كانت العرب تزرى بمن لا يحترف وتطلق عليه لفظة الخرق او ) الاخرق ( وقد جاء فى امثالهم خرقاء وجدت سوقا يضربونه مثلا للذين لا يحسنون العمل وقالوا خرقاء ذات نيقة يعنون جهل الصناعة مع دعوى التانق في الاجادة وقديما قال شاعرهم :
إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة
سهيل اذاعت غزلها فى الغرائب
ومعنى ذلك عندهم ان الخرقاء هى المرأة التى لا تحسن عملا كالاخرق وهو الرجل الذى لا يحسن صنعة وعملا . يقال خرق بالشيء إذا لم يعرف عمله ؛ قالوا وذلك ينشأ اما من ترف وكسل او ضعف استعداد وانعدام قابلية . وقد اشتهرت فى تاريخ الادب العربي الخرقاء خليلة ذى الرمة الذى اراد ان يتحادث معها اول ما رآها ليتعرف الى كلامها ومدى بيانها ليعرف فصاحتها من صباحتها فقدم اليها دلوا وقال اخرزيها لى فقالت انى خرقاء اى لا احسن العمل : وكان ابناء الملوك انفسهم عند انهيار سلطانهم وانقضاء دولتهم يبحثون قبل كل شىء عمن يعدهم للمهنة فتراهم يحرصون اشد الحرص ليتكونوا تكوينا مهنيا وان انس لا انس ذلك القصيد الرائع المبكى المؤلم الذى انشده الشاعر الاندلسى الرقيق المؤثر عندما شاهد احد ابناء امراء بنى عباد الاندلسيين وهو حفيد المعتمد بن عباد الملك المشهور بعد انهيار دولة بني عباد فاضطر الى ان يمارس صناعة الصياغة ويتلقاها من المعلم الذى يمرنه على الصوغ وآلاته ليعيش من وراء المهنة كريم النفس عزيزا وكان هذا الامير يلقب فى ايام دولة بنى عباد ) بفخر الدولة ( وهو من الالقاب السلطانية عندهم فنظر اليه الشاعر وهو ينفخ الفحم بقصبة الصائغ ليتمرن فقال من جملة قصيد رائع :
شكاتنا فيك يا فخر العلا عظمت والرزء يعظم فيمن قدره عظما
طوقت من نائبات الدهر مخنقة ضاقت عليه وكم طوقتنا النعما
وعاد طوقك في دكان قارعة من بعد ما كنت في قصر حكى ارما
صرفت في آلة الصواغ انملة لم تدر الا الندى والسيف والقلما
يد عهدتك للتقييل تبسطها فتستقل الثريا ان تكون فما
يا صائغا كانت العليا تصاغ له حليا وكان عليه الحلي منتظما
للنفخ في الصور هول ما حكاه سوى انى رايتك فيه تنفخ الفحما
وددت اذ نظرت عينى عليك به لو ان عينى تشكو قبل ذاك عمى
ما حطك الدهر لما حط من شرف ولا تحيف من اخلاقك الكرما
لح في العلا كوكبا ان الم تلح قمرا وقم بها ربوة ان الم تقم علما
الله لو انصفتك الشهب لانكسفت ولو وفي لك دمع العين لانسجما
ابكي حديثك حتى الدهر حين غدا يحيك رهطا والفاظا ومبتسما
بل كان الشعراء والادباء لا يستنكفون ان يحترفوا وقد كان ابو الحسن السرى الكندى الشاعر المشهور المتوفى سنة 362 هـ من كبار الخياطين وقد تكون مهنا قبل ان يبرع فى الادب فكان منذ الصبا يرفو ويطرز وهو مع ذلك يتولع بالادب وينظم الشعر حتى جاد شعره ومهر ورغب فيه رجال السلطان فقال معتذرا عن ترك الخياطة ما يلى :
وكانت الابرة فيما مضى صائنة وجهى واشعارى
فاصبح الرزق بها ضيقا كانه من ثقبها جارى
وكان رجال العلم يتكونون مهنيا ومن اشهرهم العالم الاديب والفقيه المتكلم والشاعر الذائع الصيت صاحب التآليف الكثيرة والشهرة التى طبقت الآفاق ابو الوليد الباجى الاندلسى ناهيك بما جاء عنه فى القلائد : بدر العلوم اللائح وقطرها الغادي الرائح وثبيرها الذى لا يزحم ومنيرها الذى يتجلى به ليلها الاسحم كان امام الاندلس الذي تقتبس انواره وتنتجع نجوذه واغواره الخ
هذا العلامة الضليع تكون لاول نشأته فى صناعة الحدادة قال عنه تلميذه القاضى عياض
كان يخرج الينا للاقراء وفى يده اثر المطرقة الى ان فشا علمه ونوهت الدنيا به وعظم جاهه واجزلت صلاته حتى مات عن مال وافر سنة 474 هـ
وكان ابو بكر الرازى الطبيب الذى ملأ الدنيا حكمة وتأليفا وبراعة قد تكون لاول صباه موسيقيا ) مغنيا ( فبرع فى الغناء قال ابن جلجل فى تاريخ الاطباء ان ابا بكر رأس ودبر مستشفى الرى ثم مستشفى بغداد في عصور التقدم والازدهار وكان فى شبيبته يضرب العود ويغنى فلما التحي وجهه قال : كل غناء يخرج من بين شارب ولحية لا يستظرف واقبل على دراسة كتب الطب والفلسفة وتمادى على ذلك الى ان اشتهر امره وتوفى ابو بكر سنة 311 هـ بعد ان ترك ثروة طبية هائلة قال ابن خلكان وصنف في الطب كتاب الحاوى وهو من الكتب الكبار يدخل فى مقدار ثلاثين مجلدا وهو عمدة الاطباء فى النقل منه والرجوع اليه الخ
وما لنا نذهب بعيدا وقد عرفت بلادنا تونس التكوين الصناعى للنساء
والرجال منذ العهد الحفصى فقد حكى الربعى المفرغى التونسى فيما رواه عنه صاحب كتاب " ابتسام الغروس ووشى الطروس " ان والدته كانت بتونس ) العاصمة ( معلمة للبنات تغزلهن اى تعلمهن الغزل عمليا فتشرف وتوجه وكان نشيد البنات انذاك الصلاة على الرسول الكريم اثناء العمل: قال وكان الشيخ سيدى احمد بن عروس كثير التردد الينا وانما كان يفعل ذلك ليسمع الصلاة على النبيء صلى الله عليه وسلم من افواه الصغار فانهن يغزلن مصليات على النبىء صلى الله عليه وسلم حسب ما هو معلوم فى ذلك عندهن الخ انتهى .
ولم نكد ندخل فى القرون الوسطى الاسلامية .حتى جاءت الاحداث تترى فخضدت الشوكة وافسدت سير حياتنا الاجتماعية وتعرض الناس بتونس وغيرها للهيمنة الاسبانية والتركية واصبح الراعي يسوم الرعية خسفا ويمنعهم نصفا لا يوقر كبيرا ولا يرحم صغيرا ولا يهمه امر الناس الذين اصبحوا فى حالة يرثى لها من الاهمال والذعر وترقب المكاره صباحا ومساء. كان من المحتوم ان تغمرنا موجة الاستعمار التى اجتاحت الامم المتخلفة وغزتهم فى عقر دارهم واقامت العراقيل وشددت الوطاة وشحت علينا بكل شيء من شانه ان يمرننا على صناعة او يفتح امامنا آفاقا حديدة في مهيع العرفان فضلا عن ان ينعش املنا او يحسن مآلنا فأزداد الارتباك فى السير وعظم الشقاء واشتدت المقاومة وعنى الناس بالتخلص من الآفات والنكبات قبل كل شىء حتى يستعدوا لمجابهة الحياة من جديد وما زالوا كذلك حتى آذن ليل الاستعمار بالانجلاء وحكم على عهده بالانقضاء فتوقف سيله الطامى العنيد وطويت صحيفته السوداء بعد المقاومة العنيفة واذا بشمس الآمال تسطع فى آفاقنا والتكوين المهنى يرجع الى دنيانا على اروع الصور وابدع الاساليب والنظم واحدث الطرق واحكمها وها نحن نشاهد اليوم الوفا من الشباب الذين انقطعت فى السالف آمالهم اخذوا يستقبلون الدنيا بابتسام ويستقبلون الحياة الكريمة تحت راية العرفان . وما هذه المدارس التى انشئت للتكوين المهنى بهذه الجمهورية التونسة الفتية الناشطة الحازمة الا قبس من نور التفكير البعيد المدى وروح من الاخلاص والتفاني في خدمة الشعب خدمة لا عهد له بمثلها وكلها ترمي الى انقاذ شبابنا من براثن الجهالة والبطالة والاهمال والضيعة وسوء الحال . مدارس مجهزة باقوى الاجهزة التى تساير الحياة الصناعية فى هذا العالم تذهب قدما بالشباب فى كل يوم الى الغاية المنشودة وتبنى الحياة على امتن الدعائم واقوى الاسس فتربط الحاضر بالماضى المجيد وتثب بالشباب وثبات كبيرة الى الامام ليلتحق بركب الامم المتقدمة فى ميادين الرقي المجاهدة في سبيل تذليل الصعوبات المؤمنة بقدرة العقل وجلال المعرفة ومكانتها فى تهيئة الاجواء الصالحة للعيش فى عزة وكرامة واعتبار

