الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

التداخل اللغوى فى أدب البشير خريف

Share

احدثكم عن التداخل اللغوي في ادب البشير خريف القصصى . والحقيقة ان الجانب اللغوي في هذا الادب ليس هو الجانب الذي انصب عليه اهتمام اديبنا وليس هو الجانب الذي يمثل ، اكثر من غيره الروايات الثلاث والقصص القصيرة الخمس التى نشرها بين سنتى 1958 و 1971 ، ذلك ان هذا الادب الروائى والقصصي الغزير نسبيا ، يكتسب قيمته وطرافته وجديته من عوامل عديدة منها الى جانب اللغة هذه القدرة الكبيرة عند كاتبنا على ادراج الفن الروائى والقصصي في تونس ضمن تيار متأصل الجذور ضارب في تاريخ الرواية العربية ، وهذه القدرة على استيعاب الزمان في حاضره وماضيه القريب والبعد ، وعلى استبعاب المعاني والسيطرة على الاحداث والهيمنة القويه على اشخاص الروايات والقصص وعلى عواطفهم واحلامهم ومشاغلهم ، وهو ما جعل هذا الادب يزخر بعوالم حية تدفع القارئ ان يدخلها ويعيشها ويتامل فيها.

على ان الجانب اللغوى ، والحق يقال ، هو الذي طغى ، او كاد ، على اغلب المباشرات النقدية والقراءات الانطباعية لدى قراء ادب البشير خريف منذ ان نشرت " افلاس " او حبك دربانى في مجلة الفكر بين سنتى 1958 و 1959 والى يومنا هذا ، فاهملت جوانب كثيرة منه اشرنا الى بعضها ، وهى جوانب محببة إلى اديبنا وتحتاج إلى مزيد التعمق فيها وابرازها اذ هى جوهر ومركز الثقل فيه ولهذا الاهتمام الكبير بالجانب اللغوي في ادب البشير خريف على حساب جوانبه الاخرى ، اسباب عديدة اهمها ، فى راينا ما يلى :

1) ان علاقة اللغة بالكتاب الادبيلة احدى القضايا الاساسية فى النقد الادبي وقد رأي بعضهم ازمة الكتابة العربية هي ازمة لغة .

2) ان الانتاج الادبي في تونس خاصة وفي الوطن العربي عامة موظف توظيفا تربويا اساسيا اى ان قراءه هم المتعلمون فى الدرجة الاولى . وهم يقرؤونه لاهداف تجعل "البرامج الرسمية " تعلم اللغة العربية الفصيحة ، فى مقدمتها ومن هنا كان مقياس جودة الانتاج الادبي فى رأى هؤلاء وفي نظر اولياء امرهم من المربين ما سمى بــ : سلامة اللغة

3) ان تونس تعيش وضعا لغويا شائكا تتصف اللغة العربية فيه ، كما هو معلوم بالثنائية diglossie وما يترتب عنها من تحمس للعامية او اعداء

لها . وقد كان ادب البشير خريف فرصة للتعبير عن هذه المواقف التى تنقلب احيانا الى مهاترات .

4) انه اذا كان تطعيم معجم الفصحى ، من حين لاخر ، بمعجم العامية اصبح معروفا عند كثير من الادباء فى كل الاقطار العربية فانه لم يصل الى الحد الذى وصله البشير خريف فى ادبه الروائى والقصصى

5) يضاف الى ما سبق ما يمكن ان نسميه بالكسل الذهنى وهو البحث فى الانتاج الادبي عن جوانب تتخذ تعلات تضخم ، قصدا او عن غير قصد ، لتبرير الانصراف عن مطالعته .

وذلك هو الحال بالنسبة الى ادب البشير خريف الذي كثيرا ما خاض الناس فى لغته من غير ان يكلفوا انفسهم عناء الغوص فيه . لكن ما هى هذه الظاهرة اللغوية التى لفتت انتباه كثير من النقاد والقراء من ادب البشير خريف وركزت عليه كل هذا الاهتمام ؟

ان هذه الظاهرة اللغوية هي التى يعبر عنها هؤلاء النقاد والقراء باستعمال العامية وما نسميه نحن بالتداخل اللغوي بين الفصيحة والعامية .

ان الجانب اللغوي في ادب البشير خريف المتمثل خاصة في استعمال العامية جانب مهم وان لم يكن الجانب الوحيد ولا الاهم كما اشرنا . وهو جانب لا يمكن فصله عن جوانبه المتعلقة بمضامينه واشكاله الفنية ، بل ان الاقتصار عليه واعطاءه اكثر مما يستحق هو استنقاص لهذا الادب وجحد لقيمته . ولعل ما كنا نعبر عنه هو الذي كان يجول بخاطر "ابي الوليد" قد كتبها الاستاذ

الصادق مازيغ ، حين كتب وأحى النقاش الذى احتد سنتى 1958 و 1959 حول لغة اديبنا ، في مقال المنشور بالعدد 9 من السنة السادسة 1961 بمجلة الفكر  بعنوان خواطر اثارتها قصة " افلاس " للبشير خريف : " الادب فيما اعتقد ، وحدة لا تتجزأ مهما اختلفت وسائل الاداء وطرائق الاخراج فنحن اذن لم نطرق لحد الآن البيت من بابه ، وما تناولنا قط المشكلة من وجهها الصحيح . نعم، ان الادب الحق ، وروايات البشير خريف وقصصه منه ، وحدة لا تتجزأ . لذلك فان دراستنا لما فيه من تداخل بين العامية والفصيحة لن تكون دراسه معيارية او تقعيدية اى لن تكون لاصدار احكام تقييمية وانما سنقتصر على الوصف، ذلك ان ادب البشر خريف هو فى رأينا ادب جيد ومصدر جودته مجمل عناصره المركبة له ، ولا يمكن ان ينظر اليه الا باعتباره ادبا ولا يمكن تقييمه الا بمقاييس ادبية فنية لا بمقاييس خارجة عن الأدب ومنها المقاييس اللغويه . وهو على كل حال من النوع الذى تنطبق عليه العبارة العامية " هز والا خلى ".

يعرف التداخل اللغوي بانه انتقال عناصر صوتية او حرفية او معجمية او تركيبية من لغة اولى إلى اخرى ثانية فى الاستعمال الشفوى او الكتابي لهذه اللغة الثانية . وبناء على هذا التعريف فان ما نعنيه بالتداخل اللغوي عند البشير خريف ليس استعماله اللغة العامية استعمالا تاما وانما هو ما يظهر في كتاباته الادبية من عناصر لغوية تختص بها العامية دون الفصيحة . وهذا يعنى اننا لن نهتم بلغة الحوار التى هى فى كل ما نشر اديبنا باللغة العامية الخالصة بما فى ذلك قصته القصيرة " محفظة السمار " المنشورة فى " مشموم الفل "  والتي ترجم فيها الجوار العامي الى العربية الفصيحة لكن فى الهامش ، وفي ذلك موقف واضح من لغة الحوار عامة يكشف عنه التعليق الذي جاء فى هامش الصفحة 69 من المجموعة والذي جاء فيه " اطلعت على ما دار بالمائدة المستديرة خلال شهر فيفري 1970 بنادى ابي القاسم الشابى حول موضوع الانتاج الادبى وسلامة اللغة" وبعد الفراغ من هذه القصة ، فتلافيت ما امكن بالهامش والعذر عند كرام القوم مقبول". وكذلك التعليق الموجز الذي جاء فى هامش الصفحة الموالية وهو قوله : الطيور تتكلم الفصحى.

اننا سنقتصر اذن على دراسة التداخل اللغوي فى السرد القصصى دون الحوار الذى هو كله بالعامية .

وان غايتنا من هذه المساهمة فى هذه الندوة هي ان نبين انواع العناصر اللغوية العامية التى دخلت لغته الفصيحة ومدى استعماله لها وعلاقة هذه

العناصر اللغوية ، وخاصة المعجمية منها ، بمواضيع المضمون الروائى والقصص وسنحاول في حديثنا هذا ان نصف هذا التداخل وان نعلله بالرجوع الى مبرراته اللغوية اولا الى بعض بينات الكاتب (اى تصريحاته) ثانيا . على انه لا يفوتنا الى ان نشير الى مشكلة منهجية اساسية وهي التعريف بين ما هو عامى وما هو فصيح وذلك فى الالفاظ والعبارات والنظام اللغوي (اى الصرف والتركيب ) .

والمعلوم ان العرب اليوم يرى بعضهم ان العامية لغة بذاتها مستقلة عن الفصحى فى حين يرى اخرون انها شكل من اشكال اللغة الفصيحة وموقفنا من هذا وباختصار ، هو ان العامية بالنسبة الى المتعلمين ومنهم البشير خريف ، امتداد للعربية الفصيحة وليست لغة مستقلة وخاصة من حيث المعجم ومستوى من مستويات العربية الشاملة .

اما التعريف بين ما هو عامي وما هو فصيح فهو ممكن نظريا لكن صعب عمليا اذ يحتاج الى وصف دقيق للمستويات اللغوية لتمييز بعضها عن بعض وهو ما لم يتم الى حد الآن . لذلك فان مقياسنا فى هذا الباب لا يمكن ان يكون الا شعوريا فى الدرجة الاولى اى بالرجوع الى الرصيد اللغوي الذي اكتسبناه بممارسة العامية شفويا وبدراستنا للفصيحة المكتوبة .

بعد هذا اقول ان الملاحظات التى سنتوصل اليها تنطبق على كل انتاج البشير خريف المنشور وان كنا سنقتصر في تقديم امثلتنا على رواية " الدقلة فى عراجينها" التى تمثل من حيث الحجم ، اكثر من نصف هذا الانتاج.

اشرنا إلى ان الانطباع الحاصل لدى اغلب قراء ادب البشير خريف هو ان مكانة العامية فيه كبيرة لا في الحوار فقط ، الذى هو كله مكتوب بالعامية، وانما فى السرد القصص ايضا.

وهذا الانطباع صحيح وان كان الكاتب ينفي ان تكون كتاباته عامية لانه يرى ان كلام الناس اى ما نسميه عامية هو العربية الحقيقية وان ما يسمى "فصحى" هو لغة مخترعة حسب تعبيره فى مقالة المشهور "خطر الفصحى على العربية" المنشور فى العدد 10 من السنة 4 جويلية 59 من مجلة الفكر وهو يعتقد

لو قام امرؤ القيس واستمع الى كلام الناس تم قرئت عليه الكتب العصرية والجرائد لفهم كلام الناس بايسر مما يفهم "الفصحى" .

والعربية العامية التى اثرت في عربية البشير خريف " الفصيحة " فى نطاق السرد القصصي فنشأ بينهما التداخل الذى نعنيه تتمثل عناصرها الداخلية فى جوانب اللغة كلها وهي الاصوات والمعجم ( الالفاظ ) والصرف والتركيب (النحو) والدلالة.

فاذا ما قرانا ادب البشير خريف لاحظنا بسرعة ان الفاظا كثيرة فى السرد القصصى هى الفاظ دخيلة من مستوى العربية الحديثة ومن اللغات الاجنبية وخاصة من الفرنسية والايطالية لكن بعد مرورها بالعامية والفاظا اخرى هى الفاظ عربية قديمة اى مهجورة فى الاستعمال الحديث للعربية الفصيحة وان كان بعضها مازال حيا فى الاستعمال اللغوي عند اهل الجريد.

وهذه الملاحظة الاولى تنطبق على كل ما كتب البشير خريف لكن بنسب متفاوتة تختلف باختلاف المواضيع المطروقة ، فهذه الالفاظ الدخيلة سواء من العامية او من اللغات الاجنبية مرورا بالعامية او من القاموس الجامد او المهجور تكثر فى الدقلة فى عراجينها وتقل فى مقاطع كثيرة من برق الليل وتنعدم او  تكاد فى " المروض والنور " مثلا .

نبدأ اذن بالالفاظ ثم ننتقل الى النظام اللغوي في عنصرين اساسيين منه هما الصرف والنحو.

فى الدقلة فى عراجينها "وهى مجال التطبيق فى كلمتنا ، هذه كما ذكرت ، نلاحظ تاثير معجم العربية العامية فى معجم العربية الفصيحة تاثير كبيرا . وهذه العربية العامية يرى الكاتب انها اللغة التى يجب ان نكتبها كما نتكلمها وانها " ما هي الا لغة عربية تماما كالفصحى " والألفاظ الدخيلة من العامية في الدقلة فى عراجينها يمكن تقسيمها الى اسماء وافعال . ومن المعروف لغويا ان كل عناصر اللغة (اصوات وصرف ونحو دلالة) قابلة للافتراض لكن من الثابت ايضا ان العناصر المعجمية اى الالفاظ تفترض اكثر من النحو والصرف بكثير ، اذ تكون المفردات في كل لغة نظاما منفتحا فى حين يكون الصرف والنحو نظاما منغلقا .

وفى خصوص الدقلة في عراجينها "فان ما نلاحظه هو ان الدخيل فى الالفاظ تفوق الاسماء فيه الافعال بكثير . فبالنسبة الى الاسماء التى هى كثيرة  حاولنا أن نصنفها حسب ميادينها الدلالية أو المفهومية فوجدنا انها تتعلق  بميادين رئيسية ثلاثة هى :

1) الحياة المنزلية او الخاصة 2) الحياة الاجتماعية 3) الحياة المدنية

وفى خصوص الميدان الاول ، وهو الحياة المنزلية او الخاصة لاحظنا ان الفاظه  تنقسم بدورها إلى ميادين فرعية هى الماكل والملبس ومواضيع المنزل والادوات  المنزلية المختلفة .

وهذه الاسماء الدخلية منها ما هو شائع الاستعمال فى كامل البلاد التونسية وخاصة لدى سكان العاصمة والمدن الكبرى فهى من العامية المشتركه ومنها ما هو خاص بالجنوب التونسي عامة والجريد خاصة وان كان التفريق بين هذين النوعين لا يخلو من صعوبة .

فمن اسماء المأكل وحدنا ما لا يقل عن 10 اسماء من العامية المشتركه (منها التنوة وقرن (خبر) وعصبانة  الخ ...) وما لا يقل عن 10 اسماء قد تكون خاصة  بالجريد (العيش الدهان ، الوزوازة (ش) 82 الشخشوخة ، الشراميط) . ومن اسماء الملابس وجدنا ما لا يقل عن 20 اسما من العامية المشتركة (بلغة برنوس مرايات ، سورية الخ ..) وما لا يقل عن 6 قد تكون خاصة بالجريد (بخنوق، الخرويطة ، عبون .. ) وهي اسماء تخص الباس المراه اساسا ..

اشترك في نشرتنا البريدية