الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

التربية في مجتمع يتطور*

Share

الأهداف التربوية :

نحن نعرف أن هناك أهدافا عامة للتربية متفق عليها تقريبا مثل تكوين  المواطن الصالح " أو " إعداد الفرد للحياة المتطورة " أو " الخروج من التخلف الى غير ذلك . ولكن هذه الاهداف عامة قد تحتاج الى تحليل وتفسير . ومن المفيد جدا فى نظرنا ان تكون للتربية أهداف تربوية أكثر تفصيلا كى توضع البرامج ونظم الدراسة على ضوئها . وها نحن فيما يلى نقترح الاهداف العشرة التالية وهي فى نظرنا ضرورة لتكوين المواطن الذى يعيش فى مجتمع سليم :

1الصحة والسلامة الجسدية والعقلية : هما فى مقدمة كل الاهداف التربوية . فالمطلوب من التربية ان تنشى اشخاصا اصحاء البنية اقوياء يعيشون عيشة صحية فى المأكل والمشرب والمسكن والملبس والرياضة كما أنهم يتجنبون الاخطار على حياتهم قدر المستطاع : اخطار العدوى وحوادث الطرقات واخطار الكحول والدخان والمخدرات الى غير ذلك . وحفظ الصحة يتطلب معرفة حقائق صحية وغرس عادات صحية وتكوين اوضاع نفسية  وارادة للحياة الصحبة . فالمطلوب من التربية ان تنشئ الفرد على النظافة الجسدية والعمل على نظافة البيئة التى يعيش فيها وعلى الاعتدال والانتظام فى الاكل والشرب والنوم وعلى الاستمرار على الرياضة والعبادة فى الهواء الطلق  على قدر الامكان .

) 2 ( تحقيق السعادة العائلية . فالأب والأم يوفران للطفل علاقات المحبة والتعاون والمشاركة فى السراء والضراء فمن المهم جدا ان تعمل التربية على تكوين الشبان والشابات الذين يبنون بيوتا سعيدة ويخلقون خلايا سليمة فى

جسم الأمة . والى جانب البيت السعيد والعائلة السليمة تتكون علاقات اجتماعية مبنية على التعارف والتعاطف مع الجيران والاقرباء والاصدقاء فالعلاقات الانسانية هذه هي من أثمن ما يعطى حياة الانسان بهجة ومعنى ولتحقيق هذه الاهداف لا بد من تنشئة الفتاة الشابة والفتى الشاب على ممارسة تربية الاطفال والعناية بالاقتصاد العائلي والتدبير المنزلي . فذلك أهم فى نظرنا من درس الفتاة للعديد من المواد المدرسية النظرية التى قد لا تفيدها كثيرا فى الحياة ان لم نقل قد تضرها .    

3وسائل الاتصال الاجتماعى : اللغة وحسن التصرف فى مخاطبة الآخرين . الانسان اجتماعي بالطبع ولا يعيش بدون تفاهم واتصال بافراد المجتمع الآخرين وحتى بأفراد مجتمعات أخرى ولذلك فمن أهداف التربية الاساسية تعليم اللغة القومية كلاما وقراءة وكتابة . فتعلم لغة الأم هو من أول الضروريات التربوية يليها تعلم لغة اجنبية واحدة على الاقل . والاتصال الاجتماعى يتطلب تعليم الاطفال أصول مخاطبة الآخرين بأدب ومراعاة حقوق الغير فى الحياة الاجتماعية . ففي ذلك يقول نبينا عليه الصلاة والسلام ادبنى ربي  فأحسن تأديبي

) 4 ( الانتماء والولاء : من أهم ما تعنى به الدول الحديثة تعريف المرء بذاته القومية وبانتسابه الى أمة لها تاريخها وحضارتها ولها لغتها ودينها وآدابها  والى وطن له حدوده ومناظره الجميلة وثروته الطبيعية . والى دولة لها دستورها ورئيسها وعلمها ونشيدها الوطني . فالانتماء الى الأمة والى الوطن والى الدول يجب ان يكون كاملا وشاملا والولاء والاخلاص لهذا الانتماء ينبغى ان يؤسس  على العاطفة والعقل معا بحيث ترتبط حياة الانسان بحياة أمته وتتحد مصلحته   مع المصلحة القومية والوطنية . وان يخلص الفرد كل الاخلاص للمجتمع الذي يعيش بين ظهرانيه وينعم بحمايته ورعايته وان يكون مستعدا دوما لتحمل مسؤولياته المدنية من احترام القانون والى دفع الضريبة الى المشاركة في الانتخابات الى خدمة العلم والاسعتداد للتضحية بالنفس والنفيس دفاعا عن  الأمة والوطن .

لا شك في ان هذا الانتماء وهذا الولاء لا يزدهران بالدرس والموعظة فحسب بل بالممارسة العملية لافعال تربوية يقوم بها الطلاب وخدمات انسانية يتعهدونها ولا سيما فى المناسبات الوطنية . وللقدوة الحسنة والاعتراف بفضل المخلصين دور كبير فى تنمية الروح الوطني

نحن نعلم ان هناك فى عالمنا الحاضر تيارات فوضوية غريبة تعمل على اضعاف الشعور بالانتماء الى الأمة والوطن وزعزعة الولاء لهما . وهذا ما نرجو ان تتيقظ من أجله القوى البناءة فى المجتمع فتنقذ التربية من مثل هذه التيارات الخطرة .

ان اثبت ولاء فى نظرنا هو ذلك الذى ينمو فى جو ديمقراطى حر ، الولاء الذي يقرن العاطفة بالعقل ولذلك فالمشاركة الفكرية والعاطفية فى تقديم الخدمات للأمة والوطن هى أقوى فى مجتمع ديمقراطى حر منها فى مجتمع  يحكم حكما بوليسيا أو يتظاهر أفراده بالولاء تصنعا ورياء طمعا أو خوفا

) 5 ( المشاركة فى الانتاج الاقتصادى وتأدية خدمات تعود على الفرد بما يكفل أوده فى الحياة من ألزم أهداف التربية الحديثة . فالتربية يجب أن تصبح  عامل انتاج للمجتمع قبل ان تكون عامل استهلاك . ولذلك وجب تهيئة  الفرص لكل فرد من المجتمع المتطور للقيام بعمل يستدعي استعمال اليد الى جانب استعمال الفكر وان قدسية العمل فى الارض وفي التراب وفي المصنع وفى الحانوت يجب ان تصبح من أول مستلزمات التربية الحديثة . فالتربية  قد تكون فاشلة بل وضارة اذا عملت على خلق طبقة من الناس طفيلية تترفع عن العمل اليدوى

تخطر فى ذهنى وأنا أحدثكم فى هذا الموضوع ثلاثة أسماء من تاريخنا  القديم والحديث . الاول : الامام على ابن أبى طالب الذى كان يشتغل فلاحا  يعمل بالاجرة فى البساتين لكى يكسب رزقه . والثاني : الامام أبو حنيفة الذى كان " بزازا " يبيع الأقمشة فى حانوت فيعيش من كسبه ويجمع بين  الكسب والتدريس . والثالث : شيخ عراقي في بلدة عانة ) على نهر الفرات اسمه الحاج شريف فانه كان بناء يشتغل فى بناء البيوت وهو فى الوقت  نفسه عالم ديني يقوم بتدريس الدين

المهم هو ان تنظر التربية الى الاعمال الانتاجية والى توجيه الناشئة الى الاشغال الحرة نظرة جديدة نظرة تقدير واهتمام . وان يصبح العمل المنتج جزءا أساسيا من تربية الفرد . فالعمل اليدوى ضرورى لكل انسان فهو  وسيلة كسب الرزق وانماء الثروة القومية للاكثرية الساحقة من أبناء الأمة  وهو وسيلة رياضة وترفيه للأقلية التى تشتغل بالمهن الفكرية فالطبيب أو المحامي يمكنه الاشتغال فى الحديقة أو فى معمل ميكانيك أو نجارة فى ساعات الفراغ .  

تنمية الروح العلمي وحب البحث عن الحقيقة هو من أهداف التربية الاساسية . فالجيل الجديد يعيش فى عالم جديد هو ثمرة العلم والتقنية . ومن الضرورى ان يساهم الطفل منذ نعومة اظفاره بفحص الاشياء وحب الاستطلاع وجمع النماذج من الطبيعة : الاوراق الازهار الحشرات الطيور الاسماك الخ . . كما يشجع على استخدام آلات القياس والمحركات ويتعرف على مصادر القوى الطبيعية والأجرام السماوية وان يمارس المشاهدة والتجربة . ان الحقائق العلمية تكتسب عن طريق الخبرة والمشاهدة . ولما كنا نعيش فى عصر العلم فمن أهم أهداف التربية هو ان تجعل الانسان يألف عالم العلم والاختراع ويكيف حياته على ضوئه

) 7 ( الفن الجميل والابداع هدف تربوى هام . فالفنون الجميلة تعطى الحياة الطعم والرائحة فتربية الذوق وتقدير الجمال وتشجيع الابداع الفني في الكتابة والشعر والرسم والموسيقى والنحت والتمثيل من الامور التى تعنى بها التربية الحديثة . وهى من مقومات الذاتية القومية . وهذه كلها تتطلب جوا حرا ملؤه الطمأنينة والسرور . والتمتع بالفنون الجميلة هو من حق كل انسان سواء الممتهن هذه الفنون او كان من الهواة . والفنون الجميلة هي من  افضل وسائل التسلية وملء أوقات الفراغ . فكم تكون الحياة جافة ومملة لو لم  نستمع الى عذب الالحان ونتمتع بمشاهدة الرسوم الجميلة ونردد  بعض  المحفوظات الخالدة . وفي موسيقى الجوقة في العزف او فى الانشاد تربية  اجتماعية ممتازة تمثل الوحدة والانسجام الى جانب الشعور بالتسامي الروحى . هذا وان رقى العزف الموسيقى او الغناء فى اى بلد كان يعد من أهم  دلائل رقى ذلك البلد اليوم  

) 8 ( اتساع الافق الانسانى والتفتح على العالم هو من اهداف التربية  الحديثة . فالعالم اليوم اصبح مترابط الاجزاء بشكل لم يسبق له فى التاريخ . فما يحدث فى امريكا او فى الصين او فى فلسطين تصل انباؤه الينا فى دقائق  معدودة . وما يحدث عندنا ينتشر خبره فى العالم بسرعة البرق . اذن فلا بد  من جعل الانسان يعنى بمصير أخيه الانسان ولا بد للبشرية من ان تتعاون على نشر الامن والطمأنينة والخيرات كما تتعاون على التخلص من اخطار الحروب والأمراض والمجاعات . ولذلك فالمجتمعات المتطورة تعنى عناية فائقة بالتعرف على احوال الشعوب وتستفيد من اختباراتها كما انها تعرف ابناءها بالمنظمات  الدولية وما تقوم به هذه المنظمات لخير الانسان  

9 ان تحقيق كل امر من الاهداف يتوقف على الاخلاق . فتكوين الاخلاق الفاضلة او تنشئة جيل يعرف الخير ويريده ويعمل على تحقيقه ويعرف الشر  ويمقته ولديه الشجاعة والقوة على مقاومته هو من أعظم ما تستهدفه اية تربية . لقد صدر لى كتاب فى صيف 1972 عنوانه " نحو توحيد الفكر التربوى فى العالم الاسلامى " اخرجته الدار التونسية للنشر وهذا الكتاب يحوى فصلين احدهما بعنوان " الفلسفة الاخلاقية فى القرآن الكريم " ، وثانيهما بعنوان تجديد البناء الاخلاقي في المجتمع الاسلامى " . واني اشير على من يهمه هذا الموضوع الحيوى الرجوع اليهما . وما أود التأكيد عليه هنا هو ان التربية  الاخلاقية هي الاساس لكل تربية انسانية . اذ بدون اخلاق لا انسانية ولا  انسان .

والهدف الاخير وهو الشامل لكل ما مر من أهداف هو الايمان والنظرة الكونية الصحيحة التى تنقذ الانسان من مرض العزلة والقلق فى هذا  العصر المتفجر المملوء بالحوادث القاسية والمختنق بالماديات

ان انسانية الانسان انما تتحقق فى ادراكه معنى الوجود وان هذا الوجود ما خلق عبثا ولا اعتباطا وثم الصعود من هذا الادراك الى معرفة خالق الوجود واهب النعم . فواجب التربية اذن توفير جو روحى تعبدى يعطى الانسان شعورا بالارتباط بخالق الكون والشكر على نعمه التى لا تحصى على الانسان وفي مقدمتها ارسال الرسل لهداية الانسان . ان اعظم خطأ تقترفه المجتمعات الحديثة من شرقية او غربية هو تأكيدها على الحقول المادية فى الحياة ) وهو أمر  مقبول ( واهمالها نسبيا النواحي الاخلاقية والروحية اذ بذلك يفقد التوازن في الحياة ويسود الفراغ الروحى والعقائدى فى النفوس والعالم يعيش فى صراع  وقلق مستمرين . ولذلك فالهدف الروحى فى التربية ) الايمان ( هو فى نظرنا اسمى هدف نرجو ان تعنى به المجتمعات المتطورة

) 1 ( الصحة والسلامة . ) 2 ( الحياة العائلية السعيدة . ) 3 ( الترابط الاجتماعى بواسطة اللغة . ( 4 ) الانتماء والولاء . 5( الانتاج الاقتصادى ) 6 ( الروح العلمي وحب الحقيقة . ) 7 ( الفنون الجميلة . ) 8 ( اتساع الافق الانسانى . ) 9 ( الاخلاق . ) 10 ( الايمان بالقصد الكونى

أهداف عشرة للتربية الاساسية هى ضرورية فى نظرنا لكل انسان حر مهما كانت مهنته او اختصاصه . والتربية فى المجتمع المتطور تحتاج الى

تحديد اهدافها سواء قبلت الصيغة التى اقترحناها ام اختارت صيغة اخرى . والى جانب التربية الاساسية العامة التى تحقق هذه الاهداف هناك تربية حرفية وتقنية وزراعية وفنون بيتية ثم دراسات علمية مهنية اختصاصية في شتى فروع العلوم والتقنية وهي ما تقوم به المعاهد الفنية العالية والجامعات والمهم في نظرنا هو ان ندرك ان العلوم والمعارف فى نمو وتطور مستمرين وان الانسان لا يستطيع ان ينتهى من درس اى علم من العلوم واستيعابه تماما فى عصرنا هذا . ولذلك اصبحت التربية " دائمة و استمرارية " فكلنا طالب طوال حياته .

ملاحظات واقتراحات لتطوير التربية فى المجتمع المتطور

ها نحن نبدى بعض الملاحظات والمقترحات لتطوير التربية فى بلاد العالم الثالث :

) 1 ( نقترح ان توضع البرامج بصيغة أفعال يقوم بها الطلاب ومهارات يكتسبونها وميول تحرك فيهم رغبة صادقة فى الحصول على المعلومات .

) 2 ( نقترح ان تقرن المعلومات بالمشاهدة والاختبار والقياس على قدر  الامكان . اما المعلومات اللفظية التى تحفظ ببغائيا فقط فلا تحمل قيمة تربوية كبرى .

) 3 ( نقترح ان تنطبق البرامج على الحياة وتقتبس منها على شكل وحدات حياتية كاملة مترابطة كزيارة ودرس معمل انتاج الحليب او دائرة البريد او مصنع السكر الى غير ذلك . ذلك في الدراسة الابتدائية والصفوف الثانوية ) الاولى ( اما اعطاء العلوم بصورة منسقة ومبوبة فيبدأ فى الاقسام المتقدمة من الدراسة الثانوية والمعاهد العليا . وحتى العلوم هذه نقترح الا تقطع او تجزأ الى اجزاء يعطى فى كل منه جزء من علم بل يعطي العلم كاملا موحدا فى بادئ الامر وتخصص له الوقت الكافي لاتقانه وتطبيقه فلا يعطى الطالب عداد كثيرا من العلوم في الوقت الواحد . اما تجزئة العلم الواحد ودرس فروعه أو فروع فروعه فتؤجل الى الدراسة الاختصاصية  

4نقترح عدم الاعتماد على نظرية الترويض العقلي وحدها عند وضع برامج الدراسة . فذه النظرية تفترض ان بعض المواد الدراسية انما تعطى لتقوية الملكات العقلية . وسواء أصحت هذه النظرية ام لم تصح ، اذ هناك علامة

استفهام كبيرة على صحتها . فالافضل ان تختار المواد الدراسية لما فيها من قيمة حياتية فى حد ذاتها .

5 نقترح تهيئة فرص كافية للطلاب ليمارسوا اعمالا انتاجية والاشتغال فى الحقل والمعمل والحانوت الى جانب قيامهم بنشاط اجتماعى وأدبى وكشفى ونفضل الاكثار من المدارس المسائية التى توفر مجال الدرس والتثقف للعمال والفلاحين وموظفي الدولة والمعلمين فى المدارس الابتدائية . فهؤلاء الذين يمارسون الاعمال الانتاجية والخدمات العامة يستفيدون فائدة كبرى فى جمعهم بين العلم والعمل وذلك بالعمل نهارا والدرس مساء .  

6نقترح تشجيع العمل المستقل يقوم به الطالب فى المكتبة وفى المختبر وفى المعمل الى جانب اعمال تعاونية يتعاون فيها زمرة من الطلاب .

7 ) نظرا لتفاوت قابليات الطلاب وتنوع مواهبهم نقترح جعل التعليم افراديا على قدر الامكان . وذلك بأن يكون لكل طالب برنامج دراسي خاص فلا يجوز أن يكلف الطلاب جميعا بعمل دراسي واحد والسير فيه بسرعة واحدة . فالطالب المتفوق في الذكاء قد يستطيع ان يسير بسرعة فى دراسته والطالب الوسط او المتخلف في السير يحتاج الى وقت أطول . ولذلك فنحن  نحبذ الغاء الاقسام بشكلها الحاضر والاخذ بنظام جوبان الذي يستطيع الطالب فيه ان يحضر اقساما تتلاءم وقابلياته فى كل درس . فااذ كان متقدما فى الحسابيات ومتأخرا فى اللغة الاجنبية مثلا فانه يدرس فى قسم متقدم فى الحساب وقسم أوطأ منه فى اللغة الاجنبية . فالطالب يسير بالسرعة التى تناسبه فى كل درس من الدروس . او الاخذ بنظام فينتكا الذى يجعل بعض الدروس افرادية يسير فيها كل طالب لوحده وبالسرعة التى تناسبه واخرى جماعية يدرس فيها طلاب القسم جميعا الدروس ذاتها وسوية وينطبق الدرس الجماعى بصورة خاصة على دروس الدين والاخلاق والواجبات الوطنية  

وبالتخلص من نظام الاقسام الذي يظلم فيه الاذكياء كما يظلم فيه المتخلفون لاسباب متعاكسة لا يبقى لزوم للطرد من المدرسة ولا لتكرار السنة الدراسية . وذلك لان كل طالب يسير بالسرعة التى تلائمه .

ان المتتبع لاحدث التطورات فى عالم التربية يجد ان التجارب الجديدة اخذت تعود الى اساليب ونظم تربوية كانت مستعملة فى مدارسنا القديمة . ولا سيما نظام التعليم الافرادى ونظام الحلقات للمناقشة . ونظام الخلفات " اى ان

يقوم الطالب المتقدم بمساعدة المعلم فيدرس الطالب المتخلف . التقيت بمدرسة اطفال اميركية مؤخرا فقالت لى : ان الاطفال المتقدمين عندها يساعدون الاطفال المتخلفين وان هؤلاء قد يستفيدون من زملائهم اسرع من استفادتهم منى ذلك لانهم يخاطبونهم بلغتهم وعلى مستوى عقليتهم

8) * ( نقترح استخدام الراديو والتلفزة والسنما لاغراض تربوية منظمة وتخصيص برامج وساعات تدريسية معلومة لمختلف مستويات التعليم

) 9 ( نقترح تشجيع السفرات المدرسية والزيارات الطلابية للحقول والمعامل والمتاحف والمؤسسات الاجتماعية والانسانية والمؤسسات المدنية والخروج الى الطبيعة ) الغابات ، الجبال ، الانهار ، والبحار ( وممارسة الحياة الكشافية كجزء مقرر من برنامج الدراسة الاسبوعى

) 10 ( نقترح الاهتمام بممارسة الفرائض الدينية وتأدية الخدمات الاجتماعية والانسانية باعتبارها عوامل فعالة فى التربية الوطنية . كما نقترح تشجيع الاناشيد القومية المنعشة وتشجيع الانشاد ليصبح من متع الحياة .

بعد ابداء هذه المقترحات الموجزة لتطوير التربية والتعليم نبدى الملاحظات الثلاث التالية :

الاولى : تتعلق باحداث ثورة كوبرينكية فى ادارة التربية والتعليم . فالبرامج والخطط والتعليمات كلها تنزل من أعلى الى أسفل فى كل بلاد العالم الثالث تقريبا . فالطفل او الانسان الذي هو الهدف فى التربية بكاد يصبح حسب الانظمة السائدة وعاء يملأ من أعلى أى انه يخضع لبرامج وخطط تنزل عليه من فوق . من مركز الوزارة . وقد تناسبه هذه البرامج او قد لا تناسبه . فسيادة المتفقد يراقب تطبيق البرامج والتعليمات الواردة من الوزارة مهما كلف الامر . حتى اذا كانت البرامج والتعليمات هذه لا تطابق مقتضى الحال فانها لا تتناسب وقابليات الطلاب او انها قد لا تتصل بحياتهم الحاضرة ان النظم السلطانية فى التربية معروفة فى أكثر بلاد العالم اليوم ولا سيما فى بلاد العالم الثالث . ولكن الثورة التربوية الجديدة وضعت السلطوية على  السندان فصارت تتلقى ضربات المطرقة . فالاسلوب التربوى الصحيح يتطلب ان نعطي المدرسة استقلالا واسعا فى وضع البرامج وتكييفها حسب حاجة المحيط وقابليات الطلاب فيقوم مدير المدرسة وهيئة التدريس بتكييف البرامج وفق اهداف ومبادئ متفق عليها مع الادارة المركزية . ومهمة المتفقد تتجه الى حمل

الخبرات الجديدة من مدرسة الى اخرى ومساعدة المدرسة على السير  فى تنفيذ خططها ومشاريعها . والمدرسة بدورها تعتبر الطالب ونموه واحتياجاته  الاساس فى كل ما تخططه من برامج وتضعه من انظمة . فالطالب هو الشمس تدور حولها الاجهزة التربوية وليس العكس وهذا ما عنيناه بالثورة الكوبرنيكية . فالطالب هو الغاية وهو الهدف فى الجهاز التربوى وليس العكس

هذه ملاحظات نسوقها ونحن مقدرون ما تحدثه ثورة كهذه من مشاكل واخطار وقتية الا انها فى النهاية تعيد الامور الى نصابها الطبيعى فى حقل التربية .

الملاحظة الثانية : ان كل تطور تربوى او اجتماعي يتطلب اعادة النظر فى تكوين المربى وتربيته . فالامل فى التطور التربوى هو تهيئة المربين ثم اعداد الآباء والأمهات فى مهامهم التربوية . والمربى فى المجتمع المتطور ينبغى ان يكون ملما بكل احوال المجتمع ومشاكله وأهدافه كما انه يحسن تطبيق أصح ما جاءت به القواعد التربوية قديمها وحديثها ويشمل ذلك معرفته بعلم النفس ولا سيما علم نفس الطفل ونظريات التربية وأصول التدريس . والاهم من  كل ذلك ان يكون المربى انسانا ذا قلب كبير وعاطفة حب نبيلة . ان هذا الطراز من المربى هو الذي يمكن الاعتماد عليه فى تخفيف المركزية المفرطة فى الادارة اعترافا بفضله وثقة به .

الملاحظة الثالثة تتناول المسؤولية التربوية : من المسؤول عن التربية فى المجتمع المتطور : البيت والاسرة ؟ وزارة التربية القومية ؟ وزارة الثقافة وزارة الشاب والرياضة ؟ وزارة الداخلية ؟ ) هيئات الامن وحماية الاخلاق ( الهيئات الدينية ؟ المنظمات الاجتماعية ؟ ٠٠ .

لا شك في ان هذه الهيئات كلها مسؤولة عن التربية ولكنها مسؤولية مشتتة ومفككة فى معظم بلاد المجتمع المتطور . نحن نعرف ان هناك تصادما يقع بين البيت والمدرسة احيانا فما تبنيه المدرسة قد يهدمه البيت . او بالعكس ثم هناك صراع بين المدرسة والبيئة الثالثة احيانا . فقد يقضى الطالب ساعات معدودة فى المدرسة ثم يذهب الى البيئة الثالثة فيجد فى المحيط الملاهى  والحانات ودور السينما والقدوة الفاسدة التى قد تهدم ما تبنيه المدرسة احيانا .

لقد كنا فى تقاليدنا القديمة نعتبر التربية من مهام البيت والجامع فى الدرجة الاولى ثم تقوم البيئة الثالثة ومن ضمنها المجالس التى يؤمها الافاضل من الناس بمهمة الامر بالمعروف والنهى عن المنكر . اما اليوم فقد نشاهد ان تأثير البيت فى التربية آخذ بالضعف وان الجامع يكاد لا يذكر كعامل تربوى اساسى وان البيئة الثالثة بما فيها من ملاه ودور سينما واذاعة وتلفزة قد تحوى ما يتنافى واهداف التربية الحقة . سامحوني اذا كنت معتديا على الاذاعة والتلفزة فانى آخر من ينكر فضل هذه المؤسسة على التربية واعترف بما تقدمه من خدمات نافعة جليلة احيانا ولكنى انزعجت كثيرا يوم سمعت فى الاذاعة السيدة أم كلثوم تغنى

            يا حبيبي ما بأيدينا خلقنا تعساء           كل شئ بقضاء قدر

وكم كنت أتمنى أن أسمع بدل هذا النغم البائس بيت أبى القاسم الشابى :

إذا الشعب يوما أراد الحياة          فلا بد أن يستجيب القدر

نحن نرجو ان تكون المسؤولية عن التربية شاملة صاعدة من القاعدة الى القمة . فالمسؤولية تبدأ فى البيت ولا بد من اعداد البيت ليكون مربيا ولا سيما في المراحل الاولى من حياة الطفل . ثم المدرسة ثم الجامع تم الهيئات الثقافية فى المجتمع ومن ضمنها ) دار المربى ( ثم سائر قوى البيئة الثالثة بما فى ذلك البلديات وسلطات الامن والاذاعة والتلفزة والسينما والحديقة العامة والمقهى والحافلة . . . فكل هذه عوامل هامة فى توجيه سلوك الفرد اخلاقيا  ومدنيا واجتماعيا . ونود ان نؤكد على ضرورة بعث الحياة الدينية وجعلها عاملا حيا فى توجيه التطور التربوى والاجتماعى نحو الخير والتقوى والصلاح اما الدولة فانها تمثل العوامل التربوية كلها وتعمل على تنشيطها وتوجيهها فى سبيل اهداف الامة ومثلها العليا . والقسم المختص فى الدولة بشؤون التربية هى  وزارة التربية القومية فمسؤولياتها عن اتجاه التربية ونجاعتها وصلاحها مسؤولية لا تحد . والمهم ان يتوفر اتصال وتعاون ناجمان عن شعور عميق بعظم المسؤولية بين كل الجهات المسؤولة  عن تربية الانسان وتطوره في المجتمع الحديث وذلك مصداقا للقول المأثور : كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " .

واني بهذه المناسبة اذكركم جميعا بان تاريخنا وتراثنا التربوى يزودنا برأس ما ل كبير ارجو ان نستثمره لخير مجتمعنا المتطور . فقد أخذت البشرية

تدرك لاول مرة معنى الحديث الشريف : " اطلب العلم من المهد الى اللحد " وهو دعوة لما يسمى اليوم بالتربية الدائمة او " الاستمرارية " . وها هى  التربية الحديثة تنادى بأعلى صوتها اليوم : " علموا أولادكم غير ما علمتم فانهم خلقوا لزمان غير زمانكم " وهو ما قاله الامام على ابن أبى طالب كرم الله وجهه .

هذه ملاحظات عجلى تمثل آرائى الشخصية فى التربية في مجتمع يتطور وهي ثمرة خبرة ودراسة تناهز الخمسين سنة فى حقل التربية ، أضعها مامكم  لا لقبولها بل للنظر فيها ومناقشتها . فاقبلوا منها ما صح وارفضوا منها ما اخطأ .

اشترك في نشرتنا البريدية