الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

التكامل بين العلم والفلسفة

Share

من المعروف ان عالمنا اليوم لا يستطيع الا ان يتخصص فى ميدان ضيق من ميادين المعرفة الواسعة وهذا الضيق يزداد مع الايام اطرادا - فصرنا نرى ان تقدم اى علم يقود قهرا الى تضييق دائرة العلماء الباحثين فيه عاما ، تدريجيا - فلم تعد تجد عالما فى الفيزياء او الكيمياء ، او النجوم بدون تحديد ، وانما هو عالم فى جزء صغير جدا من هذه العلوم .

ان تجزئة العلم للواقع تجزئة لا تنتهى ، وهذا التقسيم يقوده الى اكتشاف حقائق مفردة كثيرة ، تتطور كما مع الايام . . فكل عالم فى ميدان اختصاصه يبحث وينقب لكى يصل الى ما تحت الواقع السطحى من قوانين طبيعية ثابتة ، وهو بهذا يظن ان الالتصاق بالواقع والاندماج فيه هو الطريق الوحيد المؤدى الى الحقيقة .

اما الفيلسوف فانه يحاول ان يجد الخيط الرابط الذى سيمكنه من تنظيم شتات هذه الحقائق المبعثرة ، وارجاعها الى اصول ثابتة واضحة ، وذلك مما يبسط مشكلها ، ويسير عويصها . فالفلسفة تحاول ان ترجع الى سبب من الاسباب ، ذلك الذى يفتح فى وجهها كل الابواب ، وينير كل السبل فمنهم من يرجع ذلك الى المحرك الاول كاتباع ارسطو من القدماء ومنهم من يراه فى وجود الله ، ومنهم من يجده فى الطبيعة المتحكمة ، ومنهم من يعتقد ايضا انه فى سر التاريخ المتطور ، الى آخر ما هنالك من التفاسير المختلفة .

ان العلم واحد فى جوهره اذن ، لان ما يهم العالم هو التحقيق التجريبى لكل نظرية ، بقطع النظر عن مقومات شخصيته ، مهما كانت هذه الشخصية قوية او حذابة - بينما نحن لا نجد الفلسفة على هذه الشاكلة - فهنالك الكثير من المذاهب ، وربما قلنا ان الفلسفات هى على تعداد الفلاسفة ؛ ولا بد لكل مذهب ان يتأثر الى حد بعيد بشخصية صاحبه وميولها - ونظراتها - ولو سبرنا غور طريقة الفيلسوف فى التفكير لرأينا انها تعتمد اولا وبالذات على ما يجده الفيلسوف فى نفسه من مشاعر وافكار ، وكل ما ياتى به من جديد ، مستملح او مستقبح ، يرجع الى دخيلته لا الى اعتماده على مظاهر العالم الخارجى المتباينة ، كما يصنع العالم - وهو هنا يعتمد على العقل كما يعتمد على الشعور ، ونعنى به ميوله الخاصة وملاحظاته الشخصية - فهذا المفكر يميل الى الشك ،

وهذا الآخر يميل الى اليقين ، وهذا يغلب عليه التساؤل كما يغلب التشاؤم على زميله ، وهكذا - وهو مما يفسر قولنا ان الفلسفة ليست واحدة بل هى ذات مظاهر متعددة - .

والجدير بالملاحظة ايضا ما نراه اليوم من طغيان التخصص حتى على الفلسفة فهذه فلسفة التاريخ ، وهذه فلسفة العلوم ، وهذه فلسفة الجمال ، الى آخر ما هنالك من هذه الانواع المختلفة لكننا لو رجعنا الى الفلسفة بمعناها الاصلى ، لوجدنا ان التوحيد هو غايتها ووظيفتها فلقد نشأت الفلسفة اول ما نشأت يوم اراد الفلاسفة اليونان - وكانوا من اكابر العلماء فى كل فن بعصرهم - تنظيم كل ما يعرفونه من الحقائق المفردة .

الا ترى بعد هذا ان الفلسفة ، رغم كل الظواهر ، اوضح من العلوم وايسر ، و ان هدفها ، على الاقل ، هو تيسير طريق المعرفة ؟

فكأن المغالاة فى التجزئة والتنقيب تقود الى الفوضى الفكرية ، وهذه الفوضى فى العلوم متأتية من كثرة نتائجها الجزئية . هذا يحدثك عن كيمياء ، والآخر عن فيزيائه ، والثالث عن حيوانه ، وكاننا فى برج بابل ، لا يفهم الواحد منا عن جاره شيئا وكم تكون رغبتنا ، عند هذا الحد ملحة فى البحث عن تنظيم شؤوننا ومعارفنا فان كان تطلعنا الى المعرفة عميقا فان الميل الى تنظيمها وهضمها تحس به وكانه من اوكد الواجبات علينا - عند ذلك ياتى دور الفلسفة لتبعد ما بين العلماء من تناقض ، وتنقص ما بينهم من تخالف ، بواسطة التوحيد فى النظرة اى التوحيد فى اللغة التى يجب استعمالها لفهم كل هذه المظاهر الطبيعية المتباينة ، فترد اليها الانسجام ، وتقربها الى الاذهان - فكأنها الدين القاتل للعصبية ، والموحد للكلمة بعد الشرك والتشتت ، فى هذا الميدان ، بين العلماء .

وهذا التفكر الفلسفى لا يقتنع بالنتائج العلمية الحاصلة ، وعوض ان يقف عندها ، يحاول ان يرمى الى ما ابعد منها فى نطاق الاحتمال والمتوقع ، ولما كان افق الاحتمال لا يحد ابدا ، فان باب الفلسفة سيبقى دائما مفتوحا امام من يستطيع ولوجه . وهنا يمكن لنا تشبيه دور الفيلسوف بدور الناقد لتحقيقات العالم ، والمرشد لخطاه فى آن معا - ولا غرابة فى ذلك هنا ، فالناقد الادبى مثلا ، هو ذلك المطلع على آثار الادباء فى تفهم وتمعن ، وان لم يكن هو اديبا خلاقا - ومن محاسن هذا الوضع انه لا يسمح للعالم ان يغتر بما توصل اليه من نتائج ، بل يحاول التعرف على ما فاته من حقائق ، من خلال هذا النقد لانتاجه وطرقه فى البحث الذى يجده فى آثار الفلاسفة - وعادة ما يتوصل العلماء بهذه الوسيلة الى اتجاهات خصبة ، ومواد جديدة مستطرفة . ثم الا نجد ان هذه النتائج التى يتحصل عليها العلم تنقص هى بدورها من غلواء الفلسفة

فى اعتمادها على العقل ؟ فلولاها لشابه هذا العقل الخيال المجنح الذى لا يقف عند حد ، وهذا الاتزان يجبر الفلسفة على الالتصاق بالارض قليلا . ويحد من تحليقها فى سماء الغيبيات والمجردات - والممعن للنظر يتبقن من هذه الحقيقة الكبرى ، وهى ان الفلسفة تلقى دائما اسئلتها حاثة دوما على اجراء التجارب والتحقيقات التى تراها تفى بالغرض - هذا مع العلم بان وسيلة الفلسفة فى الوصول الى الحقيقة هى اعتمادها على نتائج اختبارات العلم ، ولو انصفنا لقلنا ان قيمة كل عالم برصيده من الاسئلة التى يبحث عن اجابة لها ، كما ان قيمة كل فيلسوف برصيده من الاسئلة التى يطرحها على العالم ، وعلى المفكر ، وسائر الناس ، فاستدلال الفلسفة بنتائج العلم المتجددة ، يقابله عند العلماء الجرى وراء حل المشاكل الجديدة التى يعرضها عليهم الفلاسفة فى كتبهم - ولا يفوتنا ان نلاحظ هنا انه كلما تقدم العلم طرح شيئا من اسئلة الفلسفة جانبا ، وضيق من ميدانها ، ولو من الناحية النظرية فقط ، ولكن بما ان هذا الروح الفلسفى هو الذى يحدو العالم على التقدم فى سيره ، فانه ان انكره توقف ، وان جافاه لم يفلح - فكم من مرة يصل العالم الى نتيجة معينة ، ويقف عندها ثم يجبر على متابعة البحث لان سؤالا فلسفيا ظهر فى الافق يستحثه على استكمال ما نقص من معارفه ، واستجلاء ما غمض منها ، فنحن ، وان اجبنا عن سؤال الفيلسوف فان اسئلة اخرى كثيرة تجد من بعده ، وهكذا دواليك .

لان آفاق الامكان لا يمكن ان تحد ، وابواب الاحتمال من المستحيل غلقها . وهب اننا توصلنا (  نظريا على الاقل ) الى مرحلة يفسر فيها العلم كل مظاهر الكون والحياة ، فان دور الفلسفة الاصلى سيبقى ماثلا على الدوام ، فى هذا التعطش الى التنظيم والتوضيح الذى تجده فى قرارة كل منا - ونحن احوج الى مثل هذا الروح المتسائل الطموح من اى المعارف الاخرى فى حياتنا العلمية والعملية - فهو مفتاح العلوم ، وكاشف اسرارها ، وبدونه ينعدم التقدم الواعى فيها .

فكم من عالم كان له اكبر الاثر على الفلسفة ، وكم من فيلسوف فتح للعلم آفاقا جديدة ما كان يحلم بها - وبذلك ترى تلاقى الاثنين على الصعيد العملى عندما يتأثر احدهما بالآخر ، ويستعين به على تقدمه وازدهاره ، فيكون النفع المتبادل ، ويكون التكامل . (( ونحن لو رجعنا الى الفلسفة بمعناها الاصلى ، لرأينا انها تمثل الثقافة الحق ، - ولا تكون هنالك ثقافة بالمعنى الكامل ، ما لم تكن ثقافة فلسفية - وهذا يعنى ان يكون الشمول فى النظرة ، والوضوح فى الفهم من خصائصها .

ثم ألا ترى انه كلما زاد تخصصص العالم ، كلما قلت ثقافته ، فضاق افقه ، وعجز عن الخروج من ميدانه . فهو مهندس فى فرع ما من فروع الهندسة . او

طبيب فى عضو ما من اعضاء الانسان او الحيوان ، ولا شئ دون ذلك ، وان كنا نعتقد اليوم ان من ليس له اختصاص ليست له منفعة تذكر وبهذا لا يمكن له ان يكون مثقفا حقيقنا فى نظرنا . ولكن هل ان الاختصاص وحده كاف للنجاح فى حياتنا الحقيقية الكاملة ؟ من المستبعد ان يكون ذلك صحيحا ، حسب التجارب والنظر . فالفلسفة هى ( علم المبادئ ) ومن لا مبادئ له ، لا قيمة له عمل اى صعيد ونحن عندما نذكر الفيلسوف فى احاديثنا ، الا نعنى به ذلك الانسان الكبير بشمول نظرته ، ووضوح تفكيره ، وعمق ملاحظته ، وصدق تجربته ؟ اليس هذا هو الانسان الكامل الذي نصبو اليه ، ونريد ان نصل اليه فعلا ؟ وهو الذى حاولت الفلسفة ان توجده من يوم ان وجدت ؛ هذا النوع من البشر هم الذين تعيش الانسانية على تراثهم ، وتتغذى بآرائهم على مر الاجيال .

اشترك في نشرتنا البريدية