وهزته اريحية الطمانينة الخالدة . ذلك الوجود هو عالم الرومانتيكى العاشق يكشف فيه عن خبايا نفسه وخفايا عاطفته فيفتضح افتضاحا لطيفا صادقا وينعتق به عن الاعراف الجارية وعن الشرائع الموضوعة الى المطلق من القيم والى دنيا الله والقداسة والمعابد الحقيقية حيث العواطف المشبوبة والاحاسيس الملتهبة والنشوة المطهرة .

وتوارى الوجود عنا بما فيه ..         وغبنا في عالم مفتون

ونسينا الحياة ، والموت ، والكون     وما فيه من منى ومنون

لاريب ان الشابى بوأ المراة منزلة الالوهية وقد استطاع بشعره ان يرسم لها وجودا متميزا ضمن واقع اجتماعى لم يكن الرجل فيه مهيأ للتنازل عن عرشه وعن سلطته . لقد نفث الشابى في روح المرأة فاقر انها بناء الحياة الحياة الحقيقية وانها مطية العروج الى القيم البشرية . وفي هدوء الشاعر الحالم دحض تعسف التقاليد وارسى علاقات الحب المذكور آدمية صادقة . وان ناضل الطاهر الحداد في سبيل النهوض بالمراة فى المجتمع فان صرخة الشابى الشاعرية دفعته الى الانفراد والى العزوف عن الصدام وعن مواجهة مجتمع لا يمكن له ان يبادله الشعور . وقد عرف ان لب الطمانينة صلوات في هيكل الحب (32) .

توخى الشابى ، على طريقة الرومنتيكيين ، منهج التعبير عن جلال المرأة ، وشذ بذلك عن وصف جل معاصريه فى تونس (33) أو فى البلاد الشرقية (34) وان لم يعدم محاذاة شعراء المهجر فانه استطاع فى المستوى الفنى ان يخرج عن اساليب التعبير الصريحة او " الملتزمة " بالقضايا الاجتماعية لينفذ الى الهمس والى الاشارة فشيد عالما آخر مناقضا للواقع وصور وجودا جديدا للمرأة فيه دور الخلق الابداع والايحاء . ولعل محور الحب ، وان امتزج هو الاخر بالحزن احيانا ، ادق الاغراض في الديوان للافصاح عن رجاء بعيد يشد الشاعر ويغذى طموحه ويشحذ قريحته سعيا الى تفجير أمل من معدن النفس المستوحشة ويتوازى بذلك فى الديوان عالمان متقابلان . عالم الامل وعالم الياس .

اما العالم الاول وان عزت ماجته : فهو اشراقة الحياة فى نظر الشاعر نتآزر فى دعمها ، عناصر متلاحمة باسمة هى الطبيعة والحب والطفولة وكلها تتجذر فى نفس الشاعر وتناسب وحدته وتملا عالمه الباطنى . وهذه العناصر يختلف حضورها فى الديوان . فان كانت الطبيعة اطارا وكيانا فانها اداة لاستصفاء النفس والعروج بها عن ادران الواقع الاجتماعى ، وان كان الحب اندفاقا لأحاسيس الشاعر العاطفية فانه وسيلة لتجسيم وجود مطلوب يسعى الى ابداعه بالعشق السامى وأما الطفولة فهي ماض سعيد قد عاشه الشاعر وتملى رقته فلها وتمتع . وقد تجسم الطفولة انعكاسا للمستقبل المشرق الذى يرومه الشاعر فتصبح اطار الحب والطبيعة الباسمة .

فالطبيعة والحب قد تجسما الى حين فى الطفولة وذلك حلم مضي ، وهما . رغبة الشاعر لبناء عالم جديد تسوده القيم الفاضلة وهذا حلم آت .

والروح شعلة نور          من فوق كل نظام

لا تنطفي برياح الارها    ق او بالحسام

بل قد يقر لظاها         سيلا ، ويطفى الضرام

كل البلايا ... جميعا      تفنى ويحيا السلام

ان جمال الطبيعة فياض على الدنيا ، متوفر مشتعل . ولكن القضية كامنة فى العين المبصرة غشيتها حجب كثيفة من الزيف فاضحت تنظر الى الطبيعة فى مراة نفسها الضالة ، واجتهاد الشاعر انما هو وصف تلك الطبيعة الخلابة وحث العين الفاترة على استبصار الجمال الحق . ودور الحب فى هذا السياق ان يصور فى الحياة وجها آخر باسما يدعو الى التفاؤل ، هى حياة تكشف للمرء بالمران والرياضة بعيدة عن ضوضاء الواقع وضجيج العلاقات الاجتماعية . ولا تقدر على ابداع هذه الحياة الا المراة .

واما العالم الثانى ، وتصويره اغلب فى الديوان ، فيرسم حياة البؤس والشقاء ويروى تذمر الشاعر من الوجود . والطريف ان الحب ششاهد على تعاسية العيش وكذلك الطبيعة . فهما غذاء الامل فى نفس الشاعر وفي فكره ، وهما وسيلته لرفض الواقع الكريه . وقد اصبح اسلوب الشابى فى هذا الباب من شعره تقريريا ينطق عن تحنط الموجود ويفضل تصلب في نفسه هو عنوان التجربة الاصيلة والموقف الصارم .                                       97                       673

صاح ان الحياة انشوده الحز      ن ، فرتل على الحياة نحيبي

ان كاس الحياة منرعة بالدمع ،   فاسكب على الصباح حبيبى

ان وادى الظلام بطفح بالهو     ل ، فما ابعد ابتسام القلوب !

لا يغرنك ابتسام بنى الار        ض فخلف الشعاع لذع اللهيب

انت تدرى ان الحياة قطو         ب وخطوب، فما حياة القطوب ؟

وتنقلب الحياة فى نظر الشاعر الى كائن شرس يحطم النجباء ، هدفه ، كما سلف للمعرى التعبير عن ذلك ، اغراء البشر وافسادهم .

يبدو تشاؤم الشاعر في هذا السياق خاضعا لحرمان معنوى يدل على خلل فى العلاقة بينه من ناحية وبين الكائنات والوجود عامة من ناحية ثانية . لقد انفصلت كل صلة بينه وبين الانسان و " الانسان الذى تعب يسعى الى ان يلتجىء الى الطبيعة " (35) وقد استطاع الشابى ان يقنع ان هروبه موضوعى بناء على الاسس الفكرية التى اختار فآل امره الى محاججة رغب من خلالها فى الطبيعة عن الحياة .

بقى شعر الشابى في الديوان كله يتردد بين عالم الياس او عالم الواقع الذى رفض ، وعالم الامل أو عالم الاحلام الذى تبنى . ولا يزيد التردد الا فى الاقناع بانه رومنتيكى نهل من هذا المذهب قيمه ونشد من خلاله الالتحام مع المثل السرمدية فاذا حقل التعبير الدلالى الرومنتيكى فى شعره يتسع الى محاور رئيسية هى نبذ الحياة الاجتماعية الفاسدة والحرص على الطبيعة معدن الطهارة والتعلق بالحب نافورة المعانى المقدسة والاحلام والجمال والفن . وفى صلب هذا الحقل الدلالى موقف من الحياة مزدوج ، هو رفض للباطل فيها وللزائف من مظاهرها بناء على الارضية الرومنتيكية وقد اضحت عنده مقياسا اليه يقيس كل القضايا التى يعالج ، وهو تلذذ بالخير فيها وبالحق وبالجمال . ولم يكن الشابى معلقا بين هذين القطبين بقدر ما كان واضحا فى الايمان بالعالم المقدس وكافرا بالعالم الدنئ . واذا أقمنا علاقة جدلية بين القطبين ندرك بيسر ان رومنتيكية الشابى تستمد جذورها سلبا أو ايجابا من الواقع التاريخى والسياسى والاجتماعى فى عصره (36) . فقد اراد ان يستعيض عن واقع فعلى مهيض بواقع

جديد تدب فيه نسمة الحياة بناء على قيم سرمدية تنحت جوهرها من الجمال والفن والطهارة .

اشترك في نشرتنا البريدية