الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

الترادف اللغوى، بين منكر و مثبت وفي التطبيق

Share

ان كل اللغات كائنات حية ، تنمو وتتدفق ( 1 ) ، بدافع الشمول وارتقاء ، فان اللغة العربية لتعتز بامتداد فيها ، وتفتح وحركية . . خذ لك مثلا : ظاهر الترادف " فيها ، فلقد يسرت على الكثيرين انتقاء الملائم ، واوسعت مجالات لتلبية رغبة حسن التصرف . ولست بهذا أريد أن أبارك الدعوة التى نشأت من قديم ، تلك التى تستند فى المباهاة بأفضلية العربية على أساس ظاهرة الترادف ، فالموقف الاثرى يدعو الى نقاش هاته الظاهرة على اعتبار أنها خاصية تميزت بها لغتنا . ذلك لان فى مثل هاته " المباهاة " تزييف لجوهر اللغة وسمة البلاغة . اذ : " اللغة جسد وروح في آن . فاذا وجب الاهتمام بالجسد ، فالى الروح ينبغي أن نرتقي " ( 2 ) ويوم رجح طرف من طرفى هاته الثنائية ، كان الفراغ والجعجعة ، وحصل الزيغ والتضليل .

غير أن هذا المقام لا يتسع لتتبع المشكلات اللغوية والفكرية التى نشأت عن هاته لنزعة الافتخارية ، ومن أبرزها : مسألة " اللفظ " و : " المعنى " . على ان الذى ينبغي اثباته هنا هو أن " اللغة اثبات أن اللفظ كذا ، لمعنى كذا . ( 3 ) ومادام الامر كذلك فلن تكون البلاغة " غير أن يؤتى المعنى من الجهة التى هي أصح لتأديته ، ويختار له اللفظ هو أخص به وأكشف عنه ، وأتم له وأحرى بأن يكسبه نبلا ويظهر فيه مزية " ( 4 ) .

وانه ليبدو جليا أن هاته التعادلية فى التطبيق التعبيري ، تثير فى الفكر تساؤلا عميقا : فعلى أى عماد يكون الاختيار ، وهل يبارك علم اللغة " اختصاصية " الكلمة أم يقر لها " الاشتراكية " فى معنى بعينه مع تعدد فى اللفظ ؟

لقد كان المذهب الاوفق ، ذلك الداعى الى : " الاصل فى الالفاظ أن يختص كل لفظ بمعنى معين ، بهذا جرت الكثرة الغالبة من ألفاظ اللغات في العالم . ( فهى ) تتجه . . الى تخصيص اللفظ بمعنى يصبح له بمثابة العلامة ، متى طرقت السمع أثارت فى الذهن دلالة معينة يشترك فى فهمها أفراد البيئة اللغوية " ( 5 ) .

ذلك ما يقرره علم اللغة الحديث ، لكن ما موقفه من الترادف في العربية ؟ هل هو موجود ؟ وبأى التعليلات نفسر هذا الوجود ؟ وبأى قياس نفحص المترادفات ؟

تلك عينة من أسئلة لا تتناهى ، جاءت محاور لمناقشات ، تعد من أوسع موضوعات اللغة التى درست قديما وحديثا . ولم أجد تفسيرا دقيقا لذلك التباعد الواضح بين آراء العلماء ، على مر الدهور ، فى هذه المسألة ، رغم أن التقارب هنا تدعو اليه الضرورة : ضمانا لحرمة العربية وصيانة لكينونتها ورافة بالملايين المتعلمة من الاجيال الطامحة . وعسى أن تتواصل البوادر فى هذا المجال ، على نطاق أوضح وأشمل ، في المجامع ومراكز التعريب ( 6 )

والأهم الآن ، هو أن نتبين مدلول الترادف ، وأبعاده ، فما مفهومه ، وهل التزم اللغوييون مجالات هذا المفهوم ؟ وهل هو نابع من المدلول أو الكلم ؟

يقول لويس معلوف فى المنجد : ترادفت الكلمات : تشابهت في المعنى . فهل يرضى هذا التوضيح طلاب البحث العلمى ؟ رأيى أن هذا المفهوم سيزيد الموضوع تشعبا وتباعدا ، ذلك أننا ان استخدمناه فى ميدان التصرف اللغوي

لظهرت لنا مفردات تكون مترادفة على ضعف الشبه بينها ، ومن ثم يتضخم قاموس المترادف أضعافا مضاعفة . .

أما عبد القاهر الجرجاني فيستعمل الترات بمعنى التقابل ( فى كل الخصائص ) ( 7 ) وأما التوحيدى فقد استخدم " النظائر " ليشير بها الى المترادفات

ومن هنا لنا أن نؤكد أنه ( إذا دلت نصوص اللغة على أن بين الالفاظ المختلفة الصورة فروقا في الدلالة مهما كانت تلك الفروق طفيفة ، لا يصح أن تعد من المترادفات ، لان شرط الترادف الحقيقى هو الاتحاد التام فى المعنى ( 8)

وعلى هدى هذا المبدأ ، هل توجد مترادفات فى لغتنا ؟ لمحاولة الاجابة لا مندوحة لنا من استقراء تاريخ اللغة ، وفي هذا الموقف يؤكد فريق من العلماء : ، وجود المرادف ، وبكثرة أيضا ، وهذا - فى نظرهم - مبعث افتخار واعتزاز من هؤلاء : ابن خالويه ، والفيروزبادى ( 9 ) ، والرازى ، والسبكى ، وابن سيده ( 10 ) وابن السكيت ، والهمذاني ، وقدامة بن جعفر ( 11 ) وأبو الحسن الرماني ( 12 ). وهذه بعض مما جمعه هذا الاخير :

1 ) المجلس : المحفل : الموسم : المجتمع : الندى 2 ) السرور : الحبور : الجذل : الغبطة : الفرح .

ان قراءة بعض هؤلاء ، وتكفينا مصاحبة السيوطي فى مزهره لتدفعنا إلى ملاحظة " نزعة الغلو " ذلك أنهم تناسوا كل الفروق بين الكلمات ، حتى المتميزة منها ، وقد أوسع هذا ، لهم المجال لقدح الزناد بطلاقة لا تمت الى الضبط العلمي بأوثق الصلة ؛ زد على هذا : الخلط بين ألفاظ جاهلية وأخرى اسلامية ،

حسبوها مترادفة ( 13 ) ، الى جانب التمسك بالغامض الخشن ، خذ لك مثالا هذه النماذج لتتم لك لمقارنة :

1 ) ليلة مد لهمة أى ديجور ، وديجوج . . واطرمس الليل اظلم ، والغيهب نحوه . ( 14 )

2 ) أظلم الليل ودجى وأدجى . وتغضف وعتم وأعتم ، وغبس وأغبس ، ودمس ، وعسعس ، واعتكر ، وأطلخم ، وأدلهم ، وأسدف . . وأحلولك ، وسجا وأسجى ، وجن وأجن . ( 15 )

3 ) لئيم ، خسيس ، زنيم ، مهين ، وقح ، وضيع ، ضعيف ، خامل ساقط ، رذل ... ( 16 )

وننظر فى هذا الفريق ، فنجد من بين المحدثين أنصارا لمذهبهم ، فأولئك وهؤلاء يفاخرون باعتلاء العربية سلم اللغات على أساس ثرائها بالمترادفات ، انه لا يزال القول بالترادف فى العربية شائعا فينا رائجا بيننا ، حتى لنقرأ فى مفتتح الرسالة يوم 11 من فبراير 1965 مقالا للدكتور على عبد الواحد .وافي ، وهو متخصص فى علم اللغة ، يباهى فيه بأن لغتنا الفصحى منقطعة النظير فيما اجتمع لها من مترادفات فى الاسماء والصفات والافعال ، ما لم يجتمع مثله للغة سامية أخرى ، بل ما يندر وجود مثله فى لغة من لغات العالم " واستشهد لذلك بما جمعه ابن منظور من اسماء للاسد عددها 500 اسم وللثعبان مائة اسم وما جعله الفيروزبادى من مئات الاسماء للشىء الواحد " . ( 17 )

ولعل الاصل فى هذا : الاعتزاز بالتراث على ما فيه ، وتقديس حاملى المشعل الاوائل ، ومن ثم جاء التسليم بما اجتهدوا فيه أمرا مقضيا ، رغم ما فى ذلك من اجترار واقتفاء . .

وازاء هذا النمط من التراث الثقافي ، هبت فئة من الراسخين فى المعرفة تثير الشك ، وتبعث الحيرة ، فهذا أبو على الفارسي ، والمبرد ، وأبو منصور الثعالبي ) 18 ( وأبو هلال العسكري ) 19 ( وعلى بن محمد الحرجاني ) 20 ( هؤلاء وغيرهم كثر ، ) 21 ( أظهروا بوضوح : عدم وجود الترادف فى العربية ، كما لم يقفوا في أبحاثهم عند هذا الجانب السلبى ، بل راحوا يلتمسون الادلة ويبرزون الدواعي ، ومن هنا كانت عنايتهم متجهة ، خاصة ، الى بيان وتعداد الفروق ، ومغامز الفصل ، بين الدلالات المقول بترادفها .

ولئن اتسمت ، مثل هاته البحوث ، فى الاغلب ، بالدقة وعمق التحليل ، وبعد التصور ، وشمول الاستقراء ، وحسن الذوق ، فانها اصطبغت بصبغة جدلية " كانت تنتهج سبيلها على اشعاع مبدأ : اخضاع اللغة للفلسفة ولتصورات خاصة ، " وقد طوعت لهم فلسفتهم هذا النحو من التصرف ، واستطاعوا أن ينهضوا بأثقاله ، لان عقولهم فى تلك الاوقات ، فى تلك السنين ، كانت عقولا فلسفية متأثرة ) بالميتافيزيك ( ) 22 ( ولنا أن نتصور بعضا من آفاق ذلك ، فى هذه النماذج :

الفرق بين القديم والعتيق ، أن العتيق هو الذي يدرك حديث جنسه ) I فيكون بالنسبة اليه عتيقا ، ولهذا لا يقال : ان السماء عتيقة وان طال مكثها ، لان الزمان لا يؤثر فيها ، ولا يوجد من جنسها ما تكون بالنسبة اليه عتيقا ) 23 (

2 ( الفرق بين السخاء والجود هو أن يلين الانسان عند السؤال ، ولهذا لا يقال لله تعالى سخي ، أما الجود فكثرة العطاء من غير سؤال ) 24 (

3 ( البخل هو المنع من مال نفسه ، والشح هو بخل الرجل من مال غيره ) 25 (

4 ( الابد هو استمرار الوجود فى ازمنة مقدرة غير متناهية فى جانب المستقبل ، كما أن الازل استمرار الوجود فى ازمنة غير متناهية فى جانب الماضى ) 26 ( .

لنا أن نقول على هذا الاساس: لئن طلبت الوحدانية فى الرب  فكذلك طلبت فى اللفظ ، والا فقد كانت الطامة الكبرى : كان الزنا الفكرى ( 27 )

وانه ليزداد الانكار انغلاقا ، حين نتناول قضية الترادف فى القرآن فالقرآن : يحسم قضية الترادف ، حيث يشهد التتبع الدقيق لالفاظه فى سياقها ، بأنه يستعمل اللفظ بدلالة محدودة منضبطة لا يمكن معها أن يقوم لفظ مقام آخر ، فى المعنى الذى تحشد له المعاجم وكتب التفسير عددا قل أو كثر أو تفخم من الالفاظ المقول بترادفها ، فالقرآن مثلا ، استعمل مادتى ( حلف وأقسم )ز وهما بمعنى واحد فى كتب التفسير ومعاجم اللغة ، لكن استقراء مواضع استعمالهما فى القرآن كله يمنع هذا الترادف ، حيث تأتى مادة ( حلف ) دائما فى مقام الحنث باليمين . . . " ( 28 )

أما عن تعليلات رفض وجود المترادف فأراها تنهض على تزكية العربية أساسا واعلائها حسب آفاق مناهج علم اللغات الحديث ، ذلك أنه رئى فى الترادف فقدان حس لغوى ، وعجز عن ضبط الدلالات والمفاهيم ، كما أن الفن الادبى ينكر لغة يمكن أن يستبدل لفظ فيها بعشرات أو مئات

أو ألوف . . . ( 29 ) فان انتفي اشتمال القرآن على مترادفات فقد انتفى بالتالى وجود مثل ذلك فى العربية ، ومن ثم سقط اتهامها بفقدان الحس اللغوى ، واللا انضباط .

وفي مسرب آخر ، يحلو لبعضهم ذكر وجود الترادف بداهة ، ليسلط على العربية حكما بالجمود والجمود فناء . ف : " العربية لا تصلح أن تكون لغة علم ، لعجزها على تحديد دلالات الالفاظ وضبط مفاهيمها حيث تكثر الترادفات فيها بكثرة فاحشة ( 30 )

ليس هذا المغمز وحده ، هو الذي خلق ريبة فى عقول أبناء هاته اللغة ، حول طاقتها ، بل لنا أن نذكر الى جانب هذا بعض المغرضين الذين اشتهوا تحويل مسارب الجدل نحو التثريب والتشكيك فالعقوق ( 31 ) لكن احقا ليس فى القرآن ترادف ؟

ان الحكم هنا لم يكن بالامر الهين إذ لا بد من الرجوع الى كبار المفسرين الضالعين فى اللغة ، وبالاستقراء والمتابعة تلقى الترادف : " بكثرة فى ألفاظ القرآن ، رغم محاولة بعض المفسرين أن يلتمسوا فروقا خيالة لا وجود لها الا فى أذهانهم للتفرقة بين تلك الالفاظ القرآنية المترادفة . " ( 32 )

ولنا ، فى هذا المقام ، أن نذكر الفقرة الخاصة بتفسير قوله تعالى : افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون " للعلامة ابن عاشور ، فقد قال :

" الافتراء : الكذب ، وهو مرادف الاختلاق ٠٠ ونظيره اطلاق اسم الاختلاق على الكذب ، فالافتراء مرادف للكذب ، واردافه بقوله هنا : ) الكذب تأكيد للافتراء ، وتكررت نظائر هذا الارداف فى آيات كثيرة " 33 (

فى هذا الضرب من المعالجة تكمن عناصر المشكلة ، ويبدو أنها ستحدد المزيد من الاستنتاجات الجوهرية ، فان حدثت الفروق " واستنتجت من السياق ، نرى هل نتمسك بها ويجرى التفسير - بمعناه الأعم - عليها ، أم نتركهاجانبيا ؟ وبمعنى مغاير : انظر فى اللفظ والمعنى فقط - ونحن فى موضع البحث عن المرادف - أم نتوسع حتى الى المقام والقرائن ؟ وهل المقام يزيد اللفظ تقريبا للذهن والمعنى ايضاحا ، أم هو يؤثر أيضا فى " ذات " المعنى ، يوجهه كيف شاء ؟ وبالتالى ان اردنا التفريق ب " المقامات " والفروق ، هل نصل فى النهاية الى تيسير ، أم الى تعسير ؟

قد يكون استنطاق السياق الزم ، مع المفردات التى تستعمل لمعان عدة : كالعين مثلا ، لكن أيمكن أن نتخذ ذلك قياسا فى المقارنة بين لفظتين ، ظن انهما ترادفتا ؟ ثم أليس فى هذا تكلف وحذلقة لا يتعديان القشور ؟

. . وعلى ما سبق ، يصح القول بأن الاغراق فى التماس الفروق - أيا كان نوعها - وتلفيقها للتمييز بين ) المترادفين ( ، أو ارسال العنان للعاطفة المشبوبة تمجد الترادف وتوسع له أفسح المجالات ، قلت : كل ذلك أحج حيرة عقلية هادفة ، اتجه مسر بها - فى الاخير - نحو الرصانة وحسن التصرف فى التوفيق والاعتدال ؛ ذلك انه مادام " الحدث اللغوي " - على ترامى الايام - هو الذي أمدنا بكلمات مترادفة أصلا ، فانما هي سبحات فلسفية وخطرات حوارية ، وردود فعل تسلطت على ذلك ، رغبة فى التوسيع أو التضييق . واذن ، بناء على بطلان القول بأن الترادف غير موجود ، وبناء على كون هذا من فضائل العربية فى الماضى ، ومن نقائصها فى الحاضر حيث نراه يعاكس الروح العلمية ، فالمصطلح لا يقبل التعدد ، وروح العصر لا تسيغ التكرار في الادب ، بناء على جميع ذلك ينهج بنا الرأى الى التخفيف من تلك الغوغائية الشائعة على مسربيها المتعاكسين اننا ان " شذبنا " الكثير من مادة دعاة الترادف المعجميين تبدد ذلك القول " بأن كثرة المترادفات فى العربية تضخم القاموس العربى . " ) 34 )

. . ومن ثم يبطل أن يكون الترادف هو مصدر الحيرة والفوضى

- ؟ واذا كان ابن خلدون قد اعتبر أن العربية دخلها تغيير حتى فى قبائل العرب نفسها ، فما ذلك الا لانه كثيرا ما يجابه التفاعل الانسانى والحياة باتساع الثنايا وتنوع الكائنات وتشابه الحادثات ، وتقارب الظواهر والأشياء وتلا حمها وكثيرا ما اتسم ذاك التفاعل باختلاف النظرة للمسميات ، وبتشتت ملكة التقييم لذلك نشأت ألفاظ التقت في معناها أجزاء ، وأخرى تم فيها التطابق ، واستقر ستعمالها عند الجميع بما فيها تلك المفردات التى تشترك فى معنى واحد والتى صدر كل منها عن لسان قوم . . انما علينا دوما أن نذكر أن العرب القدامى شغلتهم الموسيقى اللفظية عن ملاحظة الفروق بين الدلالات مما ترتب عنه كثرة الالفاظ المترادفة . . وأخشى أن نبقى على " اقتفاء الاثر " فنمكث مشدوهين أمام هذا السيل العرم من المترادفات المولدة ، ولن يغيب عنا مثلا أننا سمينا جهاز الاذاعة المرئية التلفزة ( وأهل الشرق ب ) التلفاز ( والتليفزيون زيون ( .

واننا لنجد صدى لذلك فى العامية التونسية حيث تكثر المترادفات أيضا ، مثال ذلك ما يقال في لهجة الجهات الساحلية : برنية : درجية : برادة

قد يشير هذا الى أن اللغة متينة الارتباط بالوجود الاجتماعى وتطوره ، وتبعا لهذا تتطور المفردات " من الخشونة الى اللين ومن الجفاف الى الطلاوة ، ومن التناشز الى التناغم . ويكفى أن نتذكر الغضنفر ثم الاسد والعسلوج ، ثم الغصن والقيهل ، ثم الوجه والحندورة ، ثم العين ، كى يتضح لك البعض مر هذا التطور المستمر " ) 35 (

وعساه يكون من المهم أن نتعرض الى بعض أوجه الاتصال بين الترادف والفصاحة . . جلى أن المفردات المترادفة سواء فى البيان ، فى حالة الافراد الا بوجهين :

1 كون هذه مألوفة مستعملة ، وتلك غربية وحشية . 2 ( أن تكون حروف هذه أخف وامتزاجها أحسن . . ) 36 ( أما فى حالة النص فهناك تتجلى عناصر جديدة للبلاغة . فقد يكون لاحدى المترادفتين " فى تحسين المعنى وتزيينه واحداث خصوصية فيه تأثير لا يكون للاخرى " ) 37 ( .

ولنفقه هاته الاشارة اللطيفة ، لنا أن نرجع الى سورتى القارعة والغاشية ، وهما بمعنى القيامة . ففي استعمال الاولى : " ما يلقي صورة القرع واللطم . . ومن تناسق العرض أن تسمى القيامة بالقارعة ليتسق الظل الذى يلقيه اللفظ ، والجرس الذي تشترك فيه حروفه كلها ، مع منظر الناس كالفراش المبثوث والجبال كالعهن المنفوش " ) 38 ( . أما لفظة الواقعة فتثير فى الشعور صورا ومشاعر أخرى " بما فيها من مد ثم سكون أشبه بسقوط الحسم الذي يرفع ثم يترك فيقع فينتظر له الحس فرقعة ورجة : وهكذا يلبى الساق ما يتوقعه الحس ، فهى خافضة رافعة " ) 39 (

فمن هذه الزاوية ، استعمل الترادف ، كوجه من اوجه السحر البياني ، ومن هذه الزاوية ايضا نلج الميدان التطبيقى التعليمى ، واننا لواجدون دعوة الى تيسير العربية : مجاراة لروح العصر وعقول الشباب ، ومن وجوه التبسيط " تحديد معانى الالفاظ تحديدا منطقيا فلا نسرف فى اصطناع المترادف الذي بجعل الالفاظ غير مفصلة على قدود المعاني " ) 40 (

ومن وجوه التبسيط أيضا : - اجتناب المترادفات الغريبة - الاعتدال فى تناولها ) 41 ( - ملاحظه الفروق بين الالفاظ ، قصد الحاق الفارق في التفسير ، اذ كان لا بد من ذلك . حتى يتم ادراك : " أنه من المتأكد أن يتصدى الشرح الى ابراز ما فى المفردات من لون ومن قوة ايجاء " ) 42 (

والدى يتراءى لى فى هذا الموقف : ان الصعوبة ما زالت بعض منافذها متعلقة فلعل الهمم تهفو الى شىء من الانارة ، وفى ذلك أجل خدمة تسدى الى لغة هي جوهر أصالتنا . .

اشترك في نشرتنا البريدية