الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "المنهل"

التضحية الهائلة

Share

١- من شفيق الى صديقه حسين

صديقي حسين علمت من رسالتك الاخيرة الي ، انك لا تزل تجرى وراء هذا " الخيال العابث الذى كنت تجسمه لى ، وتحببه إلى فى حرارة بالغة ، وتصفه لى وصفا افلاطونيا بانه " مفتاح السعادة " و " سر النجاح " فى هذه الحياة . .

قرأت رسالتك الاخيرة ، فاصطدمت فيها بتعابير متنافرة واكثرها كالهباء المرتج ، كلما حاول الذهن ان يحصر معانيها انفلتت منه الى غير سبيل . ولم تزل دهشتى الا حينما تذكرت ان هذا هو منتهي ما تسمونه " الادب " فليتني كنت رساما كاريكاتوريا بارعا . اذن لرسمت لك رسالتك في شكل يثير الكثير من السخرية والضحك والازدراء !

وكم أسفت على ضياع مواهبك المتقدة ، وعلى ذكائك النادر وفكرك النير أسفت كثيرا ان يعصف به هذا الخيال العابث ، ويدمره تدميرا . فبدلا من أن تسمو الى عالم الواقع ، تبقى هكذا دائما، سابحا في لجج من الخيال القاتم الذي لا قرار له .

ولقد كنت شفيقا عليك يا صديقى ، أن تنحل قواك المعنوية بهذا الشكل المزري فتورط في شباك من هذا الكسل الشائن ، وهذا الاخفاق المريع ! وكم كنت حذرا ان يجيء مستقبلك خائرا عبوسا على هذا النمط الذي جاء به الان

أو تذكر يا صديق - تلك الليلة التى وافيتنى فيها ، وأنا بمكتبى ، منهمك في أعمالى ، وكنت متأبطا كتابا قلت لى انه ديوان البحترى ، وصرت تضايقني بالحديث عن روعة شعره ، وفلسفته الشعرية في الجمال ، وكنت أصغى الى حديثك بإذن لاهية ، لان حديثك عن الشعر وفلسفته مما لا يهضمه فكري ، ومما لا يروق لذوقى . اني أراه ضربا من " العبث الفكري " وجناية على حياة العمل . وقد ارتجلت لى خطبة خيالية رنانة ، بلغ بك الحماس فيها الى اقصى حدوده ، عن هذا الشاعر الذى تصفه تارة بالملهم ، وآنا بالعبقرى . ومازلت تفيض في الحديث عن سمو معانيه ، وعن اجادته فن المديح ، وبراعته فى عالم الوصف ، وتسترسل في كل هذا متحمسا ومباهيا ، ومدلا بفكرك العبقري الذي أوصلك إلى " دقة الملاحظة " وصدق الحكم فى تحليل شاعر كبير كالبحترى . لقد كنت يا صديقي معجبا بنفسك ليلتئذ ، أتذكر كل ذلك ؟ ! ثم اتذكر معه انى قابلتك بالصمت والنفور ، وقابلتك بما هو أقسى من الصمت والنفور . إذ صارحتك برأيي في " الادب " وأعلنت لك اني أراه مضيعة العمر وعبث الخيال فقابلتني من أجل ذلك بالصمت والفتور ، وابتسمت ابتسامة كلها سخرية وإزدراء ، وقهت بألفاظ نابية ، جرحت بها عاطفتى ، فقابلتك بالصمت العميق ، وأعرضت عنك إلى عملى إعراضا تبينته مني فازداد غيظك على ، وغلا مرجل حنقك فنهضت وانت حانق اقصى ما يكون الحنق . لقد كنت تخالني يومئذ مشلول النظر ، معوج التفكير ، فهجرتني هجرا طويلا . أتذكر كل ذلك يا صديقي ؟ ثم اتذكر اننا أفترقنا ولم نلتق بعدها حتى الآن . انك شعرت بغرابة مبدئي عن مبدئك ، واختلاف نظرياتي في الحياة عن نظر باتك . ولقد مضيت أنا فيما انا بسبيله ؛ وجابهت حقائق الحياة وسعيت

السعى لمثمر ، وأدركت من أول وهلة " سر النجاح " وأستوليت على " مفتاح السعادة فدخلت رياض السعادة والهباء . فها انا اليوم ارتع فى بحبوحة من الرفاهية والنعيم ، لقد اشتريت دارا وتأهلت ورزقني الله بزهور الحياة . وها أنا اليوم فرح مبتهج قرير العين احتسى الهناء والمسرات احتساءا . أما أنت فمضيت تجري وراء خيالك العابث ، ووصلت بعد عناء شديد ، وتعب مضن إلى أن تكتب المقالات الطوال القصائد العراض فتبعث بها لى الصحف فتنشرها لك مقرظة لك بعبارة خيالية هي قولها " للاديب الكبير حسين " ، فكنت أضحك ضحكا مشوبا بالحزن والاسئ على صديق عزيز ، مضى ينهك قواه ومواهبه باستسلامه لخيال عابث لا يسمن ولا يغنى من جوع . لقد كنت اتأثر جدا من مطالعت لعناوين مقالاتك وقصائدك لانى كنت المس من خلالها حقيقة اخفقك المجسم فى هذه الحياة

لقد كنت أتمثل سطور مقالاتك وقصائدك دركات تنحصر من صلالها السوداء الى الهاوية ، وانت مغتبط بهذا الانحدار ، ومن ذهولك المحزن تتخيل انك محلق فى السماء . . وهنا ادركت ان الادب " افيون الحياة " فهل شعرت الآن بوصولك لى قررة لهوة ؟ ! وهل اصطدمت بنواتئها العنيفة وقد اشرفت على الاربعين ؟ !

ذلك ما أرجون يكون . وذلك ما أرجوان يكون حافز لك على " معاودة التفكير من جديد في بناء مستقبل مجيد على غير أساس هذا الخيل العابث : " الادب " وخاما لك ودادي واحترمى

٢- من حسين الى شفيق

اخي شفيق احييك من صميم الفؤاد ، تحية ماؤها التقدير وارجو ان يدوم لك ابتسام الحياة .

ان رسالتك عن الادب " كانت وايم الحق رسالة فى صميم هذا الادب ففيها

من البيان الساحر ما لا يجيء مثله الا من عباقرة الموهوبين ونوابغ الكاتبين . فانت اذن " أديب متستر " . وكم يحلو لى ان همس في أذنك ثانية بان حملنك هذه المرة على " الادب " هي من إلهامات الادب نفسه ، فأنت لم تخرج بها عن " محيط الادب . ولم تنطلق من " جاذبيته " الشديدة . وبودى لو تعلم ان ليس فيما كتبته لك أى شكوى " من الأدب ، ولا أى اعلان عن " الفشل فى هذه الحياة . فالرأي عندي أنه ما ينشل أديب عبقرى في هذه الحياة . ولقد نجحت - يا صديقي الى حد بعيد من النجاح ، فها هي الصحافة تتجاوب أصداؤها بنتائج قريحتى ، وها هو العالم بدأ يقدر ادبي حق قدره ، وها هو الأدب يسمو بي كل يوم الى قمة من من المجد جديدة . ولئن لم أنل الثراء ، فانا من ادبي في أعظم ثراء . وأحب ان تفهم يا صديقى هذا الادب " فهما صحيحا لا عوج فيه ولا امت . فالأدب " عماد الحياة الراقية " الذي تشاد عليه قصورها الفخمة . وهذه الحقيقة هي التي أحاطته بالاشواك ، وهي السر فى رزح الاديب احيانا تحت اعباء البؤس وأسمال الفقر ، فهو يشقي ليسعد غيره ، ويتطا من ليرفع شأن سواء . وانت تعلم ان العماد " هو الاداة التى تسخر كل قواها وكل مواهبها لأشادة القصور الشاهقة على أكنافها هي تقدم هذه " التضحية الهائلة " في سبيل الواجب العام ، وهكذا الاديب يضحي بسعادته على " مذبح " المصلحة العامة . هذه فلسفة الادب حلتها لك لنفهم كيف يتبرم الاديب اذا اتجه تفكيره حينا الى شخصيته وحدها . ولتفهم كيف ينقلب تبرمه مرحا ، اذا انكشفت له شخصيته العالمية الخالدة . ولقد كتبت اليك رسالتى في ساعة كنت فيها محاطا بجو من شخصيتى الذاتية ، فلما انجلى عني ضبابها شعرت بالنشوة والرضا بما أنافيه من سعادة حقة تسمو عن المادة ، وتترفع عن أوضار الحياة

ان الاديب قائد الامة فله من قيادته أعظم سلوى ، وابهج اعتزاز . هو يسوق البشرية إلى رياض المجد بعصاه السحرية ، وهو يغني لهم " انشودة الحياة السامية " على قيتارته ليدفع بهم الى احضان النهوض الادبي دفعة واحدة ، فهو

سيعيد بقيادته ، وهو طروب بنفحات قتارته المشجية . ولهذا لا اوافقك مطلقا على قياس النجاح فى هذه الحياة بمقياس المادة . فمقياس النجاح عندي ارفع واسمى من المادة هو شعور كل امرئ بالغبطة ازاء ادائه لرسالته فى هذه الحياة على وجه كامل مشرف فانا اذن ناجح . وانت اذن ناجح . وانا اذن سعيد ، وانت كذلك سعيد . غير انى اعتبر نجاحي أرفر من نجاحك ، نجاحك محدود ونجاحي غير محدود . واعتبر حظى من السعادة أعظم من حظك ، سعادتي عالمية خالدة ، وسعادتك شخصية زائلة .

ألادب يا اخي هو " نور الحياة " والحياة بدونه مأفونة مظلمة لا هدف لها ولا غاية ومع كل هذا فلقد فكرت مليا فى بناء مستقبل عملي مجيد لانى وجدت في فى صميم هذا الادب الذي أقدسه ما يحفزي بحرارة الى اشادة هذا المستقبل العملي المجيد فالي اللقاء

اشترك في نشرتنا البريدية