الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

التدريس فن،

Share

ما هو الفن ومن هو الفنان ؛ الجواب عسير اذا وجب تدقيق المعاني ، ويسير عند الاكتفاء بالاجماليات . ليس كل من ينقش الحجر نحاتا ، ولا كل من يعجن الطين خزافا ، ولا كل من يحبس وترا مطربا ، ولا كل من يسلسل القوافى شاعرا ...

الفنان يعشق فنه ولا يولع بسواه ، ويتملك النفوس ويثير بها حركات عديدة : فيضحكنا متى يشاء ويبكينا ، ويجعلنا نرقص على مقاعدنا من حيث لا نشعر ، وخمد اعصابنا تارة ويوترها تارة اخرى ويتركنا معجبين بما خلفه وختمه بطابعه الخاص .

اذكر اني زرت كنيسة " هو تكمب " الكائنة في ضواحي " أكس ليبان " بفرنسا ، فوقفت امام تمثال الملكة " مارى كريستين " جالسة على كرسى الملك . وعلى يمينها سائل جاث على ركبتيه ويتلقى منها قطعة نقود ويقبل يدها الكريمة ، وعلى يسارها طالب بيده كتاب مفتوح ومكثت امام هذا الهيكل البديع ، معجبا اقصى الاعجاب بدقته ورقة اجزائه . وما شبعت من التأمل فى هذا التمثال الفذ ، وما كنت اتصوره من جماد راكد بل كنت اراه حيا ومن دم ولحم . فالملكة حية فى جلوسها الملكى على العرش ، وحية فى التفاتها الى الطالب كأنها تحادثه وتحثه على اتقان دراسته ، وحية فى مد يدها الى السائل مع شىء من العطف او لحنان - وكسوتها تخيل اليك من نسج مختلفة الاجناس والاشكال فتجزم ان وشاحها المتماوج من حرير ، وان قفازها مزرود بالابرة ، وان المسندة التى تحت رجليها من مخمل حريري حقيقي وترى قطعة النقود كأنها مسكوكة من معدن وبها خاتم الدولة وتاريخ السك ، وترى الرقعة المخاطة على خرقة السائل بخيط خشن ، وترى حلقات النسج في جوربي الطالب... وترى... وترى ما يعجبك ويدهشك ! وهذا الهيكل كله اخرج ازميل النحات من قطعة واحدة من الرخام بكل ما فيه من اجزاء ودقائق ، بعد ثمانية اعوام متوالية من العمل والعناء ! قدر الفنان على بعث الحياة المتحركة الناطقة

فى الجماد الساكن الصامت ، وجعلك تقف امام خلقه منذهلا ، ناسيا اوقاتك ، متأسفا على مبارحتك للمكان بعد الزيارة .

الفنان حي لا يموت ولانشائه قيمة خالدة عند اهل الذوق السليم في كل فئة وفى كل عصر . أما باعة " الفن " فهم الذين يتخذون " فنهم " كتجارة تضمن لهم الارباح الباهضة بدون تعب ولا عناء . ولهم مهارة في استغلال بلاهة معاصريهم وسخفهم وفي خلق الاذواق الزائفة الزائلة وفي تزيين منتوجاتهم حسب هذه الميول الكاذبة . فتراهم يستوردون انهارا من الاموال وهم بتملقون ويسخرون ... حتى ياتي الدهر على هذا الذوق المزور فيمسح انشاءهم الميت والعاجز عن تحريك اى ساكن من النفوس السليمة .

المعلم الفنان : ليست نفس الطفل من خشب تنقشه يد النقاش ولا من طين تعجنه يد الخزاف ولا من رخام تنقره يد النحات وليست نسيجا ولا ورفا للتصوير ولا اسطوانة لتسجيل القصص والاغاني . . لا ، ليست نفس الطفل شيئا من تلك الجوامد الخاضعة لارادة اى صانع بل هى حية ولها ذاتها واذواقها وميولها ولها صلابتها ومطاوعتها ولها من الرقة والنعومة واللطاقة ما يضيق على المربي عند لمسها والعمل فيها ولها من الخشونة الطبيعية ما يفسح له مجالا مديداقي تكوينها وتكميلها

المدرس الفنان معلم مثقف ومرب معا ، ويترك في نفس الطفل وفي فكره أثرا عميقا دائما . المعلم الفنان هو الذي يتملك عقل الطفل فينقيه من دنسه الطبيعي او المصطنع ثم يرصعه بالمعارف كما يرصع الصائغ الحلى بالاحجار الكريمة فيرتبها ترتبا محكما حتى تبقى راسخة فى الذهن طاهرة من التوافه والسفاسف جلية تتلالا فى سماء الحافظة على طول الزمان . والمعلم الفنان يميز بين مختلف الاصناف من تلاميذه ولا يلقي نفس الدرس بنفس الطريقة في كل قسم وفي كل سنة وتراه حريصا على تدعيم أساس البناء وعلى اثبات المراحل المقطوعة قبل الانتقال إلى مراحل جديدة . المعلم الفنان لا يرتاح له بال مادام يشعر بنقص وبخلل في معارف تلاميذه وما دام لا يرى على وجوههم وفي اعينهم تلك العلائم المبشرة بالفهم الجيد والوعي الدقيق فتراه يرجع بهم كلما اقتضت الحاجة الى درس الأمس ودرس الاسبوع الفارط او الشهر الفارط ... حتى يصل بين المسائل ويسلسلها ويقوى ما ضعف منها ويجدد ما تلف منها . المعلم الفنان يكره الكسل والكسول لكنه لا يرضي الغاء اى تلميذ من تلاميذه لانه يعلم ان الكسل ينشا غالبا عن عدم

الفهم او قلته وعن عدم التشوق الى المعرفة فتراه يكدح ويعانى ما يعانى حتى يفتح الافكار ويثير فيها حب اختطاف المعرفة عن تعطش ولهف ... واذا فشلت مساعيه مرة اولى فهو لا يدركه الياس بل يجدد عزيمته ويغير الطريقة حتى ياتى على عدويه : الكسل وعدم الاكتراث ، وما اقصر درس المعلم الفنان وألذه للنفوس ! وما أطول درس المعلم "النعاس" وما أثقله على الرؤوس!

المثقف الفنان : لا يكتفي المدرس الفنان باكساب المعارف اذ ليست المعرفة غاية فى ذاتها وانما هي وسيلة من وسائل التكوين الفكرى والتثقيف .

المثقف الفنان هو الذى يمرن تلاميذه على تطبيق معارفهم واحسان التصرف فيها ، فتراه يختار النصوص عن حكمة ودراية ويدرج الصعوبات ويثير فى الطفل شغفا الى حلها ولذة فى تذليلها وتراه ينظم المباريات والمسابقات حتى ينمو ويتحقق الطموح السليم الى الرتب العليا فى القسم ثم الى المناصب العالية فى المجتمع . وتراه حريصا على ربط تدريسه بالواقع المحيط بتلاميذه . المدرسة عند جل التلامذة عالم منعزل عن بقية الدنيا له كلامه ومصطلحاته وخرافاته . فاذا درس احدهم اطوار القمر فى المدرسة فكر فى صور توجد على كتابه وفى فقرة من درسه لا علاقة لها بما يراه فى السماء من منزله او من الشارع . فاذا ساله احد من ذويه او من اقرانه عن اشكال الهلال وتطوراته اجاب واصاب اما اذا ساله استاذه او ممتحنه عن اطوار القمر كرر ما حفظه من الدرس وزاد عليه شيئا من دروس اخرى ومن فنون اخرى فأتاك بخلط بديع من هلال محدودب وعدسة مفرقة وشهر قمري طوله يوم او عام ...

واذا سالته خارج المدرسة عن محرك سيارته وصفه لك بدقة واتاك بكل مـميزاته . اما اذا سئل عن المحرك التفرقعي فى القسم او اثناء الامتحان اجاب بـما يجعلك حائرا فى امرك متسائلا هل اصابه مس من الجنون ام هل هو ساخر بعقلك

هذا الفصل المريع بين المدرسة والخارج ناشىء غالبا عن عدم اهتمام المدرسين بربط مواضيعهم بالواقع - يجب ان يشعر التلميذ في كل حين بالاتصال المسترسل بين النظريات والواقعيات . اما اذا تجاهلنا اهمية هذا الاتصال واهملناه ، ابتعدنا عن غايتنا الاساسية وهى تثقيف الاطفال ، وانغمسنا في بحور الخيال وفى عالم الهذيان والخبط - المثقف الفنان لا " يترفع " عن الواقعيات حتى

ينساها ويضيع ، بل يرجع بك اليها كلما ابتعدت عنا - فهو يحدثك عن غزوات طارق بن زياد ، وعن واو العطف وواو المعية ، وعن فرائض الطهارة ، وتوازي الخطوط ، وتكليس الحجر ، ومنتوجات الهند ، وطاعة الوالدين ، واختزال الكسور ، وصفات الله ، وانعكاس النور ، واللذة والالم ..... يحدثك عن كل هذه المسائل ولا ينسى انها نتائج بحوث انسانية درسها الانسان ترضية لرغباته وقضاء لحاجاته وهى مرتبطة به وبحياته وبالوسط الذى يعيش فيه ويتحرك .

ومن لم يربط درسه بالواقع لا يجذب بال مستمعيه ، بل يبقى منفصلا عنهم ، متجولا فى عالم لا يخالونه الا معقدا ، ولا يرون فيه الا الطرق الشائكة المعوجة . اما المثقف فهو يضئ المسائل الغامضة بمصباح الواقع ، ويكسو المعنويات ثوبا واقعا يصيرها حية ترى وتلمس ، واذا اقتضت الحاجة فهو يجردها بعد ذلك من لباسها المصطنع ويظهر وجهها الحقيقى

المربـي الفنان

ليس المربى من يكتفى بالنهى عن المنكر والامر بالمعروف ، واذا اقتصرت يا حضرة المدرس على تلقين التلامذة بعض القواعد الاخلاقية ، وجدت امامك حثثا بلا روح ، تسمع منك ولا تعي ، بل تكاد تسمع اعينهم تقول : "حديثك يا هذا كالنافخات زمرا"، المربى هو من ينظر الى النفوس الخام التى عليه صقلها ، كما نظر النجات الى رخامه والخزاف الى طينه ، فيتصور طريقة مسكها والتملك بها والعمل فيها ، وتصور نتيجة الخلق قبل ان يخلق ، ويولع بتمشى عمله نحو الهدف ، كما يولع الموسيقي بولادة القطعة التى يبتكرها . . .

مهمة المربى من اجل المهمات القومية والانسانية إذ عليه تكوين شباب حي ومتحرك وواع لرسالته ، لا متقاعس حتى يضعف ايمانه ويخمد ، ولا محموم بالتحزب الاعمى حتى يلقي بنفسه وبأمته الى التهلكة !

كنت اعيش كسائر اطفال عصرى بين المنزل و" الكتاب" اخاف الله وفرنسا وبطش الوالدين ، و" أحمل" القرءان كحمار يحمل اسفارا ، واومن بـخرافات العجائز ، وأطأطيء الرأس امام كل قوة وكل قوى ، عاملا بالقاعدة المعهودة اذاك : الكف لا يعاند المخرز" ! ثم أتى يوم ترسيمى بالمدرسة العربية الفرنسية ، فوجدت هناك معلما للعربية اختطف نفسى وتملكها من الساعة الاولى .

تصور ايها القارىء شعلة من الحياة والذكاء والحماس ، منصبة فى ذات جميلة

يلمع نظافة وطهرا ونورا ! وتصور ما كان امامه من اطفال ذلك العصر المنحط ، سنهم كبير وجبنهم اكبر ، وادمغتهم مشحونة بالعقائد الزائفة وبقصص " الحريفيشى" .... وهدفهم الاسمى الاحراز على " السرتفيكة " المنجية من " العسكر " ! فوثب ذلك المربى الفنان على انفسنا ورجها رجا ، وصقلها " بحكاكة الحلفاء " التي بقيت بالقسم مع قطعة الصابون طيلة السنة ، مخيفة ، منذرة كأنها تقول : أنا لمن لا يلح على امه كل صباح فى تنظيفه قبل الذهاب الى المدرسة ! وبعث في ارواحنا الوعي بقيمنا الانسانية ، وعلمنا حب البلاد والاخلاص الى الوطن ، وعلمنا حب اللغة والاعتناء بها ، وعلمنا حب الصدق والعفة وكرامة النفس - فكنا كل صباح نحيي " أمنا " اللغة العربية التى كانت فى صورة امرأة أعرابية جميلة توجه سبابتها اليمنى الى صدرها كأنها تنطق بما كتب تحتها : " أنا لكم اللغة العربية " - ومن الذكريات التى تضحكني اليوم وكانت تؤلمنى وتخجلنى اذاك ، واقعة حدثت بالقسم عند زيارة المفقد الفرنسي لمعلمنا مسيو فاسكتى . ولا ادرى لماذا حيانا السيد المففد بقبعته عندما بارح القسم ، ولا ادرى لماذا مسكت " شاشيتى " بيدي لارد عليه سلامه ، ولا ادرى لماذا اتبعني فى ذلك اقرانى بالقسم ! لكنى اذكر كيف مدحني مسيو فاسكتي ، وكيف دخل علينا ابونا الروحى بعده ، وكيف أنبنا وأبكتنا وهويزمئر كالاسد الغاضب واذكر ما تجرعته من آلام عندما تساقطت على رأسى قنابل "العزارة" وعندما ردد القسم كله ورددت معه اغنية كانت شنيعة على خاصة : " اليوم بإيعنا بيشوا شيئا وبدا بنا الفانى ! " كنت انظر الى الارض واتوسل اليها ان تنشق وتبتلعني لا فرارا من العار فحسب ، وانما فرارا من نظره القانط ، وخوفا من فقد تقديره الى وعطفه علي !

ما لبثت تلميذه الا عاما واحدا ، وكان الاثر التربوى الذى تركه في نفسى أعمق واوسع مما تركه فيها معلمي واساتذتى بعده ، فى جميع المراحل الابتدائية والثانوية والعالية وسيبقي عندى مثلا عاليا ورمزا راقيا لاجمل القيم الانسانية والنفسانية التي أراها فى صورة جميلة خالدة إسمها محمد ، واصلها " بنو خيار " !

سوق التدريس :

ان الذين لا يرون فى التدريس الا بابا للارتزاق ، لا يجدون في مهنتهم لذة سوى تقاضى المرتبات والمنح ، ولا يحلمون الا برفع الاجور وبالارتقاء الى

الدرجات العليا . . فى سلم " الاناديس " ولا يحسبون الا ابام العطل والسوائع الزائدة ! اما التلامذة فيالهم من احمرة ! واما التعليم فياله من شغل شاق ! وما اتعب ساعاته المتوالية ، وما أرهق تصحيح الاناشى وغيرها من الاوراق المتراكمة على مكتب المدرس ! اما الثقافة ، فما لنا وإياها ؟ سيتثقف الفرد وحده عندما يبلغ الرشد ويهضم ما اطعمناه ! واذا لم يهضم فهو حمار ، ولد حمارا وسيموت حمارا ، وما المعلم بمسؤول عن ذلك ! اما التربية فهى مهمة المنزل والشوارع ! واذا اراد القدر بان يكون طفل مفسدا فى الارض ومنحط الاخلاق ، فلا قدرة للمعلم على اصلاح ذلك ! اليس الطيب يولد طيبا ، والخبيث خبيثا ؟ وهل الحكومة تؤجر المعلم ليثقف وليربى ؟ يتقاضى المعلم اجرا مقابل الاوقات التى يقضيها باقسامه (وما أطولها) ، ومقابل الدروس التى " يلقيها " والأوراق التى يصححها ، ولا شئ آخر فى العهد الذى يربطه بمستخدمه !

لا فرق بين هؤلاء المدرسين وباعة الاسواق ، سوى انهم لا يبيعون الا  الريح للمراكب ، وان نفخهم لا يحرك أية سفينة ! هم نقمة على المجتمع وعملهم جناية على لبه ، ذلك الشباب الذي يقبل عليهم بشغف وتعطش فيثبطون عزائمه ويدفعونه الى التشويش واللهو والطيش ! اجل ! لا بد للمدرس من اجر يناسب قيمته وقيمة رسالته ، والمدرس فى حاجة الى التمتع بخيرات الدنيا كسائر افراد الامة ، وحرام على الحكومة اذا حرمته من حقوقه الشرعية ولم تتصفه عند تقدير الاجور - ولا يبغى ان نقول : كفى المدرس حبه لفنه ، وكفاه لذاته المهنية ! اللذات المهنية مهما حلت ، لا تؤثث منزلا ، ولا تكسو زوجا ولا تطعم ابناء جائعين ! الاهتمام برفع الاجور وباكتساب الاموال لازم ، والعناية بالتدريس وبانتاجه ، فرض آخر . للمعلم ان يناضل على حقوقه الاجتماعية اذا هضمت ، حتى لا يبقى مبخوسا بين امثاله ! وعليه ان يؤدي رسالته باخلص ضمير حتى ياتى بالنتيجة المطلوبة منه !

التدريس فن بلاشك ، ويا حبذا لو كان كل مدرس فنانا - المدرسون في الواقع اصناف مختلفة ، واحسنهم من يحب الاطفال والشباب حبا حقيقيا ، ويتقن عمله ويحسن طرائفه ونتائجه باقصى ما فى وسعه . والعياذ بالله من باعه الدروس العامة والخاصة ، والذين لا يفوق تذوقهم للتعليم ولعهم بزراعة الكرنب او بتنظيف الخنادق !

اشترك في نشرتنا البريدية