الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "المنهل"

التربية الاجتماعية فى عهد الاسلام

Share

١

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى .

أما بعد ، فلقد علم علماء التاريخ ما كان فى العالم القديم من توارث حق الوصاية على النوع البشري فى تصوراته واحكامه العقلية ، واعتقاداته الدينية وكانت الفوضى فى الامة العربية سائدة ! والأمن فى بلادهم قبل الاسلام مختلا الفرد يفرغ جهده فى الفرد ، والجماعة يشتد عدوانها على الجماعة ؛ ويعدون ذلك كله اثر نخوة أصابوا به المحز من معنى الحرية . أرأيت كيف قال شاعرا يفتخر بما يأخذه من حمية الجاهلية :

اذا أنا لم أنصر أخي وهو ظالم  على القوم لم أنصر أخي وهو يظلم

أما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فى الصحيح : أنصر أخاك ظالما أو مظلوما " فغير مراد منه المعنى الذي قصده الشاعر من الاعتصاب مطلقا حقا أو باطلا بل كشف النبى صلى الله عليه وسلم عن مراده بنفسه حين قالوا له : هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما ؟ . فقال : " تأخذ فوق يده " . والمعنى تحجزه وتقيم صدره عن الظلم ولا جرم ان وقايته من العقوبات نوع من النصر والاعانة ثم ان هذه الجملة : ) انصرا أخاك ظالما او مظلوما ( أول من تكلم بها جندب بن العنبر ، وأراد بها ما اعتاد من الحمية الجاهلية فاقر النبى الجملة ، ولكن نقلها عن موردها الاول ، وحملها على معنى اجتماعي يجعلها فى جملة الارشادات الاسلامية

تأخذ الآن ببيان القواعد الأساسية لهذه التربية الاجتماعية وهي نوعان :

حقوق وواجبات ، فحرية العقل ، وحرية النفس ، وحرية العلم ؛ هي من حقوق الانسان التى أعلنها الاسلام والواجبات الشخصية والواجبات المنزلية ) أو العائلية ( والواجبات الاجتماعية ، من تعاليم الاسلام . وآني اتكلم على هذين النوعين من الحقوق والواجبات بقدر ما يتسع له وقت المحاضرة وان كان كل واحد منها يحتاج الى محاضرة مستقلة .

حرية العقل

منيت هذه المزية الكبرى فى الانسان مزية العقل - بمن يسيطر عليها ؛ ويمنمها من تادية وظائفها حسبما استعدت له من اقدم الايام ، حتى جاء الاسلام بحرية العقل واطلاق العنان له لينظر فى هذا الكون نظر اعتبار ، ويستكنه ما أودع فى خزائنه من الحقائق والاسرار قال عز من قائل : ) قل انظروا ماذا فى السموات والأرض ( وهذا النظر علمي عملى ينتج افضل النتائج والثمار ، وقد دلت الاية على ان الانبياء عليهم الصلاة والسلام قد فتحوا للناس أبواب البحث والنظر فى العلوم الكونية ، وقد وجه القرآن الكريم انظارنا الى آثاره تعالى فى الكون تذكيرا بالنعمة ، وحفزا للفكرة ، لا تقريرا لقواعد الطبيعة ، ولا الزاما لاعتقاد خاص بالخليقة ، كما قال بعض الحكماء ، وهو فى الاستدلال على التوحيد لم يفارق هذه السبيل . وانظر كيف يقرع بالدليل ) لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا ( . ) ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون ( .

فالاسلام فى هذه الدعوة الى وحدانية الله لا يعتمد على شئ سوى الدليل العقلي والفكر الانساني الذي يجرى على نظام الفكرى - وهو ما نسميه بالنظام الطبيعى - فلا يدهشك بخارق العادة ، ولا يغش بصرك باطوار غير معتادة ؛ ولا يخرس اللسان بقارعة سماوية ولا يقطع حركة الفكر بصيحة آلهية .

حرية العلم

ان نسبة العلم الى القوة العاقلة ؛ كنسبة الغذاء الى القوة الجسدية . وقد سطر التاريخ عداء العالم القديم للعلم . . جاء فى دائرة معارف لاروس : ) أما هم - يعنى الاقدمين - فيعتبرون ان العلم هو الشجرة الملعونة التى تقتل باثمارها بني آدم ( . وقد جاء الاسلام وحرر العلم من القيود التى كان يرسف بها ؛ واعلن أنه يجب ان يكون محبوبا مطلوبا ، لا عدوا مطرودا ، فتح الاسلام للعقول أبواب العلوم باسرها ، والمعارف بجملتها . قال تعالى : ) فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ( وقال : ) انما يخشى الله من عباده العلماء ( . وقال عليه الصلاة والسلام : " الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنى وجدها " قال حكيم :

" إلام افضت طبيعة الاسلام بالمسلمين ؟ وماذا كان اثرها فى اسلافهم الأولين ؟ فتح عمرو بن العاص مصر ، واستولى بجيشه على الاسكندرية بعد لحاق النبى صلى الله عليه وسلم بالرفيق الاعلا بست سنوات فى رواية وتسع سنوات فى رواية أخرى ، والاسلام فى طلوع فجره ، وتفتح نوره فكان من بقايا ما تركت الازمان الأولى رجل مسيحى من اليعقوبيين اسمه يوحنا النحوى كان فى بدء أمره ملاحا يعبر الناس بسفينته ، وكان يميل الى العلم بطبيعته ، فاذا ركب معه بعض أهل العلم أصغي الى مذاكراتهم ، ثم اشتد به الشوق فترك الملاحة واشتغل بالعلم وهو ابن أربعين سنة ؛ فبلغ فيه ما لم يبلغه الناشئون فيه من طفولتهم وقد احسن من العلم فنونا كثيرة حتى عد من فلاسفة وقته واطبائه ومناطقته يقول كثير من مؤرخي الاوربيين ومؤرخ المسلمين : ان عمرو بن العاص سمع به فاستدناه منه وأكرمه لعلمه ، ووقعت بينهما صلة ظهر أمرها واشتهر حتى قال أحد الفلاسفة الغربيين : إن المحبة التى نشأت بين عمرو بن العاص فاتح مصر ويوحنا النحوى ترينا مبلغ ما يسمو اليه العقل العربي من الافكار الحرة والرأى العالى ، فبمجرد ما أعتق من الوثنية الجاهلية ودخل فى التوحيد المحمدي أصبح على غاية من الاستعداد للجولان فى ميادين العلوم الفلسفية والادبية من كل نوع .

خالط المسلمون أهل فارس وسوريا وسواد العراق وأدخلوهم فى أعمالهم ولم يمنعهم الدين من استعمالهم حتى كانت دفاترهم بالرومية فى سوريا ولم تغير بالعربية الا بعد عشرات السنين فاحتكت الافكار بالافكار ، وافضت سماحة الدين الى ان أخذ المسلمون فى دراسة العلوم والفنون والصنائع . يقول الفيلسوف غوستاف لويون : " ان العرب اول من علم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين . ويقول فيلسوف آخر : " ان العلوم التى تلقاها العرب عن اليونانيين وغيرهم - وكانت ميتة بين دفات الدفتر مقبورة بين جدران المقابر او مخزونة فى بعض الرؤوس كانها احجار ثمينة فى بعض الخزائن لاحظ للانسانية منها سوى النظر إليها - صارت عند العرب حياة الآداب وغذاء الارواح ، وروح الثروة وقوام الصنعة ومهمازا للقوى البشرية يسوقها الى كمالها الذي اعدت له وليس فى الاوربيين من درس التاريخ وحكم العقل ثم ينكر ان الفضل فى إخراج أوربا من ظلمة الجهل الى ضياء العلم ، وفي تعليمها كيف تنظر ، وكيف تتفكر ، وفى معرفتها ان التجربة والمشاهدة هما الاصلان اللذان يبنى عليهما العلم - انما هو للمسلمين وآدابهم ، ومعارفهم التى حملوها اليهم وادخلوها من اسبانيا وجنوب ايطاليا وفرنسا عليهم

للبحث صلة

اشترك في نشرتنا البريدية