الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

التفاعل الثقافى، والشعوب الضعيفة التطور

Share

لم اكن متهيئا لحضور هذا المؤتمر * انما فوجئت في حين متسع من الوقت يمكننى من اعداد بحث علمي مدقق فى احدى النقط الواردة في برنامج اشغال المؤتمر .

على انى كنت حريصا كل الحرص على حضور هذه الدورة السابعة عشرة لافتتاحها فى هذه الربوع العربية العزيزة علينا ، ولوثوقى ان الشعوب العربية لا بد منتهزة هذه الفرصة لبحث مشاكلها الاجتماعية بحثا دقيقا مركزا فكرهت ان يغيب صوت تونس ورأيت من الواجب علينا جميعا ، معشر العرب ، بل معشر الشعوب الضعيفة التطور ، ان ننكب على دراسة مشاكلنا والتنقيب عن سبب - او اسباب - علتنا وضعفنا وتأخرنا عن ركب الامم القوية المتقدمة .

لذلك رأيت ان اعالج امامكم - ان تفضلتم - قضية من قضايا علم الاجتماع وهى " تفاعل الثقافات " وليس همى ان اطرق هذا الموضوع في كلياته النظرية وخطوطه العامة ، وانما ساقتصر على ناحية منه تحياها الشعوب المسماة بالضعيفة التطور فى تجربتها الثقافية الحاضرة ، وساحاول ان ابين قيمة التفاعل الثقافى بالنسبة الى هذه الشعوب ومكانته من عملية النهوض والازدهار التى ترومها والاتجاه الذي ينبغى ان يسير فيه هذا التفاعل .

يمكننا ان نقسم البلاد الضعيفة التطور من حيث حالاتها الثقافية الى قسمين كبيرين على وجه الاجمال :

فمنها اقطار لم بمس الاستعمار فيها الا النظم السياسية والاقتصادية ، قد استولى عليها الاجنبى بطرق مباشرة او غير مباشرة ليصرف اليه منافعها وغلاتها . فاحتفظت هذه البلاد بثقافتها التقليدية بما فيها من خير وشر وبما فيها من اريحية دينية او فلسفية ومن اعراض عن شؤون هذا العالم . فهى غالبا ثقافات * هذا نص الدراسة التى قدمها الاستاذ الشاذلى القليبي للمؤتمر الاممي لعلم الاجتماع الذي انعقد ببيروت في الشهر الماضى .

" ذهنية " تنزع الى الفكر والتجريد ولا حول لها ولا قدرة على مجابهة المحيط المادى وتكييفه وتذليله .

على ان الاحتكاك بالاجنبى ادى فى كثير من الاحيان الى ايقاظ هذه الثقافات المسبوتة فحاول اهلها تلقيحها واصلاحها . فسلكوا لذلك سبلا لم تزدهم الا ارتباكا وحيرة . فقد حاولوا النهوض الثقافى على شاكلة الامم " العصرية " ووجهوا التى الخارج بعثات تتألف من عناصر منتخبة غير ان هذه النخبة قد كان في الغالب تكوينها بطرق تقليدية بينها وبين الروح الثقافى والعلمى اشسع بون . فتقوم تلك الثقافة التقليدية فى اذهان هؤلاء حاجزا حائلا بينهم وبين ما يرومون من " تعصير " ونهوض لانه ليس فى مقدورهم ان يتوغلوا الى لباب الثقافات الاجنبية وان تكون لهم بها تلك الملابسة التى لا فقه دونها ولا جدوى ولا طائل . واعظم حاجز فى سبيلهم اللغة : فنخبة هذه الاقطار لم تتعلم - غالبا - اللغات الاجنبية الا في سن متأخرة وعلى كل لم تتعلمها الا على انها لغات اجنبية " حية " - كما يتعلم الانقليزية الفرنسى مثلا - لا باعتبارها هى السبيل الموصلة الى استكناه العلوم والفنيات التى لم تعن بها لغاتهم وثقافاتهم .

هذا القسم الاول ، وهناك قسم ثان من هذه الاقطار الضعيفة لم يصبها الداء الاستعمارى فى الجسد فحسب بل تطرق الى روحها فنخرها نخرا وشوهها تشويها . ذلك ان الاجنبى لم يكتف بالاستيلاء على مقاليد النفوذ السياسى والاقتصادى بل عمد الى فرض ادارته المباشرة على هذه الاقطار . فحور نظمها القانونية والعمرانية والاجتماعية واعلن ارتباط هذه الامصار بوطنه ارتباط الاعضاء بالجسد والاجزاء بالكل . فى هذه الاقطار نجد اللغة الاجنبية قد قامت محل اللغة الاهلية فى مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية وهى لغة التدريس في مختلف المعاهد الدولية من اسفل سلم التعليم الى اعلاه .

والحق يقال : لم تجعل هذه المدارس لمجرد تثقيف الشعب المغلوب على امره ، بل للادارة الاجنبية فى ذلك مآرب منها تهيئة اطارات سفلى تعين على اقرار الادارة المباشرة وتسهل مهمة الاطارات العليا التى لا تكون فى معظمها الا من الاجانب . لذلك فان الاهالى - لئن استفادوا من مزاولة التعلم بهذه المدارس - فانهم على كل حال مصطدمون بحاجزين : اولهما ان عدد المقبولين بها لا يتجاوز نسبة ضئيلة من مجموع المترشحين للتعلم ، واختيارهم يوكل الى الصدفة والاتفاق او

الى المحسوبية . اما الحاجز الثاني فان التلامذه الاهليين يوجهون توجيها خاصا مطابقا لاهداف الادارة المباشرة ، فهم يقصون عن دراسة الرياضيات والفنيات لعدم احتياج النظام الاستعمارى الى فنيين من ابناء البلاد اذ من مصلحته ان يكون مترجمين وكتبة واعوانا اداريين بسيطين وليس من مصلحته تكوين اطارات من الاخصائيين تخشى منافستهم غدا وقد يصبحون نواة لنهضة غير مرغوب فيما من طرف سلط الادارة المباشرة . بهذه الطريقة يتمكن الاستعمار المباشر من ابقاء الاقطار الضعيفة فى حالة فقر وعجز واحتياج ، وبذلك يبرر بقاء سلطانه عليها . ما هي نتيجة هذه السياسة ؟

نتيجتها تكوين نشء مثقف ثقافة ادبية فى الغالب قد انسى لغته القومية في كثير من الاحيان ولقن لغة الحامي حتى حذقها وملك اسرارها - على شاكلة تلك الفئة من الاعاجم الذين دخلوا فى حظيرة الاسلام والعروبة في القرون العباسية ويسمون بالمولدين .

هذا النشء المولد الغريب له فى الاقطار المستعمرة وجهان : فيه من لم يتعلم لغته القومية الصحيحة وابتلعته الثقافة الغربية ابتلاعا جعله غريبا عن وطنه واهله ، يتكلم فى حياته اليومية لغة شعبية تقصر عن اداء شؤون الفكر والادب والثقافة ولا تعدو شواغل المعاش والحياة العاجلة . وقلما تقوم بين هذه الشواغل وتلك الشؤون صلة فاذا هذا الصنف يعيش متأرجحا بين عالمين من الافكار والمفاهيم والرموز وبين درجتين من التاريخ تفصل بينهما القرون المظلمة .

وفى هذا النشء طائفة اخرى هى ايضا غريبة الاطوار قد تغذت بلباب الثقافتين الغربية والقومية - الا انهم اقلية ضئيلة - هم قد اطلوا على عالمين متباينين فحاولوا ان يصلوا الى وعى كنههما معا والتوفيق بين معطياتهما الذهنية والاخلاقية والحضرية عليهم يتغلبون على ما فى انفسهم من نزعات وتناقضات ومن اهمها هذا التناقض بين ما يشعرون به من اعتزاز بذاتيتهم القومية والثقافية وبين ما يحسون به من عجز عن الاضطلاع بالمسؤولية التى القاها التاريخ على كاهلهم وذلك بسبب عدم تهيئ لغتهم وثقافتهم .

هذه الشعوب الضعيفة التطور المولى عليها سابقا تحاول ابان استقلالها ان تذلل هذه الصعاب وان تعالج هذه الادواء . فتجد العلاج اساسه الشروع في

ازالة مخلفات الاستعمار وتحوير ما شيده من نظم ومؤسسات لفائدته . هذه العملية - التى يمكن ان يطلق عليها اللفظ الفرنسى Decolonisation - يرون انه ينبغي اجراؤها فى ميادين الحكم والادارة والاقتصاد وسائر الشؤون الاجتماعية غير ان الشعوب التى سلط عليها الحكم المباشر تفكر ايضا في تحوير وجوه التعليم والثقافة بغية اقرار شخصيتها القومية وتخليصها من الشوائب .

ولكن الحماس والغيظ قد يدفعان هذه الشعوب الى شئ من المغالاة فى الحمية ويرومون ابراز ذاتيتهم القومية فى افراط وعجل احيانا فيعمدون اولا وبالذات الى اللغة التى شاء الاستعمار ان يركز عليها النشاط الثقافى ويشرعون فى الاستعاضة عنها باللغة القومية التى يرونها - بحق - لسان الامة ومستودع ضميرها الحى .

وقد تبلغ هذه العملية من السرعة والعنف ما يجعل عواقبها وخيمة جدا على مستقبل الامة اذ ما اكثر ما تكون اللغة القومية غير قادرة على الاضطلاع بهذه الرسالة فى الوقت الحاضر وفى ميادين اساسية بالنسبة الى تطور البلاد وازدهارها وذلك بخاصة فى ميادين العلوم الصحيحة والفنيات .

من شأن هذا السلوك ان يقعد الامم الضعيفة عن التطور السريع الناجع اذ يضطرها الى التفرغ لاحياء اللغة القومية وصقلها واعدادها لاداء وتلقين الفنون الحديثة بينما هم لم يبلغوا اى شأو فيها ولم يتضلعوا منها كامل التضلع وتذهب اوقاتهم فى الترجمة والبحوث اللغوية وما تؤدى اليه حتما من سطحية وعقم بينما هم فى اوكد الحاجة التى تلافي التأخر العلمي والفني والصناعي للنهوض باقتصادهم وعمرانهم فى غني عن الاشتغال بالشكليات دون اللباب .

هذا بالاضافة الى ان اللغات لا تطوع الا تحت قهر المعانى والدلالات الواضحة اليحية اما تهيئة الالفاظ قبل المحتويات فقد يضطر الجهاز الثقافي الى الجعجعة دون طحن " كالارحاء يأكل بعضها بعضا " .

بل قد ينتج عن ذلك تقهقر اد لا تلبث اللغة التقليدية ان تبتلع تلك " المفردات " الجديدة التى لا تعززها دلالات واضحة في الاذهان ، ويعود الركود والجمود ، وما اكثر ما يكون ذلك فى ميادين الادب والفلسفة والسياسة .

لذلك كله فان عملية التطهير من مخلفات الاستعمار قد عادت - احيانا - بالمضرة اذ اشتغل فيها عن اللب بالقشور واذ أدت على الاخص في الميدان الثقافي الى

تعطيل التفاعل تعطيلا كاملا او قريبا من الكامل بدعوى انه لم يقع بالطرق الصحيحة المرضية ، لان فى ذلك التعطيل اخراما للصرح الثقافي وبالتالي لما ترومه هذه الشعوب من نهوض واستقلال واقعى .

وهكذا نرى انه فى كلتا الحالتين - سواء كان التفاعل الثقافي قاصرا عن غايته ( فى البلدان التى لم يسلط عليها الحكم المباشر ) او كان هذا التفاعل مهددا فى آساسه لسبب العصبية القومية ( فى البلدان التى تأذت من الادارة المباشرة ) نرى ان الثقافات القومية توشك ان تغوص فى الشكليات العقيمة والسلبية الراكدة وانها توشك ان تضيع قيمها الاصلية دون ان تستطيع الاضطلاع بالقيم الغربية اضطلاعا صحيحا ، اذ هى اثرت البهرج على الجهد الاصيل .

وعن ذلك ينتج ان هذه الشعوب لم توفق الى حد الآن الى اقرار استقلالها الروحى وفرض ذاتيتها الروحية . فلا هى تملك زمام مصيرها ولا هي تقوي على الخلق والفعل الايجابى فليست حياتها مغامرة حرة ، هى دوما في سوق الفكر والثقافة فى صف المستهلكين غير المنتجين . لم يجدها التبادل الثقافي شيئا يذكر بل اقرها على عجزها وافتقارها الى سواها ، لا فى ميادين الفكر فحسب بل ايضا وبالخصوص فى ميادين العلوم الفنية والمعارف الصناعية التى هى قوام الحضارات اليوم .

ومما زاد الحالة خطورة ان هذه الشعوب استعارت من الاجانب اسلوب معاشهم والكثير من مقومات حضارتهم المادية - بما فى ذلك من حاجيات جديدة وعادات ومقضيات - من دون ان قويت على انتاج اسباب هذه الحياة الجديدة الغالية الثمن . وليست هي فى اغلب الاحيان - وفى حالة العلوم الحاضرة - من البلدان التربة بطبعتها : هي على العكس فقيرة ينبغى لابنائها ان يخلقوا اسباب الثراء والشغل بقوة سواعدهم وجهود ادمغتهم ، ولكن يعوزهم مفتاح الطبيعة الا وهو العلم بالفنون الصناعية .

لذلك نشاهد فى معظم الاقطار الضعيفة التطور هذه الظاهرة الغريبة ؛ الشعب على طبقتين : اقلية ثرية تعيش من الفلاحة والموارد التى يجعلها علماء الاقتصاد في الدرجة الثالثة trrtiaire ( من وظيف وتجارة الخ . . .) وطبقة هى سواد الشعب ترزح فى البطالة والبؤس ، فلا بد لهذه الشعوب من مد يد السؤال الى الاجنبي:

واذا بالاستقلال يستحيل الى امنية ضائعة . تلك هى مأساة معظم البلاد الضعيفة التطور . قد اقتبست الفئة الحاكمة فيها لونا من الحضارة جديدا يكلفها المصاريف الباهضة ، ولكن وسائلها الانتاجية محدودة الى اقصى حد . فتضطر الى ابقاء نظم

شبيهة بالاقطاعية وهى تعرف الداء ولا تقدر على مداواته فينتج عن ذلك تناقض جوهرى فى مختلف ميادين الحياة : تناقض بين التفكير والواقع ، بين الفكر والفعل ، اى بين لون من الحضارة - بما فى ذلك من اساليب الحياة والمعاش - وبين حالة الثقافة القومية التى لا تفى بمقتضيات ذلك اللون من الحضارة .

ذلك بان تفاعل الثقافات اذا لم يصب طرقه السليمة ووجوهه الصحيحة يؤول الى البلبلة والعقم . فالثقافة شرط استقامتها وفاعليتها حد ادنى من الوئام بين العناصر القارة للذاتية الروحية القومية وبين القوات الدافعة نحو التجديد والخلق . وشرطها ايضا تعادل ما بين الفكر والفاعلية حتى تعبر بحق عن نظرة جماعية الى العالم وعن الاسلوب الذى به تحيا الجماعة علائقها بالعالم . فهى اذن فى صميمها نزعة وتجاوز نحو العالم لفهمه وتكييفه .

لذا فالثقافة لا تقتبس اقتباسا ولا تقلد تقليدا ، انما هدف التفاعل الثقافى ان يحدث هضم العناصر الجديدة والتيارات الغربية فى عملية استبطان وصهر تغتني بها الروح الاصيلة دون تشويه ولا زيغ وليس معنى ذلك انتفاء التناقض والحيرة بل انه من الطبيعى ان ينتج عن ذلك توتر وضرب من الحيرة لا يقين ولا سلامة ولا حياة الا من ورائه . الداء القاتل لا فى التناقض الذى يحياه الفرد - والجماعة - بوعى وايمان بل فى التناقض " الموضوعي " الذى لا يصل الى بوتقة الضمير الواعى . لذلك فالتفاعل الثقافى لا يكون مجديا الا بقدر ما يصاحبه فى الضمير الفردى والضمير الجماعي ذلك الحدس العاطفى الذى يسميه الفرنسيون communion والذى به تغير من انفسنا بقدر ما نغير مما حولنا من مادة وطبيعة . بذلك تصبح عملية التفاعل خلاقة لانها مستندة الى " حرية اساسية " دوما فى تجاوز ووعى مقترنين . معنى ذلك ان التفاعل الثقافى لا ينجع الا مجردا من القهر والعسف ، فى نطاق الايمان والمحبة ، ايمان بالتراث الثقافى الاصيل ومحبة نافذة الى اعماق الجديد .

على اساس هذا الشرط يصبح التفاعل الثقافي مجديا لا لطرف فحسب بل للطرفين معا اذ لا تبقى اذ ذاك الثقافة المعمول فيها جاثمة فى موقف الاستهلاك السلبى بل ترد الفعل بفضل ما تبديه من شخصية وطرافة فى التمخض عن اعتدال جديد غنى فعال .

ذلك من شأنه ان يقرب الشقة بين الجماعات بان يقرب بين وجهات نظرها الى مشاكل الانسان والعالم وبان يجعل رغائبها ومطامحها متآلفة متسايرة .

اذا ما التفاعلات الثقافية توخت هذا السبيل فانها تصبح عاملا رئيسيا من عوامل السلم بين الشعوب والامم ، اذ هى تلقنهم على السواء معانى البشرية الطاهرة وقيم الانسانية الصحيحة دون ميز أو عسف عنصرى او دينى او مذهبى .

اشترك في نشرتنا البريدية