ابن حمديس هو أحد شعراء العرب بصقلية . ولد سنة 447 هـ . وتوفى سنة 527 هـ . وله ديوان مشهور يحتوى على 370 مقطوعة وقد طبعه احسان عباس .
عاش ابن حمديس متنقلا بين صقلية وافريقيا والاندلس ، وقد اتصل بعدة ملوك وأمراء فمدحهم وعاش فى ظلهم ، وخاصة منهم صاحبه " المعتمد بن عباد" صاحب اشبيلية . وكان ابن حمديس قد قضى حياته يتقطع بين متع الحياة وآلامها ، فما هي إذن أسباب هذا التقطع ؟
إن الذى ينهى قراءة ديوان هذا الشاعر يجد أن الاسباب تنحصر فيما يلى :
1 - في الغربة والوطن :
فى سنة 471 هـ . خرج ابن حمديس وترك اهله بصقلية وودع أباه وقصد الأندلس مارا بافريقيا التى أقام بها مدة لا بأس بها ، ومر كذلك ببونة وبجاية فاتصل بأمراء بني علناس وبنى حماد وبني زيري .
وما إن كان بالأندلس حتى وجد البيئة شبيهة بصقلية ، فاتصل بالمعتمد بن عباد وكون معه صداقة متينة ، ذلك لانه يحتاج الى صديق فى غربته ، يحتاج ايضا الى نديم ( انظر قصيدة عدد 274) . وكان ابن حمديس يعبر عن خيبته فى الصداقة ( ق 27 ) ويحدثنا عن أعدائه . إنه يذكر اصدقاء شبابه بصقلية كما كان يذكر عمته ويقول فيها كلمات يعجز الرسم عن التعبير عنها .
ولكم كان يتغنى بوطنه المهجور ، فاذا به يبث شكواه ويناجى الطبيعة . فهو إذن يعيش تمزقه الذاتى الذى هو نتيجة غربته . وهو إذن يحن الى وطنه حنين الناقة الى ابنها .
إن عدم الاستقرار وعدم الاطمئنان ، قد ولدا فى روح ابن حمديس اضطرابا نفسيا جعله فى تقطع وجدانى أليم . فهو ذاك الشريد الغريب الطريد التائه ، الباحث عن الحنين دون جدوى . وفي عدم وجوده لهذا الحنين يكون الألم الأكبر . ذلك الألم الذي أحس به شعراء المهجر وزيادة
2 - فى الشباب والشيخوخة :
وهنا نشعر بوضوح بذلك الصراع الموجود بين الفرح والألم . لقد كان ابن حمديس شاعرا يدين باللذة ويتخذها مذهبا فى الحياة . انه يجرى وراء المتعة ويميل اليها الى حد الانهماك فيها . فهو يميل الى الحياة وبعضها بكل ما أوتى من قوة .
ومن عناصر هذه اللذة نجد : الخمرة . والخمرة عنده تمثل قطب السرور ونلاحظ أنه يتعرض فى ديوانه للخمرة على انها تدخل فى نطاق الاشادة بالحياة . وهو يرى انها تستولى شيئا فشيئا وبلطف على الجسد . وكذلك بصورة لا شعورية تصل الى ان تكون الشفاء والدواء للروح . ثم يذهب الى انها هى الروح ( ق 57 ) أو هي أخت برة حنون تقتل الاحزان وتمحوها تماما .
فالحياة عند ابن حمديس إذن ما هى إلا لذة ومتعة ولهو بكل ما تحدثه الخمرة من جو نواسى مشهور . يقول ابن حمديس :
أخذت بمذهب الحكمى فيها وكيف أميل عن غرض الحكيم
وقل أن يجتمع الندمان الشبان والساقى بدون غزل وتصاب . أى بدون ما نسميه فى اللغة الفرنسية ب ( les jeux galants ) . فالجو الذي يحيط بالشاعر انما هو جو شاب ، والحياة التى يحياها انما هى حياة شابة ، فهو يذكر ان كل شئ كان شابا جميلا ( ق 79-16-17 ) وباحداث هذا الجو الشاب يكون الطرب ، وهو : الفن والسماع والموسيقى والغناء والرقص والاصدقاء والفروسية والطبيعة بما فيها من طيور وزهور وغير ذلك . . فهى الطبيعة ايضا تشارك فى جعل الحياة شابة . وهذا الخلط بين هذه العناصر هو الذي يبرز طرافة الشاعر .
ولكن هذا الشعور بطيب الوجود سرعان ما تحول إلى ألم الشيخوخة . ولم يلبث ابن حمديس أن هجم عليه الشيب فأراد مكافحته وبدأ يصارع الشيخوخة ، والشيخوخة تصارعه . أو قل بدأ يتقطع بين الشباب والكبر . فهو يمجد الشباب تمجيدا يقترن بكل ما تقدم من عناصر ، ويرد الشيب ردا يقترن بالبكاء والعويل والنواح على الشيخوخة التى تحرمه من كل ما يسمح به الشباب ( ق 54 بيت 10) .
إن الابتهاج بشئ مضى لا يخلف إلا الألم عند ابن حمديس المتمزق ، ابن حمديس الذي يتضجر من منغصات الحياة .
3 - في اللذة والتحميس :
لقد تعرضنا سابقا الى أحد عناصر اللذة الا وهي الخمرة . ونتعرض الآن إلى أهم عنصر من عناصرها وأعنى به الغزل . فالغزل يدخل فى صميم اللذة ، ولا يخلو منه ديوان ابن حمديس . فقد تعرض اليه فى مقطوعات متنوعة ومختلفة الطول . وفي هذه المقطوعات يدفع الشيوخ عن الفتيات .
يعتبر ابن حمديس من أكبر فحول الغزل . ذلك لانه رجل حساس . وحساسيته قد جعلت منه رجلا عرضة للغراميات وللتغني بالنساء . والقارئ لديوانه يجد أنه فى ( ق 131 في رثاء جوهرة ) يذكر شيئا يجعلنا نعلم أن جوهرة هذه كانت جارية له فذكرها وأحبها ورثاها . وقد قال ابن حمديس فى جميع انواع الغزل : العذرى والاباحى والتقليدى والتصابى .
ولكننا نعلم من الديوان ان ابن حمديس كان غريبا عن وطن هو فى حالة معركة مستميتة ضد النصارى . فمن الطبيعى إذن أن يفكر في شعر الحماسة . فكان شاعرا مناضلا ، وكان شعره لغرض التحريض وحث المواطنين على النضال والحرب ) ق270) .كما كان لعدة اغراض اخرى من بينها تمجيد الابطال ، والشجاعة وبث الرعب فى نفوس الأعداء وغير ذلك . . .
من هذا كله يخلق الشاعر جوا حماسيا كبيرا فى لهجة ملتهبة . وهذه اللهجة انما هى لهجة وجدانية حزينة متألمة باكية مثيرة للحمية . فالقارىء
للديوان يخرج بشعور حماسي لا يخرج به من قراءة ديوان آخر ذلك ان الديوان يبسط أمامنا قتالا مستميتا بين الاسلام والنصرانية . وهكذا نجد ابن حمديس من ناحية يدين بملذات الحياة ومن ناحية يدين بالملحمة والتحميس . هو إذن ذلك الرجل المتفانى والمتقطع بين اللذة والتحميس .
ولئن عاش ابن حمديس فى جو لذيذ فقد عاش أيضا فى جو ممزق . والقارئ للديوان يعلم انه ديوان يخالف ديوان كل من أبى نواس وأبى العتاهية والمتنبى وابن الرومى وغيرهم . فهو ديوان ناشئ عن مصارعة وعن تمجيد للحياة وشكوى منها . لقد عاش إذن كئيبا ، والكئيب هو الذي يتقطع . وما الديوان فى النهاية الا عصارة نفس تبتهج وتتألم . وما هو إلا شعر غنائي وجدانى ينم عن مأساة الانسان فى الحياة .

