توطئة : تجتاح العالم الغربى من حين لحين تيارات فكرية وفلسفية متينة الصلة بالاوضاع التى تعيشها هذه المجتمعات . فبعد طغيان الوجودية على جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة ، أصبحت الهكلية ( Structuralisme ) منذ بضع سنوات أساسا للعديد من الدراسات في ميادين مختلفة ومنهجا للبحث يعتمد فى النقد الادبى والدراسات اللغوية وغيرها ، بل و " موضة " يحسن بالمثقف الالمام بمبادئها .
وهذه التيارات - لمتين صلتها بالمجتمعات التى ظهرت فيها - لا تصل العالم العربى عادة إلا محرفة ناقصة وبعد أن تتجاوزها الاحداث فى منشئها . ولعل اطلاع المثقفين فى البلاد العربية على الهيكلية واستيعابهم لأصولها ما زال فى خطواته الاولى ولم يحدث بعد خصومات أدبية من نوع الخصومات التى قامت ( متأخرة ) حول الرومنطيقية أو الوجودية مثلا ، فى الوقت الذى أصبحت فيه الهيكلية ذاتها - كمذهب - محل نقاش ورفض أحيانا فى أوروبا (*).
وفى انتظار اليوم الذى يشارك فيه العرب من جديد بقسطه فى إثراء التراث الانسانى بايجاد مذاهب وتيارات نابعة من محيطه ومن عناصر ثقافته الاصيلة ، لا مناص من أن نواكب تطور الفكر الحى وأن نطلع على ما يكتبه الغربيون من أبحاث طريقة وجريئة . وهذا ما حدا بنا إلى تعريب الفصل التالى الصادر بجريدة " لوموند " الباريسية فى عددها المؤرخ بالعاشر من جويلية 1968 لما من الاهمية فى التقريب بين ميدانين يبدوان متباعدين من أول وهلة وهما علم
الحياة والسياسة ، وفى تطبيق الظواهر الحيوية - التعديل مثلا regulation - على الظواهر الاجتماعية عن طريق الهياكل (*). ع . ش .
- ذا كانت هناك عبرة تستمد من أزمات العالم الغربى والعالم الشيوعى افليسست هى ضرورة إقامة هياكل أفقية ودائرية للمجتمع الجديد مقام هياك المجتمع القديم " العمودية " و " المستقيمة " ؟ إن هذه العودة الى الور بالاخبار نحو المركز وهذه الدورية وهذه " الثورة " ) 1 ( من شأنها أن تنشط الهياكل وأن تعيد اليها جزئيا إمكانيات المؤلفة والمطابقة النشيطة التى تختصر بها الاجهزة الحية كما تقيها من مفعول التصلب ) 2 (
وانطلاقا من هذه الشبكة من الهياكل القادرة على التعدل ذاتيا والمستقلة فانه يكون من الجائز جعل الصلات الأفقية والمرور من جهاز الى آخر عضوية بدورها . ولا يمكن أن يوجد إصلاح هيكلى دون تنظيم هيكلى مزدوج : دائرى وأفقى ودون تلك الحركة من " الانفتاح " و " الانغلاق " فى آن واحد . وإن
إنشاء مسالك للتعديل الذاتى منثنية الى الوراء ليسمح بفتح مسالك للاتصال دون عرقلة استقرار الهياكل .
واذا ما استوحت الأنظمة السياسية والاقتصادية أو الاجتماعية من النماذج العضوية والمديرة ( cybernetiques ) فى انغلاقها على نفسها فى نفس الوقت الذى تنفتح فيه على الوسط المحيط بها وبأن تنتظم انتظاما عضويا فانها قد لا تميل بالتأكيد إلى احتذاء الاجهزة الحية أو معادلتها ولكن الى تحقيق تجلية الحياة الفريدة : استقرار الاشكال ضمن مد مستمر من التبادل الوسط . فلنحلم هنيهة بتلك " الحالات من الاستقرار فى نظام منفتح " التى تغزو ... الميدان السياسى بعد تعمير الطبقة المثالية التى تكونها مجموعة الكائنات الحية حول القشرة الارضية ( biosphere ) (1) .
ومع الأسف أن من طبيعة الحكم ( أى حكم ) ومن طبيعة العلاقات الاجتماعية أن تجعل المفهوم الشديد الخصب " للهيكل " مقصورا على معانى المركزية والمراتب والتوازن الهزيلة . . فأى تناقض غريب ! إن ذلك إنكار لأبعاد الهياكل الزمنية : تكوينها وتغيرها وتعدلها الذاتى ، وهو جهل لتركيب الكائنات الحية ونسيان لأن التوازن حركة لاعادة التوازن . وهو خلط بين " نظامين " : النظام القائم والانتصار على الفوضى .
فهل ينبغى التذكير ، طالما وقع استعمال اللفظة والمفهوم ، بمعنى الهيكل وبخصائصه الاساسية الثلاث حسب السيد جان بياجى ( M. Jean Piaget ) (1) ؟ : 1 ) كونه مجموعا علاقيا ( فليس الكل الا حاصلة تلك العلاقات أو التراكيب ) . 2 ) كونه نظاما من التغيرات الزمنية لا " شكلا " ساكنا من الاشكال ( كونه دائما وفى آن واحد مهيكلا ومهيكلا ) . 3 ) كونه بعدل نفسه بحركة مستمرة من الاعمال الرجعية والمسبقة ( وهو تعديل ذاتى يؤدى الى سلامته وانغلاقه الجزئى . وهل يجب التذكير أيضا بأن المثال الاصلى للهياكل ، أى الجهاز العضوى الحى ، جهاز كامل من التغيرات المعدلة تعديلا ذاتيا ؟ .
إن وظيفة منع الفوضى وظيفة معدلة إلا إذا شاءت أن تكون بوليسية : فلا نظام بلا تعديل . هل تمثلت الرؤوس السياسية هذه الحقيقة المألوفة مند مدة
طويلة عند علماء الحياة ؟ بودنا أن نعتقد ذلك . . . ولكن الحقيقة أنه قد حكم علينا دائما بالاهتزازات وبحركات إعادة التوازن وهى ظواهر تنتسب الى الظواهر الجيولوجية أكثر من انتسابها الى الظواهر الفيزيولوجية . ونظرا لانعدام الحركية الاجتماعية فان الامور تسير كما لو أن الجسم الاجتماعى لا يستطيع أن يرد الفعل إلا بواسطة ردود فعل متوالية منذرة بالخطر مثله فى ذلك مثل الكائن المشرف على الهلاك . ودون مسالك للعمل التعويضى كافية من حيث العدد فان الامور تسير كما لو أن الجسم الاجتماعى لا تكون فيه " حركة الحياة " إلا تحت تأثير هزات وصدمات لها من الشدة ما يجعل تماسكه ذاته محل نظر ( 1 ) : فكل خلية وكل نسيج وكل عضو وكل جهاز يرد الفعل لفائدته الذاتية فى اختلال قاتل . وقد قال ابن سينا وهو ينازع الموت : " إن المنسق الاعظم الذى كان ينسق جسمى لم يعد ينسق شيئا " .
والقطيعة التى أحدثها الحقوقيون بين علم الحياة والسياسة قطيعة مفتعلة لا سيما وأن المهندس " طبيعة " ومهندس القوى الاجتماعية يجدان نفسهما مواجهين لمشكلة من نفس الشكل وهى : كيف يخلق الاستقرار ( النسبى ) مما هو غير مستقر ؟ إنه لمشكل ساحر أوجدت له الطبيعة أجوبة لا تعد ولم توجد له الأنظمة السياسية الى حد الآن لا حوايا تقريبيا ولا جوابا صالحا . إن الطبيعة ، والحق يقال ، لم تبدأ قط بالتساؤل عن لون أجنحة الفراشة أو صورتها ! وإنما انتقت فى تأن طوال آلاف السنين المتباحث البيو - كيميائية والتركيبية والوظيفية الكبرى - 12 فى الجملة - التى نجحت .
هل يعنى هذا أنه لا توجد البتة هوة بين " الهياكل القوية " التى تمتاز بها الحياة و " الهياكل الضعيفة " التى تتسم بها السياسة ، بين تماسك الجهاز العضوى الكامل وانقطاع النسيج الاجتماعى ؟ لا بالتأكيد . وهل يعنى ذلك أنه يكفى الانحناء لاغتراف " نماذج " جاهزة من البركة العضوية ؛ لا بالطبع . ولكن المنهج القياسى لم يرفض لمجرد أن علماء الاجتماع أساؤوا استعماله أو استعملوه لتبرير مبادئهم الاكيدة التى لا يحتاج تحقيقها الى الاختبار ( a priori )! إن علم الحياة يمنح لمن يريد أن يسمعه حصادا مدهشا من الصيغ المنظمة والمبادىء المعدلة والمسالك التطورية التى أفضت الى نتيجة . وأحسن من هذا ، فهو فى الالتباس الحالى بين الآراء السياسية وفى غموض السيرة السياسية
الفاجع معدل للتفكير لا مثيل له . ولعله الوحيد ... ومهما تكن فى المستقبل العلاقات الاجتماعية والعلاقات بين الدول فان على مشيدى المجتمعات أن يأخدوا بعين الاعتبار النماذج العضوية والنماذج المديرة التى يجدونها تحت أعينهم . فالثورة السياسية التى تغفل عن سن ثورة الهياكل " المنطقية " تحكم على نفسها ، عاجلا أو آجلا ، بمواصلة العمل بنظام بوليسى .
وبين الاحتفاظ بأجهزة عتيقة الى أن تقضى عليها وطأة الاحداث أو الرجال أو الافكار وبين تشييد أجهزة طوبائية - متجنبة " معابر " التطور أو متجاوزة لها - لم يقم الدليل على أنه لا مكان البتة لتعديل المجتمعات : لفائدة نظام حى لا لفائدة نظام بوليسى .
ولعل المسألة العويصة ، المسألة المفتقرة إلى جواب والتى تحجب الافق السياسى هى هذه : هل إن الاستقلال الذهنى لكل انسان عقبة جذرية فى وجه تعديل المجتمعات ؟
ع. ش.
