الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

التسلسل الايحائي في الشعر العمودى

Share

تعريفه

التسلسل الايحائي فى الشعر هو توارد الالهام وتواليه على نسق معين لدى الشاعر أثناء تعاطيه للقريض

الغاية من بحثه :

غايتنا من بحثه هى محاولة ضبط عناصر التوارد ومعرفة الطرق المساعدة للقريحة على التمادى فى قول الشعر

اختلاف عناصره :

عوامل التسلسل وطرقه متعددة متنوعة ، وهي تختلف باختلاف الملكات . وتتباين بتباين التكوين اللغوى والفكرى للشعراء . ولكن هذا التعدد وهذا التنوع لا يمنعان من تحديد المعالم المشتركة للتسلسل الايحائى وحصر أدواته وأساليبه المستعملة عند جمهرة الشعراء

نظرة النقاد القدامى اليه

اغلب دراسات المتقدمين تنظر الى التسلسل الايحائى فى القصيدة العربية نظرة شموليه ، اعتبارا للغرض الاساسى الذى تناولته أو انطلاقا من المناسبة

التى قيلت فيها : فإذا دخلت هذه الدراسات في تعليل تراكب الاجزاء في نفس القصيدة ، فسرت ذلك بالسنة الشعرية التى جرى عليها الرواد فى العصر الجاهلى ، وتبعهم فيها أغلب شعراء العربية حتى أوائل هذا القرن

وهذه السنة توجب الاستهلال بالنسيب مثلا قبل التخلص الى الوصف او المدح أو الى ما شاكل ذلك من الاغراض وهذا لا يعني أن هذه الدراسات أغفلت ذكر أسباب الربط بين هذه الاجزاء ، ان النقاد القدامى قد جعلوا من هذا التوارد وهذا الاستطراد قاعدة عامه للشعر العربي ، عليها يستقيم القريض ويتنزل ) 1 (

وحجتهم في ذلك منطقية معللة . فالاستهلال بالنسيب فى القصيدة المدحية غايته جلب انتباه السامع وتشويقه الى متابعة الانصات ، وبالتالى ايصاله في ظروف ايحائية جذابة الى الغرض الذى أراده الشاعر من قصيدته ) 2 (

وكذلك الحال بالنسبة لوصف الاسفار والرواحل ، وما اكتنف الشاعر من ظروف صعبة قبل بلوغه الى كنف المقصود . فهذا ايضا معلل باستدرار عطف الممدوح واستحقاق العطاء المؤمل ) 3 ( .

وهذه المقدمات الغزلية فى القصيدة تشبه الى حد ما المقدمات الموسيقية يضعها الملحنون للاغاني الآن ، ولها نفس الهدف الايحائى تقريبا . اذ لا يخفى ما للانشاد الشعرى من تأثير على الاسماع ، وما للاصوات والالات من اسر للنفوس

وهذا التعليل لوجود النسيب فى المدحيات ينسحب عند النقاد على فواتح المفاخرات والأهاجي ، اعتبارا للمحور المشترك لهذه الانواع . وهو ذكر الخصال وتعداد ، الصفات سلبا أو ايجابا بحسب الغرض المقصود "4"

اما تراكب الاجزاء عند الاستطراد والانصراف بالقصيد من غرض قريب الى غرض آخر بعيد ، فهذا أيضا معلل عندهم تعليلا اتباعيا : القصيدة عند القدماء أثر متماسك ، بل انها نموذج متكامل لانتاج شاعر من الشعراء . وله فيها أن يطرق كل أبواب القريض ، وان يبرهن على قدرته كشاعر يضرب فى كل فن بسهم . وبذلك فقط يجوز قصب السبق ، وتظهر فحولته ، ويشيع ذكره ) ٥ (

وواضح ان هذه التعليلات استقرائيه مبنية على نظرة النقاد إلى قصائد الجاهليين وخاصة الى المعلقات التى كانوا يعتبرونها وحدات فنية وبنيوية لا تتجزأ ( 6 ) .

ولهم فى ذلك عذرهم ، فالبحر واحد والقافية واحدة . ولا مندوحة للراوى من حفظ الابيات متتالية ، ما دام يروى لشاعر بعينه ، ولم يتجاوزه الى غيره .

وكان شأنهم فى ذلك شان نقلة الوحى عند النزول الايات مفصلات والقران واحد . الا ان تقسيم السور وترتيب الفواصل قد احتاج فى عهد الخليفة الثالث الى عمل احصائى وتنظيمى لم يتح للشعر الجاهلى ، أو على الاقل ما وصلهم منه . فظلت القصائد هكذا متراكبة كما جاءت على السنة الرواة ولم تمر بمرحلة تمحيص وتبويب كتلك التى مر بها الوحي المنجم المخطوط ) 7 ( .

والاساليب الحائلة دون ذلك كثيرة ، منها ما هو موضوعي واصطلاحي كفقدان المخطوطات ، وخلو الرواية الشفوية من علامات الفصل والقطع ، وانصبابها صبا على الاببيات المتوالية دون تمييز ) 8 ( .

ومنها ما هو عاطفي ظرفي كالتنحل والتقليد والدس ، وما الى ذلك من انواع التدليس والسرق التى تمليها الأطماع الشخصية والنزاعات القبلية والعرقية

وقد مرت رواية السنة النبوية بنفس الظروف الموضوعية والعاطفية ، فاتخلفت وتعددت ، لولا أن تداركها علماء الحديث بالتمحيص والتصحيح وبالقبول والتجريح ، في الوقت الذى ظلت فيه رواية الشعر على علاتها ، لا يستثني من ذلك الا بعض الروايات والاعترافات ، وكذلك بعض النصوص الخطية التى وصلتنا من أصحابها سليمة منقحة . وهذه قطرة من بحر ، بالاضافة إلى كونها من آثار المتأخرين نسبيا ) 9 (

لماذا أهملت دراسة التسلسل الايحائي

كتب نقد الشعر لا تهتم بظاهرة الترابط العضوى بين أبيات القصيدة وبالتالى لا تعبر قضية التسلسل الايحائى بينها أى اعتبار . وذلك لسبب بسيط هو حكم النقاد المسبق على بيت الشعر بالاستقلال لفظا ومعنى ) 10 (

النسيج الشعري عند هؤلاء يتألف من خلايا منتظمة بالتجاور لا بالتوالد . وهذا مرد اهمالهم لبحث التوارد اللفظي أو المعنوى الذى يربط البيت بصنوه والمصراع بأخيه ، والفقرة بالسابق لها وباللآحق

الإسباب الاصطلاحية :

التدوير في البيت جائز جواز ضرورة عند العروضيين . والتضمين مكروه ولربما اعتبر مردودا عند بعضهم . إذا كان اللفظ المتعلق بالبيت السابق قريبا من لفظ القافية أو ضروريا لاتمام معناها ) 11 (

لماذا هذا الشطط فى الاشتراط ؟ ان كان حرصا على الوحدة النغمية فى البيت ، فهذه لا يضرها التدوير ولا التضمين . التقطيع الصوتى للكلمات عند

الحداة والمنشدين ، وحتى عند المرتلين جائز ، بل ضرورى اذا اختنقت الانفاس ، وطال الصوت على المرتل أو المغنى

فهل يكون المنع مسلطا على الترابط المعنوى بين الاجزاء ؟ ما هذه أيضا بتعلة مقبولة ، ما دامت الكلمة المشتركة بين المصراعين فى البيت المدور لا تكتمل شكليا ، ولا ذهنيا الا فى العجز . وكذلك الامر بالنسبة لتسلسل المعانى عند التضمين . الفكرة تولد الفكرة ، والمعاني تتشابك وتتفرع . فلماذا الحصر والقصر اذن ؟

السبب الموضوعي

السبب الحقيقي يرجع ، حسبما يستفاد من كتب المتقدمين ، الى تصور معين للبلاغة الشعرية . اذ من شروط القريض أن يحترم فيه الشاعر الوحدة الاستقلالية للبيت ، مهما كانت المعاناة والضغوط الشكلية . كما يشترط عليه فى القصيدة ايضا احترام وحدة الوزن ووحدانية الروى ) 12 (

نحن هنا اذن أمام " لزوم ما يلزم " ، أمام قيد ثالث للشعر ، أملته فى اعتقادنا ضرورتان

- ضرورة الرواية الشفوية التى تستنكف ربط البيت المتقدم بالبيت للاحق بسبب الاضطرار الى الوقوف على القافية فى الانشاد

- ضرورة الحفظ والسيرورة التى تأنف التعقيد والترابط ، وتميل الى الخفيف القليل

فبيت الشعر انما اشترط فيه الاستقلال الذاتى اذن ليتلاءم مع عملية النقل الشفوى . ومن شروط هذه سهولة الحفظ ويسر الاستشهاد

التقويم الأثرى للشعر :

النقاد القدامى كانوا يغلبون شاعرا على آخر بسبب بيت قاله أو مصراع أجاده ( 13 )

البيت من الشعر برفع قبيلة الى السماء وبيت آخر يحطها الى الحضيض

القاب الشعراء بأبياتهم ، وكذلك مصائرهم وحتوفهم . المصراع من الشعر مثل سائر وحكمة متداولة ولغز مبين ( 14 )

ببيت واحد يكفر الشاعر ، وببيت يتوب ، وبآخر يدخل الجنه . ما من شاعر الا وله مع القريض قصة . ولربما كانت الشهرة معلقة بقافية والخمول رهين بيت

فلا غرابة اذن أن يشترط في هذا المصراع أو فى هذا البيت ما يجعله سهل التناول ميسور الحفظ . ولا غرابة كذلك فى أن يبحث النقاد فى كل قصيدة عن بيتها الاغر ، وأن يتناقلوه ، ويتذاكروا به . حتى المناظرات بين الشعراء واجازاتهم كانت رهينة صدر أو عجز ، يسبق به هذا الفحل غريمه ، فيفحمه ويبكته أمام الناس أو فى مجلس الامير أو الوزير "15"

وفى كتب القدامى أمثلة لا تحصى من هذا التقويم النوعى المعتمد على الابيات المفردة دون اعتبار لما قبلها أو لما بعدها ) 16 (

ومهما كانت حصافة النقاد الاوائل ودقة تمييزهم للجيد والردئ من الاشعار ، فان التقويم الجزئى للآثار قد تجاوزته المناهج الموضوعية الحديثة . ذلك أن قمة الابداع الفني لا يمكن أن تنال بدون معالجة ومعاناة

الالهام عند الشاعر لا يستوى الا بعد التعثر والتدرج . بيت القصيد لا بنظم منفردا ، وواسطة العقد لا يجلو محاسنها الا الخرز الملوك معها فى السمط .

الوحى الشعرى يسمو ويسف ، يتدفق وينقطع . الفحل الذى يخشب القصيدة فى ساعة ، ربما أجبل دهرا ) 17 ( .

فاذا أردنا أن نتعرف على عوامل التدفق والتسلسل ، فلا مناص لنا من مسك خيط التوارد واستقراء عناصره ، ثم ضبطها وبحث وظائفها فى عملية الايحاء ، وبالتالى معرفة تأثيرها على اتجاه الكتلة الشعرية بأكملها . وهذا ما سنحاول القيام به فى هذه الدراسة

مظاهر التسلسل الإيحائى

التسلسل الشكلى :

كل مظاهر الشعر الحسية تدل على وجود تناسق وانتظام بين الاجزاء المكونة لبنيته ، وتدفعنا الى الاعتقاد فى وثوق العلاقة بين هذه الاجزاء الآخذة بعضها برقاب بعض ، سواء أكان ذلك على مستوى النظر للكتابة أم على مستوى السمع للمقاطع الموزونة المتوافقة

التسلسل الخطى منتظم بين المصراع والمصراع ، وبين البيت والبيت . فكان الكتابة حلقات متماسكة متتالية . وهذا أول مظهر من مظاهر التسلسل على مستوى النظر فى الشعر العمودى الكلاسيكى الرقم

أما المظهر الثاني فيتمثل فى تكرر حرف الروى فى كل قصيدة من أول بيت من آبياتها الى آخر بيت . ولربما كان التكرار فى حرفين أو أكثر من حروف القافية اذا التزم الشاعر ذلك ) 18 (

التسلسل الصوتى

اما على مستوى السمع فان المقاطع التى يتكون منها الصدر تعادل فى الغالب المقاطع التى يتكون منها العجز . وهذه المعادلة الصوتية تنسحب على كل مصاريع القصيدة ، وبالتالي على جميع أبياتها ) 19 (

ومن مظاهر التسلسل على هذا المستوى توازى الايقاع الذي يصحب الانشاد ، ويعدله . فالشعراء عند القائهم لقصائدهم يرفعون اصوابهم ببعض المقاطع الطويلة او القصيرة المبثوثة هنا وهناك عبر الاجزاء . وهذا الايقاع النوع المتناسق في كل وزن ، وكذلك الركز الذى يصحبه عند نهاية المصاريع كلها من مظاهر التسلسل الصوتى للابيات ) 20 ( .

فالكتلة الخطبة والنغمية لقطعة ما من الشعر توحى بوجود ترابط بين عناصرها المكونة لها على مستويين مختلفين : مستوى المظهر الشكلى العام لهذه القطعة ، ومستوى التركيب النغمى الخاص لأبياتها

العوامل الصوتية للتسلسل : - الموازين الشعرية :

الخليل بن أحمد وضع الموازين الاصطلاحية لا بحر الشعر اعتمادا على الاستقراء . فهو لم يقيدها بالتفاعيل العروضية الا بعد انطلاقها على السجية ) 21 (

وقد انطبعت هذه الموازين الصوتية فى ذاكرة الرواة ، وتمرس بها الشعراء حتى أصبحت لهم فيما سليقة ) 23 ( . فالشاعر يبدأ فى نظم المطلع من القصيد وهو لا يدرى له ميزانا . فاذا بانت له خفته على اللسان وسلاسته فى الانشاد ،

اجزم باستقامة الوزن ، ومضى يعالج النظم على أن يكون البيت الاول مثالا صوتيا لما يتلوه من الأبيات . فاذا انحرف مصراع أو بيت عن الجادة استعان على تقويه بالتغنى مرة بعد مرة ، حتى يستقيم له الصوت وتتعادل المقاطع وعلى ذلك أغلب الشعراء المطبوعين الى يوم الناس هذا (24) .

فالموازين الشعرية اذن فطرية . وهى نسيج من موسيقى اللغة ومن ذوق المتكلمين بها . وتعددها فى لغة من اللغات دليل على ثراها الصوتى ، وعلى مرونة المقاطع المكونة لكلماتها ) 25 (

وبحور الشعر فى العربية كثيرة ، ولها مركباتها وفنونها . وقد وصل الشعراء الى اختراع موازين مختلفة اعتمادا على السليقة المرهفة ، ومجاراة للغناء ) 26 ( . فلسان الشاعر هو آلته ، وأذنه هي الميزان . والانشاد يكشف عن مواقع النشاز ، ويعدل الاصوات

التجانس النغمى فى البحر الواحد

لكل وزن من أوزان الشعر العربى تجانس نغمى خاص يميزه عن غيره تمييزا قريبا أو بعيدا . وهذا التجانس النغمى ناتج عن تجانس المقاطع المكونة لاجزائه العروضية .

ويمكننا أن نعود الى التفعيلات الاصطلاحية ذاتها لكى نلمس هذا التجانس الصوتى فى بحر من البحور ، اما عن طريق التكرار المنتظم أو عن طريق التداول المتناسق بين هذه التفعيلات

والإجزاء العروضية في حد ذاتها متراكبة المقاطع ، قابلة للنبر أو للمد وبحسب موقعها من المصراع . وهي فيما بينها منتظمة متقابلة ، تتحد فيها المقاطع الاولى والاخيرة ، وتتساوى فى ما بينها ) 27 (

فتنوع التفعيلات في دائرتي المختلف والمشتبه انما جاء نتيجه للتنويع النغمى الموجود في حشو الجزء ، والمتمثل فى زيادة مقطع أو نقصان مقطع ، أو في المعاقبة بين مقطعين متفاوتى الطول ) 28 (

وهذا التنويع النغمي هو الذي يميز أبحر الدوائر الواحد عن الآخر تمييزا متجانسا منتسقا ، إذا اعتبرنا الابحر المهملة فى كل دائرة . وهذا يعنى ان التسلسل النغمى في بحر من البحور يخضع لقاعدة صوتية محكمه ، تمليها الإمكانيات لمقطعية المفردات اللغة ، وتقرها الطاقة الانشادية لاصواتها

اما بالنسبة لاختبار الشعراء لاعاريض بحر من البحور وما يلائمها من اضرب ، فهذا يرجح في الغالب الى موافقة تلك الاعاريض والاضرب للقافية التى أسسوا عليها قصيدتهم ، والتي تعودوا على سماعها وترديدها اكثر من غيرها فى تلك البحور . كما يرجع الى ربطهم التلقائى بين المضامين وبين ما يناسبها عادة من الموازين والقوافى ) 29 (

الثنائية الموسيقية للبيت

التداول العروضي بين الصدر والعجز ، أو بعبارة أخرى تكرر نفس المقاطع الصوتية وتجانسها فى المصراع الاول والثاني للبيت ، جعل الجملة الموسيقية فيه تتكرر بالترديد . وفي هذا التكرار نوع من التوازى الضرورى لاتساق الانشاد . وهو ايضا مظهر من مظاهر التطور النغمى فى الشعر العربى

فقد كانت الارجيز والمشطرات فاقدة للتوازن بحكم استقلال جملها وتواردها فى الانشاد مقطوعة الواحدة عن الاخرى ) 30 (

وهذه الثنائية النغمية فى البيت صورة من صور التسلسل الصوتى الذى نحن بصدده ، والذى لولاه لانفرط الشعر ، وتردت مصاريعه الى صورتها لبدائية المسجوعة التى كانت لها قبل انتظام سلكها فى أبيات القصيد ) 31 (

الثنائية الايقاعية فى الوزن :

لكل وزن من أوزان الشعر ثنائية ايقاعية خاصة به ، وقد لمحنا الى ذلك فيما سبق . ولكل ثنائية من هذا النوع مميزاتها الصوتية ودورها الخاص في الانشاد والايحاء . فلا غرابة ، والحال هذه ، أن يختار الشاعر هذا الوزن دون غيره للتعبير عما يحس به من جوى وحنين . وكما انه لا غرابة أن يغنى فى الرمل مثلا ما لا يغنى فى غيره من الاصوات . والاختيار ، فى الحقيقة ، لا يكون دائما اراديا ، بل ان الشاعر ينطلق فى النظم على السجية ، ويحتكم الى الطبع معتمدا على ذوقه الفطرى ، وعلى ما تستلذه أذنه من الاشعار والالحان . وغالبا ما تكون الميول راسبة فى أعماق الذات فلا يدرى صاحبها . لماذا انجذب الى هذا الوزن ، دون سواه ، ولماذا فضل هذا الصوت على غيره ) 32 (

العوامل المعنوية للتسلسل الايحائى البنية المضمونية للقصيدة :

التسلسل الايحائى لا يرتكز فقط على التجانس الصوتى للشعر وانتظام اجزائه وتواليها . انه يعتمد أيضا على الجانب الدلالى للكلمات الموزونة

ذلك أن الصور الشعرية متتالية متعانقة تعانق الاجزاء العروضية . ومنه التسلسل المعنوي بينها يشمل المصاريع والابيات ، ولو كانت سالمة من التدوير والتضمين . بل انه ليعم كل القصيدة ، إذا اعتبرنا بنيتها المضمونية وظروف نظمها ) 33 ( :

الاشكال الشعرية نفسها تصبح بهذا الاعتبار قوالب جاهزة للتسلسل الايحائي . فقد ظلت القصيدة العربية محافظة على صورتها المتواترة طيلة قرون يفعل هذا التداول الايحائى لبنيتها المضمونية الموروثة .

وقد رأينا من الشعراء العباسيين من ثار على هذه البنية المحنطة ، وحاول تحطيمها . ولكن هذه الثورة لم تفلح الا فى تعديل بعض المضامين ، ونقلها من عنصرها البدوى الخالص الى عنصر حضرى مناسب للعصر ) 34 ( .

وهذا يعنى أن البنية المضمونة ظلت متماسكة متواترة ، وكأنها فرضت على الشعراء فرضا . فاذا ما هجم أحدهم على غرضه المقصود دون مقدمات غزلية ، اعتبر أهل الذكر قصيدته مبتورة ، ولاموه على اخلاله بأصول الصناعة ، وأخذوا عليه تركه لسنة المتقدمين ) 35 (

فالشاعر مضطر اذن الى تقمص الشكل القديم والتقيد بالمضمون التقليدى ، وكلاهما متوارث . وهكذا لا يبقى له بعد ذلك إلا التصرف فى الاسلوب هذا ان وجد ملكة تساعده على تطعيم الوزن وقريحة تعينه على تجديد المعانى والا جاء نظمه اجترارا لا خير فيه ) 36 (

وتقيد الشعراء بالاشكال والمضامين المعروفة ، واستعمالهم لنفس الادوات والاسالب المتوارثة ، جعل الاخيلة الشعرية عندهم رتيبة متشابهة . اذ هي فى الغالب رهينة بما توحى به هذه المضامين ، وبما تعبر عنه ، هذه الادوات والاساليب من صور وخواطر . ومن هنا يفرض على الشاعر ضرب من التسلسل

الايحائى الجاهز ، هو مزيج من الذاكرة اللغوية والدلالة الاجتماعية من جهة ومن الاشكال الحضارية والمثل الجمالية للبيئة من جهة ثانية ) 37 (

التسلسل التبادلي بين الصدر والعجز

وحدة المصراع المعنوية فى الشعر العربى ضرب من التوهم الاصطلاحى ، ولو حاول صاحبه تقفيته وتصريعه . وذلك لاسباب منها : - انحسار المصراع عادة عن استيعابه معنى مستقلا بذاته ، لا علاقة له بما قبله او بما بعده .

ارتباط العجز فى الغالب بجملة الصدر على مستوى التركيب النحوى ) 38 ( - تعلق القافية دلاليا بكامل البيت ، اما لان اختيارها سابق لنظمه أو لانها مضمنة فى الصدر ) 39 ( .

- تسلط العجز على الصدر ليوافق معناه ، ويرتبط به فى التشطير والتمليط ( 40 ) كثرة ورود الجمل الانشائية والشرطية فى الصدر واحتياجها بالضرورة الى أجوبة فى الاعجاز

تسلسل الجمل الخبرية في الشعر لكثرة الروابط والفضلات فيه - احتياج العجز فى أكثر الاحيان الى ركيزة لفظية أو معنوية فى الصدر عليها ينبني معناه ويتفرع ) 41 (

هذا مع ملاحظة أن الصدور يمكن ان تقطع عن الاعجاز فى بعض الحالات الخاصة كالوقف والاكتفاء والتقطيع ، ولكن المطرد هو اتصال البيت معنويا وتسلسل الايحاء بينهما . فاذا ما انقطع هذا التسلسل ، بتر المعنى ، وغامت الصورة . بل ان التوازن يختل بين الاشطار ، ويفقد المصراع الدور الاساسى الذي يلعبه في الربط والاستطراد ، وفى توليد المعانى وتفريعها ) 42 (

التسلسل الايحائى عبر الابيات :

مر بنا فى عنوان سابق أن وحدة البيت الاصطلاحية التى أملتها ضرورة الرواية والحفظ ، قد ركزت لدى النقاد القدامى ملكة التصور الجزئى للآثار الشعرية ، فأصبحت لهم نظرة خاصة الى البلاغة الشفوية ) 43 (

فقد كان خير الكلام عندهم ما قل ودل ، وخير الشعر ما جرى مجرى المثل ولا يكون ذلك الا فى بيت أو فى شطر بيت ) 44 (

ولهذه النظرة الى البيان العربي مبرراتها الاجتماعية الاجتماعية والحضارية ، وقد تعرضنا إلى بعض مظاهرها وأسبابها . أما نحن هنا فاننا لا ننظر الى بيت الشعر كوحدة نظمية مكررة ومتكررة فقط ، بل اننا نهتم به أيضا كعنصر معنوى متألف مع غيره من الابيات في القصيدة

ومن هنا ترانا نبحث عن أسباب وجوده فى ذلك المكان من القصيدة ، وعن عناصر تكوينه ، وعن العلاقة التى تربطه بما قبله وبما بعده . وما هو بالتالى دوره في تماسك الكتلة الشعرية وفي تسلسل المعاني عبرها ؟ البيت من هذه الوجهة خلية متجاورة ومترابطة مع الخلايا المحيطة بها . ولا يمكن عزلها من النسيج الذي توجد فيه الاسباب موضوعية كالاستشهاد والتضمين والتمثيل . وما أشبه ذلك من أغراض القطع المألوفة

والتماسك العضوى بين الابيات فى قصيدة ما تمليه عوامل ثلاثة هى العامل الانشادى . العامل التراكبى ، العامل الايحائى

1 ( العامل الانشادى

الدور الصوتى الذى يلعبه الصدر فى تركيب الوزن ، واتساقه مع العجز عن طريق التكرار المنتظم للاجزاء العروضية ، هو الذى ولد لنا ثنائية البحر الشعرى الذى يندرج فيه البيت . وقد رأينا ذلك فى ما تقدم ) 45 ( .

وعملية التكرار النغمية هذه تشمل كل مصاريع القصيدة ، فهى تتردد بانتظام فى كل بيت من أبياتها .

وهذا الترجيع الصوتى الموقع هو الذي يدعونا الى اعتبار العامل الانشادى من أهم عوامل التسلسل الايحائى بين الابيات . وفي التسلسل الانشادى ضرب من الاسر تحدثه موسيقى الابيات المتتالية بفعل الانسجام النغمى الحاصل بين مقاطعها ، وبفعل الايقاع المتعادل لميزانها .

ولهذا العامل الانشادى دور هام فى تماسك الاجزاء النظمية للقصيدة باعتبارها اثرا موسيقيا متكاملا فى أدب شفوى يعتمد فى ابلاغه على الانشاد وفى تذوقه على الاستماع ) 46 ( .

2 ( العامل التراكبي :

لا نعنى بهذا العامل الارتباط النحوى بين البيت والذى يليه ، فقد تعرضنا الى ذلك عند الكلام عن وحدة البيت الاصطلاحية ، وعن رأى النقاد في التضمين الذي هو ظاهرة من ظواهر التراكب اللفظى بين بيت وبيت . انما نعنى بالعامل التراكبى هنا التسلسل المعنوى المتراكب لغرض من الاغراض 47.

الذي لا شك فيه هو أن الشاعر لا يمكنه أن يفتح بابا من أبواب الشعر ليغلقه في بيت واحد . ولو فعل ذلك لما عد عمله قصيدا ) 48 ( البيت اليتيم مقطوع ، فى رأينا ، من كتلة شعرية ما لم ينقل لنا منها الرواة غير ذلك البيت . والأمر كذلك بالنسبة للنتفة والقطعة ، الا ان يجبل الشاعر ، فينحسر الايحاء ، ويغيض المعين . وهذه حالات استثنائيه غير مطردة ( 49 ) .

وهكذا يظل التراكب المتسلسل للصور والمعانى الشعرية هو القاعدة التى يبني عليها القصيد ، ولو اختلفت الاغراض ، وتعددت الاقسام والفواصل

ذلك أن الشاعر ، رغم مسايرته للوحدة الاصطلاحية فى البيت ، فان أفكاره وأخيلته متماسكة متعانقة . ويعود هذا التماسك والتعانق الى تصوره الاجمالى للموضوع ، والى رغبته فى التعبير عن جزئياته بطريقة كلية منظمة .

قد ينقاد الفحل في بعض الاحيان الى الاستطراد والقطع ، ولكنه ما يلبث أن يعود ، ويتخلص ليعالج الغرض الأساسي الذي بنى عليه القصيدة :

وسوف نستعرض في فصل لاحق أهم الأدوات والوسائل البيانية التى استعملها الشعراء لربط معنى بمعنى وللعبور من غرض الى غرض . وهي طرق تؤكد رغبة الشعراء فى تحقيق الاتصال المضمونى لقصائدهم ، وحرصهم على اظهارها فى مظهر الخلق السوى المتجانس ) 50 ( .

وبما أن الابيات هى سفن المضامين ، فان التراكب المعنوى بينها ايضا ثابت ومتسلسل . ولا يمكن تصور القصيدة أو التجربة الشعرية الظرفية الا وحدة متكاملة من التخيل والانفعال ، ولو تعددت فيها الفقر ، واختلفت الاساليب

ولهذا التماسك المضموني مؤشرات دلالية ثابتة ومتكررة عبر القصيدة ويمكن للباحث أن يقف عليها بسهولة عبر الاببيات ) 51 (

2 ( العامل الايحائى :

هذا العامل هو أدق العوامل الثلاثة وأعمقها اثرا فى عملية التسلسل الشعرى . وهو يتكون من مجموعة من العناصر المتداخلة التى تلتقى فيها المستويات التعبيرية والدلالية للغة بالمستويات النفسية والاجتماعية للمستعملين لها . وسوف نحاول فى ما يلى اعادة هذا الايحاء الى مستوياته الاولية ليتسنى لنا تقريبه الى الاذهان ، وإبراز دوره فى عملية التوارد العام للأبيات

وقد رأينا تبويب أهم أنواع الايحاء فى المستويات التالية

المستوى الدلالى ، المستوى التعبيرى ، المستوى الانفعالى والمستوى الاجتماعى

١ - المستوى الدلالي

هذا المستوى يهتم بالألفاظ الشعرية وما تحمله فى بنيتيها الصوتية والصرفية من دلالات لغوية مختلفة ، لها ظلالها وهوامشها المتعددة ) 52 ( .

وقد عالج النقاد القدامى جانبا من هذا المستوى بالذات ، اذ بحثوا فى العلاقة التى تربط اللفظ . ولكن بحثهم لم يشمل بقية المستويات الايحائية المتراكبة معه فى النظام الشعرى ، كأنهم انما أرادوا التعميم لتشمل نظريتهم كل الألفاظ الادبية التى تدخل تحت شروط البلاغة . وقد وضعوها للمفردات الفصيحة التى يمكن أن يتألف منها الشعر والنثر على حد السواء ) 53 (

اما الآن فقد أصبحنا نميز بين الدلالة الشعرية للألفاظ وبين دلالاتها النثرية الاخرى ، وذلك بالتفريق بين مستويات الاستعمال وبالبحث عن العلاقات الايحائية التى تربطها بالنظام المخصوص صوتيا ومعنويا

وهذه العلاقة الايحائية هي التى تحدد ، فى نظرنا ، المجال الدلالى وتمييزه وعلى هذه العلاقة أيضا يعتمد الشاعر او الكاتب فى اختيار الالفاظ والمركبات البيانية التى يرسم بها الصور ، وينسج منها الاخيله

ومن هنا تتفاعل العناصر المكونة لهذه المستويات ، وتتداخل فيها الدلالات . فالدلالة اللفظية لا تحدد لذاتها الا فى المعاجم . اما إذا انصهرت فى نص ادبى فتحديدها متعلق بنظام ذلك النص وبالنوعية الاسلوبيه التى تميزه . بالإضافة إلى ارتباطها بالعناصر الانفعالية والاجتماعية المولدة لها ، والمؤثرة فيها .

هكذا اللفظ الشعرى فانه لا يتميزه عن غيره الا بالسياق النظمى الذى يوجد فيه وبما يحمله فى طياته من شحنات صوتيه ومعنوية خاصة بذلك السياق . ومتلائمة مع الحالة الشعرية لصاحبه الذى اختاره دون سواه

ومن هنا تبرز الوحدة الايحائية للقصيدة رغم تعدد الأغراض وتنوع المعانى فى أبياتها ) 54 ( .

ب - المستوى التعبيري :

هذا المستوى يخص الايحاء الاسلوبي . وهو يهتم بالنظام التركيبى للشعر ، وبالخصائص النوعية التى تميزه عن بقية الفنون الادبية الاخرى

والنظام الشعرى ، كما هو معروف . نظام شفوى فى الاصل . ينشد ويسمع ولهذا جاءت فيه بعض الانحرافات المقطعية ، اما بالزيادة أو بالنقص مجاراة للانشاد أو اختصاصا بلهجة من اللهجات المستعملة ) 55 ( .

ولهذا النظام مميزات ، يمكن أن نعدد منها على سبيل الذكر

- بناء الشعر على الأوزان والقوافى . وهذه الميزة تشترط في البنية الصوتية للكلمات المستعملة أن تكون ذات حرس موسيقى وخفة مقطعية وان تكون سهلة المخارج . متآلفة مع غيرها من الاصوات . وهذا باب من الدلالة الصوتية للالفاظ بحثه النقاد القدامى ، وأطنبوا فى تحليل عناصره ، ووضع شروطه (56

- اعتماد الاسلوب الشعرى على الايجاز ، واكتفاؤه بالاشارة والتلميح وهى ميزه من مميزات الكلام المضغوط الذى تتكاثر فيه المعاني وتتنوع الدلاله . والقريض من هذا القبيل بحكر ارتباطه بقيود الوزن والقافية ، وانضغاط حروفه بين مصراعى البيت ) 57 (

اكثار الشعر من الاستعارة والمجاز وما اليها من الوسائل البيانية المعرة عن الاخلية المجنحة والعواطف الجياشة ، واعتماده على المبالغة والأيغال واهتمامه بالتزيين والترصيع

- اتصاف الشعر بالدفق الاسلوبى . وهو دفق ناتج عن الشحنة الانفعالية التى تحرك الشاعر ، وتؤثر فى طريقة تعبيره عن الاشياء .

ويظهر هذا التدفق فى اختلال النظام العادى للجملة ، اما بالتقديم أو التأخير او الحصر أو القطع . وربما كان ذلك بالحذف تملصا من الضغط المسلط على الشاعر من جهة الشكل ) 58 ( .

وقد ولد الدفق الاسلوبى فى الشعر عددا من الضرورات والاساليب اقرها النقاد ، فيما بعد ، فاصبحت من خاصيات النظام ، ولها مردودها الايحائي

على المستويين الصوتى والدلالي . ولها كذلك مردودها الانفعالى الذى اثارها وكان سببا فى وجودها ) 59 (

واشتراك كل هذه المستويات فى وظيفة الايحاء يجعل من النص الشعرى وحدة متسلسلة الحلقات رغم شعورنا احيانا بالتقطع أو بفقدان جزء من اجزاء النص الذي بين ايدينا . ذلك أن الايحاء العام يتجاوز دائما العناصر الفرعية للكتلة الشعرية ويثبت لها وحدة عمادها النظام المتبع في القصيدة والاسلوب النوعى لصاحبها .

ج - المستوى الاجتماعي

هذا المستوى يهتم بالايحاء الوظيفي للغة ، وهو متعدد الجوانب ومنه الايحاء الاجتماعى للكلمات ) 60 ( . وهو جانب يتصل بالايحاء السلوكى المعبر عن ترابط العلاقات بين المنشد والمستمع أو بين الشاعر والقارئ ، بالاضافة الى اشتماله على الايحاء الحضاري العام للعصر الذى تمت فيه التجربة وولد فيه الاثر .

وعناصر الايحاء على هذا المستوى بالغة الاهمية لانها تعبر عن جوانب التفاعل بين الشخصية الشاعرة والبيئة الاجتماعية المكتنفة لها ، المؤثرة فيها . فنحن هنا أمام مرآة تنعكس عليها ثقافة الشاعر الخاصة وأصداء ذاته ، بما فى ذلك الخضوع والثورة والرضا والغضب

ويعتمد هذا المستوى الاجتماعى على الايحاء اللغوى المجرد ، كما يعمد على الايحاء السلوكي للمنشد . وذلك لانبناء النظام الشعرى على المشافهة . فالبر والاشارة وتحريك الرأس والركز بالعصا من جانب الشاعر ، والتصفيق والتدرير والهتاف من طرف السامع ، كلها شحنات ايحائية فى عمليه الايصال والتقبل . وهي أيضا صورة من صور التأثير والتأثر عن طريقها يمكن قياس درجة التفاعل بين الملقى والمتلقى

كما يعتمد هذا المستوى على الايحاء النفسى لقدرة الشعر على احتواء الانفعال وبثه مباشرة وبطريقة آنية . ومن هذا النوع شعر الحماسة ، بما في ذلك قصائد الرثاء وأبيات الحنين .(61)

وما من شاعر فحل الا وله فى عصره جولة ، وعلى قومه سلطان . وينسب الى الشعر فى هذا المضمار ما يكاد يحسب من المعجزات

على ان هذا التأثير ذو حدين ، منه ما يحث على فعل الخير واكتساب المعالي والفخار ، ومنه ما يدفع الى المهالك وارتكاب المعاصى والشرور . والأمثلة كثيرة فى كتب المجاميع والتراجم ) 62 ( .

ولهذا المستوى الايحائى دور كبير فى وحدة النسيج النظمى ، باعتبار الشعر مرآة تعكس شخصية صاحبها . والشخصية مفردة مهما كانت تعقيداتها الاجتماعية ومتاهاتها الروحية والنفسية . فالاثر الشعرى ظرف شفاف يحوى افكار الشاعر وينم عن مواقفه ونواياه . كما يحوى اهتماماته بالبيئة المعاصرة . ويدل على مدى تأثيرها فيه .

فالقصيدة المدحية مثلا تدل على وضع اجتماعى معين له أسبابة الموضوعية ، ولكنها تعبر أيضا عن حالة نفسية لدى الشاعر لها مركباتها وهوامشها العاطفية المتعددة .

وبصفه عامة فان لكل نص شعري مستويات ايحائية مختلفة . ولكن هذا الاختلاف لا يشتت الأمر ، ولا يضر بوحدة نسيجه . بل انه فى الحقيقة صورة من صور الثراء المعنوى الذى يتنافس فى بلوغه الشعراء ( 63)

ذ - المستوى الانفعالى

هذا المستوى يشمل الايحاء النفسي بما فى ذلك مركبات الطموح والعظمة لدى الشخصية الشاعرة واحساسها الثابت بالدور الذى تلعبه على المستويين القبلى والقومى ) 64 ( .

ولا نستثني من هذا الايحاء الميل الشخصى الذى يوجه الشاعر الى نوع معين من المضامين ، ويفرض عليه طابعه الاسلوبى المتميز

وهذا الميل الشخصى ، وان كان ناتجا عن استعداد فطرى فى الغالب ، الا ان البيئة الاجتماعية تؤثر فيه ، وتعدله بالقدر الذى تريد . وهكذا تظل معادلة التأثر والتأثير بين الشاعر ومحيطه قائمة الذات . هذا يحاول ان ينظم بايحاء نفسه ، وذاك يدفعه الى الاهتمام بالناس . والشعر منجذب بين القطبين تارة إلى هنا وتارة الى هناك

ويظهر الايحاء النفسى على المستويين الدلالى والتركيبى . وتبرزه الشحنة الانفعالية للكلمات المستعملة ، وكذلك الدفق الاسلوبى للنظام . ويمكننا قياس درجات التوتر النفسي فى الشعر ، اما بالنظر الى اللفظ من جهتى القرع الصوتى والظلال النفسية ، أو بالنظر الى الاسلوب ، وذلك من ناحيتى الادوات البيانية المستعملة والنظام التركيبى السائد على أجزائه .

وهذا التوتر اما ان يكون ناتجا عن ظروف الشاعر النفسية عند معاناته لعملية النظم المعنية بالتحليل ، او عن عوامل وظيفة أخرى كقوة الملكة اللغوية وتمكن القريحة . وربما نتج عن عوامل ظرفية كالاضطرار الى الارتجال او الرد السريع . وفي مثل هذه الحالات غالبا ما تتزاحم الافكار وتتراكب الكلمات وتتعاظل الجمل وتضطرب ( 65 (

ولهذا المستوى الايحائى دور كبير فى توحيد الشحنة العاطفية للقصيدة ، ولو كانت أجزاؤها مختلفة المضمون . ذلك أن الحالة الشعورية العامة التى

تسود ظرفا من الظروف النظمية لا تتغير بتغير المحاور الا فى حالة القطع الزمني لاوقات النظم . اما فى ما عدا ذلك ، فان الشحنة العاطفية فى القصيدة تظل فى الغالب واحدة أو متقاربة ، لا نستثنى من ذلك الا النسيب المضاف لانه يعتمد على ايحاء تقليدى ذى شحنة محايدة بالنسبة لبقية الأجزاء ) 66 ( .

الطرق المستعملة فى التسلسل الايحائى :

التسلسل الايحائى فى الشعر عملية لغوية وذهنية لها مركباتها الصوتية والدلالية . ولها بالتالي طرقها البيانية المساعدة على تحقيق الربط بين الالفاظ والجمل وضمان التداعى بين المعانى والصور

وتنقسم طرق التسلسل الايحائى وأدواته الى لفظية ومعنوية . ولكل قسم اختصاصاته الوظيفية على مستوى الاسلوب وعلى مستوى الدلالة ولكل وسيلة أو أداة دورها النوعى فى عملية التوارد ، وفى كيفية ترابط اجزاء النص وتجانس نظامه . وهى ثلاث فصائل

الادوات الرابطة للجمل ولا جزاء الجمل ، الاساليب النظمية المستعمله فى التوارد والطرق البيانية الموحية بالتسلسل

1 ( الادوات والحروف الرابطة للجمل

هذه الادوات والحروف لا تختص بالشعر دون النثر ، ووظيفتها الاساسية هى الربط بين عناصر الوحدة التركيبية فى النص أو بين وحدة ووحدة أخرى فيه .

ومن بين هذه الادوات والحروف نذكر خاصة : حروف العطف والربط وأدوات الشرط والاستثناء والاضراب والاستدراك والاستفهام والتعليل والتفسير والتفريع والتسوية ، وكل حروف المعانى التى توحى بالوصل

او يستدعى استعمالها اردافا في اللفظ أو تتميما فى المعنى اما بجملة موازية أو بعدد من الجمل المتجاورة ) 67 (

والعلاقة الايحائية في هذه الحروف والادوات قد تكون ترتيبية ، تستفاد من الوظيفة الاساسية للاداة أو من معنى الحرف الرابط ، وقد تكون بيانية تستفاد من الترتيب الذي استعملت فيه . والسياق هو الذي يحدد عادة الايحاء النوعي لهذا الاستعمال فى صورة خروجه عن مقتضى الظاهر كاستعمال ادوات الاستثناء في تأكيد المدح أو الذم مثلا ) 68 (

2 ( الاساليب النظمية

أغلب هذه الاساليب من المحسنات اللفظية . وانما خصصنا بها النظم هنا لأنهما غالبة عليه في الاصطلاح ، وان كان النشر المسجوع قد سبق الشعر الى استعمالها ) 69 ( .

ومن أشهر هذه الاساليب يمكننا ان نعد

التصريع والتقفية والترصيع والتوشيح والتصدير والتشريع . وهى أساليب تعتمد الموازنة المقطعية بين الاجزاء العروضية ، وتسعى الى توحيد السجعة فى الفقرات النظمية للبيت ) 70 (

واعتماد هذه الاساليب النظمية على التوازي المقطعي المنغم يؤكد لنا من جديد أخذ الانواع الأدبية بعضها من بعض ، وانبثاقها بالتالي عن أصل واحد مشترك ، يحمل في طياته موازين النغم ومقاييس البيان

ولهذه الاساليب دور هام فى التسلسل الايحائى لانها تعتمد أساسا على التجانس الصوتى للكلمات المصرعة أو المسجوعة . وهذا التجانس هو عمدة الوحدة النغمية فى الشعر وعنصر من عناصر التوارد الدلالى فيه .

من ذلك مثلا أن قافية البيت تحتاج فى الغالب ، وعند أصحاب الصنعة خاصة ، الى توطئة صوتية تمهد لها من ناحية اللفظ ، والى توارد ايحائى يدعمها من ناحية المعنى . ومن هنا جاء التعامل النغمى بين العروض والضرب فى الابيات المصرعة ، وبين الصدر والعجز فى تلك التى يقع فيها التصدير ) 71 (

3 ( الطرق البيانية الموحية بالتسلسل

هذه الطرق يشترك فى مجموعها الشعر والنثر . وانما شاع استعمالها ، واحتيج اليها فى مختلف الانواع الادبية لانها من المحسنات البديعية المساعد على الايحاء والتوكيد . وهى على نوعين : لفظية ومعنوية ) 72 )

أ - الطرق اللفظية :

من هذه الطرق التجنيس والترديد والازدواج والتكرير ، وما اليها من الوسائل البيانية التى تعتمد على اعادة اللفظ أو مجانسته ، ابرازا لدوره الصوتى فى التركيب النغمى للبيت ، وتركيزا لمفهومه الايحائى فى عملية التوارد المعنوى ) 73 )

ولهذه الوسائل أهمية كبرى فى عملية التسلسل الشعرى ، اذ تعتبر الالفاظ التى تجانس أو تزاوج أو تردد ألفاظا مفاتيح فى سلم التناسق النغمى للبيت ، وفي ترابط أجزائه اللفظية والمعنوية . فعل هذه الالفاظ يعتمد الشاعر فى خلق الايحاء ودفعه . فهي بالنسبة اليه قاعدة انطلاق

يستطيع منها أن يحلق في عالم الاخيلة . وأن يعود منها دون أن يتيه . ففي البيت دائما ركيزة تشده اليها ، ولا تفلته ) 74 ) . والركيزة هى هذه اللفظة التى ينطلق منها ، واليها يعود .

ب - الطرق المعنوية

هذه الطرق أغلبها من المحسنات البديعية ، وان كنا ننظر اليها هنا باعتبارها وسيلة من وسائل التسلسل الايحائى ، لا باعتبارها فنا من فنون الابداع الأسلوب فى الشعر

ومن هذه الطرق نذكر مثلا

التورية والطباق والمقابلة والموازنة والتفسير والتقسيم والترادف والتضاد والتعليل والتعديل والاستثناء والتذييل ، واشباهها من الطرق المستعمله فى توليد المعانى وتفريعها أو فى ابرازها وتوكيدها ) 75 (

والتسلسل في هذه الطرق يتأتى فى الغالب من تقارب الدلالات ، كما يتأتي من تباعدها . ولكنه لا يمكننا حصر علاقاتها الايحائية بصفة مطردة فى الترادف والتضاد أو فى الايجاب والسلب ، لأن الباب أوسع من أن يعتمد فيه دائما على التوازى والتقابل

فالمعاني توارد أحيانا بدافع ظرفى أو نفسي ، فيكون الاعتراض والالتفات ، ويكون الاستطراد والتلطف ، ويكون الاستدراك والرجوع . وهى طرق أخرى لها علاقاتها الايحائية الخاصة ، ولا يمكن ضبطها الا بالسياق  76

ولهذه الطرق المعنوية ، مهما كانت علاقاتها الايحائية ، دور كبير فى عملية التسلسل . ويرجع هذا الدور فى الاصل الى طبيعة الاساليب المركبة فيها ، والى العلاقات الدلالية المكثفة لها

فأغلب هذه الطرق محتاجة الى استخدام عدد من الجمل ، اما استخداما مباشرا لتأدية المعنى المقصود ، أو غير مباشر فى حالات التمهيد والاسناد ) 77 (

فالتسلسل حاصل على مستوى ترابط الجمل ، وحاصل أيضا على مستوى تداعى المعانى . ففي التفسير مثلا تتقدم الجملة الاصلية العامة أولا ، ثم تتلوها جملة او مجموعة من الجمل لايضاحها وتفسيرها .

وكذلك الامر بالنسبة للتفريع والتقسيم ، حيث تأتى الجملة الاصلية المكثفة ، ثم تتلوها جملة أو عدد من الجمل لتفريعها أو تقسيمها . وتجرى نفس العملية فى التعليل والتعديل ، وما شاكل ذلك من الطرق المحتاجة عادة الى ملحقات تركيبية لاردافها وتكميلها

وتستعمل هذه الطرق المعنوية بنفس الاساليب فى الشعر وفى النثر ولها نفس العلاقات الايحائية فى النظامين مع الفارق النوعى بينهما فى الترتيب والترابط .

خاتمة

النص الأدبي يتألف من وحدات تركيبية متسلسلة ، لها علاقاتها المضمونية المتكاملة عادة . وتعترضنا خلال هذه الوحدات مراكز تكثيف أسلوبى ، تتشبع فيها الالفاظ بالدلالات النوعية ، ثم تنطلق منها لتفرغ شحنتها الايحائية هنا وهناك عبر النص

اما التوازن بين الوحدات فأمر يحرص عليه الشعر أكثر مما يحرص عليه النثر . وذلك من الناحيتين الكمية والنغمية ، كما يحرص الشعر على التوزيع المتجانس لمراكز التكثيف خلال الابيات

اما النثر فاهتمامه منصب فى الغالب ، على نقط الارتكاز فى بداية الفقرات ، حيث يشتد التوتر الاسلوبى ، وتنضغط المعانى دون اعتبار لتوزيع شحنتها أو تعديل موقعها على غرار ما يجرى عادة فى النظم .

وهذا لا يعني أن التسلسل الايحائى ينقطع فى الشعر عند فراغ الشحنة المعنوية فى آخر البيت . فمراكز التكثيف تتجدد باستمرار ، بحيث لا يختص كل مركز الا بحزئية صغرة من الكتلة الشعرية العامة . ثم تترابط هذه الجزئيات على المستوى المضموني للقصيدة بدون اعتبار لفواصل الابيات ومقاطعها .

فاذا ما أحس الشاعر بضعف الايحاء أو بتفكك الوحدة النظمية ، عاد الى الربط من جديد بطرق أسلوبية معروفة ، منها : الارتكاز والتخلص والنداء والتعميم والعود على البدء والخروج ونحوها . وهي طرق لها أدواتها البيانية ووسائلها النوعية ، اللفظية منها والتركيبية ، المساعدة على تماسك الجمل وتسلسل المعانى ، وذلك مهما طالت القصائد ، وتعددت فيها الاغراض

اشترك في نشرتنا البريدية