الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

التعليم الهيكلي للعربية الحية

Share

الدكتور رضا السويسي هو استاذ بدار المعلمين العليا اختص فى الألسنية ، ألف كتاب التعليم الهيكلى للغات الحية باللغة الفرنسية وهو ثمرة تجربة شخصية وسبق تأليف هذا الكتاب ان شارك في تأليف ستة كتب أخرى فى تدريس الفرنسية فى نطاق المرحلة الثانية من التعليم الثانوى ثلاثة منها خاصة بالتلاميذ وثلاثة خاصة بالأساتذة .

والدكتور رضا السويسي ألف كتاب التعليم الهيكلى للعربية الحية فى جزأين : نظري وتطبيقي وهو مخطوط كما حقق مثلثات قطرب (مخطوط) . ونحن لا يسعنا إلا أن ننوه بهذا العمل الألسني الذي يعتمد اهم ما جد بأروبا فى علم الألسنية ونكبر مجهوده فى اشاعة هذا العلم فى تونس ومساهمته فى إثرائه بالجامعة التونسية .                                                " الفكر "

مما لا شك فيه أن تطورا جذريا قد حصل فى منهجية تعليم اللغات ، وان صنفت المؤلفات وأقيمت الندوات والتربصات بالنسبة لتعليم اللغات الاجنبية ، فان تدريس اللغة العربية لا يزال يخضع لضغوط عديدة متنوعة ، لعل من أقواها وأشدها حدة تعصب بعض القوم لها غيرة عليها فقصدوا موتها من حيث شاؤوا احياءها .

ان التضلع في لغة ما لا يعنى بالمرة القدرة على تدريسها : حقيقة بديهية إذا ما سلمنا بصدقها حققنا للباحثين عن منهجية سليمة تتماشى وواقع اللغة العربية مناخا يمكنهم من البحث الموضوعي العلمي المجرد عن كل خلفية مهما كان نوعها .

ويمكن اعتبار كتاب " التعليم الهيكلى للعربية " مرحلة أولى تستهدف تدريس لغتنا للاجانب ، لعلنا نصل بعد انتهاء البحوث والدراسات الجارية حاليا في نطاق البحث العلمي الى تحقيق منهجية متكامله تعنى بتدريس العربية لابنائها .

ولسائل أن يسأل : ولم نعتت العربية بالحية ؟ ولم نعت تعليمها بالهيكلى ؟

ان المسألة جوهرية فى حد ذاتها ، لم يشأ صاحب الكتاب اتباع موضه ولا أراد أن يخالف ليعرف . فالعربية الحية هي تسمية ترمي الى غايتين : أولهما الاستجابة الى المتعارف من أن اللغات الحية هي اللغات الاجنبية لمتعلميها ، فالعربية الحية هي لغة أجنبية بالنسبة للاجنبى عنها ، وأما الغاية الثانية فهى محاولة تحطيم مفاهيم ومقاييس متوارثة أعقمت لغتنا وطرق تدريسها سواء كان ذلك بالنسبة للاجانب أو لأبناء العروبة أنفسهم .

وإذا ما سلمنا بأن اللغة الحية هي وسيلة للتعريف والتعرف والتعارف والمعرفة فعوض أن ننقل ثقافتنا وقيمنا وحضارتنا الى الاجانب فى لغاتهم لم لا نحاول أن نمدهم بأنجع وسيلة ليتعرفوا عليها عن كثب ، وتكون بذلك قد كفينا أنفسنا مشقة الترجمة ووفرنا للغتنا فلأمتنا حق الحياة ضمن ركب هذه الامم المتسابقة نحو الرقي والتقدم . وتتمثل هذه الوسيلة الاساسية فى تعليمهم لغتنا ، خاصة وقد أقرتها منظمة الأمم المتحدة لغة عالمية تستعمل فى المحافل الدولية كالانجليزية والاسبانية والفرنسية .

وان أصبحت ثقافتنا وحضارتنا بما فى ذلك من قيم أدبية وأخلاقية وعلمية وفنية لا تستجيبان لمقاييس حضارة تتسم بالتقنية والمادية (والاستهلاكيه) فلا يعنى لك بالمرة أنهما لا تواكبان العصر خاليتى المنفعة منعدمتى القيمة ، فلكل حضارة مظاهرها الايجابية والسلبية ، وسلبيات الحضارة قل المادية المعاصرة تضاهى فضائلها ، وقد شهر بذلك كل عاقل حكيم من مشارق الارض ومغاربها .

فتشبثنا بأصالتنا وبلغتنا هو حبل السلام من كل غزو مهما كان نوعه وان الغزو اللغوى المتفشى حاليا فى أمتنا هو أخطر غزو عرفته الانسانية . كما أن تمسكنا بلغتنا هو النجاة من كل تفسخ تحاول الدول المصنعة فرضه علينا : لغتنا هي ضمان كياننا .

ولكن لا يعنى هذا بالمرة التحجر والانغلاق مثل ما فعلت بعض الدول النامية ، لانه لم يعد للعزلة مجال ولا للانفراد مكان ، بل أصبح التعاون الدولى مفروضا على عالمنا فرضا . فالتفتح هو أضمن وسيلة لنجاح هذا التعاون . وبديهى ان للانغلاق مساويه ، تحق ذلك السلطات السياسية التى تفرضه على أمة ما وان قنعته بشعار الوحدة القومية والذود عن كيان الوطن ، فانه لا يخلو من أبعاد سياسية غايتها القصوى عزل الفرد عن العالم الخارجى وبالتالى تكييفه حسب مقتضيات الحال .

فان كان ضمان كياننا فى لغتنا فضمان حياتنا فى تفتحنا ، اذ نصبح بفضله على صلة بالقيم الكونية ونفلت من قبضة الضغوط المكثفة المسلطة علينا من واقعنا الطبيعى والاجتماعى والسياسي والاقتصادى ، فتسمو بذلك أحكامنا وتترفع قيمنا وتتسم مواقفنا بالموضوعية والتجرد والحكمة فننتقل من عهد الوقوف على الاطلال الى نظرة مستقبلية ، لعل لنا فيها باعثا على الشعور بتحقيق ذاتيتنا .

ولعل كذلك فى تعليمنا لغتنا للاجانب أعظم مساعد على التحول من مواقف الاستسلام والاستهلاك ، تلك المواقف التى أبرز ما تتميز به أنها بمثابة ردود أفعال أو قل هي سلبية مجسمة ، فنتحول حينئذ الى انطلاقة اجابية تواقة للاحداث سباقة ، فنعلم ونعلم الغير بطموحنا وتطلعاتنا وقيمنا الروحية منها والحضارية .

وما الغاية من هذا كله الا حمل القارىء على ادراك مدى مكانة اللغة فى حياة أمة برمتها ، وحتى يلمس عن كثب الظاهرة العملية التى يتعين على اللغة الحية ان تتسم بها وتتميز . ولا شك أن هذا أبعد ما يكون عن نزعة بعض الائمة المعتصمين بكراسى الجامعات ، المتزمتين الذين يفرطون فى التقصى والاستقصاء بحثا عن " العلة وبنت العلة " فيميتون اللغة من حيث أرادوا احياءها .

أما الرد عن السؤال الثاني في نعت التعليم بالهيكلى ، فهو شديد الصله بالنظرة المنهجية الحديثة المنبثقة عما أفضت اليه دراسات وبحوث فى عالم الالسنية يضيق المجال عن بسطها وشرحها ، وتلخص فى اعتبار اللغة مجموعة هياكل وعلاقات لا مفردات منفردات .

وان متصور تدريس مادة ما يؤدى حتما الى اهتمامين اثنين ، أولهما يبحث فى الوسائل وثانيهما ، يهتم بالمادة نفسها . وبما ان مادة بحثنا هى اللغة العربية فقد أصبح من الضرورى ان نعتبرها واقعا اجتماعيا بالدرجه الاولى ، اى وسيلة تخاطب وابلاغ . وحيث ان الفكر البشرى فى حاجة الى الية السنية يتمكن بواسطتها التعبير الفورى عما يريد الافصاح عنه عند تحاوره مع الغير والاتصال به ، دون تعثر أو تلعثم ، فان الحصول على هذه الآلية الالسنية يركز على كسب الهياكل الاساسية للغة .

كما أن تعدد اللهجات المحلية بالنسبة للعالم العربى وتنوعها لأقوى دليل على ضرورة تتجاوز المعطيات المعجمية بل انزالها منزلتها الثانوية والاهتمام بالقاسم المشترك بينها جميعا وبين الفصحى المكتوبة ، ألا وهي الهياكل الاساسية . فالعربية فى مفهومها الهيكلى ، لا المعجمي ، لا تتغير كثيرا سواء كنا بسوريا أو تونس أو بالمغرب أو العراق بمصر أو الحجاز .

أما فيما يتعلق بالوسائل المستخدمة فى تدريس اللغة الحية فلقد أظهرت الوسائل السمعية - البصرية نجاعتها ، فطبيعي حينئذ أن يقبل مدرسي اللغة العربية الحية على استعمالها والاستعانة بمختلف أنواعها : فمن اللوحة الوبرية إلى مخبر اللغات الى الحلقة المغلقة .

وخلاصة القول فان هذا العمل المتواضع الذى لا يزال متواصلا بمخابر دار المعلمين العليا بتونس هو بمثابة المساهمة البسيطة فى تحقيق منهجية متطورة لطرق تدريس لغتنا .

اشترك في نشرتنا البريدية