الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

التربية في مجتمع يتطور .

Share

يسرنى ان اكون متحدثا اليكم في هذه الندوة الموقرة ندوة " دار المربى " فى موضوع يهمنا جميعا الا وهو : " التربية فى مجتمع يتطور " اقول يهمنا جميعا لان كل واحد منا مهما كانت وظيفته الاجتماعية ومهما كان عمره مشمول بالتربية فكل منا يربى ويتربى فى كل لحظة من لحظات حياته سواء اشعر بذلك ام لم يشعر . وهو اذ يربى ويتربى يتطور وينمو . فالتربية تطور ونمو وهذا التطور وهذا النمو قد يكون ايجابيا وهو ما يؤدى الى القوة  واستمرار البقاء او سلبيا فيؤدى الى الانحلال والفناء . اذن فعلى نوعية  التربية يتوقف مصير المجتمع الانسانى . وهذا يقودنا الى التساؤل عن تعريف المجتمع ثم تعريف التربية

فالمجتمع هو كل تجمع انسانى يربط ويوحد بين افراده بروابط مادية او معنوية او بكليهما معا . فالمجتمع قد يتناول القبيلة او المدينة او الامة او القارة او الانسانية جمعاء

والتربية كما وصفها الفيلسوف المربى جون ديوى هى عملية تجديد البناء الاجتماعى اى عملية قيام المجتمع بادامة ذاته من جهة وبتجديدها وتطويرها من جهة اخرى . فالتربية تسعى لضمان البقاء والتربية تقوم بعملية  تطوير وتجديد . عمليتان متعاكستان في الظاهر ولكنها متكاملتان في الحقيقة انا لا ابقى على قيد الحياة اذا لم اتطور ولا يمكن ان اتطور اذا لم ابق فى  الوجود . اذ ما الذى يتطور غير الكائن الموجود . اذن فالمحافظة والتجديد في حياة الانسان بل وفى الوجود كله هما من سنن الكون عامة ومن سنن الحياة  خاصة .

حقيقة التطور هذه اصبحت من الامور المحسوسة التى لا يختلف فيها اثنان تقريبا . ولقد ازدادت سرعة التطور فى عصرنا هذا بحيث صار

الكثيرون ينعتونه ب " عصر الثورة " او " عصر الانفجار " ، وليس فى هذا الوصف كبير مبالغة . اذن فالمجتمع المتطور يطور التربية باستمرار والتربية بدورها تديم المجتمع فى البقاء ، وتطوره

هناك تساؤل شائع عن دور التربية فى تطوير المجتمع . هل ان التربية تسبق المجتمع فتقوده فى التطور ام انها تسير مع المجتمع فى تطوره ام انها تسير خلفه وهو الذي يطورها ؟ هل ان المبادأة فى التطور فى التربية ام فى المجتمع ؟ ففي الحقيقة ان العلاقة بين التربية والمجتمع والتفاعل بينهما مستمران لا ينقطعان فاذا كان المجتمع يتطور تطورا سريعا فالتربية قد تسير معه او حتى خلفه . اما إذا كان المجتمع متخلفا فالتربية ينبغى ان تكون فى المقدمة فتتولى مهمة القيادة والمبادأة . والمهم في نظرنا ان تحتفظ التربية دوما بشقى مهمتها : البقاء والتطور معا . أما إذا كانت التربية عاملة على محو الذاتية والقيم التى تمثلها الذاتية فى المجتمع ، فانها تصبح عامل فناء وتأخر وليس عامل بقاء وتطور ، وفي هذا البلاء كل البلاء على الانسانية

عوامل التطور

قلنا ان التطور هو من السنن الكونية . فالكون كله يتطور وهو فى حركة دائمة . وما بزوغ الانسان على الكرة الارضية الا من ثمار هذا التطور الكونى وما بزوغ العقل عند الانسان الا من ثمار تطور الانسان . وما نشوء العلم والفلسفة والادب والسياسة والاقتصاد الا من ثمار تطور العقل الانسانى والانسان الذي هو من نتاج التطور الخلاق فى الارض اصبح ذاته من اقوى عوامل التطور على هذه الكرة الارضية . وما التربية سوى عملية استمرار هذا الخلق وهذا التطور . ولقد تأثرت التربية فى تاريخ نشوئها وتطورها من عوامل عدة نذكر منها :

) 1 ( فطرة الانسان الابتدائى وخبراته . ففي درسنا لحياة الاقوام الابتدائية وطرق تربيتهم للناشئة تجد الكثير من الدروس القيمة فى تنشئة الطفل تنشئة طبيعية عن طريق المشاركة فى الحياة . ولذلك فقد اصبح درس " أنثروبولوجية التربية " من الدروس المستحدثة المهمة فى التربية والتعليم

2ومما طور اساليب التربية والحياة الاجتماعية ورفع الانسانية الى المستوى اللائق بها في الوجود الاديان ولا سيما الأديان السماوية وآخرها الاسلام .

فقد جاء الانبياء العظام كمربين ومعلمين للبشرية يهدونهم الى طرق الخير والفضيلة ويردعونهم عن طرق الشر والرذيلة . وبذلك صار الانسان يدرك انسانيته ويعرف موقعه فى هذا الوجود . ويعجبني تفسير الاستاذ الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الازهر الاسبق لكلمة " رب " في " رب العالمين " بانها تعنى مربى " فالله سبحانه هو " مربى العالمين " فهو المربى الاعظم فى الكون . اذن فالدين من اقوى عوامل التطور فى حياة الانسان الاجتماعية والتربوية . والقرآن الكريم فى نظرنا هو اعظم مصدر للفلسفة الاجتماعية والتربوية الصحيحة . فيجدر بالمسلم المربى ان يتعرف بعمق على ما فيه من كنوز الحكمة الاجتماعية والتربوية

3للفلاسفة والحكماء والادباء الانسانيين فضل كبير على تطور المجتمع وتوجيهه نحو الحرية والعدالة والفضيلة . فدرسنا لتاريخ الفكر التربوى يعرفنا بان شخصيات عظيمة كسقراط وافلاطون وارسطو في تاريخ اليونان والفارابى والجاحظ والغزالى واخوان الصفا وابن خلدون فى تاريخ الفكر الاسلامى ، وروسو وبستالتسى وكانت وهربارت وفروبل ومنتسورى فى اوروبا ، وجون ديوى فى اميركا ما هم الا بعض الفلاسفة والمربين الذين عنوا بشؤون التربية وتطورها

يضاف اليهم عدد لا يستهان به من الشعراء والكتاب الذين عنوا بتحرير الانسان من العبودية وثاروا على الظلم والاستبداد وطالبوا بتحرير المرأة كما قام البعض منهم بالدعوة الى الاخلاق الفاضلة . من  منا لا يحفظ قول أحمد شوقى :

   وانما الامم الاخلاق ما بقيت       فان هم ذهبت اخلاقهم ذهبوا

أو قوله :

قم للمعلم وفه التبجيلا       كاد المعلم ان يكون رسولا

4ومما زاد فى سرعة التطور الاجتماعي والتربوى فاحدث الثورة التى شاهدها اليوم الاسلوب العلمي الحديث وتطبيقاته التقنية على الحياة فالعلم الحديث قد اعطى الانسان قوة تقنية حققت الكثير من سالف التخيلات والاحلام ومنها الطيران والهبوط على سطح القمر . فقد اصبح الترابط بين البشر امر واقعيا . والمجتمع البشرى على اختلاف مستوياته ما يزال متخلفا وراء العلم والتقنية الحديثة فى نشوئه وتطوره . ولئن استطاع العلم ان يمنح

الانسان هذه السيطرة الهائلة على الطبيعة فانه لم يتوفق بعد فى جعل الانسان يسيطر على نفسه فيوجه حياته الاجتماعية نحو الخير والطمانينة وهنا تنشا المسؤولية الكبرى التى تجابهها التربية لتصبح اداة اجتماعية فعالة فى استغلال خيرات العلم واستخدامها من اجل خير الانسان وسعادته والحد من انانيته وهمجيته . فما لم تتوفق التربية فى مهمتها الانسانية هذه فالانسانية تقف على ابواب خطر محتم

) 5 ( ومما يعمل على تطوير المجتمع الحديث والتربية معا النظريات والمذاهب السياسية والاقتصادية الرائجة . فالفاشية والنازية والشيوعية والاشتراكية والاصلاحية كلها مذاهب سياسية واقتصادية راجت فى القرن العشرين وكلها عملت وتعمل على تطوير المجتمع كل حسب اتجاهه . وكلها تسيطر على الجهاز التربوي وتسخره على تحقيق أهدافها . ومأساة التربية فى هذه  الحالة هي انها قد تصبح مطية لسياسات قد تخنق حرية الانسان الفرد وتدوس كرامته . او قد تصبح اداة تلقين وتعصب لمذهب فلسفى معين فتجعل من الفرد انسانا معصب العينين لا يرى الا ما يريده المسيطر عليه ان يراه . ومن جهة اخرى فقد تصبح التربية اداة استغلال ودس وخداع باسم الحرية وباسم الديمقراطية . ولذلك فما نرجوه وما نطمح اليه هو ان تكون التربية عامل توجيه وتطوير وتوحيد فى سبيل تحقيق انسانية الانسان باشمل واكمل معاني الانسانية ولذلك فالتربية تحتاج ان تتمتع بشئ من الحرية النسبية والاستقلال النسبي بحيث يصبح فى وسعها ان تستهدف تحقيق الخير الاعظم فى حقلى السياسة والاقتصاد للانسانية الجمعاء

6ومن عوامل التطوير المهمة فى التربية ابحاث " علم النفس " والمدارس التجريبية . فقد توصل علم النفس الى آراء ونظريات تتعلق بمراحل نمو الطفولة والدوافع للتعلم وانتقال التعلم والفروق الفردية فى المواهب والقابليات والعواطف والصحة العقلية والشخصية المتكاملة تستدعي اعادة النظر جذريا فى الانظمة التربوية السائدة . اما المدارس النموذجية التجريبية فهي التى ينشؤها مربون لهم آراء تربوية او اجتماعية خاصة . فانهم يطبقون  فى المدارس هذه الآراء والنظريات ليتحققوا من صلاحها او عدمه وهي بذلك تصبح من العوامل الفعالة فى تطوير نظم التربية والتعليم اذا ثبت نجاحها اذ لاشئ يقنع الانسان اكثر من البرهان بالعيان .

اذن فالمجتمع يتطور والتربية تتطور . وعوامل التطور معروفة فى اكثر الاحوال وفي وسع المجتمع الانسانى ان يؤثر على وجهة هذا التطور وعلى

سرعته . أى ان فى وسع المجتمع ان يخطط تخطيطا تريويا وان تكون لديه بوصلة اجتماعيه تدل على الاتجاه الذى تسير فيه التربية فلا يكون السير فى الظلام او خبط عشواء .

مزالق التطور في مجتمعات العالم الثالث

ان مجتمعات العالم الثالث ومن ضمنها كل البلاد العربية والاسلامية  تقريبا  تريد اللحاق بالعالم المتقدم والتخلص من وصمة التخلف باسرع وقت ممكن وهذه نزعه طبيعية محمودة . ولكنها وهى تستعجل السير احيانا قد تقع فى  مزالق يصعب الخروج منها فى بعض الاحوال . وذلك ينجم عن عدم حسابها  بالدفه والوضوح ما قد ينتج عن اقتباس نظم واهداف تربوية غربية عنها بدون مراعاة كافية لظروف واحتياجات مجتمعاتها . وها نحن فيما يلى نشير الى بعض هذه المزالق

) 1 ( تقليد النظم الغربية فى الشكل وفى المظهر وعدم الاخذ باللب والجوهر فنحن ناخذ ما يقوله الغربى عادة ونكتفى بحفظه واجتراره كانه حقائق منزلة وننسى ان الغربى لم يصل الى حكمه هذا الا بعد الدرس والتحقيق عادة ودلك من وجهة نظره وفى سبيل مصالحه ، وهذا يصدق بشكل خاص على كل ما يتعلق بتاريخنا وحضارتنا وديننا ولغتنا وادبنا . نحن لا نفكر ان فى الغرب علماء يتحلون بالصفات العلمية المطلوبة ولكنهم مهما بلغوا من العلم والنزاهه تبقى نظرتهم الى الامور التى تتعلق بنا نظرة نابعة من تربيتهم وقد تكون  مشوبة  بالأخطاء وسوء الفهم . فمربو العالم الثالث وقادتهم يحسنون صنعا اذا وقفوا هنيهة ومارسوا ما عند الغرب فاخذوا منه الاساليب العلمية المضبوطة  والقيم الخالدة ورفضوا كل ما هو معتل ومشوه من آراء وأساليب ولا سيما فى حقل الاجتماع والفلسفة والادب . نحن ندعو الى الاصالة والتعمق في درس العلوم والفلسفة اما التقليد السطحى واما الاجترار لما هو اجنبي لمجرد كونه اجنبى فهو من المزالق التى ينبغى تجنبها

) 2 ( الاكثار من الدروس والعلوم النظرية والاهمال النسبى للعلوم العملية والتطبيقية . ان عملية الحفظ اللفظي هي ما تطغي على مظاهر التربية فى معظم بلاد العالم الثالث . اما البحث والتحرى واما التجارب والقياسات واما استعمال اليد والفكر معا ثم حب الاكتشاف فهي نادرة في التربية التي تنتشر فى معظم بلاد العالم الثالث . حين نالت هذه البلاد استقلالها السياسى ظهرت

الحاحة إلى تكوين سريع لاطارات الدولة . فقامت الدولة بنشر التعليم النظري وكان المتعلمون آنذاك يمثلون اقلية ضئيلة من مجموع السكان . ولما اتسع المحال التربوى وصار مئات الالوف من الطلاب يقصدون المدارس حسب المبدا  الديمقراطي للتعليم . فهل يطلب من الجميع ان يدرسوا الدروس النظرية  ذاتها ؟ وهل فى وسع الدولة ان تجد الاعمال الحكومية لكل الذين يدخلون المدارس ؟ أليس الافضل بل الواجب تنويع المناهج حسب مواهب الطلاب وميولهم وتوجيه الناشئة الى الاعمال المهنية والانتاجية ؟

) 3 ( ان الاستعجال فى نشر التعليم فى بلاد العالم الثالث طالما ضحى بالكيفية من اجل الكمية . فالصفوف المزدحمة والمدارس الضخمة تجعل من التربية عملية ميكانيكية . ومن المدرسة معملا ) فابريكة ( ينتج بضاعة موحدة الشكل والنوع فهي لا تستطيع العناية بكل فرد فتساعده حسب حاجاته  ومواهبة وقابلياته . لا شك في ان نشر التعليم يتطلب قبل كل شئ اعداد المربين ، وهذا مر يتطلب بعض الوقت ، ولذلك فقد يبرر الاستعجال ايداع الاطفال إلى مربين تعوزهم المؤهلات المطلوبة ومن هنا يكون أساس البناء التربوي رخوا وضعيفا وضعف الاساس يشكل خطرا على كيان المجتمع

4المركزية المفرطة الناشئة عن عدم الاعتماد الكافي على من يتولون شؤون التربية تكبل يد المربى وعقله فى بعض الحالات . فهو اى المربى يصبح اداي ميكانيكية تطبق حرفية النصوص الموكل اليه تعليمها وهذا امر يتنافي مع اسس التربية الحقة التى تتطلب من المربى التكيف والخلق والابداع  فى التدريس كما تتطلب الثقة اللعمة والاعتماد عليه فى كل ما يراه صالحا لتربية من هم بعهدته وفق احتياجاتهم الفردية وظروفهم المحلية والمحيطية

) 5 ( فصل الدروس عن الحياة ثم تفتيت الدروس وتقطيع اوصالها . فدرس اللغة مثلا بدل ان يتصل بحياة الطفل وينبع من محيطه قد يعطي بصورة  جافة بعيدة عن الحياة وبدل ان يعطى بصورة موحدة ومترابطة  قد يقطع ويجزأ إلى قراءة وقواعد ) صرف ونحو ( وانشاء واملاء ومحفوظات ولكل من هذه الاوصال تخصص دقائق معدودة كأن اللغة لا تمثل وحدة حياتية تترابط فيها كل هذه العناصر . والخطر كل الخطر والضرر كل الضرر ينجم عن الفصل بين العلم والدين وبين العلم والعمل وبين العلم والاخلاق وبين الدين والاخلاق  فان العلم بلا دين وبلا اخلاق وبلا عمل صالح قد يكون عقيما وقد يكون ضرره  اكبر من نفعه . ان اهتمام المدارس بحفظ المعلومات واهمالها النسبي للاخلاق

والاداب والتدين لمن اعمق المزالق التى تقع فيها بعض مجتمعات العالم الثالث اليوم .

) 6 ( تضارب الفلسفات والعقائديات فى داخل المدرسة الواحدة وفي المحيط والابتلاء بفوضى فكرية تغذى البغضاء والكفاح الطبقى بين ابناء الشعب وبعضها يدعو الى الفوضى والعنف واخرى تدعو الى العدمية والياس واخرى تدعو الى التحلل الخلقي والفوضى فى العلاقات الجنسية والعزوف عن القيم الاخلاقية  المعترف بصحتها وصلاحها

7عدم التمييز الكافى بين الغاية والوسيلة واعتبار الوسيلة غاية نهائية . لا شك فى ان الوسيلة قد تكون غاية فى حد ذاتها حتى تتحقق ولكنها متى تحققت فما هى الا وسيلة لغاية اسمى . ولنوضح ذلك بمثال : انا اشتغل لأكسب المال فالمال هو غاية وقتية ولكن المال متى حصل هو وسيلة لادامة حياتى وحياة عائلتى . فالمال وسيلة وليس غاية نهائية . فالمال يجب ان ينظر  اليه كوسيلة لتحقيق الحياة الفضلى للانسان لا ان يعبد كما عبد العجل  الذهبى

هل الامتحانات والشهادات التى تعطى فى المدارس هى وسائل ام غايات ؟ لا شك فى انها وسائل . ولكن كثيرون هم المعلمون والطلاب واباؤهم الذين يتخذون من الامتحانات والشهادات غاية اما الاستفادة الحقيقية من التربية فى كسب المعلومات واتقان المهارات وبناء الخلق الكريم والسجايا الفاضلة فانها تصبح ثانوية بالنسبة لاجتياز الامتحان ونيل الشهادة فباجتياز الامتحان ونيل الشهادة ينتهى كل شىء وتكون التربية قد اكملت مهمتها على زعم  هؤلاء . وهذا دليل على خطأ مفهوم التربية الذي يجعل من الوسيلة غاية

8اهمال اللغة القومية والسماح بحشوها بالفاظ وتعابير اجنبية يوجد ما يقابلها فى اللغة القومية . ولظروف قاهرة نرجو ان تكون وقتية وزائلة  تدريس بعض الدروس كالحساب ودرس الطبيعة ) درس المحيط ( فى المدرسة  الابتدائية بلغة اجنبية . اذ من المعلوم ان دروسا كهذه ينبغى ان تعطى بلغة  الام فى المرحلة الابتدائية . وان اعطاءها بلغة اجنبية فضلا عن حرمانه الطفل تعلم الكلمات الضرورية فى الحياة بلغة الام فانه يخلق مشكلة فكرية وتعليمية  لاكثرية الاطفال ما عدا المتفوقين فى الذكاء منهم . ولقد اثبتت دراسات علمية  عديدة ضرر هذا النظام لاكثرية الاطفال . والنتيجة نسبة عالية من الرسوب  وترك المدرسة من دون ان يكون الاطفال قد اتقنوا لغة الام او اللغة الاجنبية  

وقد يؤدى الحال بالكثير من هؤلاء الى نسيان القراءة والكتابة بلغة الام بعد بضعة سنوات فيصبحوا في عداد الاميين وفي ذلك ضياع الملايين من الدنانير التى تصرف على التعليم الابتدائى من دون ان تاتي بنتائج مثمرة . هذا ما اثبتته دراسات علمية محترمة فى حقل التربية . والمهم فى نظرنا هو قيام المجتمعات المتطورة بتعليم لغة الام بصورة سهلة وجذابة فى المرحلة الابتدائية  واعطاء كل الدروس بها .

هذه نماذج من المشاكل التى تجابهها المجتمعات المتطورة والبعض منها تكاد تكون مشاكل عالمية عامة فى التربية فى عالمنا المتطور ولذلك نسمع ونقرأ  كثيرا عن ازمة التربية فى عالم اليوم ، فقد صدرت عشرات التآليف فى هذا الموضوع في السنوات الاخيرة اذكر على سبيل المثال كتاب " ازمة العالم  التربوية " لمؤلفه " فيليب كومس ، " ومجتمع بلا مدرسة لمؤلفه ايليتش " والحقيقة ان ما يحتاج اليه العالم اليوم هو التخلص من الكثير من النظم  والمناهج التقليدية التى اقتبسناها من الغرب والتى لم تعد تصلح لزماننا  فنحن فى حاجة الى تكييف نظم التربية وبرامجها لتتلاءم والبيئة التى نعيش فيها والظروف الاقتصادية التى تحيط بنا ، وليس من السهل اقناع الاهلين  وحتى بعض المسؤولين عن التربية بان هذا النوع من التربية الذى يعزل الطفل  عن الحياة وعن الانتاج وينشئه على الترفع عن العمل اليدوى والكسب الحلال او العمل المضنى ليس هو الصالح لمجتمعنا المتطور . فالتربية فى المجتمع المتطور ينبغي ان ترتبط بالواقع المادي والمعنوى للمجتمع وتتفاعل معه  إذا أريد لها النجاح ، وهذا يتطلب تحقيق الاستقلال الثقافي والتربوى للبلاد  المتطورة لكى تضع برامجها على ضوء حاجاتها ولا تستوردها من الخارج لكي  يعترف بشهادتها . فان اخضاع نظم التعليم لجهة اجنبية لمجرد الحاجة إلى  اعتراف تلك الجهة بالشهادة الدراسية يتنافى وسيادة البلد المتطور واستقلاله  الثقافي وهذا ما هو واقع بالفعل فى عديد من البلاد التى حققت استقلالها  السياسى ولم تحقق استقلالها التربوى بعد .

ولذلك وجب اعادة النظر جذريا فى سياسة التربية فى المجتمعات المتطورة وتحديد الاهداف التربوية بصورة علمية واضحة ثم تهيئة الوسائل والاساليب  لتنفيذ هذه الاهداف ) 1 (

اشترك في نشرتنا البريدية