الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "المنهل"

التطور نحو الدين (*)

Share

فى هذه الليلة ساتحدث اليكم عن (التطور نحو الدين فى مصر) وهذا التطور ملموس ظاهر للعيان فى السنوات الأخيرة وهو فى كل عام يتضاعف ويمتد وينتشر  ان هذا التطور معناه أن مصر بدأت ترجع الى نفسها بعد أن مرت بها أدوار استعمارية جارفة أذهلنها عن نفسها وافقدتها اسباب العزة القومية والمنعة الروحية فكادت بذلك ان تذوب، فى بوتقة الاحتلال وعراها من جرائه كثير من الانحلال النفسى والفكرى والخلقي والاجتماعي .

وهذا أسلوب قديم حديث من أساليب الاستعمار الغربي يمكن به لنفسه فى البلاد التى استعمرها . وقد رأيناه فى اندونيسيا ، وقد قاومته اندونسيا متخذة سلاح التطور نحو الدين المثل فى الجمعيات الاسلامية التى رامت أن تعكس اتجاه سفينة الحياة فى اندونيسيا عما يراد بها، وان تجريها فى تيارها القيم القويم ، رغما على محتليها . وقد نجحت اندونيسيا آخر الأمر ، وفاء المحتل بالانقشاع والجلاء .

وقد رأيناه أيضا فى غير اندونسيا من بلاد الاسلام ، وما على المسلمين إذ أرادوا عزة وكرامة واستقلالا الا أن يتمسكوا بدينهم قولا وعملا وتقنينا وتوجيها .

من قبل نحو ستة عشر عاما كان امير البيان شكيب أرسلان رحمه الله ،  يلاحظ تقلقل الحالة المعنوية فى نفوس المصريين والعالم الاسلامى ، فكان

يبعث من جنيف بمقالات مدوية كان لها تأثيرها البالغ رفع فى مستوى النفوس وكان يدعو فيها باسلوبه المشوق المنوع الى الرجوع الى الدين لأنه طريق المجد المنشود.

وكان من بين تلك المقالات مقالة كانت أصغرها مبنى واكبرها معنى وأسماها هدفا وأدقها إصابة ..كانت هذه المقالة التى نشرت فى جريدة "الشورى" الغراء بعنوان "الصلاة فى الكنائس من أجل صحة الملك" والملك هنا هو جورج الخامس ملك بريطانيا، فانه حينما مرض هرع سكان بريطانيا إلى كنائسهم يصلون من أجل نيله الصحة، وقال الأمير شكيب فى معرض حديثه عن هذا الحادث: إن بريطانيا المتمدنة لم يضر تمسكها بدينها مدنيتها، ولا انقص ذلك من أساطيلها ولا خفض من هيبتها، بل إن صلاتها هذه من أجل صحة ملكها تبرهن على مدى تغلغل الروح المسيحية فى قلوب الانجليز رغم تغلغلهم فى المدنية .. فاعتبروا أيها المسلمون .. يا من دينكم هو الدين القيم الصحيح الذى يصعد بمعتنقيه الى المجد فى هذه الدنيا والى النعيم فى الآخرة .

وقد اثر الغرب في قلقلة الروح الدينية فى مصر، ويتمثل هذا التقلقل فى متخرجي معاهدهم وجامعاتهم، فقد حدثنا الدكتور محمد حسين هيكل فى الحفل الذي كنا أقمناه له بالمدينة قبل نحو خمسة عشر عاما بشئ من هذا قال لنا: إن المادية الغربية والتفكير الغربى قد جرفا كيانه الديني بعد تخرجه من الجامعة بفرنسا ولكنه ما لبث بعد لأى أن هداه الله بعد أن مرت به أعاصير، وقال: انه ادرك بعد ذلك أن الايمان بالنسبة لقلبه كان مثل الصخرة الصماء الصلد غطتها اتربة اسفتها عليها الرياح الهوج وقد تراكمت هذه الأترية ردحا من الزمن حتى اذا أراد الله انزل عليها مطرا مدارا من رحمته فاراح الأتربة عن وجه الصخرة وهكذا ظهرت الصخرة على حقيقتها قبل ان تمني بهذا الحجاب المصطنع البغيض.

وهناك تفاعل ملحوظ بين اللغة العربية والدين الاسلامى، ففي البلد الذى تقوى فيه دعائم هذه اللغة الكريمة وتنتشر غصونها يسمو شأن الاسلام. وفى المكان الذي يسمو فيه شأن الاسلام يكون للغة العربية المكانة الملحوظة  فى المجتمع. إن اللغة العربية والاسلام هما كما قال الشاعر العربى :

رضيعى لبان ثدى ام تحالفا       على ضوءنا ، عوض لانتفرق

وعلى هذا قلنا ان نرجع الى ما قبل اربعين عاما لندرس اصول التطور نحو الدين فى مصر. وسنجد ان من هذه الاصول الشامخة وقفة سعد زغلول وزير المعارف امام الاسد البريطانى يتحداه ويؤكد له ضرورة اعادة الكرامة والاهمية للغة العربية فى مصر العربية المسلمة ممثلا ذلك فى اعادة التعليم بها ..

وقد نجح زعيم مصر فيما اراد، وبذلك اراد الله الخير لمصر وللشرق العربى اجمع فان تلك البذرة الطيبة هى التى ابنتت هذه الشجرة التى بدأت تطاول الاستعمار وتغالبه. والتى نرجو ان تطوله وان تغلبه .

ومن المعلوم ان سعد زغلول نفسه كان حسنة من حسنات الشيخ محمد عبده، مباشرة . وكان هذا حسنة من حسنات السيد جمال الدين الافغانى، مباشرة وانتم ترون من هذه السلسلة الذهبية المتصلة الحلقات، المبادئ الاولى للتحول  بمصر نحو الدين عقب دخولها فى عنق زجاجة الاستعمار بأمد وجيز .

وقد ظهرت بثور فى مصر ارادت ان توجهها اثناء ذلك الى وجهات عوجاء هوجاء . وكان لها دعاة وبناة ظاهرون ومستترون - من الغرب والشرق ومن  نفسها،  كانت احدى هذه الدعوات هى ان تعود مصر الى الفرعونية البائدة .

وبحمد الله سرعان ما وتدت هذه الفكرة الخرافية بايدى بعض حماتها حينما انجاب عن ايمانهم ظلام الشك وابصروا بنور اليقين الطريق الصحيح السوى وقالت دعوة اخرى كائدة ، باستعمال الحروف اللاتينية للعربية روما للبعد بها  عن دين الاسلام . وقد لاقت هذه الدعوة الجائفة حتفها على ايدى الدعاة الى التحرر من آثار الغرب الشوهاء ، وقال اناس واذاعوا : بان الدين الاسلامي يقف حائلا دون طريق الرقى : والى هؤلاء ارسل شكيب ارسلان  مقالاته المدوية فى الآفاق كقنابل ذرية سرعان ما سحقنهم سحقا وقد قام من بعد  الدليل العملي، بعد الدليل القولى على انهم يهرفون بما يعرفون انه باطل من الباطل .

فقد انشئت جمعيات اسلامية ناجحة فى المبادئ والحياة والعمل وكان فى طليعتها  جمعية الشبان المسلمين التى انشأها قبل نحو ربع قرن الدكتور عبد الحميد سعيد رحمه الله ، وتحمس لها كثير من رجالات مصر وشبانها وانتظموا فى عقدها فقاوموا

بذلك الدعوة الاخرى التى تؤيدها من طرف خفي اليد العاملة من وراء الستار الا وهى جمعية الشبان المسيحيين.

ان التطور نحو الدين امر مملوس في مصر اليوم . وان كان  كثير من المجتمعات والافراد فيها لايزال سادرا فى الطريق التى كان سادرا فيها - الا ان الجميع بدؤا يحسون بانه من الواجب لتحسين الاحوال ولضمان التقدم الخلقي والاجتماعي والسياسي والاقتصادى بمصر ؛ أن يسود الدين الاسلامي مصر فى تعاليمه وانظمته وارشاده ، وان يحل نوره محل المادية الطاغية الرعناء التى تفسد الاجواء وتسمم الاخلاق وتقوض المجتمعات وتخلق الفوضى وتنشر عدم الثقة بين الناس وقد كانت حكومتنا العربية السعودية ، الاسلامية لحما ودما ذات اثر باهر مباشر فى هذا الاتجاه المرموق فى مصر نحو الدين، ان نجاح هذه الحكومة فى عالم السياسة والاجتماع والادارة مع انها دينية فى كل شئ كان منارا روحيا لمن ينشدون النجاح الصحيح فى الحياة الدولية والحكومية والشعبية .. وقد لمس بذلك ان الدين لم يكن ولن يكون عقبة ولا عائقا مطلقا دون التقدم العمرانى والاجتماعى والسياسي . بل هو حافز اليها وباعث عليها بكل ما فى كلمات تحفز والبعث من معان ضخام جسام

وجلالة مليكنا المعظم وسمو ولي عهده المعظم وسمو نائبه المعظم خير مثال للدعوة والعمل . . للدعوة الى الجمع بين التمسك باهداب الدين الحنيف مع الاخذ بالصالح من المدنية الحديثة .

وها هى مصر تعلن حكومتها مؤخرا انضامها الى منظمة الاتحاد الاقتصادى الاسلامى المؤسس بكراشى عاصمة باكستان .

"شهران فى نيويورك " كتيب صغير الحجم غزير العلم المصحفى العربى الاول الاستاذ احمد ابو الفتح صاحب جريدة "المصرى" العراه بمصر . وفى  هذا الكتيب امثلة رائعة تتمثل فى جمع الرحل العظيم العامل بين التمسك بتعاليم  الدين الاسلامي والاخذ من المدنيه الحديثة بالصالح المصلح . ان هذا الصحفى العالمي الناجح - يعلن فى كتابه هذا للامريكين عمليا وهو فى بلادهم انه لا يخرج فى حياته لديهم عن دائرة تعاليم الاسلام شأنه كما هو فى وطنه . وقد اعجب "العم سام " بهذه الروح الأسلامية السامية ، وما ضر الرجل ذلك فى نفير ولا قطمير ، فهو انجح صحفى عربى على رغم الاعداء وعلى رحب الاصدقاء

اشترك في نشرتنا البريدية