تعتبر المصنفات الجامعة لاشعار المتقدمين والمتأخرين من كتاب القريض مصادر أساسية لتثبيت أقوالهم وتصحيح أبياتهم وتخريجها ضمن دواوين ملمة بآثارهم ؛ وقد أخذت بهذه المدونات أشكالا وتسميات متنوعة ، جاءت أحيانا تحت عنوان " الحماسة " أو " الجمهرة " وحينا آخر " الوحشيات " أ " المنتخبات " أو " كتب المعانى " . . . ومن هذه المصنفات ، فى القرن الثامن للهجرة ، كتاب " التذكرة السعدية فى الاشعار العربية " تأليف : محمد بن عبد الرحمان بن عبد المجيد العبيدى
وقد برزت فى طبعة تضمنت مقدمة للمحقق ، ثم متن الاثر ، مع فهرس لاسماء الشعراء الوارد ذكرهم طى الابواب ( 1 ) .
وقد تكفل المحقق ، فى المقدمة ، بالتعريف لما بالكتب الجامعة للاشعار المختلفة فى الادب العربى ، منذ بداياتها الى آخر ما وضع منها فى النصف الاول من القرن العشرين ( 2 ) .
وانتقل المحقق ، بعد ذلك ، الى تقديم " التذكرة السعدية " فأكد على عدم ورود ذكرها فى كتب الادب والتاريخ ما عدا إشارتين : كانت الاولى للبغدادى ، صاحب ايضاح المكنون ، وقد جاء فيها قوله : " التذكرة السعدية فى الاشعار العربية ، تأليف محمد بن عبد الرحمان بن عبد الحميد العبيدى : المتوفى سنة ٠٠ ( كتب أيا صوفيه ) . . " ( 3 ) ، أما الثانية فهى لكارل
بروكمان الذى اكتفى بذكر عنوان الكتاب والاحالة على مرجع حوله بدورية WZKM ( 4 ) .
ولقد عدنا الى هذا المرجع وهو نص قصير باللغة الالمانية ، ذكر فيه اسم المؤلف وأثره ، ثم قدم المخطوط تقديما ماديا ، مع الاشارة إلى تاريخ الانتهاء من تأليفه ( أى سنة 702 ه ) وعرض لابوابه الاربعة عشرة . ووقعت احالة أخرى أيضا على فصل بمجلة ZDMG ( العد 64 , ص 504 , الملحوظة 3767.1 ) ( 5 ) ، فعدنا أيضا اليها وثبت أن الفصل يكتفى بعرض مخطوطات بصفة عامة ؛ ويبدو أن كتاب " التذكرة " قد عثر عليه ضمن مخطوطات تركية كما تشير الى ذلك الملاحظة الاولى .
وبهذه الصورة يبقى الغموض سائدا حول ظروف تأليف " التذكرة " والتعريف بمصنفها .
ثم أخذ المحقق فى تحديد أهمية " التذكرة السعدية " فأثبت اعتمادها أولا وأساسا " الحماسة المحدثة " لابن فارس ثم حماسة أبي هلال العسكري بجانب حماسة أبى تمام ( 6 ) .
وتجدر الاشارة إلى فقدان الحماستين الاوليين وتوفر حماسة أبى تمام .
أما الاهمية الثانية فتبرز ، حسب المحقق ، فى تفوق التذكرة السعدية فى المستوى الكمي للابيات ، على غيرها ، اذ أن أضخم حماسة وهى " الحماسة البصرية " تضم حوالى 1661 قطعة ل 961 شاعر ، وتضم التذكرة ما يقارب 1710 قصيدة أو مقطوعة ، ويبلغ عدد الشعراء فيها 1175 فرد ، ويضبط المحقق منها نسبة 5 % للشعراء المجهولين و 20 % للمقلين المغمورين ( 7 ) .
أما الاهمية الثالثة فتتمثل فى انفراد التذكرة برواية أشعار مجهولة لشعراء مبرزين أمثال : جميل بثينة وأبى نواس وأبى تمام الطائى والبحترى والمتنبي وأبى فراس الحمدانى والصاحب بن عباد وغيرهم . زيادة على أبيات للغويين ورواة أمثال : الاصمعي والخليل بن أحمد الفراهيدي والمبرد وأبي الفرج الاصبهانى وغيرهم .
وعرف المحقق بايجاز بمنهاج التذكرة فاعتبره " تاريخيا " ، " بدأ باختيار كلام المتقدمين من الجاهليين والمخضرمين الاسلاميين والمحدثين فالمتأخرين الى عصر المؤلف أو يقرب منه . " ( 7 م ) .
ثم تخلص التعريف بمؤلف التذكرة فأكد على عدم توفر معلومات حوله ، وتساءل على أصل نسبة لقب " العبيدى " له ، وتوقع إما أن تكون للعشيرة العربيه " بني عبيد " أو للدولة العبيدية الفاطمية . وأضاف : " ومن الثابت أن النسبة الى العشيرة العربية ( العبيد ) احدى عشائر زيد الاصغر لم تكن معروفة بهذا الاسم فى ذلك العهد ( القرن السابع ومطالع القرن الثامن للهجرة ) " ( 8 ) . وانتهى المحقق الى الاشارة الى شارح كتاب " المضنون به على غير أهله " لعز الدين أبى الفضائل عبد الوهاب الزنجاني الخزرجي وهذا الشارح هو عبيد الله بن عبد الكافى بن عبد المجيد العبيدى ، وقد فرغ منه سنة 724 ه ( 9 ) لاشتراكه مع صاحب " التذكرة السعدية " في اسم الجد " عبد المجيد واللقب " العبيدى " ونبة كذلك الى الغموض الذي ساد حول من ألفت له التذكرة .
واكتفى المحقق بتوقع أن الوزير الذى صنفت له التذكرة ربما يكون " شمس الدين آبا عبد الله محمد بن اسماعيل بن أبي سعد بن على الشيباني الآمدي ثم المصرى المتوفى سنة 704 ه بمصر " .
ولقد سعينا بدورنا للبحث عن امكانية توفر صلة بين صاحب التذكرة وشارح " المضنون به على غير أهله " ، فلم يفض بنا التقصى الى استتاجات مقنعة .
وانتقل المحقق بعد ذلك الى تقديم منهجه فى التحقيق ، فلخصه فى ضبط نصوص الكتاب ، ثم فى نسبة بعضها الى أصحابها مع التعريف بالشعراء وتخريج الاببيات من الدواوين ، وشرح بعض الالفاظ ، وتكملة بعض الاببيات التى طمست فيها ألفاظ نتيجة الرطوبة ؛ وأخيرا إبراز أبواب الكتاب .
أما متن " التذكرة السعدية " فى حد ذاته فقد تضمن مقدمة موجزة للمؤلف اشار فيها الى تصنيفه لاثر آخر سابق عنوانه " النزهة السعدية فى الاشعار العربية " لنفس من ألفت له التذكرة ، وقد اكتفى بتمجيده دون تسميته ( 10 ) ، ثم يشير الكاتب الى المصادر الاساسية للتذكرة منتهيا الى عرض الابواب ، وهي أربعة عشر ، أولها " فى الحماسة والافتخار " وآخرها فى " الدعاء " . ويشمل الباب الاول للتذكرة مائتين وثمانى وستين قطعة شعرية . ونتبين من خلال التثبت فى تراجم شعراء هذا الباب ، أن أغلبيتهم جاهليون مثل الفند الزمانى وتأبط شرا ووداك بن تميل المازني وغيرهم . وكذلك إسلاميون أو مخضرمون مثل : بشامة بن حزن التهشلى وأبى الغول الطهوى وجعفر بن علبة الحارثي وغيرهم . بالاضافة الى قلة من العباسيين كأبى فراس الحمدانى والبحترى والمتنبي . . ( 11 ) ويغلب على الشعراء الجاهليين والاسلاميين أنهم مغمورون ، وقد حاول المحقق التعريف ببعضهم ، واكتفى أحيانا بالاشارة إلى الغموض حول نسبة البعض الآخر وورد الباب الثاني في مواضيع " الادب والحكم والامثال " ونلاحظ فيه غلبة المزج بين الشعراء المتفاوتة ازمنتهم على عكس وضوح التوزيع التاريخي للشعراء فى الباب الاول من التذكرة .
فقد ورد ذكر أبيات لابي تمام الدارمي المخضرم والمؤمل بن أميل المحاربي العباسى وعقيل بن علقة المرى الاموى وعروة بن الورد الجاهلى ومحمد بن بشير الأموى ( 12 ) . وهكذا دواليك دون ترتيب زمني .
وضم الباب الثاني مائتين وسبعا وسبعين قطعة أو بيت ( 13 ) .
واختص الباب الثالث بغرض " النسب " وركز فيه الكاتب خاصة على شعراء الغزل الامويين أمثال : كثير عزة أو دعبل الخزاعى أو عمر بن أبي ربيعة .
ونلاحظ أن منهج العبيدى فى سرد الابيات يكتفى بمجرد العرض للمقطعات الشعرية ، ولا نجد شرحا للالفاظ المبهمة أو تحليلا للمعاني أو تعريفا بالشعراء ، وقد أسهم الملحق بمجهود ملحوظ في تخريج الابيات والترجمة للشعراء ، والاحالة على المراجع والمصادر وشرح الالفاظ الغامضة وختم المحقق الكتاب بفهرس للشعراء الوارد ذكرهم في التذكرة السعدية .
وتجدر الاشارة إلى بعض النقائص التى وردت في تحقيق المقطعات الشعرية .
وهذه النقائص مختلفة متنوعة ، تخص أحيانا شكل بعض الالفاظ وحينا آخر الاختلاف فى الرواية مع دواوين للشعراء دون التنبيه الى ذلك . وقد يتعذر علينا تقديم كشف ملم بكل مقطعات التذكرة لوفرة شعرائها ، لذا فضلنا أن نركز مراجعة التحقيق على مقطعات شاعرين اثنين هما : جميل بثينة وأبو الطيب المتنبى ، وذلك لكثرة عرض أشعارهما بالتذكرة بالنسبة الى غيرهما من الشعراء . وسنكتفي بالاشارة إلى نقائص التحقيق فحسب فالمقطوعة 218 ص 153 المنسوبة للمتنبى قد تضمنت شيئا من الاضطراب فى ترتيب الابيات . فالبيت المستهل ب " وكم من جبال . " لم يرد في شرح . البرقوقى لديوان المتنبى ( 15 ) فى موضعه بالتذكرة ، ان بعد البيت الذي مطلعه " وتركك فى الدنيا . " نجد البيت المستهل بـــــ " اذا الفضل . . " ( 16 ) ويرد البيت الذى مطلعه " وكم من جبال . . " بالصفحة 306 ج 2 في شرح البرقوقى ، ولم يشر المحقق الى هذا الاضطراب فى الترتيب .
( يتبع )

