نشرت صحيفة نيويورك هيرالد تريبون فى عددها المؤرخ يوم 23 أكتوبر 1975 مقالا عنوانه ) افريقيا السوداء فى الامم المتحدة تتساءل عن مدى ونوايا الاعانة العربية ( .
ان هذا المقال ، لهو دليل آخر على ما تنشره الصحف الاجنبية التى تستغل كل الفرص للتنديد بالدول العربية ، التى تظهر بمظهر الدول الغنية ، مع أن حل بلدان العالم الثالث ، ومن بينها افريقيا ، ما زالت تعاني من الفقر والحاجة ان البلدان الغربية الغنية ، أو البعض منها على الاقل ، تحاول محاولة خبيثة ان تسرب استياءها ازاء العرب للدول النامية ، سعيا وراء تركيز تنافس بل أقول حربا حول مسألة البترول ، بين الموردين أغنياء كانوا أو فقراء ، من جهة ، وبين المصدرين لهذه المادة من جهة اخرى ، خاصة دول الاوبيك ، وبهذا تسعى هذه البلدان أن تزج بالدول العربية في قفص الاتهام ، وأن تثير غضب الدول النامية ازاء العرب . وهي لعمري محاولة تمويهية لها خطورة سياسية كبرى ، أصبحت الدول العربية عرضة لها فى عدة محافل دولية
فان انخرام الاقتصاد العالمي والنقدى ، والتضخم المفجع والركود الاقتصادى ، والارتفاع المشط لاسعار المواد الخام ، وحتى المواد المصنعة ، والنقص الفادح فى المواد الغذائية ، والتدهور المستمر فى شروط التبادل لغير صالح الدول النامية ، وأخيرا النقص الكبير فى التحويلات المالية الانمائية لفائدة الدول الفقيرة .
كل هذا ينسب الى النفط والدول العربية التى أرادوا أن يجعلوا منها المسؤول عن ذلك الانخرام . نعم ان الزيادات المتواصلة فى سعر البترول منذ سنتين ، وفي سعر الفوسفات مثلا ، أعطت فرصا ذهبية لبعض الصحف ووسائل الاعلام في البلاد الغربية وحتى فى بعض البلدان النامية ، لتسميم الرأى العام العالمي ، والحط من سمعة الدول العربية ، الم يشع مثلا ، أن
مصالح عربية تسببت أخيرا فى فقدان بعض المواد الغذائية كالسكر ، وذلك عن طريق شراءات ضخمة لهذه المادة ؟ وهذا طبعا محض افتراء .
زد على ذلك كل محاولات تغليط الرأى العام الغربى ، وذلك بمناسبة بعض الاستثمارات العربية فى البلدان الصناعية نفسها ، عن طريق شراء سندات مالية أو أسهم فى عدد من الشركات الصناعية فى أوربا وأمريكا .
لنتعرض الآن الى استغلال الاحداث العالمية ، وفي مقدمتها قضية فلسطين . فكثيرا ما يقع تذكير البلدان الافريقية التى ساندت القضية الفلسطينية مساندة تامة بأن تأييدها للقضايا العربية ، لم يجر لها أى نفع ونسمع من هنا وهناك ان الاعانات العربية للدول الافريقية تقتصر على المساهمة فى بناء مساجد فى بعض البلدان الافريقية المسلمة .
وفى الحقيقة ، هاته الارجيف والمناورات التى ترددها بعض الصحف المغرضة ، وتمولها بعض المصالح المناوئة للعرب ، لا تشكل خطرا فى حد ذاتها ، بل الخطر هو فى تسرب واستيطان هاته المناورات داخل البلدان النامية ، وفي مستوى الحكومات والرأى العام والشباب
ان افريقيا كلها ما زالت تردد هذه الاصداء المسمومة ، كما يلاحظه كل زائر لافريقيا اليوم . ففي افريقيا نفسها ، تجد تلك المحاولة الخبيثة التى تسعى للتفرقة بين ما يسمى بالعالم الثالث الغني ، ومن ضمنه الدول العربية وبين العالم الرابع الفقير ، ومن ضمنه جل الدول الافريقية . ففي مؤتمر القمة للدول غير المنحازة المنعقد فى الجزائر 1973 ، وفي الجلستين الاستثنائيتين للامم المتحدة حول المواد الخام ، مايو 1974 وسبتمبر 1975 ، وفي الصراع الاخير فى سبيل اعداد مؤتمر اقتصادى بين ما سمى بالشمال ، أى الدول الغنية المصنعة الغربية ، والجنوب أى كل الدول النامية ، برز التآزر بين الدول النامية وفي ضمنه التآزر العربى الافريقي ، لكن والحق يقال ، لم يبرز للوجود بعد ، أى مشروع تعاوني ، وأى برنامج لفائدة الدول النامية ، رغم ما اعلن عنه فى الجزائر وليما ونيويورك ، من مشروعات ترمي الى اعانة الدول الفقيرة فى نطاق وحدة وتآزر الدول غير المنحازة . فمثلا ما هو مصير اقتراح قمة الاوبيك التى اجتمعت أخيرا بالجزائر ، والمعلوم أن هذا الاقتراح يرمي الى احداث صندوق للتعاون رأس ماله يقدر ب 10 مليارات دولار
ماذا حدث لمشروع الصندوق الخاص الذى تقدمت به ايران لفائدة الدول النامية ؟ ماذا حصل للصندوق الذي صادقت عليه الجمعية العامة للامم المتحدة
فى جلستها الاستثنائية مايو 1974 ؟ ما هو مآل برامج التعاون التى اقترحت أخيرا اثر اجتماع الاوبيك فينا أكتوبر 1975 ؟
نعم لقد ساهمت دول الأوبيك - وفي مقدمتها الدول العربية فى اعداد ما سمى بالنافذة الثالثة ) 1 ( ، فى البنك الدولى وفى المساهمة فى ) التسهيلات البترولية ( التى يشرف عليها صندوق النقد الدولى ، وفي الزيادة الرابعة لموارد شركة التنمية الدولية i.d.a. التى تسدى قروضا بشروط سخية للدول النامية تحت اشراف البنك العالمي ، ان الاحصاءات للمنظمات الاقتصادية الدولية الغربية ، كمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية E.C.D.٠ . D والبنك الدولي ، تفيد أن مستوى التحويلات والاعانات المالية الصادرة عن دول الاوبيك ، لصالح الدول النامية فى سنتى 1974-1975 ، بلغت نسبا وأرقاما تفوق بكثير اعانة الدول الغنية المصنعة - الغربية منها والشرقية - تلكم الدول التى لها مسؤولية خاصة وكبيرة ودين ازاء تنمية الدول الفقيرة التى ساهمت مساهمة كبرى فى ثراء ورخاء العالم المصنع الغني
كذلك ساهمت الدول العربية في تمويل الصندوق الخاص لفائدة الدول الافريقية المتضررة من ارتفاع اسعار البترول ، حيث إن هذا الصندوق ، وزع على الدول الافريقية ما يقرب من 200 مليون دولار ، كما سنوضحه فى هذا التقرير .
وان كانت هاته الاعانات متواضعة ، فانها حقيقة ملموسة قد أعانت على تسديد عجز موازين مدفوعات جل البلدان الافريقية . وأن صناديق التنمية العربية ، كالصندوق الكويتي ، وصندوق أبوظبي ، والصندوق السعودي والبنك الليبي الخارجي ، والحكومات العربية ، سخرت اعانات لا بأس بها لفائدة الدول النامية فى شكل هبات وقروض طويلة المدى ، فكل يوم هناك بعثات افريقية للدول العربية ، وبعثات عربية للدول الافريقية فى كل المستويات تناقش برامج التعاون وتعد التمويلات لمشروعات انمائية متنوعة لصالح افريقيا ، ولكن افريقيا و آسيا الفقيرتين ، تصطدمان اليوم بحقيقة ، وهي ان مشاريع التعاون الكبرى المقترحة ، فى مؤتمرات الدول غير المنحازة ، أو فى
مؤتمرات دول الاوبيك ، والتي أعلن عنها أكثر من مرة ولم تبرز بعد للوجود ، ان افريقيا اصبحت اليوم القارة التى تتفشى فيها هذه المناورات والتناقضات الى حد بعيد ، وهكذا أصبحت نوايا الدول العربية ازاء افريقيا محل ريب
ففي كمبالا ، أثناء القمة الثامنة الافريقية ، مرت على التعاون العربى الافريقي الذي قدم بشأنه مشروع الميثاق ازمة خطيرة ادت الى ارجاء النقاش فى مشروع الميثاق لاجل غير مسمى . ولقد أحسسنا بنفسنا عند اتصالاتنا برؤساء الدول وأعضاء الحكومات فى البلدان الافريقية بكمبالا ، كوناكرى ، منروفيا ، باماكو ، لومي ، ابيدجان ، كوتونو ، داكار ، ياوندى ، كنشاسا : وكذلك واشنطن ، ان التعاون العربى الافريقي تتلبد فى سمائه بعض الغيوم
فان مشروع القمة العربى الافريقي ، الذي يشكل فى الحقيقة انطلاقا حاسما فى تدعيم التآزر والتعاون العربى الافريقي ، أرجئ الى أجل غير معلوم
ولقد عرفت افريقيا أحداثا سياسية أقل أهمية مما ذكرنا ، أبرزت هى أيضا ذلك التردد والريب فى العلاقات العربية الافريقية ، فمثلا بمناسبة اتخاذ رئيس جديد للبنك الافريقي للتنمية بداكار ، مايو 1975 ، انقسمت الدول الاعضاء فى هذا البنك الى شقين متضادين ، الشق العربى الذى كان يساند مترشحا عربيا ، والشق الافريقي غير العربى ، الذى كان يؤيد مترشحا افريقيا غير عربي ، وقد أدلى بعض الوزراء العرب والافارقة بتصريحات عنيفة فى هذا الصدد أحدثت بعض الاستياء ، فكل هاته الاجواء تشكل خطورة سياسية ملموسة ، لا تكون فى صالح التعاون العربى الافريقي ، الذى هو أساس التآزر العربى الافريقي ، فسماء هذا التعاون مكفهرة بغيوم ، وان كان نصيب هام من هاته الازمة راجعا الى سوء التفاهم وقلة الاعلام ، فانه فى نفس الوقت تعوز التعاون العربى الافريقي النظرة الشاملة والاختيارات الجوهرية الاساسية والتنظيم المحكم المنسق ، فان هذا التقرير يتعرض الى تحليل كل هاته المعطيات والملابسات اللازمة التى تجتاح حاليا التعاون
كما ان هذا التقرير يقدم حلولا لكل تلك المشاكل قصد دفع عجلة التعاون العربى الافريقي فى طريقه السوى ، وعندئذ يتضح الطريق أمام كل المؤسسات الانمائية العربية العاملة بافريقيا ، وخاصة منها المصرف العربي للتنمية الاقتصادية فى افريقيا ، المكلف من لدن الدول العربية يمهمة خطيرة . فان المصرف هذا لا يمكن أن يؤدى رسالته على الوجه الاكمل الا اذا اتصف التعاون العربى الافريقي بالحركية وخلا من المزايدات وتمكن من موارد تكون كما وكيفا
فى المستوى المطلوب ، وتعزز برجالات يدفعهم حب العمل والتفانى ، وتركز على مؤسسات ونظم ناجعة ومنسقة ، وسنتتعرض لكل هذا فى الفصلين الآتيين : 1 - الحالة الراهنة للتعاون العربى الافريقي 2 - نظرة جديدة للتعاون العربى الافريقي
الفصل الأول الحالة الراهنة للتعاون العربى الافريقي
ان محتوى التعاون العربى الافريقي الحالى ، يصعب كشفه ومعرفته معرفة دقيقة ، وللتعاون العربى الافريقي ميزات ثلاث
أ - ميزات التعاون العربي الافريقي :
- ان الاحصاءات حول التحويلات والتمويلات العربية منها والخاصة غير مكتملة ، وهذا خلل كبير يفتح الباب لكل منتقدى التعاون العربى الافريقي ومهاجميه ، وان كانت التحويلات والتمويلات العربية الافريقية الصادرة عن الحكومات العربية والصناديق العربية يمكن احصاؤها ، فانه فى نفس الوقت ثمة تمويلات واعانات تقرر بمناسبة زيارات مسؤولين عرب أو أفارقة ، ولا يعرف فى شأنها الا القليل ، فهذا النوع من الاعانات يكتسي أهمية كبرى وفي بعض البلدان الافريقية يتمثل فى هبات وقروض بشروط سخية ورغم هذا فهي تبقى غير معروفة ، وغير مكشوف عنها ، عمدا أو سهوا .
وفي أثناء تجوالنا في افريقيا ، فوجئنا كم من مرة بما تحصلت عليه البلدان الافريقية من اعانات عربية دون أن يعرف فى شأنها شىء ، مع ان المنظمات الانمائية غير العربية ، والحكومات الغربية والشرقية ، تعطى لكل عمل نعاوني في افريقيا ، اشهارا كبيرا ، وتستغله بكل الطرق والوسائل من الناحية السياسية والاقتصادية . وهذا الخلل فى الاعلام لا يمكننا من استغلال الاعانات العربية الافريقية من الناحية السياسية ، فى وقت يحتاج فيه التعاون مع إفريقيا ، لمزيد من الدلائل والانجازات ، حتى تواجه الحملات المتعددة التى تشن على العمل العربي فى افريقيا .
ان أول الاحصاءات التى وردت فى شأن التعاون العربى الافريقي عن طريق البنك الدولي ، أو منظمات غربية أخرى D.E.C.D. رغم نقصانها أطلعت لاول مرة الرأى العام العربى ، والرأى العام العالمي ، على ما تقدمه دول الاوبيك والدول العربية ، لفائدة العالم الثالث ، من معونات وتمويلات . لكن سرعان ما سعت بعض الصحف فى التقليل من المجهود العربى ، اذ انها نشرت ، فيما نشرت ، ان ايران - وهو بلد عضو فى الاوبيك - كانت قد ساهمت بالقسط الاوفر فى هذه التحويلات المالية لفائدة العالم الثالث ، اذ يقال ان اعانتها كانت تفوق بثلاث مرات الاعانات الصادرة عن المملكة العربية السعودية والكويت ودولة الامارات العربية المتحدة والعراق وليبيا ) 1 ( وهذا غير صحيح كم سنبينه بالارقام فى هذا التقرير
2 - هناك ناحية أخرى تتميز بها بعض الاعانات العربية لافريقيا ، كما عرجنا عليه فى هذا التقرير ، وهي اعانات غير مرتبطة بمشاريع مدروسة أو برامج اقتصادية محكمة ، فهي تحول لفائدة الدول الافريقية فى شكل اعانات للخزينة أو لموازين المدفوعات ، وحتى فى شكل اعانات شخصية ، وما زالت افريقيا تردد بعض الاصداء السلبية فى شأن هذا النوع من التحويلات فان هذا النوع من التحويلات ، رغم مبرراته لا يترك ، لا اثرا سياسيا ، ولا اثرا اقتصاديا فى البلاد الافريقية المعنية ، كذلك فيما يخص التمويلات ذات الصبغة الخاصة لافريقيا ، التى تسلك مسالك متعددة عن طريق عمليات مصرفية عربية ، او عربية افريقية ، او عربية اوربية ، فلا يعرف فى شأنها الا القليل وان كانت هاته التمويلات ذات صبغة تجارية فى معظمها ، فهي مع ذلك تشكل ضربا من ضروب الاعانات ، لانها تواجه فى البلاد الافريقية اخطارا سياسية واقتصادية ونقدية لا يستهان بها . ولهذا السبب نرى من الضرورى ان يدرج هذا النوع من التمويلات ذات الصبغة الخاصة فى التعاون العربى الافريقي
3 - وهناك ظاهرة أخرى تتميز بها التمويلات والتحويلات العربية لافريقيا ، عمومية كانت أو خاصة ، هي فقدان العنصر البشرى من فنبين وكوادر يعملون فى سبيل انجاز المشاريع الممولة من طرف الدوائر والمنظمات العربية .
واننا نلاحظ انه فى الحقيقة ، يكاد لا يوجد خبراء وفنيون واداريون عرب يعملون فى افريقيا ، فى نطاق التعاون العربى الافريقي . ونحن نعلم ان التدخل
الصهيونى فى افريقيا ، هو اصلا مرتكز على العنصر البشرى ، اكثر منه على العنصر المادى ، فالفني او الخبير الصهيونى يؤثر فى البلد الذى يعمل فيه اكثر من اى تحويل مالى أو اعانة مادية ، وكلنا يعرف ان الاعانات المالية التى كانت نقدمها اسرائيل لافريقيا زهيدة جدا ، ولا تقارن بما تقدمه الدول العربية من هبات وقروض . غير ان اتصال الفنيين الصهاينة بالادارة والشباب ووسائل الاعلام الافريقية ، مكن اسرائيل من تدعيم ما نسميه : التبشير السياسي لفائدة اسرائيل والقضايا الصهيونية ، وفى آن واحد يسعى هؤلاء الاسرائيليون للحط من قيمة الاعانات العربية ، فيكونون بذلك جوا مناهضا للعرب يتغلغل شيئا فشيئا فى كل الاوساط وفي المدن والقرى والادغال الافريقية .
ب - النظم الحالية للتعاون العربى الافريقي
إن الكشف عن النظم الحالية التي توجه عن طريقها التمويلات والاعانات العربية لصالح افريقيا أمر صعب . فهناك عدد متزايد من الصناديق والبنوك والمنظمات المالية ذات الصبغة العامة والخاصة ، التى تهتم كليا أو جزئيا بالتعاون العربى الافريقي
فان العمل الانمائى العربى فى افريقيا مشتت من حيث هياكله ونظمه ، وهذا يشكل السبب الرئيسى فى عدم تنسيق الجهود العربية في افريقيا ولفقدان الاحصاءات والمعلومات المتعلقة ببرامج التعاون العربى الافريقي خاصة وان كل هاته المنظمات والمؤسسات العربية الانمائية ، ما عدا المصرف العربى للتنمية الاقتصادية فى افريقيا لا تخصص الا جزءا من مواردها لفائدة التنمية فى البلدان الافريقية غير العربية
ولا يمكننا فى هذه الدراسة ان نحصى كل المؤسسات التى تتعاطى التعاون العربى الافريقي وخاصة المؤسسات المصرفية ذات الصبغة الخاصة . وهذا ما يجعل من احصائنا وكشفنا عملا منقوصا . غير انه فى امكاننا ان نتعرض الى كل المنظمات العربية الانمائية ، ذات الصبغة العمومية التى تعمل فى ميدان التعاون الافريقي . وهذا ما يمكننا من ان نعطى نظرة حول التعاون العربى الافريقي ذى الصبغة العمومية ، وهو أهم ضرب من ضروب التعاون ، فهناك نوعان أساسيان من هاته المنظمات :
- المنظمات العربية الانمائية للتعاون الثنائى . - المنظمات العربية الانمائية للتعاون المتعدد الاطراف
1 - المنظمات العربية الانمائية للتعاون الثنائى :
لقد أحصينا خمس منظمات عربية انمائية للتعاون الثنائى وهى : - الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية - صندوق أبوظبي للتنمية الاقتصادية العربية - الصندوق السعودي للتنمية الاقتصادية العربية - البنك العراقي للتنمية - البنك العربي الخارجى الليبى
الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية :
ان الصندوق الكويتى ، أقدم المنظمات العربية الانمائية ، ولقد احدث فى سنة 1962 برأس مال يقدر ب 680 مليون دولار ، أصبح اليوم بعد الزيادة الاخيرة 3،4 . مليار من الدولارات . ففي أقل من عشر سنوات ، قدم الصندوق الكويتى أكثر من 30 % من جملة التمويلات التى قدمها البنك الدولى فى مدة 27 سنة لكل الدول العربية . فعن طريق هذا الصندوق سخرت الحكومة الكويتية منذ سنة 1962 بين 15 % و 20 % من ميزانياتها السنوية ، و 9،60 % من منتوج الكويت القومى الخام لفائدة التعاون ولا تحتاج هذه الارقام لمزيد من التعليق .
ان شروط قروض هذا الصندوق ، تعتبر من أسخي الشروط المعمول بها فى شتى الصناديق والبنوك الانمائية من حيث نسب الفائدة ، ورزنامة الاسترداد والخلاص . فان الصندوق الكويتي يكتسب سنة بعد سنة صبغة عالمية ، فهو يمول مشاريع فى كل الاقطار النامية ، ومن بينها افريقيا .
صندوق أبوظبي للتنمية الاقتصادية العربية :
لقد أحدث سنة 1972 برأس مال قدره 50 مليون جنيه استرليني ، ووقعت الزيادة فيه حتى بلغ اليوم 500 مليون دولار
الصندوق السعودى للتنمية الاقتصادية العربية
أحدث هذا الصندوق في مايو 1974 ، وهو يتمتع بموارد تقدر ب 350 مليون دولار أمريكي . ونحن نعلم أن هذا الصندوق يخصص جزءا من موارده للتنمية فى البلاد الافريقية غير العربية ، ولقد اطلعنا اخيرا فى افريقيا على بعض العونات الفنية التى يقدمها هذا الصندوق لبعض البلدان الافريقية الواقع جنوب الصحراء
الصندوق العراقى للتنمية :
ان النصوص التأسيسية للصندوق العراقي للتنمية تبدو جاهزة لكنه حسب علمنا لم يشرع بعد فى عملياته .
البنك العربي الخارجى الليبى
إن الجمهورية العربية الليبية توجه قسطا كبيرا من اعانتها لافريقيا ، عن طريق البنك العربي الخارجي الليبى ، وقد فتح بعد هذا البنك فروعا فى عدة بلدان افريقية .
2 - المنظمات العربية الانمائية المتعددة الاطراف : المصرف العربي للتنمية الاقتصادية فى افريقيا :
لقد صادق الملوك ورؤساء الدول العرب أثناء قمة الجزائر فى نوفمبر 1973 ، على احداث مؤسسة تعنى بالتنمية فى القارة الافريقية ، وهى المصرف العربى للتنمية الاقتصادية فى افريقيا ، غير أن هذا المصرف لم تعد نصوصه التأسيسية الا في يناير 1975 ، وبهذا فهو أحدث منظمة عربية افريقية ، ويقدر رأس ماله ب 231 مليون دولار ، موزعة على 18 دولة عربية قصد المساهمة فى تمويل مشروعات اقتصادية لاربعين دولة افريقية ولهذا المصرف ميزتان
الميزة الاولى - أنه المنظمة العربية الوحيدة للتعاون مع افريقيا المتعددة الاطراف . الميزة الثانية - ان كل موارده مخصصة لاعانة الدول الافريقية غير العربية
البنك الاسلامي للتنمية :
لقد اسس البنك الاسلامي للتنمية بالرياض فى يوليو 1975 برأس مال يقدر ب 1 مليار دينار اسلامي ، أى 1،2 مليار دولار ، تساهم فيه كل الدول الاسلامية - عربية كانت أو غير عربية - وسيشرع هذا البنك في عملياته قريبا ، وسيقدم للدول الاسلامية ، ومن بينها الدول الافريقية والاسلامية غير العربية معونات وقروضا .
الصندوق العربى لتقديم القروض للدول الافريقية :
لقد أنشئ فى يناير 1974 بالقاهرة تحت اشراف اللجنة البترولية لمنظمة الوحدة الافريقية ، والبلدان العربية المصدرة للنفط صندوق خاص يسمى بالصندوق العربى لتقديم القروض للدول الافريقية .
ومن المعلوم أن موارد هذا الصندوق تقدر ب 200 مليون دولار ، وهو معد لتقديم تمويلات للدول الافريقية غير المنتجة للبترول المتضررة من جراء ارتفاع سعر البترول ، وإن الاعانات المقدمة من هذا الصندوق تتمتع بشروط سخية ، اذ أن الفائض لا يتعدى 1 % ومدة الاسترداد طويلة جدا .
ان موارد هذا الصندوق ، هى اليوم تحت تصرف الجامعة العربية ، باستثناء 20 مليون دولار التى أودعت بالبنك الافريقي للتنمية ، وكما سنبينه فقد استنفدت موارده كلها ، كما سنتعرض الى جملة من المسائل تخص مستقبل هذا الصندوق
الصندوق العربى للتعاون الفني العربي الافريقي :
أحدث صندوق عرب للتعاون الفنى العربى الافريقي ، تحت اشراف الجامعة العربية ، وأودعت به موارد تقدر ب 25 مليون دولار ، وهو معد لتوفير المعونات الفنية للبلاد الافريقية .
محتوى التعاون العربى الافريقي الحالى
لقد ذكرنا انفا الخلل الاحصائى والاعلامى الذى يعوق التعاون العربى الافريقي حاليا ، فيما يخص مستوى التمويلات والاعانات ونوعها وشروطها ولهذا فان كل الاحصاءات التى تقدمها تبقى غير ملمة بالوضع الحالي
غير أن المعلومات التى سنقدمها ، تلقى أضواء حول ما تقدمه الدول العربية من اعانات وتمويلات للدول الافريقية . وان برامج التعاون العربى الافريقي تكتسي صيغتين اثنتين وهما :
1 التمويلات المقدمة من الصناديق والمؤسسات العربية العمومية لتمويل مشروعات اقتصادية فى افريقيا
2 - الاعانات العربية البترولية لافريقيا
وهناك اعانات تقدمها الدول العربية للدول الافريقية في نطاق مقاومة الحفاف ، أو بعض الحالات الطارئة ، لكن هاته الاعانات متواضعة ، والمعلومات حولها غير متوفرة .
التمويلات المقدمة من الصناديق والمؤسسات العربية العمومية لتمويل مشروعات اقتصادية في افريقيا :
في الحقيقة ليست لدينا معلومات إضافية تخص نشاط الصناديق العربية الانمائية فى ميدان التعاون العربى الافريقي . ومن جهة اخرى فان نشاط بعض الصناديق ، كصندوق أبوظبي ، والصندوق السعودى ، والصندوق العراقي ، والبنك الاسلامي للتنمية ، فى ميدان التعاون ، فهو فى الظرف الراهن متواضع نظرا لحداثة بعضها . كما ان نصيبا هاما من الاعانات المقدمة من لدن الدول العربية ، قصد تمويل مشروعات اقتصادية فى افريقيا ، لا تسلك سيل الصناديق المذكورة آنفا ، ولكل هذا فاننا سنقتصر فى هذه الفقرة عل لمحة وحيزة لما يقدمه أكبر الصناديق العربية سنا ، واكثرهم نشاطا فى ميدان التعاون العربى الافريقي ، وهو الصندوق الكويتى ، كما سنتعرض من جهة اخرى لبعض أنشطة المؤسسة الليبية المعروفة بالبنك الخارجي الليبى
فالبنسبة الى نشاط الصندوق الكويتي في افريقيا سنة 1974 ، فان التقرير السنوى لهذا الصندوق ، يبين المشروعات التى مولها فى البلاد الافريقية غير العربية . ففي يوغندا وقع تمويل ثلاثة مشاريع فى ميدان تربية الماشية وصناعة السكر ، والطاقة الكهربائية ، وفي بناء خزانات ومطاحن وخزانات للقمح ، وفي تنزانيا اتجهت عناية الصندوق الى صناعة النسيج . وفى راوندى
ساعد الصندوق في تمويل مشروع زراعة الشاى وتصنيعه . وفي مدغشقر للصندوق مشروع بناء الطرقات . وفى مالى اهتم الصندوق بمشروعين يخصان توسيع أراض للرى واعداد مصنع للاسمنت
كما أن الصندوق اهتم بمشروع كبير وضخم جدا ، وهو مشروع حوض السنغال ، الذي يجمع بين ثلاثة بلدان ) مالى - موريتانيا - السنغال ( ، كما أن الصندوق الكويتي يساهم بمعية منظمات انمائية دولية ، كالبنك الدولى والبنك الافريقي للتنمية ، والمصرف العربى للتنمية الاقتصادية فى افريقيا فى تمويل مشروعات افريقية ، فى ميدان تربية الحيوان ، وميدان مقاوم الآفات فى افريقيا . وخلاصة القول أن الصندوق الكويتي أصبح اليوم أكثر الصناديق العربية الانمائية نشاطا وعملا فى البلاد الافريقية
وفيما يخص أنشطة البنك الخارجى الليبى ، فمن المعلوم أن هذا البنك قد ساهم فى مشروع ضخم فى زائير ، بمعية البنك الدولى وهذا المشروع هو صناعى يخص تكرير صناعة النحاس ، وكانت مساهمة البنك الليبى فيه ب 100 مليون دولار
الاعانات العربية البترولية لافريقيا :
ان الاعانات العربية البترولية لافريقيا سلكت في الحقيقة مسلكين ، مسلك الاعانات المباشرة ، وذلك عن طريق الصندوق العربى لتقديم القروض للدول الافريقية ، ومسلكا غير مباشر عن طريق مساهمة الدول العربية فيما يسمى ( بالتسهيلات البترولية ( التى يديرها صندوق النقد الدولى ) Oil Faciltes .
الصندوق العربى لتقديم القروض للدول الافريقية :
لقد وضعت الدول العربية المصدرة للنفط موارد لصالح الدول الافريقية نقدر بحوالى 168 مليون دولار ، وزعت على 32 بلدا افريقيا خلال سنتى 1974 - 1975 ، ويتراوح نصيب كل بلد من 250 ألف دولار الى 7،1 مليون دولار .
ان تقييم هذا المجهود العربى فى سبيل اعانة الدول الافريقية المتضررة من جراء ارتفاع اسعار البترول يرتكز على عوامل ثلاثة :
- مساهمة الدول العربية في ما سميناه ) التسهيلات البترولية لصندوق ( 1 . M . F . Oil Facilities النقد الدولي - نصيب الدول الافريقية فى هاته التسهيلات - مدى تأثير البترول على موازين مدفوعات الدول الافريقية
الفصل الثاني نظرة جديدة للتعاون العربى الافريقي
ان التحاليل التى قدمناها فى الفصل الاول من هذا التقرير بينت نقط القوة والضعف في التعاون العربى الافريقي . وفي آن واحد أشرنا الى الخطوط العريضة لبرنامج عمل يعطى للتعاون العربى الافريقي مكانته بالنسبة للعلاقات الدولية كلها . ان الرهان الذي يتضمنه التعاون العربى الافريقي خطير جدا ، وهذا ما يجعل كل الاطراف المعنية فى هذا التعاون ، الطرف العربى والطرف الافريقي ، تنظر الى هذا التعاون نظرة شاملة مركزة على اختبارات سياسية واضحة ، وبرامج عمل جديدة ومنسقة . وهكذا يتسنى للتآزر العربى الافريقي ، الذي ما زال العرب والافارقة فى أمس الحاجة اليه أن يصبح قوة سياسية موقرة قادرة على مواجهة المناورات السياسية منها والاقتصادية ، التى مازال العالم الثالث بصفة عامة ، والعالم العربى الافريقي بصفة خاصة ، يصارعها فى شتى المجالات .
أولا : نحن نؤمن بأن التعاون العربي الافريقي يجب أن يكون مرتكزا على مبادئ واضحة .
ثانيا : يجب كذلك أن يحدد محتوى وبرامج عمل هذا التعاون للمستقبل خاصة أن تضبط الموارد المالية التى يجب على الطرف العربى ان يضعها على ذمة الدول الافريقية .
ثالثا : يتحتم على هذا التعاون ان ينجز عن طريق هيكل نظامي متجدد منسق
وهذه العناصر الثلاثة هى مدار هذا الفصل .
المبادىء الاساسية التى يرتكز عليها التعاون العربى الافريقي
ان تحديد المبادئ الاساسية التى يرتكز عليها التعاون العربى الافريقي يجب أن تكون بعيدة عن جو المغالاة والتعويضات ، اذ انه ليس للعرب ازاء الافارقة ، وليس للأفارقة ازاء العرب ، اى اعتراف بجميل وأى دين مهما كان نوعه .
فما من شك انه سيبقى للعرب والافارقة وللتعاون العربى الافريقي أعداء مهما كانت العلاقات العربية الافريقية ، ولا يشكل هذا الامر خطورة فى حد ذاته ، لكن الخطورة تتجسم فى فقدان العمل ، والمبادرة وعدم استنباط طرق جديدة فى سبيل بعث التعاون العربى الافريقي ، على أسس وبرامج واضحة ، وهناك ثلاثة مبادئ اساسية تبدو لنا من الاهمية بمكان وهى
- تصفية التعاون من كل ظرفية وانتهازية . - اقحام التعاون في الميدان العالمي ، حتى يصبح هذا التعاون من خلايا التعاون الاقتصادى الدولى - فهم التعاون العربى الافريقي كوسيلة لتأمين وتحقيق تنمية الدول الافريقية والدول العربية فى آن واحد
تصفية التعاون من كل ظرفية وانتهازية
لقد حاول البعض أن يعطى للتعاون العربى الافريقي طابع الانتهازية والظرفية ، ولقد حذرنا من هذا الرئيس السنغالي ليبولد سنغور فى الخطاب الذى القاه بالخرطوم فى 1975/11/13 . فكل من سعى عمدا أو بلا شعورية أن يجعل من التعاون العربى الافريقي مسألة اعتراف بالجميل من لدن الدول العربية ازاء افريقية ، يقترف فى آن واحد خطأين
الخطأ الاول - هو أن موقفا مثل هذا يشكل اهانة لافريقيا ولشرفها
الخطأ الثاني - هو ان موقفا مثل هذا من شأنه أن يفكك أواصر التآزر والتضامن الذي يجمع الاجيال الافريقية والعربية الحالية والمستقبلية فيكون منها كتلتين متضادتين
نعم أن موقفا مثل هذا هو بمثابة الاهانة لافريقيا ، لان تأييد افريقيا للقضية الفلسطينية هو تجسيم لما يشعر به الافارقة ازاء كل الشعوب المضطهدة وازاء الاستعمار والعنصرية والقهر ، تلك التى يعانى ويلاتها شعب فلسطين منذ أكثر من ثلاثين عاما . كيف لا ، وافريقيا تجرعت كؤوس الظلم والاستغلال والعنصرية ، فلا غرو عندئذ ، إذا ناصر اليوم الافارقة اخوانهم الفلسطينيين ونددوا بسياسة دولة مصطنعة اسرائيل ( ففي نطاق تضامن دول العالم الثالث ، وفى نطاق التآزر العربى الافريقي ، لم تنفك الدول العربية تساند كل القضايا الافريقية وتندد بالاستعمار والاستغلال والعنصرية المتسلطة على افريقيا وغيرها . فمواقف الدول العربية فى الامم المتحدة ، وفي الجامعةا العربية ، وفى منظمة الوحدة الافريقية ، ازاء كل القضايا هي مواقف معروفة .
ان القضية الفلسطينية هى قضية العالم الثالث ، وقضية عربية افريقية قبل كل شىء ، ومن جهة اخرى ليست للعرب أية مسؤولية فيما تعانيه القارة الافريقية من فاقة وجفاف وجوع ، وتدهور شروط التبادل التجارى ، لقد بينا آنفا ما تقدمه الدول العربية بصفة مباشرة وغير مباشرة تحت عنوان الاعانات البترولية للدول الافريقية
كما بينا أن البترول ليس المتسبب الرئيسى فى موازين مدفوعات الدول الافريقية ، نقول هذا لا تهربا من المسؤولية ، تلك المسؤولية المتجسمة فى بناء مصير موحد بين الدول العربية والافريقية ، لكن نقوله حتى لا يدان العرب والافارقة غلطا - سهوا أو عمدا - وحتى لا يكون التعاون العربى مسألة تجارية ، أو مسألة تعويضات .
اقحام التعاون العربى الافريقي في الميدان العالمي ومسالة التعاون المثلث
ففي خلال العامين الفارطين ، ما انفكت الدول المصنعة الغربية تنسب الانخرام فى العلاقات الاقتصادية العالمية ، وتدهور اعانتها للعالم الثالث الى ما. يسمى بأزمة البترول ، وفي هذا الصدد ، فكل الاهداف التى خططتها العشرية الثانية للتنمية فى الامم المتحدة لم يقع احترامها ، ولقد بينا فى وثيقة أخرى ، كل ما اعترى التعاون بين الدول المصنعة ودول العالم الثالث من تدهور ونقصان ) 1 ( .
وهكذا تكون للتعاون المثلث قواعد ومبادئ يجب احترامها والسير على هديها . فالمصرف العربى للتنمية الاقتصادية فى افريقيا ، يعتزم اعداد مبادئ للتعاون المثلث في ميدان التعاون العربى الافريقي
فهم التعاون العربي الافريقي كوسيلة لتأمين وتحقيق تنمية الدول الافريقية والدول العربية فى آن واحد
ان الدول العربية كلها هى دول نامية تحتاج الى المزيد من المواد الاولية والمواد الطبيعة ، والاسواق الخارجية ، على غرار الدول الافريقية ولذلك يمكن للتعاون العربى الافريقي ، ان يوفر الوسائل اللازمة لتأمين التنمية فى كل من القطرين - العربى والافريقي - وذلك بتزويد برامج التنمية فى البلاد العربية والافريقية بما تحتاج اليه من مواد خام ومواد طبيعية هى متوفرة فى بافريقيا والبلاد العربية ، وان هذا الفهم الجديد للتعاون العربى الافريقي والتأكيد على على ضرورة تأمين التنمية ، يحتاجان الى بحث عميق وتحليل إضافى .
ان البحث فى مسألة تأمين التنمية العربية الافريقية عن طريق التعاون العربى الافريقي يستلزم دراسات كثيفة حول حاجات البلاد الافريقية والعرب من مواد خام ، ومواد طبيعية . وهذا البحث يخصص ما يسميه علم الاقتصاد : بالموازين العينية .
وهكذا يتمكن الطرفان من اقحام حاجتيهما من المواد الطبيعية فى الاتفاقات الاقتصادية والتجارية التى يبرمانها فى المستقبل ، وكذلك بالنسبة للاسواق والتجارة ، فيجب ان تفتح البلاد العربية والافريقية اسواقها للخدمات والبضائع التى تنتج بفضل التعاون العربى الافريقي . ان اختيار المشروعات الاقتصادية التى تمول فى كنف التعاون العربى الافريقي ، تصبح خاضعة لهذا الهدف الجديد وهو هدف التأمين المتبادل لتنمية الاقتصاد العربى والاقتصاد الافريقي
وفي هذا الصدد ، اقترح أن يوضع هذا الموضوع على بساط الدرس في الجامعة العربية ، ومنظمة الوحدة الافريقية ، كما تقترح تكوين لجنة لها الغرض ، يشرف عليها المصرف العربى للتنمية الاقتصادية في افريقيا .
موارد جديدة على ذمة التعاون العربى الافريقي
فبهذا المفهوم الجديد للتعاون الاقتصادى العالمى الشامل ، يصبح التعاون العربى الافريقي المتجدد فى حاجة للمزيد من الموارد والامكانات حتى يؤدى
رسالته ويواجه مسؤولياته . ان ضبط تلكم الموارد الجديدة والتمويلات العربية التى تحتاج اليها القارة الافريقية ، لا يمكن تحديدها الا على ضوء اعتبارين
- الكشف عن حاجات افريقيا فى المدى الطويل من تمويلات انمائية متوسطة وطويلة المدى .
- معرفة برامج التعاون والتحويلات المالية من البلاد الغربية المصنعة وكبريات المنظمات الانمائية الدولية لصالح افريقيا .
فعلى ضوء هذا نتمكن من الكشف على ما يحتاج اليه التعاون العربى الافريقي فى السنوات المقبلة من تمويلات اضافية لصالح التنمية الافريقية . وبفضل هذه الطريقة يتسنى للدول العربية تحديد استراتيجية التعاون فى افريقيا بصفتها طرفا من جملة الاطراف المعنية المهتمة بالتنمية فى القارة الافريقية
) 1 ( حاجات افريقيا من تمويلات انمائية متوسطة وطويلة المدى ) 1975 - ( 1980
ان التكهن بحاجات افريقيا من تمويلات ورؤوس اموال انمائية للخمس سنوات المقبلة ) 1975-1980 ( أمر غير يسير ، فان الخلل الاحصائي الذي يعوق الاقتصاد الافريقي ، والخلل فى هياكل التخطيط داخل افريقيا ، والعوامل الخارجية المتعددة ، وتقلبات الاقتصاد الدولى ، تجعل من كل تكهن بحاجات افريقيا من تمويلات انمائية ، أمرا صعبا . ورغم هذا فانا سنحاول قدر الامكان ان نلقى اضواء على حاجات افريقيا من تمويلات انمائية فى المستقبل
تكهنات البنك الدولى للانشاء والتعمير
لقد اعد البنك الدولى للانشاء والتعمير ، دراسة حول حاجات افريقيا من تمويلات انمائية للفترة ما بين 1975-198 باستثناء - طبعا - الدول الافريقية المنتمية الى الاوبيك أى الجزائر ، ليبيا ، نيجيريا . ولقد اسفرت هذه الدراسة عن تحديد حاجات افريقيا للتمويلات الانمائية بما قدره 2،5 مليار دولار سنويا فيما بين 1973-1976 ، وبما قدره 3،5 . مليار دولار سنويا فيما بين 1977 . 1980 ، وهاته المقادير تخص التمويلات الصافية اى دون اعتبار ما تحتاج اليه البلدان الافريقية من تمويلات معدة لخلاص الفوائض واسترجاع القروض التى حان اجلها .
وان كانت هذه الاحصائيات تضم عددا من الدول الافريقية العربية ، كتونس المغرب ، ومصر ، والسودان ، وموريتانيا ، فانها تبين بصفة واضحة مدى احتياجات البلدان الافريقية غير العربية من تمويلات انمائية . ان هده التكهنات تعتمد على افتراضات خمسة :
٢ - ان نسبة التنمية السنوية للبلدان الافريقية المعنية تكون 5، 5 % فيما بين 1975-1980
2 - ان سرعة الزيادة في صادرات هذه البلدان الافريقية تكون بين 7،3 % و 8،4 % فيما بين 1975-198
٦ - ان نسبة نمو المنتوج الخام فى البلدان المصنعة الغربية تكون 3، ٤ % سنويا فيما بين 1975-198 . والمعلوم ان الميزان التجارى للدول الافريقية استرادا وتصديرا ، مرتبط كل الارتباط بالحركية والنمو الاقتصادى فى البلاد المصنعة .
4 ان نسبة التضخم السنوى فى البلدان المصنعة الغربية ينزل من 10 % في سنة 1976 الى 7 % سنة0 198 .
ان نسبة الزيادة فى اسعار البترول تكون مماثلة لنسبة التضخم اي 7% ، لكن هذه الافتراضات من المحتمل ان تتطور بصفة غير صالحة لافريقيا عندئذ تصبح حاجات افريقيا من التمويلات الانمائية تفوق تقديرات البنك الدولى
وهناك احصاء آخر يؤيد ما اقترحناه اعلاه ، فقد درس البنك الدولى حالة موازين المدفوعات المنتظرة من 1976 الى 198 ل 18 دولة افريقية ، أى نصف الدول الاربعين التى تهم مصرفنا .
واسفرت الدراسة على ان مجموع عجز موازين المدفوعات ل 18 بلدا هاته المدة المتراوحة بين 1976-1986 تقدر بحوالى 11 مليار دولار ، أى 2،2 مليار دولار سنويا . والمعروف ان هاته المقادير التى يبرزها موازين المدفوعات لا تغطى كل حاجبات التمويل للمشاريع الانمائية ، فلكل هاته الاسباب ، وعلى ضوء كل هاته الدراسات ، نعتبر ان مستوى التمويلات السنوى الضرورى للبلدان الافريقية حسب تقديرات البنك الدولى تكون على الاقل 3 مليارات سنويا .
تكهنات نادى داكار لعام 2000
ان نادى داكار الذي يشرف عليه السيد محمد دياوارا ، وزير التخطيط فى جمهورية ساحل العاج ، كان قد قدم ايضا تقييما لحاجات جزء من افريقيا ، وهي افريقيا الغربية من التمويلات الانمائية فيما بين 1972-2000 ولقد قدرت التمويلات الضرورية 114 مليار دولار لمدة 28 سنة ، أى 4 مليارات دولار سنويا وذلك حسب افتراضات تخص الزيادة فى المنتوج الخام الفردى للبلدان المعنية بمرتين ، وثلاث مرات ، وأربع مرات ، وخمس مرات ، ولو استعملنا طريقة بادى داكار لاحصاء حاجبات الدول الافريقية الاخرى من تمويلات انمائية لتحصلنا عل أرقام مهولةجدا ، ولكل هذا تعتبر أن تكهنات نادى داكار تفضي الى أرقام مهولة حدا ، وبعد النظر فى اقتراحات نادى داكار نعتبر أن تكهناته لحاجات افريقيا من رؤوس الاموال الانمائية تقدر سنويا بحوالى 4 مليارات دولا الى موفى سنة 1980 .
) 2 ( معرفة برامج التعاون والتحويلات المالية من البلاد الغربية المصنعة وكبريات المنظمات الانمائية الدولية لصالح افريقيا
لقد اكدنا اكثر من مرة فى هذا التقرير على المسؤولية العظمى الدولية التى تضطلع بها الدول المصنعة الغربية والمنظمات الدولية الانمائية ازاء التنمية الافريقية ، وذلك لاسباب تاريخية واقتصادية واضحة .
ففي الماضي اتضح أن التحويلات المالية الصادرة عن هاته الهيئات لفائدة افريقيا ، لم تكن في المستوى المطلوب ، اذ انها أقل بكثير من امكانات هذه الدول والمنظمات من جهة اخرى ، وسنسعى هنا ان نعطي بعض المعلومات حول برامح التعاون المالي لهاته الدول الغربية والمنظمات الانمائية لفائدة افريقيا في مدة الخمس سنوات 1975-1980 .
التمويلات الغربية ذات الصبغة الثنائية لفائدة افريقيا :
ان آفاق التعاون الثنائى بين بلدان الغرب المصنعة من جهة ، كالولايات المتحدة ، وكندا ، وفرنسا ، والمانيا الغربية ، وبريطانيا العظمى ، والدول الاسكندرية ، وبين افريقيا من جهة اخرى غير معروفة . وهنالك تسعة بلدان من مجموع البلدان الغربية المصنعة ، أى بلدان السوق الاوروبية المشتركة مرتبطة بكل البلاد الافريقية عن طريق اتفاقيات تعاون . وهذا الوضع من شأنه
أن ينقص من المجهود الثنائى لفائدة البلدان الافريقية ، غير انه كما سنرى بعد - لم تسخر بلدان السوق الاوروبية المشتركة تمويلات كافية لصالح الدول الافريقية .
ومن ناحية اخرى ، فان الصعوبات الاقتصادية الداخلية والعالمية التى تواجهها هذه البلدان المصنعة ، لا تشجع على الزيادة فى المجهود الثنائى لفائدة الدول الافريقية . ولكل هاته الاعتبارات ، تكون التحويلات المالية الثنائية ذات الصيغة الانمائية الصادرة عن الدول الغربية المصنعة لفائدة افريقيا ، متواضعة كما سنرى ذلك ، ولقلة الاحصاءات والمعلومات اكتفينا بدرس حالات ثلاث
- التعاون الثنائى الفرنسي مع افريقيا - التعاون الثنائى الالمانى مع افريقيا - التعاون الثنائى الكندى مع افريقيا
ان فرنسا وألمانيا وكندا ، من أهم الدول الغربية المصنعة التى لها علاقات اقتصادية ثنائية مع افريقيا ، ولم نتحصل على برامج التعاون المنتظرة من بعض البلدان الغربية الكبرى ، كالولايات المتحدة وبريطانيا العظمى واليابان والدول الاسكندرية . لكن نظرا لما يعترى سياسات تعاون هاته البلدان مع العالم الثالث من صعوبات وضغوط ونقصان ، فان اقتصارنا على درس حالات ثلاث لا يغير كثيرا صورة آفاق التعاون الثنائى الغربى لفائدة افريقيا .
التعاون الثنائى الفرنسي الافريقي :
ان فرنسا التى تربطها علاقات تاريخية واقتصادية بجزء كبير من افريقيا ، تعتبر من الدول التى تضطلع بأكبر المسؤوليات فى القارة الافريقية . ان الاعانات الاقتصادية الفرنسية لافريقيا ، والتي تقدم عن طريق الصندوق المركزى للتعاون الاقتصادى ، بلغت فيما بين 1969-1،5،1973 . مليار من الفرنكات الفرنسية أى 350 مليون دولار في مدة خمس سنوات ، وذلك لصالح ثمائية عشر دولة افريقية ، وان اعتبرنا أن هذه الاعانات ستزداد بمقدار 50 فى المدة الخماسية المقبلة ، فان التمويلات الثنائية الفرنسية لافريقيا لا تتعدى 500 مليون دولار فيما بين 1975-1980
التعاون الثنائى الالمانى الافريقي :
ان الاعانات الثنائية التى تقدمها المانيا لافريقيا بلغت الى موفى 1974 ، 6 مليارات من العملة الالمانية Deutch Mork أى 30 مليون دولار ، وزعت على 30؛ دولة افريقية غير عربية . وان سلكنا نفس المنطق الآنف ، أى ان الزيادة فى حجم التمويلات الالمانية لافريقيا تكون حوالى50 % فتكون مستوى الاعانات الالمانية لافريقيا من 1975 الى 45،1980 مليون دولار
التعاون الثنائى الكندى الافريقي :
لقد قدمت الوكالة الكندية للتنمية الدولية ، احصاءات حول الاعانات الكندية لافريقيا ، فيما بين هذه المدة قدمت كندا 600 مليون دولار كندى لافريقيا ، أى 17 % من جملة الاعانات المقدمة من الوكالة الكندية للتنمية الى كل العالم الثالث . وان استثنينا البلدان الافريقية العربية التى تحتل مكانة كبيرة فى التعاون الكندى الافريقي ، يكون نصيب افريقيا غير العربية أقل مما ذكرناه آنفا .
وعلى ضوء هذا ، وبافتراض زيادة تقدر ب 50 % من الاعانات الكندية لافريقيا غير العربية ، فان مستوى الاعانات الكندية المنتظرة لفائدة الدول الافريقية غير العربية لا يتعدى 600 مليون دولار كندى لمدة الخمس سنوات المقبلة ، وهكذا تكون جملة الاعانات والتمويلات الثنائية لافريقيا ، المنتظرة من هاته البلدان الغربية الثلاثة ، حوالى ١ مليار دولار للخمس سنوات المقبلة .
التمويلات المقدمة من المنظمات الدولية :
ان التمويلات الانمائية المقدمة من المنظمات الدولية لفائدة افريقيا ، تسلك مسالك ثلاثة رئيسية : - البنك الدولي وفرعه المنظمة الدولية للانماء - الصندوق الاقتصادى للانماء للسوق الاوربية المشتركة . - البنك الافريقي للتنمية ، وفرعه الصندوق الافريقي للتنمية - -
البنك الدولي وفرعه المنظمة الدولية للانماء :
ان تمويلات البنك الدولي وفرعه المنظمة الدولية للانماء خلال الخمس سنوات الماضية لفائدة الدول الافريقية غير العربية ، مقابل 2، 1 . مليون دولار فى المدة المتراوحة بين ) 1965-1969 ( أى بزيادة 130 % ، وفي نطاق هذه التمويلات قدم فرع البنك الدولي - المنظمة الدولية للانماء - وهو فرع يسدى تمويلات شروط سخية لافريقيا غير العربية ما قدره 987 مليون دولار ) 1970-1974 اي 40 % من حملة القروض والتسهيلات المالية المقدمة لافريقيا من هانه المنظمة الدولية .
دور المصرف العربي للتنمية الاقتصادية فى افريقيا :
ان احداث المصرف العربي للتنمية الاقتصادية فى افريقيا ، يرمى أولا وبالذات تنسيق الجهود العربية في ميدان التنمية الافريقية فبدون منشآت مصرفية عربية من هذا النوع ، يصبح متحتما على كل بلد عربي ، وعلى كل منظمة عربية للتعاون ، أن تحدث بنفسها جهاز اداريا وفنيا وبشريا مختصا فى الشؤون الاقتصادية الافريقية .
وان اعداد أجهزة مثل هذه ليكلف مصاريف باهظة ، فان اردنا ان نجعل من التعاون العربي الافريقي تعاونا ناجعا ، فيجب أن تقتصر الوقت ، واقتصار الوقت لا يكون الا بتركيز هياكل ومؤسسات انمائية وعربية ذات صبغة جماعية ، مثل مصرفنا .
اننا لا ننفي ضرورة التعاون العربى الافريقي الثنائى ، لكن كذلك تؤدى المؤسسات المتعددة الاطراف مهمة هامة فى سبيل تنسيق الجهود العربيه فى افريقيا ، واكسابها النجاعة والفاعلية المطلوبة . فاننا نرمى الى تحويل المصرف العربى للتنمية الاقتصادية فى افريقيا الى مخبر للتعاون العربى الافريقي ومجمع للمعلومات حول التنمية الافريقية ، وخلية لتكوين الكوادر العربي فى ميدان التنمية الافريقية
كل هذا يعطى للمصرف مكانة مرموقة ويجعل منه أداة أساسية لانجاز برامح التعاون العربي الافريقي . وهذا ما تتمناه الدول الافريقية نفسها ، التى عبرت عن ذلك أكثر من مرة ، اذ انها تجد فى المؤسسات ذات الصبغة الجماعية
طريقا أيسر لتقديم مشروعاتها الانمائية ، وللحصول على الموارد الضرورية لتنميتها .
ان المصرف العربي للتنمية الاقتصادية فى افريقيا ، يصبح صوتا افريقيا لدى الدول العربية وصوت العرب في افريقيا ، فى آن واحد ، أى انه يكون حسرا ممتددا بين الدول العربية والدول الافريقية
مسألة التنسيق بين المصرف العربى للتنمية الاقتصادية فى افريقيا والمنظمات العربية الانمائية :
فى المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في افريقيا ، يشكل خلية من خلايا اسرة المنظمات القومية والدولية ، التى تهتم جزئيا أو كليا بالتنمية فى افريقيا خاصة منها المؤسسات العربية ، ولقد بادرنا بعد عقد اتفاقيات تعاون مع عدد من تلك المنظمات ، كالبنك الدولى للانشاء والتعمير ، والبنك الافريقي للتنمية والصناديق الاوربية للتنمية ، كما تدارسنا مع عدد من المنظمات الانمائية العربية كالصندوق الكويتي ، وصندوق أبوظبي ، والصندوق السعودي ، البنك الاسلامي للتنمية ، آفاق التعاون والتنسيق فى ميدان تمويل المشروعات الافريقية .
ولقد وجدنا لدى كل هاته المنظمات العربية استعدادا كاملا لتدعيم أواصر لتعاون والتنسق ، ونحن باتصال مستمر مع كل هاته المنظمات لهذه الغاية .
ولقد اقترحنا بأن يلتقي مسؤولو تلك المؤسسات العربية بصفة منتظمة قصد تدارس برامج العمل العربي الانمائى فى افريقيا ، واعداد مخططات منسقة فى هذا الصدد حتى نعطي للتمويلات العربية فى افريقيا اكثر نجاعة من الناحية الاقتصادية ، ومن الناحية السياسية ، ونأمل ان أول اجتماع بين رؤساء هذه الصناديق والمؤسسات العربية الانمائية يلتئم فى أول سنة 1976 قصد برمجة عملنا المشترك في افريقيا ، وقصد برمجة وضع خطة طويلة النفس للتعاون العرب الافريقي ، على ضوء دراسات ومعطيات كنا قدمنا جانبا وافرا منها فى هذا التقرير .
ولا شك انه في هذا الظرف الذي يصعب فيه الحصول على الخبرة والتقنية فى ميدان التنمية الافريقية ، بجدر بكل المؤسسات العربية الانمائية ان تستوعب
امكانياتها الفنية والادارية معا للسيطرة على مشاكل التنمية والتمويل في افريقيا .
ونريد هنا أن نتعرض الى موضوع مزمن وهام ، وهو موضوع الصندوق العربى لتقديم الاعانات للدول الافريقية ، فلقد بينا آنفا مهمة هذا الصندوق والتمويلات التى يقدمها للدول الافريقية غير العربية ، لكن نرى ان انجع السبل فى ادارة هذا الصندوق ، وفى جعله أداة تعاون لصالح افريقيا ، يتمثل في اقحامه داخل منظمة اقتصادية عربية ، حتى تضمن لهذه التمويلات والاعانات الفاعلية والتأثير العميق على اقتصاديات افريقيا .
ورغم ما قيل فى هذا الصدد ، فان المهجود الذى قامت به الجامعة العربية لادارة هذا الصندوق هو مجهود جبار ، يذكر فيشكر ، لكن من المعقول ان نوحد النظرة فى شتى برامج الاعانات العربية لافريقيا ، ونسلط على سياسة توزيع هذه التمويلات ، مقاييس اقتصادية وعلمية تمكن من توجيه هذه الموارد أحسن توجيه . والمعلوم ان الدول العربية أودعت لدى الصندوق العربى للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بالكويت ، ما خصصته من اعانات بترولية للدول العربية - 80 مليون دولار - وبذلك يتسنى لهذا الصندوق أن ينسق التمويلات والاعانات داخل البلاد العربية ، سواء كانت تمويلات ذات صبغة انمائية ، أو تمويلات لتسديد عجز موازين مدفوعات الدول العربية المتضررة من ارتفاعات سعر البترول . ونأمل ان تتوخى الدول العربية نفس السبيل بالنسبة الى التعاون العربى الافريقي ، يعنى أننا نحبذ ارجاع ادارة الصندوق العربى لتقديم القروض للدول الافريقية ، الى المصرف العربى للتنمية الاقتصادية في افريقيا ، فيتمكن مصرفنا من تنسيق جهوده فى المجالين : مجال تمويل المشروعات الاقتصادية الانمائية ، ومجال تمويل عجز موازين المدفوعات في افريقيا ، ذلك العجز الذي يعوق المسيرة الانمائية فى البلاد الافريقية ومن المعقول أن تكون ادارة هذا الصندوق داخل المصرف ، ادارة مستقلة خاضعة لمقاييس خاصة ، وبذلك يتسنى لمصرفنا أن يواجه المشاكل الاقتصادية في افريقيا ، من جميع نواحيها .
لقد قيل ان هذا الصندوق له صبغة سياسية ، لكن الجواب هو أن كل التعاون العربى الافريقى له صبغة سياسية لانه مرتكز أصلا على نظرة شاملة لمستقبل العلاقات العربية الافريقية ، وعلى اختيارات سياسية جوهرية كما ذكرناه سابقا فى هذا التقرير ، فكل المؤسسات الانمائية العربية - ثنائية كانت
أو غير ثنائية - مكلفة بانجاز سياسة الدول العربية فى القارة الافريقية فى نطاق التآزر والتضامن العربى الافريقي
غير أنه يتحتم على كل مؤسسة انمائية عربية ، وعلى كل صندوق عربي ان يسلك مسلك التقسيم الاقتصادى العلمى فى توزيع الاموال المتوفرة لديه فهي بهذا الاساس تحقق للتمويلات العربية مهما كان نوعها ومستواها ، الواقعين السياسي والاقتصادى العميقين فى افريقيا ، ونأمل ان يزود هذا الصندوق بموارد جديدة بداية من السنة المقبلة بما قدره 300 مليون دولار ، وان يحول هذا الصندوق الى المصرف العربي للتنمية الاقتصادية فى افريقيا ، كما ترغب ذلك الدول الافريقية وجل الدول العربية ، الذين اعربوا لنا عن تلك الرغبة .
ولا نشك أن استشارة الجامعة العربية ، لا بالنسبة لهذا الصندوق فحسب ، ولكن بالنسبة لكل مظاهر التعاون العربى الافريقي ، لهى ضرورية
هذا ما اردنا أن نقدمه اليوم حول مسألة التعاون العربى الافريقي حاضرا ، ومستقبلا ، وهي دراسة أولى تحتاج للمزيد من التحقيق ، غير انها مبنية على نظرة شاملة للتعاون العربى الافريقي ، تلك النظرة التى تمكن من اعداد استراتيجية طويلة النفس فى نطاق نظام اقتصادى عالمى متجدد ) * ( .
الفكر (

