الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

الترادف والاشتراك في اللغة

Share

اختلاف العبارات والإسماء يوجب اختلاف المعانى . فالاسم كلمة تدل على المعنى دلالة إشارة ، واذا أشار الاسم الى الشئ مرة واحدة ، وعرفت دلالته عليه والاشارة اليه مرة أخرى غير مفيدة . واذا أشار الاسم فى المرة الثانية والثالثة الى خلاف ما أشار اليه فى المرة الاولى ، كان ذلك صوابا . وإن كل اسمين يجريان على معنى من المعانى ، فان كل واحد منهما يقتضى خلاف ما يقتضيه الآخر ، وإلا فان الثانى يكون زائدا لا يحتاج اليه

قال الله تعالى جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " . قال المبرد فى تفسير هذه الآية : عطف شرعة على منهاج لان الشرعة لاول الشئ ، والمنهاج لمعظمه ومتسعه . يقال : شرع فلان فى كذا ، اذا ابتداه ، وأنهج البلى فى الثوب ، إذا اتسع فيه . قال المبرد : ويعطف الشئ على الشئ - وإن كانا يرجعان إلى شىء واحد - إذا كان فى أحدهما خلاف للآخر ، فأما إذا أريد بالثانى ما أريد بالأول ، فعطف أحدهما على الآخر خطأ .

جاء فى المنحد فى شرح مادة : " شرع " شرع : سن شريعة . شرع الطريق : أظهره . شرع الباب الى الطريق : أنفذه اليه . شرع الحبل أدخل طرفيه فى العروة . شرع فى الماء : دخل فيه ، شرع الوارد : تناول الماء يكفيه أو بفيه . شرع الماشية : أوردها الماء . شرع الامر : بدأه . شرع يضرب : أخذ يضرب ( من أفعال المقاربة ) . الشرعة أو الشرعة : العادة وكلها معان تفيد ما أشار اليه المبرد فى تفسيره

وشرح مادة " نهج " جاء فى المنجد بمعنى : انبهر وتتابع نفسه وأخذ يلهث . نهج الثوب : بل . نهج الثوب : أخلقه . نهج الامر : أبانه وأوضحه نهج الطريق : سلكه . أنهج الدابة : سار عليها حتى انبهرت . النهج الطريق الواضح . المنهج والمنهج والمنهاج : الطريق الواضح . المنهج : الثوب الذى أسرع فيه البلى . وهذه معان تفيد أيضا ما أشار اليه المبرد فى نفسه . ذلك شاهد أول - من القرآن الكريم - على ما نحن بصدد تقريره

والشاهد الثانى - من كلام العرب - قول الشاعر

أمرتك الخير فافعل ما أمرت به        فقد تركتك ذا مال وذا نشب

ذلك إن المال يعنى به ما ملكه الانسان من جميع الاشياء ، وهو عند أهل البادية يطلق على النعم والمواشى . وإن النشب هو ما ينشب ويثبت من العقارات . ويبدو لى أن المال أخص من النشب ، فالاول يختص بالصامت من المملوكات ، والثانى يعم الناطق والصامت من الاشياء . ومن جهة أخرى يختص النشب بالعقار ، وهو كل ما له أصل وقرار كالارض والدار ، وهو معنى قول أبى هلال العسكرى : " ما يثبت وينشب من العقارات ، ويعم المال الثابت والمنقول من الاشياء وهذه المعانى والفروق بينها جاءت فى المنحجد عند شرح مادتى : " المال " و " النشب " . وفى " باب العين " يعرف أبو الحسن الجرجانى العقار بما له اصل وقرار مثل الارض والدار ، وهو تعريف يناسب معنى النشب عند أبى هلال العسكرى ، إلا أن العين مضمومة فى تعريفات الجرجانى : " العقار ، وهى فى المنجد مفتوحة : " العقار

والشاهد الثالث قول الحطيئة : ألا حبذا هند وأرض بها هند ، وهند أتى من دونها النأى و البعد . فالنأى أدنى ما يبلغ اليه الذاهب عنك ، والبعد هو الذهاب الى الموضع السحيق . والمعنى : أتى من دون هند النأى الذى هو أول البعد ، والبعد الذى يكاد يبلغ النهاية . والمنجد لا يفرق بينهما فى مادة " نأى " ، وفى مادة " بعد " يعمم ، فيجعله ضد " قرب " فيعم بذلك أول البعد وغايته .

قال أبو هلال العسكرى قاله ههنا فى العطف ( يعنى المبرد ) يدل على أن جميع ما جاء فى القرآن وعن العرب من لفظين جاريين مجرى ما ذكرنا من " العقل واللب " و " العلم والمعرفة " و " الكسب والجرح " و العمل والفعل " معطوفا أحدهما على الآخر ، فانما جاز هذا فيهما لما بينهما من الفرق فى المعنى . . ومعلوم أن من حق المعطوف أن يتناول غير المعطوف عليه ليصح التعاطف بينهما . إلا أن يذكر الثانى تفخيما ، ويفرد عما قبل تعظيما ، قال الله تعالى : من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل ( قراءة قالون عن نافع ) ، فعطف جبريل وميكائيل على الملائكة - وهما منهم . وأفردا بالذكر بعدهم تفخيما وتعظيما .

ومن القواعد المقررة عند بعض النحويين : أن اللفظ لا يجوز أن يدل على معنيين مختلفين ، حتى تزاد علامة مميزة لكل واحد منهما ، وإلا أشكل وألبس على المخاطب .

قال أبو هلال العسكرى : " وليس من الحكمة وضع الادلة ( الكلمات ) المشكلة إلا أن يدفع الى ذلك ضرورة او علة ، ولا يجئ ، فى الكلام غير ذلك إلا ما شذ وقل " .

مما تقدم ، يذهب بنا القول مذهب القائلين بمنع الاشتراك والترادف فى اللغة ، فكما لا يجوز أن يدل اللفظ الواحد على معنيين ( المشترك ) فكذلك لا يجوز أن يكون اللفظان يدلان على معنى واحد ( المرادف ) .

قال أبو هلال العسكرى : " لأن فى ذلك تكثيرا للغة بما لا فائدة فيه " . والمنجد - وإن ذهب هذا المذهب فى خصوص المرادف - حيث قال : ترادفت الكلمات : تشابهت فى المعنى : ولم يقل : تساوت . فالتشابه يكون من بعض الوجوه . لكنه يخالف هذا المذهب فى تفسير المشترك ، حيث يقول : لفظ مشترك : تشترك فيه معان كثيرة كالعين . فهو - كما ترى - ليس له موقف لغوى محدد ومدقق .

أما أبو الحسن على الجرجانى فيذهب فى تعريفاته خلاف هذا المذهب تماما ، فيعرف المرادف بأنه ما كان مسماه واحدا واسماؤه كثيرة ، وهو خلاف المشترك الذى يعرفه بأنه ما وضع لمعنى كثير بوضع كثير ، كالعين : لاشتراكه بين المعانى . ومعنى الكثرة ما يقابل الوحدة ، لا ما يقابل القلة ، فيدخل فيه المشترك بين المعنيين فقط ، كاللقرء والشفق ، فيكون مشتركا بالنسبة الى الجميع ، مجملا بالنسبة الى كل واحد . فالقرء هو الوقت ، ولكن ، أى وقت أهو ما بين الحيضة والحيضة ، أم هو ما بين الطهر والطهر ؛

ويذكر الجرجانى تفصيلا لانواع المشترك ، فيقول : " والاشتراك بين الشيئين ان كان بالنوع يسمى : مماثلة ، كاشتراك زيد وعمر فى الانسانية وان كان بالجنس يسمى : مجانسة ، كاشتراك انسان وفرس فى الحيوانية وان كا بالعرض ، ان كان فى الكم يسمى : مادة ، كاشتراك ذراع من خشب وذراع من ثوب فى الطول ، وان فى الكيف يسمى : مشابهة ، كاشتراك الانسان والحجر فى السواد . وان كان بالمضاف يسمى : مناسبة ، كاشتراك زيد وعمر فى بنوة بكر . وان كان بالشكل يسمى : مشاكلة ، كاشتراك الارض والهواء فى الكروية . وان كان بالوضع المخصوص يسمى : موازنة وهو ألا يختلف البعد بينهما ، كسطح كل فلك . وان كان بالاطراف يسمى مطابقة ، كاشراك الاجانتين فى الاطراف "

اشترك في نشرتنا البريدية