الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

التذكرة السعدية في الأشعار العربية

Share

تعتبر المصنفات الجامعة لاشعار المتقدمين والمتأخرين من كتاب القريض مصادر أساسية لتثبيت أقوالهم وتصحيح أبياتهم وتخريجها ضمن دواوين ملمة بآثارهم ؛ وقد أخذت بهذه المدونات أشكالا وتسميات متنوعة ، جاءت أحيانا تحت عنوان " الحماسة " أو " الجمهرة " وحينا آخر " الوحشيات " أ " المنتخبات " أو " كتب المعانى " . . . ومن هذه المصنفات ، فى القرن الثامن للهجرة ، كتاب " التذكرة السعدية فى الاشعار العربية " تأليف : محمد بن عبد الرحمان بن عبد المجيد العبيدى

وقد برزت فى طبعة تضمنت مقدمة للمحقق ، ثم متن الاثر ، مع فهرس لاسماء الشعراء الوارد ذكرهم طى الابواب ( 1 ) .

وقد تكفل المحقق ، فى المقدمة ، بالتعريف لما بالكتب الجامعة للاشعار المختلفة فى الادب العربى ، منذ بداياتها الى آخر ما وضع منها فى النصف الاول من القرن العشرين ( 2 ) .

وانتقل المحقق ، بعد ذلك ، الى تقديم " التذكرة السعدية " فأكد على عدم ورود ذكرها فى كتب الادب والتاريخ ما عدا إشارتين : كانت الاولى للبغدادى ، صاحب ايضاح المكنون ، وقد جاء فيها قوله : " التذكرة السعدية فى الاشعار العربية ، تأليف محمد بن عبد الرحمان بن عبد الحميد العبيدى : المتوفى سنة ٠٠ ( كتب أيا صوفيه ) . . " ( 3 ) ، أما الثانية فهى لكارل

بروكمان الذى اكتفى بذكر عنوان الكتاب والاحالة على مرجع حوله بدورية WZKM ( 4 ) .

ولقد عدنا الى هذا المرجع وهو نص قصير باللغة الالمانية ، ذكر فيه اسم المؤلف وأثره ، ثم قدم المخطوط تقديما ماديا ، مع الاشارة إلى تاريخ الانتهاء من تأليفه ( أى سنة 702 ه ) وعرض لابوابه الاربعة عشرة . ووقعت احالة أخرى أيضا على فصل بمجلة ZDMG ( العد 64 , ص 504 , الملحوظة 3767.1 ) ( 5 ) ، فعدنا أيضا اليها وثبت أن الفصل يكتفى بعرض مخطوطات بصفة عامة ؛ ويبدو أن كتاب " التذكرة " قد عثر عليه ضمن مخطوطات تركية كما تشير الى ذلك الملاحظة الاولى .

وبهذه الصورة يبقى الغموض سائدا حول ظروف تأليف " التذكرة " والتعريف بمصنفها .

ثم أخذ المحقق فى تحديد أهمية " التذكرة السعدية " فأثبت اعتمادها أولا وأساسا " الحماسة المحدثة " لابن فارس ثم حماسة أبي هلال العسكري بجانب حماسة أبى تمام ( 6 ) .

وتجدر الاشارة إلى فقدان الحماستين الاوليين وتوفر حماسة أبى تمام .

أما الاهمية الثانية فتبرز ، حسب المحقق ، فى تفوق التذكرة السعدية فى المستوى الكمي للابيات ، على غيرها ، اذ أن أضخم حماسة وهى " الحماسة البصرية " تضم حوالى 1661 قطعة ل 961 شاعر ، وتضم التذكرة ما يقارب 1710 قصيدة أو مقطوعة ، ويبلغ عدد الشعراء فيها 1175 فرد ، ويضبط المحقق منها نسبة 5 % للشعراء المجهولين و 20 % للمقلين المغمورين ( 7 ) .

أما الاهمية الثالثة فتتمثل فى انفراد التذكرة برواية أشعار مجهولة لشعراء مبرزين أمثال : جميل بثينة وأبى نواس وأبى تمام الطائى والبحترى والمتنبي وأبى فراس الحمدانى والصاحب بن عباد وغيرهم . زيادة على أبيات للغويين ورواة أمثال : الاصمعي والخليل بن أحمد الفراهيدي والمبرد وأبي الفرج الاصبهانى وغيرهم .

وعرف المحقق بايجاز بمنهاج التذكرة فاعتبره " تاريخيا " ، " بدأ باختيار كلام المتقدمين من الجاهليين والمخضرمين الاسلاميين والمحدثين فالمتأخرين الى عصر المؤلف أو يقرب منه . " ( 7 م ) .

ثم تخلص التعريف بمؤلف التذكرة فأكد على عدم توفر معلومات حوله ، وتساءل على أصل نسبة لقب " العبيدى " له ، وتوقع إما أن تكون للعشيرة العربيه " بني عبيد " أو للدولة العبيدية الفاطمية . وأضاف : " ومن الثابت أن النسبة الى العشيرة العربية ( العبيد ) احدى عشائر زيد الاصغر لم تكن معروفة بهذا الاسم فى ذلك العهد ( القرن السابع ومطالع القرن الثامن للهجرة ) " ( 8 ) . وانتهى المحقق الى الاشارة الى شارح كتاب " المضنون به على غير أهله " لعز الدين أبى الفضائل عبد الوهاب الزنجاني الخزرجي وهذا الشارح هو عبيد الله بن عبد الكافى بن عبد المجيد العبيدى ، وقد فرغ منه سنة 724 ه ( 9 ) لاشتراكه مع صاحب " التذكرة السعدية " في اسم الجد " عبد المجيد واللقب " العبيدى " ونبة كذلك الى الغموض الذي ساد حول من ألفت له التذكرة .

واكتفى المحقق بتوقع أن الوزير الذى صنفت له التذكرة ربما يكون " شمس الدين آبا عبد الله محمد بن اسماعيل بن أبي سعد بن على الشيباني الآمدي ثم المصرى المتوفى سنة 704 ه بمصر " .

ولقد سعينا بدورنا للبحث عن امكانية توفر صلة بين صاحب التذكرة وشارح " المضنون به على غير أهله " ، فلم يفض بنا التقصى الى استتاجات مقنعة .

وانتقل المحقق بعد ذلك الى تقديم منهجه فى التحقيق ، فلخصه فى ضبط نصوص الكتاب ، ثم فى نسبة بعضها الى أصحابها مع التعريف بالشعراء وتخريج الاببيات من الدواوين ، وشرح بعض الالفاظ ، وتكملة بعض الاببيات التى طمست فيها ألفاظ نتيجة الرطوبة ؛ وأخيرا إبراز أبواب الكتاب .

أما متن " التذكرة السعدية " فى حد ذاته فقد تضمن مقدمة موجزة للمؤلف اشار فيها الى تصنيفه لاثر آخر سابق عنوانه " النزهة السعدية فى الاشعار العربية " لنفس من ألفت له التذكرة ، وقد اكتفى بتمجيده دون تسميته ( 10 ) ، ثم يشير الكاتب الى المصادر الاساسية للتذكرة منتهيا الى عرض الابواب ، وهي أربعة عشر ، أولها " فى الحماسة والافتخار " وآخرها فى " الدعاء " . ويشمل الباب الاول للتذكرة مائتين وثمانى وستين قطعة شعرية . ونتبين من خلال التثبت فى تراجم شعراء هذا الباب ، أن أغلبيتهم جاهليون مثل الفند الزمانى وتأبط شرا ووداك بن تميل المازني وغيرهم . وكذلك إسلاميون أو مخضرمون مثل : بشامة بن حزن التهشلى وأبى الغول الطهوى وجعفر بن علبة الحارثي وغيرهم . بالاضافة الى قلة من العباسيين كأبى فراس الحمدانى والبحترى والمتنبي . . ( 11 ) ويغلب على الشعراء الجاهليين والاسلاميين أنهم مغمورون ، وقد حاول المحقق التعريف ببعضهم ، واكتفى أحيانا بالاشارة إلى الغموض حول نسبة البعض الآخر وورد الباب الثاني في مواضيع " الادب والحكم والامثال " ونلاحظ فيه غلبة المزج بين الشعراء المتفاوتة ازمنتهم على عكس وضوح التوزيع التاريخي للشعراء فى الباب الاول من التذكرة .

فقد ورد ذكر أبيات لابي تمام الدارمي المخضرم والمؤمل بن أميل المحاربي العباسى وعقيل بن علقة المرى الاموى وعروة بن الورد الجاهلى ومحمد بن بشير الأموى ( 12 ) . وهكذا دواليك دون ترتيب زمني .

وضم الباب الثاني مائتين وسبعا وسبعين قطعة أو بيت ( 13 ) .

واختص الباب الثالث بغرض " النسب " وركز فيه الكاتب خاصة على شعراء الغزل الامويين أمثال : كثير عزة أو دعبل الخزاعى أو عمر بن أبي ربيعة .

ونلاحظ أن منهج العبيدى فى سرد الابيات يكتفى بمجرد العرض للمقطعات الشعرية ، ولا نجد شرحا للالفاظ المبهمة أو تحليلا للمعاني أو تعريفا بالشعراء ، وقد أسهم الملحق بمجهود ملحوظ في تخريج الابيات والترجمة للشعراء ، والاحالة على المراجع والمصادر وشرح الالفاظ الغامضة وختم المحقق الكتاب بفهرس للشعراء الوارد ذكرهم في التذكرة السعدية .

وتجدر الاشارة إلى بعض النقائص التى وردت في تحقيق المقطعات الشعرية .

وهذه النقائص مختلفة متنوعة ، تخص أحيانا شكل بعض الالفاظ وحينا آخر الاختلاف فى الرواية مع دواوين للشعراء دون التنبيه الى ذلك . وقد يتعذر علينا تقديم كشف ملم بكل مقطعات التذكرة لوفرة شعرائها ، لذا فضلنا أن نركز مراجعة التحقيق على مقطعات شاعرين اثنين هما : جميل بثينة وأبو الطيب المتنبى ، وذلك لكثرة عرض أشعارهما بالتذكرة بالنسبة الى غيرهما من الشعراء . وسنكتفي بالاشارة إلى نقائص التحقيق فحسب فالمقطوعة 218 ص 153 المنسوبة للمتنبى قد تضمنت شيئا من الاضطراب فى ترتيب الابيات . فالبيت المستهل ب " وكم من جبال . " لم يرد في شرح . البرقوقى لديوان المتنبى ( 15 ) فى موضعه بالتذكرة ، ان بعد البيت الذي مطلعه " وتركك فى الدنيا . " نجد البيت المستهل بـــــ " اذا الفضل . . " ( 16 ) ويرد البيت الذى مطلعه " وكم من جبال . . " بالصفحة 306 ج 2 في شرح البرقوقى ، ولم يشر المحقق الى هذا الاضطراب فى الترتيب .

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية