من المعروف ان عالمنا اليوم لا يستطيع الا ان يتخصص فى ميدان ضيق من ميادين المعرفة الواسعة وهذا الضيق يزداد مع الايام اطرادا - فصرنا نرى ان تقدم اى علم يقود قهرا الى تضييق دائرة العلماء الباحثين فيه عاما ، تدريجيا - فلم تعد تجد عالما فى الفيزياء او الكيمياء ، او النجوم بدون تحديد ، وانما هو عالم فى جزء صغير جدا من هذه العلوم .
ان تجزئة العلم للواقع تجزئة لا تنتهى ، وهذا التقسيم يقوده الى اكتشاف حقائق مفردة كثيرة ، تتطور كما مع الايام . . فكل عالم فى ميدان اختصاصه يبحث وينقب لكى يصل الى ما تحت الواقع السطحى من قوانين طبيعية ثابتة ، وهو بهذا يظن ان الالتصاق بالواقع والاندماج فيه هو الطريق الوحيد المؤدى الى الحقيقة .
اما الفيلسوف فانه يحاول ان يجد الخيط الرابط الذى سيمكنه من تنظيم شتات هذه الحقائق المبعثرة ، وارجاعها الى اصول ثابتة واضحة ، وذلك مما يبسط مشكلها ، ويسير عويصها . فالفلسفة تحاول ان ترجع الى سبب من الاسباب ، ذلك الذى يفتح فى وجهها كل الابواب ، وينير كل السبل فمنهم من يرجع ذلك الى المحرك الاول كاتباع ارسطو من القدماء ومنهم من يراه فى وجود الله ، ومنهم من يجده فى الطبيعة المتحكمة ، ومنهم من يعتقد ايضا انه فى سر التاريخ المتطور ، الى آخر ما هنالك من التفاسير المختلفة .
ان العلم واحد فى جوهره اذن ، لان ما يهم العالم هو التحقيق التجريبى لكل نظرية ، بقطع النظر عن مقومات شخصيته ، مهما كانت هذه الشخصية قوية او حذابة - بينما نحن لا نجد الفلسفة على هذه الشاكلة - فهنالك الكثير من المذاهب ، وربما قلنا ان الفلسفات هى على تعداد الفلاسفة ؛ ولا بد لكل مذهب ان يتأثر الى حد بعيد بشخصية صاحبه وميولها - ونظراتها - ولو سبرنا غور طريقة الفيلسوف فى التفكير لرأينا انها تعتمد اولا وبالذات على ما يجده الفيلسوف فى نفسه من مشاعر وافكار ، وكل ما ياتى به من جديد ، مستملح او مستقبح ، يرجع الى دخيلته لا الى اعتماده على مظاهر العالم الخارجى المتباينة ، كما يصنع العالم - وهو هنا يعتمد على العقل كما يعتمد على الشعور ، ونعنى به ميوله الخاصة وملاحظاته الشخصية - فهذا المفكر يميل الى الشك ،
وهذا الآخر يميل الى اليقين ، وهذا يغلب عليه التساؤل كما يغلب التشاؤم على زميله ، وهكذا - وهو مما يفسر قولنا ان الفلسفة ليست واحدة بل هى ذات مظاهر متعددة - .
والجدير بالملاحظة ايضا ما نراه اليوم من طغيان التخصص حتى على الفلسفة فهذه فلسفة التاريخ ، وهذه فلسفة العلوم ، وهذه فلسفة الجمال ، الى آخر ما هنالك من هذه الانواع المختلفة لكننا لو رجعنا الى الفلسفة بمعناها الاصلى ، لوجدنا ان التوحيد هو غايتها ووظيفتها فلقد نشأت الفلسفة اول ما نشأت يوم اراد الفلاسفة اليونان - وكانوا من اكابر العلماء فى كل فن بعصرهم - تنظيم كل ما يعرفونه من الحقائق المفردة .
الا ترى بعد هذا ان الفلسفة ، رغم كل الظواهر ، اوضح من العلوم وايسر ، و ان هدفها ، على الاقل ، هو تيسير طريق المعرفة ؟
فكأن المغالاة فى التجزئة والتنقيب تقود الى الفوضى الفكرية ، وهذه الفوضى فى العلوم متأتية من كثرة نتائجها الجزئية . هذا يحدثك عن كيمياء ، والآخر عن فيزيائه ، والثالث عن حيوانه ، وكاننا فى برج بابل ، لا يفهم الواحد منا عن جاره شيئا وكم تكون رغبتنا ، عند هذا الحد ملحة فى البحث عن تنظيم شؤوننا ومعارفنا فان كان تطلعنا الى المعرفة عميقا فان الميل الى تنظيمها وهضمها تحس به وكانه من اوكد الواجبات علينا - عند ذلك ياتى دور الفلسفة لتبعد ما بين العلماء من تناقض ، وتنقص ما بينهم من تخالف ، بواسطة التوحيد فى النظرة اى التوحيد فى اللغة التى يجب استعمالها لفهم كل هذه المظاهر الطبيعية المتباينة ، فترد اليها الانسجام ، وتقربها الى الاذهان - فكأنها الدين القاتل للعصبية ، والموحد للكلمة بعد الشرك والتشتت ، فى هذا الميدان ، بين العلماء .
وهذا التفكر الفلسفى لا يقتنع بالنتائج العلمية الحاصلة ، وعوض ان يقف عندها ، يحاول ان يرمى الى ما ابعد منها فى نطاق الاحتمال والمتوقع ، ولما كان افق الاحتمال لا يحد ابدا ، فان باب الفلسفة سيبقى دائما مفتوحا امام من يستطيع ولوجه . وهنا يمكن لنا تشبيه دور الفيلسوف بدور الناقد لتحقيقات العالم ، والمرشد لخطاه فى آن معا - ولا غرابة فى ذلك هنا ، فالناقد الادبى مثلا ، هو ذلك المطلع على آثار الادباء فى تفهم وتمعن ، وان لم يكن هو اديبا خلاقا - ومن محاسن هذا الوضع انه لا يسمح للعالم ان يغتر بما توصل اليه من نتائج ، بل يحاول التعرف على ما فاته من حقائق ، من خلال هذا النقد لانتاجه وطرقه فى البحث الذى يجده فى آثار الفلاسفة - وعادة ما يتوصل العلماء بهذه الوسيلة الى اتجاهات خصبة ، ومواد جديدة مستطرفة . ثم الا نجد ان هذه النتائج التى يتحصل عليها العلم تنقص هى بدورها من غلواء الفلسفة
فى اعتمادها على العقل ؟ فلولاها لشابه هذا العقل الخيال المجنح الذى لا يقف عند حد ، وهذا الاتزان يجبر الفلسفة على الالتصاق بالارض قليلا . ويحد من تحليقها فى سماء الغيبيات والمجردات - والممعن للنظر يتبقن من هذه الحقيقة الكبرى ، وهى ان الفلسفة تلقى دائما اسئلتها حاثة دوما على اجراء التجارب والتحقيقات التى تراها تفى بالغرض - هذا مع العلم بان وسيلة الفلسفة فى الوصول الى الحقيقة هى اعتمادها على نتائج اختبارات العلم ، ولو انصفنا لقلنا ان قيمة كل عالم برصيده من الاسئلة التى يبحث عن اجابة لها ، كما ان قيمة كل فيلسوف برصيده من الاسئلة التى يطرحها على العالم ، وعلى المفكر ، وسائر الناس ، فاستدلال الفلسفة بنتائج العلم المتجددة ، يقابله عند العلماء الجرى وراء حل المشاكل الجديدة التى يعرضها عليهم الفلاسفة فى كتبهم - ولا يفوتنا ان نلاحظ هنا انه كلما تقدم العلم طرح شيئا من اسئلة الفلسفة جانبا ، وضيق من ميدانها ، ولو من الناحية النظرية فقط ، ولكن بما ان هذا الروح الفلسفى هو الذى يحدو العالم على التقدم فى سيره ، فانه ان انكره توقف ، وان جافاه لم يفلح - فكم من مرة يصل العالم الى نتيجة معينة ، ويقف عندها ثم يجبر على متابعة البحث لان سؤالا فلسفيا ظهر فى الافق يستحثه على استكمال ما نقص من معارفه ، واستجلاء ما غمض منها ، فنحن ، وان اجبنا عن سؤال الفيلسوف فان اسئلة اخرى كثيرة تجد من بعده ، وهكذا دواليك .
لان آفاق الامكان لا يمكن ان تحد ، وابواب الاحتمال من المستحيل غلقها . وهب اننا توصلنا ( نظريا على الاقل ) الى مرحلة يفسر فيها العلم كل مظاهر الكون والحياة ، فان دور الفلسفة الاصلى سيبقى ماثلا على الدوام ، فى هذا التعطش الى التنظيم والتوضيح الذى تجده فى قرارة كل منا - ونحن احوج الى مثل هذا الروح المتسائل الطموح من اى المعارف الاخرى فى حياتنا العلمية والعملية - فهو مفتاح العلوم ، وكاشف اسرارها ، وبدونه ينعدم التقدم الواعى فيها .
فكم من عالم كان له اكبر الاثر على الفلسفة ، وكم من فيلسوف فتح للعلم آفاقا جديدة ما كان يحلم بها - وبذلك ترى تلاقى الاثنين على الصعيد العملى عندما يتأثر احدهما بالآخر ، ويستعين به على تقدمه وازدهاره ، فيكون النفع المتبادل ، ويكون التكامل . (( ونحن لو رجعنا الى الفلسفة بمعناها الاصلى ، لرأينا انها تمثل الثقافة الحق ، - ولا تكون هنالك ثقافة بالمعنى الكامل ، ما لم تكن ثقافة فلسفية - وهذا يعنى ان يكون الشمول فى النظرة ، والوضوح فى الفهم من خصائصها .
ثم ألا ترى انه كلما زاد تخصصص العالم ، كلما قلت ثقافته ، فضاق افقه ، وعجز عن الخروج من ميدانه . فهو مهندس فى فرع ما من فروع الهندسة . او
طبيب فى عضو ما من اعضاء الانسان او الحيوان ، ولا شئ دون ذلك ، وان كنا نعتقد اليوم ان من ليس له اختصاص ليست له منفعة تذكر وبهذا لا يمكن له ان يكون مثقفا حقيقنا فى نظرنا . ولكن هل ان الاختصاص وحده كاف للنجاح فى حياتنا الحقيقية الكاملة ؟ من المستبعد ان يكون ذلك صحيحا ، حسب التجارب والنظر . فالفلسفة هى ( علم المبادئ ) ومن لا مبادئ له ، لا قيمة له عمل اى صعيد ونحن عندما نذكر الفيلسوف فى احاديثنا ، الا نعنى به ذلك الانسان الكبير بشمول نظرته ، ووضوح تفكيره ، وعمق ملاحظته ، وصدق تجربته ؟ اليس هذا هو الانسان الكامل الذي نصبو اليه ، ونريد ان نصل اليه فعلا ؟ وهو الذى حاولت الفلسفة ان توجده من يوم ان وجدت ؛ هذا النوع من البشر هم الذين تعيش الانسانية على تراثهم ، وتتغذى بآرائهم على مر الاجيال .
