الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

التلوين الفلاحي ..وبرنامج "أبطال الغد"

Share

لو كان من الممكن تنظيم مسابقة لانتخاب ملكة جمال الكلمات فى تونس لسنة 1982 لكانت الفائزة بهذا اللقب وبدون منازع كلمة - الفلاحة - ولكان خطابها وهي تتوج ثلاثة بدون منازع : الامن والشغل والاستقلال ولوجدنا من بين اعضاء لجنة التحكيم المزكية لهذا الاختيار اكثر من وزير واكثر من خبير .

" لقد أضحي من اوكد الواجبات التمسك باراضينا وعندما نسمع المسؤولين يتحدثون عن الاولوية التى يلزم ان تحظى بها الفلاحة فليس المقصود بتلك الاولوية اراضى الزراعات الكبرى من قمح وشعير او واحات التمور او حقول الزياتين فقط بل ان الفلاحة تعنى كل شبر من الارض يقوم بدور فى تموين المواطنين ويحافظ على التوازن البيئى الايكولوجى " (1) .

" ان قضية الفلاحة هي اقرب الى قلب كل تونسى وعقله وكذلك الى معدته فالفلاحة هي القوت والقوت هو الأمن : الامن الغذائى والامن الاجتماعى والامن السياسي ، وموقف الحكومة من الفلاحة سليم لانها عرفت ان دورها عظيم فى تأكيد الاستقلال الفعلي وفى التشغيل " (2) .

ولكن بالرغم من هذه العناية المزدوجة بالفلاحة من قبل الحكومة ووسائل الاعلام الوطنية فان الركيزة الفنية والتقنية لهذا القطاع واعنى بها المدارس الفلاحية بمراحلها الثلاث المهنية والثانوية والعالية لا تزال فى نظري بحاجة الى مثل هذه العناية ، حتى يطلع الخاص والعام على هيكلة التكوين التقني والفلاحى وأساليبه ونتائجه ومردوده فى مختلف مستويات التعليم الفلاحى ، ويحكم له او عليه ، عن طريق المشاركة فى تقييمه وابداء النظر فيه .

لقد كان مفهوم التكوين المهنى الفلاحى فى المؤسسات التربوية التابعة لادارة التعليم والبحث والارشاد بوزارة الفلاحة غير واضح بالنسبة للتلامذة الذين تراودهم فكرة الالتحاق بهذه المؤسسات وكذلك بالنسبة للكثير من الاولياء فقد كان اولئك وهؤلاء يتصورون ان - التكوين - فى هذه المؤسسات هو تعبير منمق ومضخم لشئ بسيط هين لا يتعدى مسك مسحاة حافية او محراث عتيق او شد ضرع بقرة مقيدة او ركوب جرار

واقف او وضع قناع لاقتحام خلية بدون نحل ، بصفة مفتعلة فى ساحة المدرسة ، او غرغرة و - تحفيظ - معلومات مفرنسة ممسوخة عن هذا الكتاب الفرنسي او ذاك ، بصفة ببغائية لا تسمن ولا تغنى من جوع ، لانها بعيدة شكلا ومضمونا عن طبيعة البلاد الخاصة ، من تربة وماشية ونبات ومناخ وعقلية ولغة ، كما كان المستقبل المهنى لخريجى هذه المؤسسات اقل وضوحا واكثر عرضة للتكهنات غير المتفائلة من طرف التلامذة واوليائهم .

ونتج عن هذا التصور للتكوين الفلاحى وعن تلك التكهنات بخصوص حاملى شهائده ، شئ غير قليل من الاحتراز فى اختيار شعبة الفلاحة عموما ومرحلة التكوين المهنى الفلاحى منها بالخصوص وربما تجاوز الأمر أحيانا مجرد الاحتراز ليصبح نفورا مكشوفا من ارتياد هذه المؤسسات الرسمية التى اطلق عليها منذ مطلع السبعينات مراكز التكوين الفلاحى ، وصار لا يقبل عليها الا - المنكوبون - الذين فشلوا فى اجتياز مناظرة الدخول الى السنة الاولى من التعليم الثانوى وعجزوا عن دفع المبالغ الهائلة للمدارس الحرة .

وتفطنت وزارة الفلاحة الى هذه الظاهرة وبادرت مصالحها المختصة بادارة التعليم والبحث والارشاد الى تدارك الامر ، فبعثت المناشير وعقدت

الاجتماعات ونظمت الندوات وكتبت الدراسات واجرت التحويرات على برامج التكوين بشقيه النظرى منه والتطبيقي فى هذه المرحلة او تلك .

كما روجت مجالات استيعاب المترشحين للدراسة فى المراكز والمعاهد الفلاحية كما روجعت مجالات استيعاب الخريجيين فى الحياة الاقتصادية ، والاجتماعية وتم النظر في ربط التكوين والتعليم بالمراكز والمعاهد الفلاحية ، بحاجيات سوق الشغل ومتطلباته قدر الامكان .

هذا وقد شاركت الاطارات الاجتماعية الاخرى بصفة مباشرة او غير مباشرة في التقدم باقتراحات حول التكوين والتعليم الفلاحيين وخاصة وزارة التربية وتم بعث لجنة فنية مشتركة يتكون اعضاؤها من الاطراف المعنية بالتدريب على العمل اليدوى الفلاحى وقد سميت باللجنة الاستشارية وهي تهدف الى النظر بصفة دورية ومستمرة في كل عمل كفيل

بارجاع الاعتبار الى العمل اليدوى الفلاحى وتمكين اكبر نسبة ممكنة من تلامذة السنتين السابعة والثامنة من التعليم الابتدائى من الانتفاع بالتكوين الفلاحى في المراكز المعدة له ومتابعة هؤلاء التلامذة طوال مدة التكوين ومساعدتهم على الاندماج في اوساطهم والنهوض بها ، وخاصة فى ميدان خدمة الارض وتربية الماشية . وهنا جاء دور البرنامج التلفزي - ابطال الغد - ليسلط الاضواء الكاشفة فدشن اول حلقة حول التكوين والتدريب على العمل اليدوى الفلاحى باستديوهات الاذاعة والتلفزة فى ديسمبر 1980 وفتح حوارا بين المسؤولين عن التدريب المذكور من جهة والنظارة على لسان المنشط التربوى للبرنامج ومنتجه السيد الصادق نقرة من جهة ثانية .

وتعرضت الحلقة الاولى بصفة مقتضبة الى ماهية التكوين الفلاحى وكيفية تأطير التلامذة ولغة وطرق ايصال المعلومات والخبرات والآفاق المهنية للخريجين وتخللت الحوار لقطات معبرة تبرز هذه المؤسسات التربوية المنتصبة هنا وهناك فى مختلف الولايات .

ثم توالت حلقات برنامج - ابطال الغد - مركزة على موضوع التكوين فى ميدان الفلاحة والتدريب عليها ، ولم يتردد البرنامج ان يشد الرحال اكثر من مرة الى هذه المراكز التربوية الفلاحية ، عارضا على النظارة ضيعاتها

وما غرس فيها احيانا من أشجار مثمرة ، وما ركز فى اطراف البعض منها من خلايا للنحل ، وما نصب بها من بيوت مكيفة (بيوت استنبات) هذه للخضروات وتلك للفواكه والاخرى لنبات الزينة ، ومصورا ما اقيم فيها من حظائر او اصطبلات لفصائل الماشية الصغيرة منها والكبيرة ، كتربية الدواجن والبقر ، ومجسما ما امكن بعثه بها على عين المكان من ورشات محدودة لتدريب تلامذة الميكانيك الفلاحى على تصليح الآلات الفلاحية وصيانتها ، ومبرزا في نفس الوقت انتشار شبيبة هذه المراكز الفلاحية

هنا وهناك بجزماتهم الواقية وسواعدهم المفتولة ، فى انحاء الضيعة ، ومن ورائهم مهندس يرشد او معلم يدل ، بل اقتحم البرنامج قاعات الدراسة النظرية ، واطلع على سير الدروس ولاحظ المدرس وهو يحرث القاعة ذهابا وايابا ، مفسرا بلسانه طورا وكاتبا على السبورة طورا آخر ،

ومتحاورا مع تلامذته كلما دعت الحاجة الى ذلك . واستمع المشرفون على البرنامج والنظارة إلى هؤلاء التلامذة وهم يرددون هذه المصطلحات الفلاحية : الحمى القلاعية ، الكرز ، الشمندر ، النخروب ، التهجين ، الحباط ، العمشوش ، الاكليل ، الزعتر ، البرسيم ، الفصة ، عباد الشمس استخلاص العسل ، الاعشاب الطفيلية ، المبيدات ، موارد المياه ، الاسمدة العضوية ، وغيرها من الالفاظ الفلاحية المعربة التى صار الشبان يتداولونها فيما بينهم وبين اساتذتهم بصفة عادية بعد ان استأنسوا بها ،

وتعودوا على استعمالها ، داخل القاعة وخارجها اثناء التطبيق ، كما اطلع البرنامج النظارة على ما يتوفر داخل هذه القاعات من وسائل الارشاد البيداغوجى كالخرائط والهياكل العظمية والمخابر ، وغيرها مما يصلح للايضاح وتركيز المعلومات .

وساهم البرنامج بالصوت والصورة الى جانب الخطابات والافتتاحيات المذكورة فى تسليط الاضواء على جانب معين من قطاع الفلاحة .

فما هى نتائج مساهمة هذا البرنامج في الاعلام الفلاحى ، وهل قام بتغطية كافية لقضية التكوين المهنى الفلاحى ومسألة التدريب على العمل اليدوى لتلامذة السنتين السابعة والثامنة من التعليم الابتدائى ، ولو بصفة جزئية وفى نطاق المراكز التى تمكن من زياراتها لحد الآن ؟.

يجب ان يقال قبل الحكم على نتائج مساهمة برنامج ابطال الغد في الاعلام الفلاحى :

ان عمله لم يكن يهدف الى تقييم تجربة التكوين المهنى الفلاحى الذى يقع تحت اشراف وزارة الفلاحة مباشرة ، ولا تقييم تجربة التدريب على العمل اليدوى الفلاحى الذى تشرف عليه وزارة التربية القومية ، وانما كان البرنامج يهدف - حسبما شعرت شخصيا بذلك - الى مجرد التحسين بقيمة التكوين والتدريب فى ميدان الفلاحة ، والعناية بها تماشيامع تطلعات وطموحات المسؤولين فى هذا الميدان .

ومن هذا المنطلق يمكن ان أقول : إن البرنامج قد سعى سعيا مشكورا الى تحقيق الرغبات التالية :

- اعطاء الاعتبار للعمل اليدوى الفلاحى ، ورفع معنويات التلامذة القائمين به .

- اقناع اولياء التلامذة والعموم بأن التكوين الفلاحى المدرسي موجود بالفعل ، وان تصوراتهم الغالطة بخصوصه ينبغى ان تزول .

- التعريف بمسيرة التعاون (ولو كان محتشما) بين وزارتى التربية والفلاحة فى ميدان التدريب على العمل اليدوى الفلاح بالنسبة لتلامذة السنتين السابعة والثامنة من التعليم الابتدائى ، الذين لم ينجحوا في مناظرة الدخول الى السنة الاولى من التعليم الثانوى .

- حرص المسؤولين بادارة التلفزة الوطنية ومنتج برنامج - ابطال الغد - على تدعيم سياسة الحكومة الحالية الداعية الى التركيز على قطاع الفلاحة .

ولكن بالرغم من هذا السعى التربوى والتوعوى الذى يقوم به هذا البرنامج وبقطع النظر عن أهدافه وغاياته ، فان لى - بوصفي عضوا فى الجنة الاستشارية الخاصة بالتدريب على العمل اليدوى الفلاح - بعض المقترحات اود ان تؤخذ بعين الاعتبار ومنها :

1)اقتراحات فنية :

النظر في امكانيات بث هذا البزنامج اسبوعيا حتى يتمكن ان يمس اكبر عدد ممكن من نشاط مراكز التكوين المهنى الفلاحى .

- ان يبث البرنامج في مساء يومين مختلفين كالخميس والاحد لتمكين اكثر عدد ممكن من النظارة من الاطلاع والمتابعة .

- الاعلان سلفا بواسطة الاذاعة او التلفزة او الجرائد عن مضمون الحصة قبل موعد بثها .

- ان يحرص مخرج البرنامج على اكسابه مزيدا من الجاذبية والطرافة ، دون أن يكون ذلك على حساب الموضوع المطروق .

2) اقتراحات منهجية :

- الخروج من مرحلة التحسيس ورفع المعنويات فى ميدان التكوين والتدريب على العمل الفلاحى الى عرض هذا التدريب والتكوين كما هو موجود بالفعل وطرح ما يتعرض اليه التلامذة والمكونون من صعوبات احيانا

- التركيز ، نعم التركيز مدة حصتين أو ثلاث أو أكثر على موضوع معين ، يتعلق بالتكوين الفلاحى ، مثل البرنامج الرسمى للتدريب او التكوين الفلاحى : مواده ، خاصياته ، كيف يتم اعداده ، هل هو موحد ام يختلف باختلاف اختصاص مركز التكوين ؟ هل هذا البرنامج مواكب بيداغوجيا للواقع الفلاحى التونسي ؟ وغير ذلك مما يتعلق بهذه النقطة .

ومثل مسألة المكونين من فنيين ومهندسين واطارات ، ومستوى تكوينهم وخبراتهم ، وامتيازاتهم المهنية ، ومستوى انتاجهم ، ونسبة اشعاعهم فى مركز التكوين الفلاحى .

ومثل مسألة تربية الماشية ، وإثارة ما يتعلق يختلف فصائلها صغيرة كانت كالنحل والدواجن والارانب ام كبيرة كالجمال والخيول والبقر والغنم والماعز ، ونوعية العلف المقدم لها ومصادره ومواده المركب منها ، والمراعي وقيمتها ، ومرض الماشية حسب فصيلتها واسبابه والوقاية منه . وفقدان او قلة تربية فصائل بعض الماشية الصغيرة او الكبيرة ، وما هو سبب ذلك : وهل هو غلاء الكلفة ام عدم ملاءمة المناخ ، ام لمجرد عدم الاهتمام ؟

وهكذا دراليك ، بالنسبة للمسائل الاخرى التى تدخل فى صلب التكوين الفلاحى نظريا وتطبيقيا . وبهذه الصفة تصبح حصة برنامج - ابطال الغد - حول التكوين الفلاح وثيقة حية ودرسا عمليا ميدانيا ، يغنم منه

الفلاح الامى ، والتلمذ الناشئ ، ويكون وسيلة تثقيف لكل من تهمة الفلاحة ومشتقاتها من قريب أو بعيد . اما ان تقفز كاميرا البرنامج فى حصة واحدة لا تتجاوز 30 دقيقة من البيوت المكيفة الى تربية الماشية ، الى الورشة ، الى درس العلوم الطبيعية او العربية الى اجابة مدير المركز عن سؤال المنتج ، فهو فى نظري نوع من التعطيش - والتشويق ، يشبه تصفح مجلة الفكر او مجلة الاذاعة والتلفزة او تصفح اى كتاب مفتوح من خلال الشاشة الصغيرة .

- تخصيص حلقة أو أكثر لتكريم الفنيين والمهندسين وسائر الاطارات الذي تشرف عليه وزارة الداخلية والتدريب والتكوين المهنى الفلاحى الموجود بدوره فى المناطق الريفية. .

- تخصيص حصة او اكثر لتكريم الفنيين والمهندسين وسائر الاطارات الفلاحية ، التى بعثت مشاريع فلاحية ناجحة ، او قامت بدراسات تربوية مفيدة ، والدعوة الى مكافأتهم بالجوائز سواء من طرف البلديه أو وزارة الفلاحة نفسها وتوسيمهم أمام الناس فى التلفزة كما تم بالامس القريب توسيم المدير العام للاذاعة والتلفزة التونسية عبد العزيز قاسم ، والشاعر جعفر ماجد ، والرسام زبير التركى ، والرياضى محمد القمودى والفنانة نعمة وغيرهم ممن قدموا خدمات جليلة لهذا الوطن .

- تخصيص بعض الحلقات حول التكوين والتدريب على العمل اليدوى الفلاحى في بلدان المغرب العربي ، ومدى تبادل التجارب فى هذا الميدان .

- تخصيص بعض الحلقات حول نفس الموضوع في كل من السعودية ومصر والسودان والعراق ، التى تهتم اليوم اهتماما ملحوظا بالتنمية الفلاحية ، سواء داخل حدودها او ببلدان المغرب العربى ، ولا تزال ترد علينا بمكتبة ادارة التعليم والبحث والارشاد كتب ومجلات وتقارير فلاحية هامة ، وخاصة من السعودية والعراق ، تؤكد مدى انشغال هذين البلدين الشقيقين بمسألة التكوين والتدريب فى هذا القطاع الحيوى (الفلاحة) .

وفي اعتقادى ان الاخذ بجملة هذه المقترحات الفنية والمنهجية بعين الاعتبار يضمن البرنامج للتكوين والتدريب على العمل اليدوى الفلاحى اربع مزايا على الاقل :

1) - مساعدة المصالح المعنية بالتكوين والتدريب الفلاحى ، والتنمية الريفية ، بكل من وزارات الفلاحة والتربية والداخلية ، على تنسيق عملها وتوحيد جهودها فى ميدان تكوين الفتيان والفتيات وتشغيلهم ، بصفة اكثر نجاعة .

2) - مساعدة المؤسسات الوطنية الفلاحية العامة ولجنة الفلاحة والصناعة بمجلس النواب مساعدة اعلامية تمكن من تصور الكفاءات البشرية المتاحة حسب مختلف الاختصاصات من المراكز المذكورة وتصور مجالات الاستثمار الممكنة فى المناطق الاكثر احتياجا الى ذلك .

3) - تمكين الفلاحين الكبار فى السن والاميين منهم بالخصوص من رسالة انفسهم وتدارك اخطائهم فى العمل الفلاحى وتغيير بعض مواقفهم السلبية من مفهوم الفلاحة وتمكين بقية النظارة من ثقافة فلاحية عامة تفيدهم وقت الحاجة .

4) فتح الآفاق امام خريجي شعبة الفلاحة عموما وامام خريجى مرحلة التكوين المهنى الفلاحى بصفة خاصة .

اشترك في نشرتنا البريدية