كنت غلاما يافعا فى الحرب العالمية الاولى اختلف الى كتاب سيدنا الذي كان يحفظنا القرآن الكريم . ومن سوء الحظ ان سيدنا لا يحسن الا حفظ الكتاب العزيز اما بقية الفنون التى كان يضطلع بها مؤدبو السلف فى عصور الازدهار فان سيدنا خلو منها اذ شمله الاهمال فيما شمل ولم يقع الاهتمام باسلافه منذ العصر التركى فعصر البايات وهي عصور انحطاط التعليم وإهماله . ولم يكن لسيدنا طريقة فى تعليم الكتابة . وقد عرفنا له طريقة ممتازة آنذاك تعرف بطريقة ( التحويق ) وما اجدر هذه الطريقة بمفهوم اللفظ اللغوى . ففى القاموس المحيط - وحوق عليه تحويقا عوج عليه الكلام - وتلخص هذه الطريقة المعوجة فى ان سيدنا يتناول اللوح ويكتب فيه سورة قصيرة أو أية بقلم جاف فينتقش اثار الحروف فى اللوح واثر ذلك يأمر سيدنا تلميذه باعادة ذلك النقش بالحبر وكأن سيدنا يريد منا ان نتعلم الكتابة بطريقته السهلة فى اسرع وقت ؟ . ولكننا نظل السنين ( نحوق ) وليس لنا من تعليم سيدنا فى فن الكتابة الا العوج كما هو مدلول اللفظة اللغوية . واحيانا يخطر لسيدنا ان يبتكر طريقة عذراء تعين على تعليمنا الكتابة دفعة واحدة فيأمر بعض الناشئين من تلاميذه الذين قضوا عشرات السنين بجانبه ان يعلمنا الحروف دفعة واحدة فى يوم واحد فيلقننا الحروف فيسمع لنا صدى غريبا ونحن نردد اسماء الحروف فاذا خرجنا نسينا كل شئ ولا يبقى لدينا الا الفاظ نكررها ونتعبد بها ولكن بدون جدوى . وبعد ان نلقن اسماء الحروف تلقينا ينتقل بنا سيدنا الى تلقين الآيات التى لا نفهم منها قليلا ولا كثيرا ويأمرنا بحفظها واستظهارها . وويل لمن لم يحفظ الآيات فلدى سيدنا عشرات العصى اعدها لنا ما بين طويلة وقصيرة ورقيقة وثخينة وقد دس بينها آلة جهنمية تدعى عنده ( الفلقة) سلطها سيدنا على من لم يحفظ الآيات التى تقدم لنا بحفظها فاذا حكم سيدنا على واحد منا يتقدم اليه شابان جلدان يمثلان زبانية العذاب ومردة العقاب فيدخلون خيط ( الفلقة ) فى رجلى المعاقب ويحملان الرجلين حملا عموديا ويضغطان بواسطة الحبل الحصيف على الرجلين وقد اخذ كل مارد بناحية من (الفلقة ). والماردان غليظان فظان لا يرحمان أخا ولا يشفقان على صديق
فيلويان حبل ( الفلقة ) ليا محكما على الرجلين ويتقدمان بالضحية أمام سيدنا الذي ينهال على الرجلين بالجلد العنيف الذى لا هوادة فيه ولا شفقة . ويجلد سيدنا حسب اجتهاده وربما جلد بعضنا الخمسين جلدة وتركه صريعا على الارض لا يبدى حراكا . وهيهات ان يرثى له احد اما سيدنا فيشتد غضبه ويكثر صخبه وتتدفق اللعنات من لسانه . ولا ادرى كيف تعلمنا ان نخط او ان نكتب وليس من السهل ان نتعلم الكتابة والقراءة بسهولة بالطرق التى يعرفها سيدنا . وكان الاطفال يختلفون الى الكتاب بدون مراعاة سن بداية ونهاية فسيدنا يقبل الاطفال دون الخمس سنوات ويتسع صدره لتعليم البالغين أو المراهقين على السواء فلا غاية يقف عندها فى القبول . وسيدنا لا يقيم للوقت وزنا فتراه يفتح الكتاب بكرة قبل بزوغ الشمس ويحبسنا فى الكتاب الى ما بعد الزوال لا يبالى بالوقت لانه صابر ومرابط ومحتسب مخلص ومنقطع الى نعليم الكتاب العزيز فلا يترك لنا من الوقت ما نستجم فيه الا قليلا ثم نعود اليه فيأخذ فى املاء الآيات فلا يدركه فتور ولا تلعثم ولا يبدو عليه ادنى تذمر أو ضجر فيملى على هذا آية وعلى الآخر مثلها فى سور مختلفة فى سرعة خارقة لان سيدنا حافظ للكتاب حفظا جيدا ثم يمنحنا مهلة لنحفظ وفي آخر الوقت بطلب منا الاستظهار وويل لمن لم يقدر على الاستظهار . كان تعليم سيدنا هذا للاطفال وأساليبه فى التلقين مبعثا للاعجاب ومثارا للاستغراب بالقرية أو المدينة فالعجائز بالمنزل والشواب من النسوة يغنين بخصال سيدنا فى الافراح والمسرات وفى نواديهن ومجتمعاتهن ولم أوفق الى حفظ شئ من المقاطيع التى كان النسوة يغنين بها فى أوائل القرن العشرين وانما الذى بقى فى ذاكرتى ان تلكم الاغانى والاناشيد كانت تدور كلها حول عناية المؤدب بالاطفال ( يا مدبو يا سيدو ما تحطوش طرفانى واعرض عليه وثان - يا مدبو يا سيدو قرية القرآن سورة سورة الخ ) وما الى ذلك من المقاطيع التى تشعرك بان النسوة المسلمات يهتفن لسيدنا ويكبرن عمله ويقدسنه لانه يعلم كلام الله . ولكن الناس لا يجودون عليه الا بمقدار ضئيل وتوابه فى تعليمه فى الحياة الابدية الآجلة لا فى الحياة العاجلة . . هكذا كان سيدنا يعتقد اعتقادا راسخا الى ان اضطرته الايام فيما بعد . ثم كان سيدنا يعتقد علاوة عما ذكرته ان القرآن كتاب الله الذي هو رسالة الهداية الالهية للبشر لانقاذهم من كل فساد ورفع مستواهم الروحى والثقافى والاخلاقي واعدادهم لان يكونوا عاملين مخلصين وصالحين صادقين انما الغرض منه ان يتلى على الاموات فيهيئنا سيدنا لذلك واذكر انى استظهرت سورة ( يس ) أمام سيدنا فنسيت بعض الآيات فاهوى على سيدنا بدرته الثخينة قائلا لى فى غيظ وشدة حنق : - الا تحفظ سورة الكسكسى واللحم تلكم هى عقلية سيدنا التى يفسر بها تعليم القرآن
والتي يوحى بها الى تلاميذه لينشأوا على ذلك ولا يحرمون من الكسكسى واللحم . . . وكان المتخرج من كتاب سيدنا يذهب الى الجامع الاعظم أو يمارس التأديب على الطريقة التى تعلم بها وسنتتحدث فيما بعد عن التعليم بجامع الزيتونة . . كان بجانب هذا الجهاز التعليمى الابتدائى فى تلك العهود انبثاقة غريبة عنا وعن اجوائنا سعى الرعيل الاول من المصلحين فى تركيزها قبل الحماية الفرنسية بتونس - هذه الانبثاقة التى اخذت تشع ببلادنا فى سماء التعليم ناشئة عن فكرة التجديد والاتصال بالعالم الغربى الاروبى الذى قطع شوطا بعيدا فى ميادين العرفان واخذ يزحف نحو الشرق النائم فى صلف وخيلاء واحتقار فأراد المصلحون الاولون ان يقفوا أمام هذا التيار الزاحف ليقاوموه بسلاحه فأسست المدرسة الصادقية ببلادنا قبيل الحماية الفرنسية بسعى من المصلح خير الدين باشا على عهد المشير الثالث محمد الصادق باى واخذت تجود بثمرتها وكان للعربية المكانة العظمى بين برامجها وللدين المنزلة الممتاز يلى ذلك فنون علمية ودراسات لغوية اجنبية وما تحتاج اليه البلاد من التعليم الحديث فسارت المدرسة قدما الى الامام محتفظة بالعربية وفنونها محتفية بالدراسات الدينية متفتحة للفنون الحديثة العصرية الى ان احتل الفرنسيون تونس وأسسوا ادارة التعليم وهيمنوا عليها فكان موظفوها كلهم فرنسيين ما عدا رجلين من التونسيين أحدهما المرحوم السيد الصادق التلاتلى كلف بتفقد العربية ازاء خمس من المتفقدين الفرنسيين ورجل تونسي آخر أنيط بعهدته رقابة مدارس سكنى الطلبة بتونس وبقية المتوظفين والمتفقدين والرؤساء فكلهم أجانب فانتهز الفرنسيون الفرصة لفرض لسانهم على التونسين وجعلوا له المكانة الاولى فى الدراسة واخذوا يضايقون العربية ويطاردونها فى كل مكان وكانوا يسيرون بخطى وثيدة وفي نطاق ضيق فى نشر التعليم حتى ان ابرز القرى فى العقد الاول من القرن العشرين لم تؤسس بها مدارسهم التى كانت تدعي : بالمكتب العربى الفرنسى - بل لم تؤسس بعض المدارس بالقرى الا فى اثناء العقد الثانى من القرن العشرين اى بعد ان مضى على الحماية نيف وثلاثون سنة . وكان الناس فى تلك العهود متشائمين بالتعليم الفرنسي شأنهم فى كل جديد وافد من الغرب فلم ينشطوا لارسال ابنائهم الى التعليم الحديث حتى اضطر مديرو المدارس الابتدائية وكلهم فرنسيون الى اخراج الاطفال قسرا من الكتاتيب وقد حضرت قضايا من هذا الضرب ورأيت بعض المديرين الفرنسيين يدخلون الى كتاب سيدنا ونحن اطفال فيأمرون باخراجنا إلى المكتب عنوة وسيدنا واجم ساكت لا يبدى حراكا ولا يفوه بكلمة أمام غطرسة المدير الفرنسي الذي يتكلم برطانته الاعحمية وسيدنا لا يفهمها فيؤثر السكوت .
