مقدمة عن الثقافة والاعلام
لقد مضى الزمن الذي كان الدارسون يختلفون فيه حول تعريف الثقافة ، ولم يعد هناك خلاف بينهم حول شمول الثقافة ، واتساع مفهومها لتشمل معارف مختلفة ومتنوعة
ولقد اختلطت فى الاذهان ، عبر عصور مضت ، كلمات الآداب والفنون ، والمعارف الانسانية على اتساعها
ومع هذا الاختلاط ، كان تعريف الثقافة يختلف اختلافا بينا ، من حيث ارتباطه بفرع من هذه الفروع ، أو غلبة واحدة منها على الآخر ، عند النظرة الى الثقافة .
فاحيانا كانت الثقافة أقرب الى الآداب ، ومرة كانت ترتبط بالآداب وبالفنون معا . ولم يتم اتساع مفهوم الثقافة ، بحيث تشمل المعارف الانسانية على اتساعها ، الا بعد ما استقرت دراسات علوم الانسان ، وأكدت صلة الثقافة بأنواع السلوك الانسانى وتأثيرها عليها .
ومنذ اتجهت دراسات علوم الانسان ، الى تحديد أنماط السلوك الانسانى ، وبان ما بينها من اختلافات ، ظهر على الفور تأثير الثقافة على هذه الانماط ، وتأثر كل نمط بنوع الثقافة السائدة .
من هنا اتسع تعريف الثقافة ، فلم تعد قاصرة على الآداب وحدها ، ولا على الفنون وحدها ، ولكنها شملت كل المعارف الانسانية ، التى تشكل العقل والوجدان والارادة كذلك .
وأدى اتساع مفهوم الثقافة الى تفسير عدة تعريفات سابقة ، فبينما كان العرب يعرفون الأدب ، بأنه " الأخذ من كل شىء بطرف " ، فانهم يكونوا فى الواقع يقصدون الأدب فى ذاته ، ولكنهم كانوا يعرفون الثقافة ، وان اقتصروا على استعمال كلمة الأدب . لقد كان العرب يتصورون الأديب شخصا " أخذ من كل شئ بطرف " ، ومعنى هذا أن الأديب لا يصبح أديبا إذا اقتصر علمه بالاشياء على اللغة وتنوع صور التعبير بها ، أو إذا اقتصر على علم العروض ، وقدراته على صياغة الشعر وأوزانه ، أو إذا اقتصر البديع والبيان والطباق والجناس ، ليخرج للناس نثرا رقيق التعبير ، قوى التأثير ، أو على فنون الخطابة ، وقدرة تأثير الخطيب على المستمعين ، أن الأديب محتاج - لكى يكون أديبا - الى أن يلم بأشياء كثيرة اخرى ، تكون مجموعة من المعارف ، يستطيع أن يعبر عنها فى شعره ونثره ، ولو لم يلم من كل شىء بطرف ، لما وجد المادة الصالة لانتاج الأديب ، أو الكافية للتأثير فى الجماعة .
بان تعريف الأدب على هذا النحو عند العرب ، يعني أن على الأديب ألا يتخصص فى كل نوع يلم به ، لأنه ان تخصص خرج عن أهدافه ، وقد ينتقل من التعبير بالأدب عن روح الجماعة ومشاعرها ، الى متخصص فى فرع معين من فروع المعرفة ، وقد يفقده هذا التخصص الشمول الواجب ، أو يؤثر في حاسة الأديب المطلقة من تحكم أى شخص ، والقادرة - فى كل الأحوال - على أن تمس المعارف على شمولها ، فيشعر الناس ، ممن يتذوقون أدب الأديب أن انتاجه يمس كلا منهم على اختلاف تخصصاتهم ، فيصبح بذلك لسان الجماعة والمعبر عنها ، والضارب على أوتار قلوبها جميعا .
وهكذا كان هناك شعور بشمول الثقافة ، من خلال الأدب ، فى التعريف القديم الذي شاع فى الأدب العربي منذ قدمه .
وأظن أن ذلك يدل على شمول النظرة الى الثقافة منذ القدم ، حتى قبل أن نصل دراسات علوم الانسان الى استقرار ، وقبل أن تستقل عن دراسات العلوم الاجتماعية ، وتهتدى الى أنماط السلوك المختلفة ، وتأثرها باختلاف الثقافات الانسانية .
وقد يكون من المفيد بعد ذلك ان نضع تعريفا شاملا للثقافة ، يمكن أن يكون أساس البحث ، عندما نتعرض لأثر الثقافة فى تحديد الموقف الانسانى للاحداث الجارية .
واذا كان للتعليم أثره فى الثقافة ، فان ذلك لا يعنى أن التعليم وحده هو الأثر الوحيد على الثقافة . واذا كان للتخصص فى جانب من جوانب المعرفة أثر فى الثقافة ، فان التخصص وحده ليس هو الثقافة . واذا كان للعادات والتقاليد أثرها فى الثقافة ، فان هذه العادات والتقاليد لا تكون ذات الأثر المطلق على الثقافة
العلوم كذلك ، وما تسفر عنه من تقدم ، لها تأثير على الثقافة ، لكن العلوم والمخترعات ، ليست هى الثقافة
ان التكنولوجيا ، وهى فى آخر تعريفاتها ، تحويل المعرفة العلمية الى سلعة ، تؤثر على الثقافة ، لكنها لا يمكن أن تكون الثقافة .
ان التكنولوجيا تعطينا مثلا السيارة ، فتستعمل السيارة فى اختصار المسافات واختصار الزمن ، ويتأثر نمط حياتنا بهذا الاختصار ، وتتغير نظرتنا الى الاشياء ، بتأثير السيارة ، وتتأثر ثقافتنا بهذا الانجاز العلمي لكن هذا الانجاز لا يصبح هو ثقافتنا ، برغم كل تأثير له على هذه الثقافة
ان الصناعة تنتج لنا الشوكة والسكين لنستعملهما فى موائدنا ، ويصبح لهذه الادوات أثرها فى عادلات الأكل ، وفي تقاليد المائدة ، مما يترك أثره على نمط حياتنا ، ثم على ثقافتنا . لكن لا الشوكة أو السكين تصبح هي الثقافة وانما طريقتنا فى استعمالهما تعكس هذه الثقافة
والشوكة والسكين فى حياتنا المعاصرة ، كالنار عندما اهتدى الانسان للنار ، واستعملها فى طهى الطعام . ان النار اثرت على نمط الحياة ، وعلى لثقافة ، ولكنها لم تصبح هى الثقافة ، وانما صار اسلوبنا فى استعمال النار ، دليلا على ثقافة عصر اكتشاف النار
معنى هذا ، ان الثقافة هى المحصلة النهائية لافادة الانسان ، من المعارف والعلوم والآداب والفنون ، ومن التقاليد والعادات ، لتطور ملكاته العقلية ومهاراته اليدوية والفنية ، وصقل وجدانه ، ليحرك كل ذلك ارادته ، في مواجهة الظروف المحيطة به .
وتصبح الثقافة بذلك ، هي الرابطة التى تربط ابناء مجتمع ، لتصبح ردود افعاله ، ازاء موقف معين ، موحدة أو متقاربة ، وتصبح حركتهم واحكامهم متناسقة ، بحكم ما بينهم من قربى عقلية ووجدانية واخلاقية .
وتدخل الثقافة بهذا المعنى ، في تكوين الانسان من الداخل ، حتى لتكاد ان تقترب مما تعارفنا على تسميته بالضمير العام
وبهذا تكون الثقافة خطأ شائعا بين ابناء المجتمع ، برغم ما قد يكون بينهم من تفاوت فى درجات التعليم وتحصيل المعارف . وبرغم ما قد يكون بينهم من تفاوت فى المستوى الاقتصادى
هذه هي الثقافة بمفهومها المعاصر ، ومن أجل هذا ، فانها تمثل الحد الادنى من الفهم والمزاج والتأثر بموقع الاحداث
وسكون هناك دائما فرق بين الثقافة بهذا المفهوم ، والعناصر المنتجة لانواع الثقافة ، من الدارسين والباحثين والأدباء والفنانين . ان الثقافة كالغذاء ، يدخل في تكوين الانسان ، وكل انسان يستهدف الغذاء ويطالب : ويضمر اذا لم يحصل عليه ، لكن انتاج الغذاء ، ليس مهمة كل انسان ، والا لم يجد هذا الغذاء من يستهلكه
يأتي بعد ذلك سؤال - دائما - مطروح عن العلاقة بين الثقافة والاعلام
وهنا ، فان كثيرا من الآراء ، تتناول هذا السؤال ، باجابات متنوعة . أولها أن الثقافة تختلف عن الاعلام ، وترجع هذه النظرة الى أن الاعلام قد اكتسب على الدوام الصفة السياسية ، وهى بطبيعتها سريعة ومتغيرة ومتقلبة .
وثانيها أن الثقافة تحتاج الى وقت حتى تستوى على مهل ، ويكون لها تأثيرها فى تكوين مزاج المجتمع ، العقلي والوجدانى ، بينما الاعلام - ان تمهل أو تراخي - فانه يفقد قيمته وتأثيره ، لانه متعلق بأحداث سريعة ومتغيرة يوما بيوم ، بل وساعة بساعة فى كثير من الاحيان ، وقوة الاعلام تعود الى قدرته على ملاحقة الاحداث ، وتأثيره دائما سريع ووقتى ، وقابل للتغير بنفس السرعة التى تتغير بها الاحداث
وثالثها ان الثقافة وجبة دسمة ، تحتاج الى استيعاب اطول ، لترسخ فى تكوين الجسم ، وتصبح جزءا من مقوماته ، بينما الاعلام يعتمد على رشفات متتالية ، تسد الرمق ، لكنها لا تصلح لبناء راسخ ومستقر
ورابعها ان مجال عمل الاعلام ، هو جماهير الشعب ، حيث يراعي في صيغته الخطاب وأسلوبه ومنهجه ، أن يتناسب مع أبسط المستويات : لتتذوقه بالسرعة الواجبة ، ولتقتنع به فى يسر ، دون أن تجهد نفسها فى التفسير أو التأمل ، بينما الثقافة تفترض انها تخاطب الافراد ، وان مستهلكها يطلبها عن ارادة واختيار ، وانها تبقى فى حوزته وقتا أطول بحيث يراجعها مرة ومرة ومرات ، حتى يمتص كل ما فيها من رحيق ، على دفعات ، فتزداد افادته منها ، وترسخ آثارها فيه
لكن الملاحظ أن تطورات كثيرة حدثت فى تركيب المجتمعات ، كما أن نطورات أخرى حدثت - نتيجة تطور أدوات الثقافة والاعلام معا - فتغيرت معالم كل منها ، حتى كادت كل منهما أن تقترب من الاخرى
ان التطور العلمي فى وسائل الاتصال الجماهيري ، قد تجاوز التطور الى الثورة ، ودخلت المنافسة عاملا من العوامل الهامة ، فأدت الى تطوير كل من الاعلام والثقافة .
ان حرب الدعاية قد مد فترات الارسال بالراديو وبالتلفزيون ، كما أن ثورة وسائل الاتصال قد قضت على الفواصل الزمنية والجغرافية ، فاصبح الصوت مسموعا من خلال الاثير ، فى كل مكان من العالم
ثم ان اللغة لم تعد عقبة ، بعد ان صار اغلب الارسال مترجما الى لغات عديدة ، بهدف الدعاية السياسية ورغبة النظم فى مد تأثيرها على سواها .
كذلك فقد اكتشف رجال الاعلام ، أن الاعتماد على المادة الاعلامية البحتة قد صار اعتمادا على عنصر جاف أو قليل القدرة على الجذب والاغراء ، فعمدت أجهزة الاعلام على الهواء ، الى تقديم مواد ثقافية مختلفة الاشكال ، والى الاستعانة بالفنون لجذب الاسماع اليها من كل مكان ، ومعنى هذا ان الاعلام بدأ يتخذ الانتاج الثقافي وسيلته الى تهيئة المستمع والمشاهد لتلقي دعاياته بالاعلام المجرد .
بل ان المادة الاعلامية نفسها ، بدأت تتخذ أشكالا فنية شديدة الحذب لانتباه المستمع
أما عن الاعلام المطبوع - أعني الصحافة - فقد أدت ثورة وسائل الاتصال ، الى انتشارها . كما أدت الثورة فى وسائل الانتاج ، الى طبع كميات هائلة
من الصحف ، وأدت المنافسة الى زيادة الصفحات ، فصار حتما على الصحف ان تعمد - مثلما فعلت أجهزة الاعلام الاخرى - الى ادخال أبواب جذابه ، تتصل بالاعلام بسبب وقد تكون ثقافية بحتة .
ومع الانفجار السكانى ، زادت بزيادة السكان ، اعداد قراء الصحف ، وقد قضت الزيادة بتنوع امزجة القراء ، فلم تعد كل صحيفة قادرة على أن تتبين بالضبط الطبقة التى تقرأها ولا المستوى الذي يداوم على شرائها ، بعد أن زادت الكميات المطبوعة زيادات مذهلة ، وزادت أعداد القراء كذلك . ومن هنا ، فقد صار ضروريا أن تعمد الصحف الى تنويع مادتها ، وادخال أبواب جديدة ، قد تدخل فى باب الاعلام العلمي ، أو الاعلام السياسى ، ولكنها تدخل كذلك فى باب الثقافة بمفهومها الشامل والعام
الاعلام اذن لجأ الى الثقافة ، ليزين بها صفحاته ، ويضفى على موجاته عبر الأثير الجاذبية والاغراء ، فيشد اليه الأسماع والأبصار
الاعلام اذن لجأ إلى الثقافة ، ليزين بها صفحاته ، ويضفى على موجاته عبر الأثير الجاذبية والاغراء ، فيشد اليه الأسماع والأبصار أما من جانب الثقافة نفسها ، فقد أدت التغيرات المختلفة ، الى تغير فى أساليب النشر الثقافي بل وفي طبيعة المادة الثقافية كذلك .
وساعد التقدم العلمي ، والتقدم التكنولوجي ، على دفع الثقافة الى سبيل آخر ، قربها من الاعلام بصورة واضحة
ان عصر الشعوب قد صار يحتم ملاحقة الاعداد المتكاثرة من السكان بالمادة الثقافية .
وساعد التقدم التقني في آلات الطباعة على اصدار الكتب بأعداد هائلة ومع ظاهرة زيادة المطبوع من الكتاب الثقافي ، بدأت ظاهرة استرضاء أكبر عدد من القراء ، توجه الناشرين نحو التبسيط ، ضمانا لرواج الكتب ، كما اصبح ضروريا للناشرين كذلك اصدار الكتب الشعبية ، لتكون فى مستوى قدرة أكبر عدد من القراء ، ثم أن اقتصاديات النشر ، مع مراعاة ارتفاع ثمن آلات الطباعة وارتفاع أجور العاملين قد حتم على الناشرين ، اصدار مزيد من الكتب ، ومنها مسلسلات دورية ، تكاد - لولا بعد فترات صدورها - أن تقترب من المجلات الاعلامية
شئ هام وأساسى حدث فى تطور أجهزة الثقافة نفسها ، هو الرغبة فى نشر الثقافة على أوسع نطاق بين الجماهير ، بعد الانفجار السكانى . وعندما
لاحظ رواد الثقافة ، أن أكبر عدد مطبوع من كتاب جيد ، لا يكاد يصل إلى نسبة ضئيلة مما تطبعه جريدة رديئة ، وعندما وجدوا أن المعلومات العلمية التى يحرصون على نشرها فى دورياتهم ، لا تحقق نسبة تذكر قياسا الى ما تبثه أجهزة الاذاعة أو ترسله محطات الارسال التلفزيونى . وكذلك الحال حتى فى فنون المسرح أو الموسيقى أو الفنون بالتشكيلية ، أو سوى ذلك من أنواع الثقافة الرصينة
عندئذ اقتنع رواد الثقافة أن استعمال أجهزة الأعلام ، قد صار ضرورة لنشر الثقافة على نطاق واسع ، فبدأوا يقتنعون بتسجيل حفلات الموسيقى والمسرحيات ذات المستوى ، لتنشر عن طريق أجهزة الاعلام ، هذا والى جوار العناية بنشر العلوم عن نفس الطريق
وكذلك اقتنع رواد الثقافة ، أنه لم يعد هناك بديلا لنشر الثقافة الرصينة ، عن طريق الصحف ذات الانتشار الواسع
وبهذا نجد أن الاعلام قد وجد ضرورة فى الاقتراب من الثقافة ، لتكتسب المادة الاعلامية ، الاغراء اللازم ، لجماهير الصحف والاذاعة والتلفزيون
وكذلك وجدت الثقافة أنها مهددة بالانعزال عن الجماهير الواسعة اذا هي لم تلجأ لوسائل الاعلام ، لتنتشر من خلالها بين قطاعات المجتمع
وباستثناء السينما التى تستطيع أن تحقق شعبيتها بنفسها ، فان كلا من الاعلام والثقافة ، قد اقترب من الآخر ، نزولا على طبائع الأشياء . ورضوخا للأمر الواقع ، والمصلحة المشتركة .
الثقافة والاعلام وقضايا التحرر
بعد هذا الاستعراض العام لواقع الثقافة والاعلام ، فان علينا أن نتبين أثر كل منهما ، أو أثرهما معا مجتمعين ، فى قضايا التحرر الوطني
ان الاستعمار يحاول فى كل مستعمرة تطأها قدماه ، أن يسيطر على الثقافة وعلى الاعلام . وما كان الاستعمار يعبأ بهذه السيطرة ، لو لم يكن لهما أثر بالغ ، فى وقف مخططاته ، أو التأثير عليها فى أقل القليل
ولقد عمد نابليون بونابرت على سبيل المثال ، أن يستخدم مع حملته على مصر سنة 1798 ، مطبعة عربية ، كما عمد الى استقدام بعض العناصر المستعربة من جزر البحر الأبيض ، ليستعين بهم على وضع نداءات يوجهها الى الشعب المصرى ، حتى يضمن عدم مقاومة الشعب لهم ، من خلال تأكيده للشعب ، انه حسن النية فى شن حملته على مصر
كان نابليون فى هذا يقيم الدليل على خطورة الثقافة والاعلام ، وعلى أنهما سلاحان ، يجب أن يحسب لهما كل حساب ، وأن يستعين عليهما بسلاح مشابه .
وبرغم ان المطبعة التى استقدمها نابليون ، قد أدت الى تقدم فكرى على الارض المصرية ، بعد انتهاء الحملة الفرنسية سنة 1801 الا أن نابليون لم يكن قد اقبل بالمطبعة العربية من أجل هذا التقدم ، ولكنه اقبل بها لمواجهة ثقافة مصر ، ببيانات وتأكيدات مزيفة
وعلى كل حال ، فاننا نكتفى من هذه الواقعة بما لها من دلالة على قدرة الثقافة وقدرة الاعلام على المقاومة ، والمشاركة فى حركة التحرير الوطني فى كل مكان .
على أن الغزاة لم يكونوا على شاكلة بونابرت ، ولكنهم - مع ذلك - اتخذوا نفس الاسلوب فى مواجهة ثقافة المستعمرة التى يحتلونها ، ومواجهة أعلامها الوطني كذلك .
مثلا حاول الفرنسيون أبان احتلالهم للمغرب العربى ، وللجزائر على وجه الخصوص ، أن يغيروا من الشخصية العربية لشعوبها .
وتصوروا أن السيطرة على اللغة تعنى السيطرة على الفكر ، وانهم من خلال هذه السيطرة يستطيعون أن يجدوا شعوبا مطيعة ، تدين بالولاء لاصحابها اللغة التى فرضت عليهم
لكن شعوب شمال افريقيا أخذت اللغة ، وطردت الغزو الفرنسي ، بل أنها استعملت اللغة الفرنسية فى محاربة فرنسا ، واحتلال فرنسا لاراضيها
وسنجد نفس القصة تتكرر فى مناطق مختلفة عربية وافريقية .
ان افريقيا على سبيل المثال ، اخذت اللغة الانجليزية واللغة الفرنسية ، ولغات اخرى برتغالية ، وبلجيكية والمانية للتعبير بها عن نفسها ، حين لم
تجد وسيلة للتعليم غير هذه اللغات ، وحين لم تجد وسيلة لتنظيم الادارة غير هذه اللغات ، لكنها - برغم فرض هذه اللغات عليها - استطاعت أن تتخلص من الاحتلال ، ولم تمنعها اللغة الاجنبية المفروضة عليها بحكم الواقع ، من أن تناضل الغزو ، وأن تتخلص منه ، وأن تحقق استقلالها هذه الأمثلة كلها تؤكد ارتباط الثقافة والاعلام بالتحرر الوطني
ان الثقافة فى مفهوم هذا البحث ، هي المحطة النهائية لافادة الانسان من المعارف والعلوم والآداب والفنون ، ومن العادات والتقاليد ، لتطور ملكاته العقلية ، ومهاراته اليدوية والفنية ، وصقل وجدانه ، ليحرك كل ذلك ارادته ، فى مواجهة الظروف المحيطة به .
ولا شك أن الاحتلال ، هو أصعب التحديات التى توجه الى مجتمع ، وستجد الثقافة ، وهي بنت البيئة ووليدتها ، ومحصلة كل تجارب الانسان ومعارفه وعاداته وتقاليده . ستجد الثقافة نفسها مطالبة بمواجهة هذا التحدى ، بالرفض . . ثم بالمقاومة . . ثم بالدعوة الى النضال المسلح لاستخلاص الحق المغتصب .
ومهما حاول المستعمر ، فان الثقافة تظل جزءا أساسيا من تكوين الانسان ، تطالبه بالحرية والتحرر ، ولاء للارض ، واحتراما للنفس ، وتلبية لنداء التاريخ
والاعلام هو بالضرورة صوت الجماهير ، ومهما حاول الاستعمار أن يصدر صحفا لحسابه ، أو يخصص برامج اذاعية تدعو له ، فان المشاعر الاصيلة للانسان ، قادرة دائما على أن تكشف الحقيقة من ركامات الزيف
ولقد شعرت حركات التحرير الافريقية بخطورة سلاح الثقافة والاعلام ، فاعتبرت الصحافة المناضلة جزءا من حركات التحرير نفسها ، ليتلاحم الناس من خلال الصحف ، بحركات التحرير ، فيصبح النضال أفعل ، وتصبح نتائجه أعم وأشمل .
وفى كل أنحاء الدنيا ، وعلى مر العصور ، كانت الثقافة الوطنية سلاحا من أسلحة التحرير ، كما كان الاعلام الوطني حامل الراية دائما فى مقدمة حشود الوطنيين .
ولقد ضحى كثيرون من أصحاب الأقلام بحرياتهم ، ولم يقبلوا ان يغمسوا اقلامهم في وحل الخيانة ، وكذلك فعل الصحفيون الوطنيون ، حتى تحررت أوطانهم
وقد يكون مهما أن يراجع المهتمون بالموضوع تصرفات السلطات الاجنبية ازاء الكتب والصحف الوطنية ، وسيجدون أن هذه السلطات كانت تعنى بوضع قوانين للمطبوعات ، كما كانت تعمد الى فرض الرقابة على المطبوعات وعلى الصحف ، وكانت تغلق الصحف والنشرات عن غير الطريق القضائى فى نفس الوقت كانت تضطهد صناعة النشر وصناعة الصحافة ، فلا تيسر اقامة المطابع ، ولا تسهل استيراد الورق ، ولا تشجع على تنظيم المهن التى ترتبط بالثقافة والاعلام
بل إن هذه السلطات كانت تمد نفوذها الى ما قبل ذلك . كانت تحدد اعداد القراء ، بالتحكم فى المدارس ، ووضع العقبات أمام التعليم ، وفرض المناهج الدراسية على المدارس ، وقصر مهمة التعليم على اجانب يعمدون الى الالتواء بالتاريخ القومي للمستعمرات ، مع العناية بدراسة تاريخ الدولة المستعمرة ، لينموا في عقل الطفل منذ الصغر ، أن دولة الاستعمار هى الدول الأم ، وانها هى المثل الذى يجب أن يحتذى ، وانه لا حياة له كفرد ، ولا لمجتمعه كله ، الا من خلال ما تبسطه دولة الاستعمار من الرعاية والاهتمام
ولقد انعكس كل ذلك على الواقع الذي تحياه الدولة التى قاست من الاحتلال ، وصارت الثقافة الوطنية والاعلام الوطني محتاجين الى جهود كثيرة ومكثفة ، للحاق بركب التطور
وقد يكون من المهم بعد ذلك ، وبعد رصد الظاهرة رصدا سريعا ، أن نتأمل أرض الواقع العربي والأفريقي ، وما يعانيه من آثار الاحتلال على الثقافة وعلى الاعلام معا .
الواقع الثقافي فى ارض افريقيا
اننا ونحن نرصد الواقع الثقافي ، على الساحة العربية الافريقية ، نعود الى الوراء ، حيث انعقد المهرجان العالمي الاول للفنون الزنجية ، فى داكار ، في المدة من 30 مارس حتى 7 ابريل 1966 .
وقد اصدر هذا المؤتمر تقريرا عاما يحسن أن نضعه كما هو ، ليكون تحت انظار المفكرين العرب والافريقيين على أننا نرجو أن يرجع المهتمون بالدراسة الى كتاب أصدره بهذه المناسبة ، الاستاذ الدكتور عبد المنعم أبو بكر ، أستاذ الآثار السابق بجامعة القاهرة ، وبين فيه علاقة الفنون الزنجية بالفنون المصرية فى العصور الفرعونية ، وعلاقة هذه الفنون بالفنون الافريقية بصفة عامة .
ولعل هذا التقرير ، والدراسة المقارنة التى قام بها الدكتور أبو بكر ، تجعلنا نتساءل عن وضع الزنجية . هل من المصلحة العلمية والقومية أن يستمر منفصلا عن الفنون الافريقية ، أم تدرس الظواهر العامة لفنون افريقيا ، ثم لا بأس بعد ذلك ، من أن تكون الزنجية أحد فروعها ، وما دامت الفنون الافريقية ، ومنها الزنجية ، ترتبط بسمات مشتركة ، بما فى ذلك الفنون المصرية منذ القدم ، فان الدراسة يمكن أن تؤدى الى سمات مشتركة كذلك بين الفنون الافريقية ، وفنون قديمة اخرى آشورية وبابلية وفينيقية تتأكد صلة آسيا الصغرى منذ العصور القديمة ببقية أجزاء القارة الافريقية على اتساعها .
انه موضوع مطروح للدراسة ، وأكبر الظن أن العلاقات قديمة بين منطقة آسيا الصغرى وافريقيا ، ففي وادى النيل مثلا التقت عناصر من آسيا الاصغرى ، بعناصر من الغرب ، بعناصر من الجنوب ، وأدت موجات الهجرة هنا وهناك ، الى نوع من الامتزاج الثقافي ، هيأ مناخا متقاربا بين هذه البقاع جميعا .
ولو عني الدارسون بتقصى الظواهر المشتركة عبر أجيال التاريخ ، فقد تصل الى دلالات عميقة الجذور التاريخية تؤكد العلاقات الثقافية بين آسيا الصغرى وقارة افريقيا
وعلى كل حال ، فاننا نضع تقرير داكار عن المهرجان العالمي الاول للفنون الزنجية كما هو ، لأنه أصبح الآن يمثل وثيقة تاريخية ، يجب أن تدرس ،لما تعكسه عن الواقع الافريقي
1 - اعتبارات عامة
أن من أهم النتائج التى برزت أثناء المؤتمر فكرة أن جميع مظاهر الفن الزنجى من تعبيرات تشكيلية وشعرية وموسيقية وراقصة تكون وحدة لا
تتجزاء ويجب دراستها على أساس هذه الفكرة . فهي تعبيرات مختلفة ترتبط بمنابع وحي مشتركة وبقيم مشتركة وتترجم حياة مجموعة من الناس فى شتى مظاهرها : الدينية والفلسفية وكذلك الجمالية والاجتماعية والعاطفية . ونظرا الى ان أهمية الاديان التقليدية الافريقية كمنبع للفن وكأساس للانسانية الزنجية الافريقية فقد رأى المؤتمر ضرورة عقد مؤتمر خاص لدراسه هذا الموضوع
من جهة اخرى فقد وجه المؤتمر عنايته لمسألة رأى انها تسيطر على حالة الفنون ضمن مضمون ثقافى تحكمه قيم تقليدية سجلت على هذه الفنون طابعها بطريقة مباشرة وعميقة . الا أن هذا المضمون الثقافي يخضع اليوم لتغيرات سريعة . ولذا فمن الضرورى الاحتفاظ بأصالة الفنون الزنجيه دون تقييدها فى اطار من المحافظة غير المجدية وتهيئة هذه للعيش فى مجتمع حديث دون تشويه طبيعتها .
وبما أن هذه المسألة لا يمكن أن يحلها أحد غير الفنانين أنفسهم فى الحرية اللازمة للخلق الفني لذا يرى المؤتمر أنه من الممكن تهيئة الظروف الملائمة لازدهار الفنون الزنجية فى العالم المعاصر
2 - تنظيم الدراسات والابحاث عن الفن الزنجي والمسائل المتعلقة بالتسجيل
واستنادا الى هذين الاعتبارين الاولين وهما من جهة الصفة الموحدة الاجمالية للفنون الزنجية المرتبطة بأساس مشترك من القيم لا يمكن فصلها عنه ومن جهة اخرى التغيير السريع للمضمون الثقافي ، لذا يبدو من الضرورى العمل سريعا على تنشيط دراسات منظمة وجمعها كلها فى محفوظات مركزية وكذا جميع التسجيلات الموجودة لمعرفة الفنون الزنجية التقليدية
وبطبيعة الحال فان الهيئات المختصة التى يمكن أن تبدأ فى هذا العمل هى الجامعات ومعاهد الدراسات الافريقية والمتاحف الموجودة حاليا فى افريقيا وهذه يمكنها ان تستخدم - على المستوى الوطني أو على المستوى الاقليمي . كأماكن للتجمع ومراكز للدراسة تضم جميع الوثائق والمراجع اللازمة للتعرف على الفنون الزنجية وستشمل هذه المحفوظات السمعية والمرتبة ما يأتي :
أ محفوظات مرئية تضم سجلا كاملا لجميع تحف الفن الزنجى المبعثرة فى المتاحف أو المجموعات الخاصة فى الدول الافريقية المختلفة والدول غير الافريقية وتنظيم الوثائق المصورة بحيث تسهل عمليات التبادل والمقارنة ب محفوظات سمعية تشمل تسجيلات إلا ان المظاهر الفلسفية والشعرية والموسيقية مرتبطة كلها ببعضها ارتباطا وثيقا ( ج ) محفوظات من الافلام التى تصور الرقصات والشعائر التقليدية المسجلة فى الموقع للتقاليد المتداولة وكذلك الموسيقى . ويجب على هذه التسجيلات أن تقدم كل مظهر من المظاهر الثقافية فى مجموعة وذلك حتى يمكن للباحثين والفنانين أن يجدوا تحت تصرفهم معلومات كاملة عن الاشكال الفنية المختلفة التى يتضمنها مضمونهم الثقافي . وفى التسجيل يجب اعطاء الاولوية للمظاهر التقليدية المهددة بالاختفاء أو بالتغيير
د بطاقات تحليلية يضعها متخصصون أكفاء حتى تسمح باستخدام التسجيل المجمع استخداما علميا وتكوين مثل هذه المراكز للتسجيلات السمعية والمرئية عن الفنون الزنجية أمر بالغ الاهمية لاسباب كثيرة : فهى تضع منابع المعرفة تحت تصرف الباحثين . وتكون أساسا فى التعليم الخاص بالفنون الزنجية ، ثم أنها تقدم الاشكال الحقيقية الاصيلة للفنانين الخالقين الذين يودون أن يستلهموا منها علاوة على أنها تعطى معلومات أكيدة ومادة رفيعة لمراكز النشاط الثقافي أو دور الثقافة الآخذة فى النمو حاليا فى افريقيا
3 - المراجع الخاصة بالفنون الزنجية
( أ ) يجب عن طريق التعاون الدولى وضع مجموعة من المؤلفات التى تقدم سجلا كاملا للاشكال التقليدية للفنون التقليدية ويمكن لهذه المؤلفات أن تستوحى - على سبيل المثال - الطرق والعرض المتبعين فى " المجلد الجامع للاوانى اليونانية أو المجلد الجامع لفنون ما قبل العهد الكولومى " ويقترح دراسة ثلاث مجموعات ذات أولوية وهي وضع " مجلد جامع للفنون التقليدية " و " مجلد جامع للاشكال المعمارية " و " سجل للفنون التطبيقية " - وهذه المجموعات من الاشكال ذات المميزات الخاصة التى غالبا ما تكون مهددة بالزوال تجد اهتماما كذلك لدى المتخصصين فى الفنون الزنجية وكذلك الفنانين الخالقين والمشتغلين بالفن
) ب ( ومن الافضل أن يشغل تاريخ الفن مكانا هاما فى مجال " تاريخ افريقيا العام " ويتم اعداده تحت اشراف اليونسكو . اذ ان الفن فعلا يبدو فى نفس الوقت كوسيلة للتعمق فى البحث التاريخي الدقيق وكتعبير ملهم يوضح استمرار الحضارات الافريقية فى الازمنة الماضية ) ج ( ومن جهة اخرى ففي مجال الأدب الافريقي يوصى المؤتمر بنشر مجموعة من الكتب تسجل التقاليد المتداولة وتضم نصا أصليا مكتوبا بلغة أفريقية مع ترجمة انحليزية أو فرنسية لكى تكون نواة لمجموعة كتب كلاسيكية أفريقية
4 - الاتصال بين الفنانين الافريقيين
وقد تحدث الكثيرون أثناء المؤتمر عن عزلة الفنانين الافريقيين وعدم وجود اتصالات بين المدارس أو المراكز الفنية التى تكونت فى بعض الدول الافريقية .
ويحب أن يكون بين الفنانين الافريقيين اتصالات لكى تدعم التعارف المتبادل بينهم وتسمح بتبادل التجارب الجارية فيما بينهم . ويبدو ان الجمعية الافريقية للثقافة هي الاطار المنشود لهذه الاتصالات
والى جانب ذلك يعبر المؤتمر عن أمنيته فى أن تخصص بعثات بعدد وفير تقدم من هيئات دولية وخاصة اليونسكو ومن مؤسسات خاصة لصالح الفنانن والباحثين الافريقيين الذين يرغبون فى التخصص فى دراسة الفنون الزنجية . ولتشجيع الروح الخلاق لدى الفنانين الافريقيين يرجو المؤتمر رجاء حارا أن تمنح جائزة سنوية تخصص للفنانين والكتاب من شباب العالم الاسود وذلك فى المجالات الآتية : الادب فى اللغات الدولية والادب فى اللغات الافريقية والنحت والتصوير والموسيقى والعمارة والحرف الفنية
5 - تنمية الحرف
من الافضل أن يكون الخالقون الحقيقيون والفنانون الذين لهم صلة بمنابع فنهم هم الأساس فى تقديم الاشكال التى ينتج منها مجموعات فى المجالات الفنية المختلفة مثل : النسيج والفخار وصناعة الخيزران والفنون الاخرى
الزخرفية . وان التشجيع الذى يوجه للفن الاصلى سوف يقضى على انحراف الفن التجارى وعل التقليدات المزيفة التى تشوه طبيعة الفن التقليدى . ومن الاجراءات الفعالة فى هذا المجال هو تكوين وحدات مجمعة واتحادات اخرى يمكن لها أن تضمن للخالقين الاصليين والفنانين مستوى معيشة كافية تضمن الكيف لانتاجهم الفني وفي الوقت نفسه تضمن انتشارها . ويمكن لمثل هذه المراكز ادخال طرق أو وسائل جديدة مع احترام الاسلوب الخاص بكل حرفة .
6 - المحافظة على الممتلكات الثقافية الافريقية
ويرى المؤتمر أن البحث المجدى فى نواحى الفن الافريقي - والذى لم يبلغ حتى الآن الا مرحلة أولية - يتعلق تماما بالمحافظة وصيانة التحف الفنية والمعمارية والآثار وسائر الاماكن الثقافية فى البلاد الافريقية وأن هذه المحافظة أو تلك الصيانة تقع قبل كل شىء تحت مسؤولية حكومات الدول الافريقية .
وتشمل هذه المسؤولية أولا انشاء متاحف وطنية واذا ما لزم الامر متاحف اقليمية أو إذا كانت هذه المتاحف موجودة فعلا يعمل على تنميتها باعتماد مبالغ مناسبة وتوفير الاجهزة والاشخاص الذين يتم تدريبهم على الطرق الحديثة فى البحث والمحافظة على الاموال الفنية . ويجب على المتاحف حصر مجموعات الاعمال حصرا كاملا وتسجيلها والمحافظة عليها فى موقعها . وفي كل حالة يجب أن تسجل هذه الاعمال على أكمل صورة ممكنة . ويجب ان يضم هذا التسجيل لا مصدرها الحقيقي وأسماءها ومادتها وغير ذلك فحسب بل جميع المعلومات المتعلقة بوصفها ومعانيها ووظيفتها والتي تجمع عن طرق أبحاث مستفيضة فى عالم الاجناس . ويجب أن تحفظ هذه المعلومات فى أقصى درجة من الامن بالنسبة لجميع الاعمال الفنية وتشمل كل الاحداث التى تتعلق بها ) بما في ذلك المعانى المختلفة التى تجمع خلال المعلومات الاولى ( والتحاليل الخاصة بالاسلوب والطراز والمعلومات التكميلية . ومن أجل هذا يجب على الحكومات أن تستعين بعلماء الاجناس والاثريين والاخصائيين فى حفظ هذه التحف وتسجيلها والخبراء في الفن الافريقي ويجب من أجل تحقيق هذا التوسع أشراك الافريقيين فى هذه الدراسات .
ويجب وضع تشريع خاص بتصدير الآثار والتحف الفنية فى كل دولة مع مراعاة الاحتياجات الثقافية للدول المعنية وللعالم على وجه العموم .
ويجب على المتاحف بقدر استطاعتها أن تتعدى مرحلة المجال الضيق فى المحافظة والعرض وتعمل على اعادة بناء الآثار فى مضمونها الثقافي كما حدث على سبيل المثال بالنسبة للقصر الملكى بأبومي ومقر مربامادى كانوا . كما يجب تشجيع انشاء متاحف فى العراء أو متاحف حية مثل المتاحف المشيدة فى نيامى وفي لافوس
وفيما يتعلق بالاجراءات الفنية الخاصة بصيانتها والمحافظة عليها . فيجب العمل على التوصيات الصادرة من اللجان المختصة للمجلس الدولي للمتاحف والمجلس الدولى للآثار والمواقع الأثرية حتى يتم تطبيقها فى المتاحف الافريقية .
7 - تعليم الفنون الزنجية
يشمل موضوع التعليم ثلاث نواح : تكوين الفنانين ، وتحديد مكانة الفنون في البرنامج العام للمناهج والكتب المدرسية ، والعمل الثقافي الذى يهدف الى حث الجمهور على تذوق الفنون الزنجية وتقديرها .
( أ ) وفيما يتعلق بتكوين الفنانين فقد درس المؤتمر حالة كل الفنون التشكيلية والرقص والموسيقى .
فى ميدان النحت يرى المؤتمر انه من الضرورى أن يبقى الفنان على صلة بالمنابع التقليدية . وفي هذا المجال فان المتاحف الافريقية من جهة ومراكز التسجيل المرئية والسمعية من جهة أخرى تكون من أحسن الوسائل التى تسمح للفنان بالتعرف على التراث الثقافي . حقيقة أنه ليس على الفنان أن يكرر أى نموذج بل عليه أن يستوحى من المنابع التقليدية وكذلك من الاشكال الحديثة التابعة للفن المعاصر وستكون له هذه النماذج بمثابة نقطة بداية لخلق جديد يقوم أساسا على مبدأ الحرية .
وفى مجال الرقص فقد أكد المؤتمر انه من مصلحة الفنان الخالق أن يستفيد بقدر الامكان من التجربة التى ترشده الى التقليد عندما يبحث عنه عند منبعه ذاته . فان الاشكال التقليدية للرقصات المقدسة والرقصات الموسيقية أو غيرها تقدم مجالا واسعا ولكنه مجال آخذ فى الزوال ، والمؤتمر يدعو المراكز الثقافية او المعاهد الموسيقية ( الكونسرفاتوار ) التى تضم مدارس للرقص الى البحث عن العناصر الاساسية فى هذه الرقصات .
ومن أجل هذا فان محفوظات الاقلام السابق ذكرها فى القسم الثانى يمكن أن تؤدى مهمة هامة . فهي تضع الرقصات ضمن الثقافة التى عاشها كل جنس من الاجناس أو كل اقليم ثقافى ، وان البحث عن جميع العناصر المحددة الموجودة فى الرقصات التقليدية سوف يسمح باستخراج أشكال جديدة فى الرقص والموسيقى تحتفظ للفنون الزنجية - الافريقية بطابعها الاصيل .
وبالنسبة للموسيقى التقليدية فقد أكد المؤتمر أن هناك نقطتين هامتين يجب ذكرهما أولا وهما تدوين الموسيقى علميا وتحليل الالحان الموسيقية والمضمون الثقافي الذي تنتمى اليه .
وأن مسألة جمع ألحان الموسيقى التقليدية وتحليلها يجب أن يشمل ايضا جمع التقاليد المتداولة ، فيجب التوسع فى تكوين الاخصائيين فى هذا المجال الجديد الخاص بفن جمع وتفسير هذه التقاليد المتداولة ( تدريبات دولية لهذا التكوين ، تنظيم وتوحيد الطرق ) .
وعلاوة على ذلك يبدو من الضرورى خلق تنظيم بين المتخصصين الافريقيين فى الادب الشفهى وذلك حتى يتمكن الباحثون من اعداد أعمالهم بصفة دورية ومقارنة آرائهم
أما بالنسبة للمسرح الذى يعتبر مظهرا فنيا حيا وشعبيا يجمع بين الفنون الموسيقية والتشكيلية فهو يبدو وكأنه ميدان أساسى لبقاء التقاليد الزنجية . الافريقية فى المسرح الحديث .
وبالاضافة الى ضرورة تكوين محفوظات سمعية ومرئية بشأن أشكال الدراما التقليدية واندماج الكلمة بالموسيقى والرقص فان اللجنة تطلب الاهتمام بالمؤلفات المسرحية المكتوبة بلغات افريقية وتود نشر الاعمال المسرحية للمسرح الزنجى الحديث بلغتين .
وان انشاء معاهد للفن المسرحى الافريقي لتكوين ممثلين ومخرجين سيسمح بتبادل ثقافى أكثر فاعلية على المستوى الافريقي أو الدولى
( ب ) يرى المؤتمر ضرورة الاهتمام بالتعليم الفنى فى نطاق البرامج الدراسية . ويهدف هذا التعليم الى تفهم الطفل للقيم الثقافية الافريقية ويشرح له مثلا الرموز التى تساعد على فهم معانى الفن التقليدى ، ويجب أن
تعرض لغة الاشكال التشكيلية وباقى صفات الفنون الزنجية فى كتب مدرسية بطريقة مبسطة تتمشى مع الاحتياجات الافريقية التى يتحتم علينا توفيرها اليوم . ولنفس الغرض يجب اعداد مكان خاص للفنانين التقليدين فى كل فن فى التعليم الرسمى على جميع مستوياته .
وتعليم الفن الزنجى فى المدارس الافريقية لن يكون مادة ثانوية وغير ذات أهمية بل مادة مدمجة ضمن برامج التعليم وبذلك فهى تساهم فى تكوين الذوق والحساسية عند الطفل وتنمية شخصيته
ج ان نشر الاعمال الفنية ومعرفتها فى بعض أقاليم النشاط الثقافي من شأنه أن يحث الشعوب الافريقية على تذوق تراثها الثقافي وتقديره
وهناك وسائل عديدة درست لتسهيل عملية نشر الفنون الزنجية على أوسع نطاق . فبالاضافة الى المحفوظات السمعية والمرئية ومراكز التسجيل والمراكز الثقافية والمطبوعات السابق ذكرها فى الفقرات السابقة فقد اقترح ما يلى : نشر مجلة للفنون الزنجية - الافريقية انتاج مجموعات من الشرائط السينيمائية وتوزيعها على نطاق واسع وخاصة فى افريقيا . اخراج أفلام للمدارس ومراكز النشاط الثقافي مشتقة من الافلام التسجيلية وأفلام الابحاث السابق ذكرها .
وبالنسبة للتعليم والنشر فقد اقترح انشاء " دار دولية للفنون الزنجية " ومرفق بهذا التقرير وثيقة تتضمن المعلومات الخاصة بمشروع هذه الدار
8 - الفن المعمارى الافريقي
وبالاضافة الى التوصيات التى تطبق على جميع الفنون الافريقية فقد تقدم المؤتمر باقتراح بشأن الفن المعماري . فان المسائل الحالية الخاصة بالتنمية قد ادخلت اعتبارات تخص العمارة في افريقيا على وجه خاص وقد تحتاج هذه الموضوعات لمؤتمر متخصص أو اكثر لدراستها . وتشمل الاقتراحات الخاصة بفن العمارة النقط الآتية :
) أ ( فى مجال البحث يجب القيام بأعمال عاجلة تتم بواسطة مهندسين معماريين أكفاء ومعاونة اخصائيين ويكون موضوع هذه الاعمال الفن المعمارى التقليدى المهدد بالزوال السريع . وتشمل هذه الاعمال تسجيلات وصورا فوتوغرافية وتحاليل للمواد والطرق الفنية المستعملة كما حدث فى نيجيريا خلال السبعة أعوام الماضية .
ب فى مجال التعليم المدرسي وخاصة بواسطة الفيلم ومعارض النماذج التى تنظم فى المدارس يجب أن يحتفظ للفن المعمارى التقليدى بمكان خاص . وهذا النوع من الفن غالبا ما يكون مهملا اذا قورن بباقى الفنون مثل النحت أو الموسيقى
"ج " فى مجال المبانى العامة أو الخاصة يكون من الافضل تكليف مهندسين افريقيين ويراعي في تنفيذ هذه المبانى التصميمات المميزة والاحتياجات الاجتماعية والامانى الافريقية .
يجب اتخاذ اجراءات - على المستوى الوطني والدولي - لتكوين مهندسين معماريين افريقيين وتدعيم اللوائح الخاصة بهم .
9 - تنمية السينما الافريقية
يوصى المؤتمر الدول الافريقية بانشاء جهاز اداري افريقي ، مكتب افريقي للسينما يكون من واجبه : ( أ ) تسجيل ونشر جميع المعلومات الخاصة بالسينما الافريقية ( كتالوجات الافلام ، احصائيات استغلالها ، كشوف تضم الوسائل التكنيكية وأخرى تضم أسماء الفنيين الخ . . . ( . اعداد مشروعات تشريعية تعرض على الدول المهتمة بتنمية السينما القومية . ) ج ( العمل على تسهيل الانتاج السينمائى بافريقيا . ويرفق بهذا التقرير التقرير العام للجنة السينما الذي أوضحت فيه الاجراءات التكنيكية المقترحة للتنفيذ . د انتاج مكاتب للشرائط السينمائية الوطنية تضم جميع الافلام التى صورت على أرض الوطن ويستحسن أن تكون من تنفيذ افريقيين
ه تدريب خبراء في السينما وفنيين وممثلين مسرحيين افريقيين يشغلون درجات المهن السينمائية و انشاء جهاز لنشر الفيلم الافريقي حتى يصل الاسواق الخارجية وهذا عامل أساسى لتنميته ) ز ( تنظيم اجتماعات منتظمة تسمح للمؤلفين والفنيين والممثلين والخبراء ان يناقشوا اعمالهم ومشاكلهم ويدافعوا عن حرية التعبير فى السينما الافريقية
10 - انتشار الفنون الزنجية وأثرها تقابل الفن الزنجي مع الثقافات الأخرى
أكد الكثيرون فى المؤتمر وجود تعاون بين الفنون الافريقية الزنجية فى دول أخرى من العالم ، ومن المهم أن تراعي دائما هذه الناحية الدولية فى دراسة الفنون الزنجية وعرضها . وقد أعطى مؤتمر داكار فرصة لاول مقابلة من الاشكال المختلفة من الفنون الزنجية
ورغبة منه فى توسيع النقاش والحديث بين الثقافات فان مؤتمر داكار يأمل فى أن ينظم اجتماع دولى تتقابل فيه الفنون والآراء الزنجية - الافريقية وجميع التقاليد الفنية
ويهمنى بادئ ذى بدء أن أوضح أن الواقع الثقافي شىء ، وواقع الانتاج الثقافي شىء اخر
واذا كان أحدهما يقود الى الآخر أو يفسره ، الا انه يجب أن يكون فى الاعتبار دائما ، أن الواقع الثقافي يمكن أن يفسر الانتاج الثقافي ، لكن العكس ليس دائما صحيحا .
ان الثقافة - بمفهومها الذي وضحناه - تعتبر جزءا من تكوين الانسان ، وليس الانتاج الثقافي الا بعض الدلالة على هذا الواقع ، بمعنى أن الثقافة كامنة فى النفس الافريقية والعربية ، حتى لو لم تكن لها آثار واضحة ، في انتاج ملموس .
فمثلا الاميون الملايين من العرب والافريقيين ، يتوارثون الثقافة ، جيلا بعد جيل . وثقافتهم تتطور بتطور العلوم والمعارف والصناعات وانجازات التكنولوجيا ، لكن تحول الامية بينهم وبين القراءة ، فلا يتابعون الاعمال الثقافية ، وقد لا يفيدون منها ، فان أفادوا منها ، فبصورة غير مباشرة ، أو عندما تتحول من الكتاب الى وسيلة فنية جديدة ، لعرض الافكار
وكذلك يمكن أن نمضى ، لنجد أنفسنا فى النهاية أمام مجموعات من البشر ، تفرح لأحداث بعينها ، وتبتئس لأحداث اخرى . يزعجها موقف مثير يتخذ ، ويريحها موقف آخر مناقض . ترقص وتغنى وتعبر عن نفسها بالالحان . ثم هى تلعب فى طمى النيل أو حجر الجبل أو قطع الشجر أو القماش ، فتكون هذه التصرفات الساذجة تعبيرا عن شىء كامن فى نفوسها وهذا كله يعكس ثقافتها ، دون أن تقصد الى أن يكون ذلك انتاجا ثقافيا
وهذا كله يعنى أن الثقافة كامنة فى نفوس الناس ، مستقرة فى وجدانهم ، تحرك مشاعرهم بالحب أو بالكراهية ، وهي - مع ذلك - لا تقصد الى انتاج ثقافى ، ولا تتأثر بالانتاج الثقافي قبل أن يكون لها هذا التعبير
وعلى كل حال ، فانه لا بد من اتخاذ الانتاج الثقافي أساسا للدراسة للتعرف على قدرات الواقع الثقافي العربى الافريقي على هذا الانتاج .
وسنختار هنا وسيلتين مختلفتين للتعبير عن الانتاج الثقافي ، احداهما شامله تجمع قدرات العقل والوجدان جميعا ، وهي الكتاب . والثانية لها نفس الشمول ، ولكن بأسلوب آخر ، فتبدأ تلقائية ، ثم تستوى أو تنتظم بالدراسة ، وهى الموسيقى وفنونها .
انتاج الكتاب على المستوى العربى الافريقي :
فى العام الدولى للكتاب ، سنة 1972 ، قال المدير العام لليونسكو في رسالة مفتوحة وجهها الى كل شعوب العالم والمسؤولين عن الثقافة ، ان العالم يعاني ما سماه مجاعة الكتاب "
وقد يكون من المفيد أن نبين هذه المجاعة على وجهها الصحيح ، فان اطلاق اللفظ على عمومه ، يحمل على الظن ان المجاعة عامة وشاملة ، بينما يشير الواقع الى حدة هذه المجاعة ، فى بلدان العالم الثالث .
ولنتأمل بعض الاحصائيات على مستوى العالم وسنرى أننا - من خلال هذه الاحصائيات - أمام حقائق مذهلة ان 70 % من سكان العالم يعيشون فى آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية الا أن نصيب هذه القارات مجتمعة من انتاج الكتب لا يتجاوز ١٢ % بينما يعيش 30 % من سكان العالم فى قارة أوروبا وأمريكا الشمالية ويصل نصيبهم من انتاج الكتب الى 88 % وكذلك تقول الاحصائيات ما يلى : بلغ انتاج العالم من عناوين الكتب 500،000 عنوان ، منها 8،000 عنوان صدر عن افريقيا ، 100،000 عنوان عن آسيا ، و 15،000 عنوان صدر عن امريكا اللاتينية ، بينما يصدر عن اوروبا 250،000 عنوان كل عام 100.00 عن أمر بكا الشمالية ، و 80،00 عنوان عن الاتحاد السوفياتى
وبهذا تصبح نسب انتاج الكتب على الوجه التالي تقريبا 1،5 % لافريقيا بينما يسكنها 10 % من سكان العالم 18،3 % لآسا بينما يسكنها 6، 56 % من سكان العالم 2،7 لأمريكا اللاتينية بينما يسكنها 2، 5 % من سكان العالم 46،0 % لأوروبا بينما يسكنها 12،8 ، % من سكان العالم 17،0 % لأمريكا الشمالية بينما يسكنها 8،8 % من سكان العالم 15،0 % للاتحاد السوفياتي بينما يسكنها 6.6 % من سكان العالم
هذه العناوين تترجم الى نسخ عديدة ، وأغلب الاحصاءات عنها تقديرية ، ومع ذلك فان مجموع الانتاج العالمى من الكتب عندما يوزع على قارات العالم فان أنصبة السكان من الكتب تصبح على الوجه التالي :
23 كتابا لكل مليون افريقي 49 كتابا لكل مليون آسيوى 79 كتابا لكل مليون أمريكي لاتيني 535 كتابا لكل مليون أوروبي 280 كتابا لكل مليون أمريكي شمالي 329 كتابا لكل مليون سوفياتى
هذا وتدل الاحصائيات على أن المعدل العالمى هو 150 كتابا لكل مليون انسان . أما فى العالم العربى ، فان مجموع الانتاج من عناوين الكتب العربية هو 5،000 كتاب كل عام . بنسبة 1 % من انتاج العالم . وبهذا يصل نصيب كل مليون من السكان الى قرابة 50 أو 60 كتابا .
وبمقارنة النسبة بين هذه المتوسطات والمتوسط العالم ، سنجد أن مستوى الانتاج الثقافي ينخفض عن المعدل العالمي ، بنفس نسب الانخفاض
والكتاب فى النهاية يمثل بناء حقيقيا فى ادراك الانسان ، فاذا لم نجد هذا البناء كافيا ، فان نوعا من الخلل يستمر يهدد هذا البناء .
ان حملة الجوع للكتاب ، يجب أن تستمر ، على الاخص فى قارتنا ، وعلى الساحة العربية .
ومع اصدار الكتب ، يجب أن يتنبه المسؤولون الى أن من حقائق قارتنا ومنطقتنا العربية ، زحف الامية على جماهير الشعب ، وبغير مقاومة الامية ، أو وقف زحفها على الجماهير . فان الكتاب سيستمر محصورا فى دائرة ضيقة بضيق عدد القارئين
الموسيقى فى افريقيا والعالم العربى :
ان أهمية الموسيقى بين الفنون واضحة ، فهي اللغة التى لا تحتاج لكتابة ولا لقراءة ولكنها تحتاج مع ذلك الى التطور
والموسيقى فى افريقيا ، وفى العالم العربى ، فن أصيل ، له تاريخه ، وقد اثر فى فنون الموسيقى فى العالم كله ، وانتقل من افريقيا ، ومن العالم العربى ، الى مناطق مختلفة من العالم ، فوجد المناخ مهيا لتطور عظيم فأخذت الالحان الافريقية أشكالا وصيغا متطورة ، وكذلك حدث بالنسب للموسيقى العربية
بينما ظلت الموسيقى على الساحة الافريقية والعربية على نفس قوالبها التقليدية القديمة ، بلا تطور يذكر
ومعنى هذا أننا نسمع موسيقات متطورة فى دوائر الدنيا فنعجب بها ، بينما هي تابعة فى الاصل من أرضنا لكن التطور قد صبها فى قوالب جديدة خيلت لنا غرابتها عنا .
ولو اننا عنينا بموسيقانا ، وحصرناها وسجلناها وعهدنا بها الى دارسين مقتدرين ، فان التعبير بها عن شخصيتنا القومية ، سيأخذ شكلا اخر ، ينمو نموه المضطرد ، ويأخذ بيدنا معه الى آفاق رحبة وجديدة .
لقد بدأت العناية بالموسيقى العربية منذ سنوات محدودة ، وبدأت تلعب دورا كبيرا فى حقل الوجدان العربى ، لكنها لا تزال تؤدى بأسلوبها القديم ولا بأس فى هذا ، لنعرف أصولنا . لكن الوقوف ضد القديم لم يعد يكفى بتطور الموسيقى العربية الى آفاق العصر ، حتى لا تضطر أجيال الشباب الى استعمال موسيقى غربية ، للتعبير بها عن نفسها .
وكذلك حدث اهتمام بعد استقلال دول أفريقيا بالموسيقى الافريقية وبفنون الرقص والغناء ، لكنها تأثرت في تطورها الاخير ، ببعض المناهج المستوردة ، وباختلاف مذاهب الحكم ، اختلف الايقاع ، واختلفت فنون الاداء مما صار يهدد بضياع الشخصية الافريقية أو تفريقها على نظريات متفاوتة فى عالم الموسيقى
وقد تجد الندوة أسلوبا جديدا أصلح من الاسلوب القديم ، فى المحافظة على الشخصية القومية من خلال موسيقى أصيلة ، تعرف طريقها الى التطور دون أن تضيع أصولها ، أو تتبعثر وفقا لمناهج غربية ، قد تكون حسنة القصد فى مساعدتها لنا ، لكنها فى النهاية غريبة عن أذواقنا وعن طبائع شعبنا .
الاعلام العربي والأفريقي :
والآن ، وبعد أن اخترنا مثلين على طبيعة الانتاج الثقافي فى افريقيا وعلى الساحة العربية ، فاننا ننتقل الى الاعلام ، لنراه بدوره على أرض الواقع
الإذاعة
لتبدأ بالاذاعة على اعتبار أنها وسيلة سريعة ومنتشرة ، وتخدم كل الطبقات ، بصرف النظر عن قدرتها على القراءة
ولنأخذ الاحصاءات الدولية أساسا للمناقشة .
فى العالم 19،110 محطة اذاعة ، فى افريقيا منها 650 ، وفي جنوب آسيا 950 وهي تضم المنطقة العربية الشرقية
بينما فى أوروبا قرابة 5،000 محطة اذاعة ، وفي أمريكا الشمالية 6،750 محطة ، وفي الاتحاد السوفياتى 410 محطات اذاعة
أما أجهزة الاستقبال ، فقد وصلت في العالم الى قرابة 700 مليون جهاز ، بمعدل عالمى قدره 250 لكل ألف نسمة تقريبا .
من هذه الاجهزة قرابة 18 مليون فى افريقيا بمعدل 50 لكل ألف نسمة ، و 36 مليون جهاز استقبال فى جنوب شرق آسيا ، حيث المنطقة العربية الشرقية ، بمعدل 33 جهاز لكل ألف .
بينما تجد فى أوروبا 129 مليون جهاز بمعدل 280 للألف ، وفي أمريكا الشمالية 300 مليون جهاز استقبال بمعدل 1،400 جهاز لكل ألف ، وفي الاتحاد السوفياتى 90،1 مليون جهاز بمعدل 375 لكل ألف
ونحن حين نسوق هذه الاحصاءات ، لا بد من أن نلفت النظر الى أن تعميم هذه المعدلات على كل مناطق افريقيا أو الساحة العربية ، خطأ فاحش ففي مصر على سبيل المثال قرابة 4،500،0000 جهاز استقبال ، بمعدل 150 جهازا لكل ألف بينما المعدل فى افريقيا هو 50 لكل ألف . وكما نجد هذه الحقيقة فى م فسنجدها كذلك فى مناطق متفرقة من افريقيا والمنطقة العربية ، ومع ذلك فان الصورة الشاملة تعطى مؤشرات بالغة السوء ، بالنسبة لمجموع القارة والمنطقة العربية . بل انها قد تثير تساؤلا حول درجات النمو في منطقة تحتاج الى نوع من التقارب الفكرى والتقارب الوجدانى بين أبنائها ، ليمكن أن يكون تعاونها أوثق ، دعما لتحررها ، وبناء لمستقبلها ، فى عالم يتصارع فى شراسة .
التليفزيون :
ولقد دخل التليفزيون سوق الاعلام ، بامكانياته الهائلة وبجاذبيته السحرية حتى لقد صار ضرورة اعلامية لا يجادل فيها أحد .
.ولقد نتخذ نفس المنهج فى التعرف على واقعه فى الارض الافريقية ، وفي المنطقة العربية .
والأحصاءات العالمية تقول ان فى العالم قرابة 1،500 محطة ارسال تليفزيونى ، و 11،00 محطة تقوية ، منها فى افريقيا 112 محطة ، و 30 محطة تقوية ، وفي جنوب شرق آسيا 120 محطة ارسال و 60 محطة تقوية بينما فى أوروبا 6،515 محطة ارسال ، 5،510 محطة تقوية ، وفي امريكا الشمالية 3،050 محطة ارسال و 1960 محطة تقوية ، وفي الاتحاد السوفياتي 1،098 محطة ارسال .
أما عن أجهزة الاستقبال ، فان مجموعها فى العالم اكثر من ألفي مليون جهاز ، بمعدل 89 جهازا لكل ألف .
وفي افريقيا 1،1 . مليون جهاز ، بمعدل 3.2 لكل ألف وفي جنوب آسيا ، 5.2 مليون جهاز ، بمعدل 2،3 لكل ألف بينما في أوروبا 885 مليون جهاز ، بمعدل 188 لكل ألف . وفي أمريكا الشمالية 85 مليون جهاز ، بمعدل 412 لكل ألف . وفي الاتحاد السوفياتي 31 مليون جهاز ، بمعدل 128 لكل ألف
ومع التحفظ عن عدد الاجهزة فى الدول العربية والافريقية مفرقة ، فان هذه الارقام تغني عن التعليق
الصحافة :
ان الصحافة تلعب دورا رئيسيا فى توجيه الرأى العام ، لأنها هى الوسيلة المكتوبة التى تبقى مع القراء زمنا أطول ، وتترك فى نفوسهم اثرا أعمق
ولهذا فان العناية بها يحب أن تنال كثيرا من الاعتبار .
وسنمضى على نفس النسق فى تناولها ، معتمدين على الاحصاءات الدولية سان موقف الصحافة فى القارة الافريقية والمنطقة العربية ، وبالنسبة للصحافة العالمية .
فى العالم 7،680 صحيفة يومية توزع 365 مليون نسخة يوميا ، بمعدل 130 نسخة للألف . فى افريقيا 210 صحيفة توزع 3،8 مليون نسخة ، بمعدل 19 للألف فى جنوب شرق آسيا 1،600 صحيفة توزع 17 مليون نسخة ، بمعدل 16 للألف . بينما فى أوروبا 1،800 صحيفة توزع 67 مليون نسخة ، بمعدل 295 للألف . وفى أمريكا الشمالية 1،880 صحيفة توزع 67 مليون نسخة ، بمعدل 295 للألف . وفى الاتحاد السوفياتي 630 صحيفة توزع 5،6 مليون نسخة ، بمعدل 298 للألف .
هذا موقف الصحافة الافريقية والعربية بالنسبة لصحافة العالم ، واذا كانت هذه المعدلات تزيد أو تنقص ، فان السمة العامة أنها محصورة فى نطاق ضيق لا تتعداه نظرا لانتشار الأمية ، ولصعوبة وسائل المواصلات ، ولصعوبة اللغات المتداولة الى غير ذلك من أسباب اقتصادية وثقافية معا .
وقد تصلح احصاءات استهلاك ورق الصحف طوال العام أساسا لعقد بعض المقارنات ، وسنختار من افريقيا مصر ، وسنجد أن معدل استهلاك ورق الصحف للفرد فى حدود كيلو غرام أو أكثر قليلا من الورق ، بينما هو فى المغرب العربى بين 2 و 3 كيلو غرام للفرد ، وهو فى الكويت 2 كيلو غرام للفرد ، وفي لبنان قرابة 1،8 كيلو غرام للفرد .
وسنجد أن استهلاك الفرد لورق الصحف فى أمريكا الشمالية يصل الى 43،6 كيلو غراما للفرد ، وفي بريطانيا ، 27 كيلو غراما للفرد ، وفي السويد 42،7 كيلو غراما للفرد .
كل هذه الاحصاءات توقفنا على وضع الصحافة فى افريقيا والعالم العربى ، بالمقارنة مع العالم .
فاذا انتقلنا الى وكالات الانباء ، فاننا لا نجد على مستوى القارة الافريقية وكالة اكتست الصفة العالمية ، ولكن وكالات الانباء جميعها تكاد ان تكون محلية ومحدودة النطاق ، وبعضها متخلف فيما يستعمله من الوسائل
حصيلة الدراسة :
من هذا العرض السريع ، للواقع الافريقي والعربى فى مجالى الثقافة والاعلام واتصال هذا الواقع بقضايا التحرر الافريقي ، نستطيع ان نخلص الى النتائج التالية :
من الثقافة بمفهومها الذي أثرناه من خلال البحث أصيلة فى التراث العربى والأفريقي ، وأنها شكلت وجدان الافراد والجماعات تشكيلا خاصا ، فلم يفقدوا على مر العصور شخصيتهم القومية ، ولا روح النضال من اجل التحرر والاستقلال
لقد سجلت حركات التحرر على الارض العربية والافريقية مواقف رائعة لجماهير المناضلين ، وأدت الى نتيجتها من خلال وحدة الفكر ووحدة المشاعر ، بالنسبة للمواقف الوطنية والقومية
ان النداء بالحرية وتوحيد الارادة ، قد كان يجد أكبر الصدى لدى جماهير الشعب العربي وجماهير الشعوب الافريقية .
بل ان اتصال الشعوب في هاتين المنطقتين ، قد أثبت صلابته فى مواجهة محاولات الغزو من الداخل أو من الخارج
وما من قضية تحرير افريقية ، الا وكان لها أكبر الصدى وأعمقه فى النفس العربية ، وكذلك كانت مشاعر الافريقيين شديدة التعلق بقضايا التحرر الوطني على الارض العربية
كل هذا قد كان دائما صدى لثقافة متناسقة ومتقاربة ، وللخط التحرري الواحد ، بهدف الوصول الى هدف مصيرى واحد ، يربط العالمين الافريقي والعربى برباط لا ينفصم
ولقد تعرضت القارة الافريقية والمنطقة العربية لالوان من المحن متقاربة .
فبينما اتجه الاستعمار الاستيطانى فى جنوب افريقيا ، الى تغيير الشخصية القومية بمواطنين بيض وغرباء عن أرض افريقيا ، فان فلسطين تعرضت لغزو استيطانى استعمارى من نفس النوع ، استهدف احلال عناصر صهيونية متطرفة محل العرب المسالمين ، من أصحاب الارض والحق فى السيادة عليها
وشعر العرب وشعر الافريقيون ، انهم يتعرضون للخطر الواحد ، وان الاقوياء فى هذا العالم ، لا يزالون يستضعفون هذه الساحة الواسعة منه ويدبرون لها أن تستمر على ضعفها ، حتى تستفيد من هذا الضعف استنزافا لثرواتها ، ووضعها على الدوام في مكان الضعيف المحتاج الى المساعدات الخارجية .
كل هذه العوامل ، قد كانت عوامل قربى بين الشعب العربى وشعوب قارة افريقيا .
فاذا حللنا عناصر التكوين الثقافي فى الأمتين العربية والافريقية ، فسنجد كثيرا من هذه العناصر متقاربة أو متشابهة ، بل ان بعضها متساو تماما .
ان العاطفية العربية تقابلها عاطفية افريقية .
والاعتداد بالنفس العربية يقابله اعتداد افريقي بالذات ، تجعل المواطن العربى أو الافريقي يفضل أن يجوع على أن يستذل .
والميل نحو الطرق ، وعمق المشاعر الدينية تسرى بين أبناء شعوب هاتين المنطقتين بشكل واضح
من هنا كان التلاقي سريعا حول المحن التى تتعرض لها هذه المنطقة الواسعة من العالم .
ولقد دلت محنة فلسطين وحرب اكتوبر العظيمة على عمق ما بين شعوب افريقيا والشعب العربى من تآلف وتآخ وكان له أثره الهائل على المواقف المعلنة فى الامم المتحدة ، وعلى مستوى العلاقات الدولية عامة .
لكن كل هذه الايجابيات الثقافية لا تنفي أننا فى وضع الحاجة الى اعادة الصياغة الثقافية والاعلامية على أرضنا .
أما كيف ، فان ندوة الخرطوم مطالبة بأن تضع الحلول ، وان تفكر في الطرق والوسائل وان تخرج بمخطط واسع يضع أساس المستقبل على قاعدة صلبة ووطيدة
اننا محتاجون الى تقارب دائم ومتصل ، والى تفاهم مستمر حول قضايانا الثقافية والاعلامية لتسرى فى هذه المنطقة الواسعة من العالم ، دراسات ثقافية ، تحول المواد الخام على أرضنا وفى نفوسنا ، الى واقع متطور ، قادر على أن يضيف الى بناء الانسان ما يجعله أقدر على التصدى لمشكلات اليوم والغد .
ان هذا العالم الذى نحيا فيه لم يعد يسمح بمكان يحتله ضعيف أو منهار ، وفي عصر العلم ، تغيرت الدنيا ، وتوفرت الوسائل التى تمكننا من اقامة علاقات أرسخ وأفضل
وسأترك الأمر لكم أيها السادة أعضاء ندوة الخرطوم ، من قادة الفكر العربى والافريقي . فلتقولوا كلمتكم لتتوجوا الواقع بأمل المستقبل لتصبح افريقيا والعرب ، دنيا واحدة ، ممتدة الساحة ، قوية البناء غنية بمواردها وبرجالها وبعلومها
ويوم نتحد ، وسنتحد باذن الله وتوفيقه ، فسترتفع هامات الرجال ، لا للعدوان ولكن لمزيد من الامن والسلام ، بشرط أن يكون أمنا من غدر العدو وسلاما أساسه العدل والرخاء والبناء .
وستنطلق الرايات دائما من فكر مفتوح وقلب يتدفق بالحب ، وارادة طلية لا تهتز

