عاش خليل جبران أقل من خمسين سنة وكتب فى خلال هذه الفترة ستة عشر كتيبا تشمل ما يقرب من ألف ومائتى صفحة هذا هو انتاج المؤلف (1) ودرس هذا الانتاج من طرف نقاد كثيرين لكن هذا النقد أو هذه الدراسات العلمية تختصر فى الناحية الأدبية أو فيما وصل إليه جبران من تأليف فكرى دون أن يلح على تطور الرجل من ناحية مشاعره الدينية ( 2 ) .
ولا أريد فى هذه الكلمة أن أحلل تفكير جبران الدينى من كل نواحيه بل سأحاول أن أقدم ما نجد من تمرد فى هذا الميدان وسأدرس فى الجزء الاول قيمة المصادر ثم فى الجزء الثانى تطور تمرد جبران الدينى .
أما السؤال الأول فى هذا الموضوع فهو التالى : كيف يمكننا أن نعتبر مؤلفات جبران مصدرا صحيحا لمعرفة تطوره النفسانى ؟ أو بعبارة أخرى كيف حول جبران ذاته من خلال نثره ؟ حاول ميخائيل نعيمة أن يجيب عن هذا السؤال فى كتابه حول حياة جبران (3) لكنه فشل اولا لأنه اختلق بعض الحوادث لتبرير نظريته عن جبران ثانيا لأنه غير رأيه فيما يخص صديقه حسب طبعات كتابه العديدة .
لهذا يجب أن نرجع الى كتب جبران نفسها لكن هنالك ملاحظتين : الأولى أن المشكل بقى هو هو لأن جبران كتب خرافات عديدة فيما يتعلق بحياته وشعوره فى الحياة مثلا يدعى انه قديس ونبى أو يزعم أنه رفض المعالى لكنه فى الحقيقة فشل امام هذه المعالى مع أنه بحث عن الشهرة بكل الوسائل .
أما الملاحظة الثانية فهى تتعلق بما يقال عنه إنه انسان مادى بطل مغامرات جنسية فيجب علينا أن نوضح الأمور بكل دقة إذا أردنا أن نعرف درجة صدق جبران فى إنتاجه ويمكننا أن نقول أولا وقبل كل شئ إن جبران كان فى هذا الموضوع حذرا كل الحذر .
والمصدر الأول فى هذا الموضوع هو ميخائيل نعيمة فى محادثة جرت بيننا فى شهر نوفمبر الماضى حيث اعترف انه افترض أكثر ما كتب فى هذا المضمار والمصدر الثانى هو كتاب Barbara Youn (4) صديقة جبران لكن هذه الفتاة الأميركية جعلت أحلامها واقعا ثم إنها كانت تكتب تحت إملاء جبران لكنه كان وقتئذ مريضا جدا لا يعرف ما يقول فى كثير من الأحيان أما المصدر الثالث فهو يوسف حويك زميل جبران فى باريس وهو يقول : إن جبران متحفظ جدا أمام النساء ( 5 ) .
طبعا إن مغامرته الأولى فى لبنان مع هالة ذاهب لها أهمية كبرى إذ إنها أصبحت موضوع كتابه : الأجنحة المتكسرة قالت فيه البطلة سلوى كرامة :
" أنت أنت يا رب قد فتحت عينى بالمحبة وبالمحبة أعميتنى أنت قبلتنى بشفتيك وبيدك القوية صفعتنى أنت زرعت فى قلبى وردة بيضاء وحول هذه الوردة أنبت الأشواك والحسك " ( 6 ) .
كما قالت فى نهاية الكتاب :
" ها قد اخترت صليبك يا يسوع الناصرى وتركت مسرات عشتروت وأفراحها قد كللت رأسى بالأشواك بدلا من الغار واغتسلت بدمى ودموعى بدلا من العطور والطيوب وتجرعت الخل والعلقم بالكأس التى صنعت للخمر والكوثر فأقبلنى بين تابعيك الأقوياء بضعفهم وسيرنى نحو الجلبة برفقة مختاريك المستكفين بأوجاعهم المغبوطين على كآبة قلوبهم " ( 7 ).
وليس من الضرورى أن نلح على اتصال جبران ب Emilee Michel التى بسببها Micheline (8) ولا على شعوره البنوى إزء Mary Hoskell (0) وكذلك على اتصاله بمارى خورى فى New York (10) لكن علاقاته بمى زيادة لها معنى خاص ( 11 ) لأنه كتب لها فى بدء الامر : إن الزواج عبودية الانسان أمام قوة
الدوام ثم بعد ذلك أراد أن يتزوجها ويمكننا أن نفسر ذلك بأنه حاول أن يجعل إرادته موافقة لخياله .
1 - ونتيجة كل ما تقدم هى أن جبران لم يعش للحب بل عاش لانتاجه فاذا اتفقنا على ذلك وجدنا أن المحبة تمثل أولى مراحل تمرد جبران الدينى فانه اعتقد أثناء هذه المرحلة أنه يمكن له أن يعيش فى انسجام مع الطبيعة لأن الخلاص الأبدى موجود فى الحب وإن كان مذنبا فلا جدال بين الحب والواجب ولا يحتاج بطل جبران الى الندم والتوبة ( 12 ) فالطبيعة خلق حى تظهر فيه روح الحب المبهمة لهذا نجد فى نفس المستوى حب الأمهات والشوق ولهذا أيضا فان القانون - المطلق - الذى يسير حسبه النظام الطبيعى هو دلالة على المحبة والمملكة المثالية هى مملكة الحرية مع أن مفتاحها هو القلب ( 13) هذه هى المرحلة الأولى فى تطور التمرد الدينى عند جبران .
2 - لكن جبران لم ينجح فى الحب ولم ينجح فى الميدان المادى لذلك اقتنع بالصبر وعبر عن قيمة الفقر قائلا : على الانسان أن يبحث عن الفقر لأن رجوع الغنى الى حياة أخوية كما عاشها الحواريون بعد موت المسيح هذا الرجوع يخلق الذات مرة أخرى ( 14 ) .
3 - لكن جبران لم يجد الارتياح فى هذا التصرف فمال الى الثورة وقال : " التمرد والحياة والحق ثلاثة أقانيم فى ذات واحدة لا تقبل الانفصال ولا التغيير " (15) ونجد نفس النظرية فى مفهوم يسوع عند جبران اذ يقول :
" عاش يسوع ثائرا وصلب متمردا ومات جبارا لم يهبط يسوع من دائرة النور الاعلى ليستهوى الرجال الأشداء ليقودهم قسوسا ورهبانا بل جاء ليبث فى فضاء هذا العالم روحا جديدة قوية تقوض قوائم العروش المرفوعة على
الجماجم وتهدم القصور المتعالية فوق القبور وتسحق الأصنام المنصوبة على أجسام الضعفاء المساكين " ( 16 ) .
وبحث جبران عن هذه الافكار فى نصوص الثورة الفرنسية ( 17 ) لذلك ثار على الطقوس ( 18 ) والمظاهر الدينية الخارجية ( 19 ) ولكنه ثار خاصة على الكهنة لأجل تدخلهم فى حياة العائلات ( 20 ) أو لأجل سيطرتهم على الرعايا ( 21 ) فانهم يعيشون بعيدا عن الشعب ( 22 ) وقريبا من الأغنياء ( 23 ) لذلك نجد النفاق من خصائصهم ( 24 ) .
لم يكتف جبران بهذا التمرد لكنه ذهب الى المعركة ضد الطائفية فى لبنان لأنه لا حرية داخل الطوائف ( 25 ) وعندما أراد أن يكون جمعية وطنية فى بلاده اشترط على أعضائها ألا يهتموا بالطائفة ( 26 ) زد على ذلك أنه أنكر قيمة الدين بصفة عامة ( 27 ) لأن الدين يعاكس الطبيعة ( 28 ) .
قال بعضهم فيما يخص هذه المرحلة : ثار جبران ضد الغرب بواسطة روح
الشرق كما ثار ضد تأخر الشرق بما هو خالص من روح النهضة الغربية ( 29 ) أظن أن هذا القول يعطى لجبران تفكيرا منطقيا لا وجود له فى إنتاجه لأدبى ولكن مهما كان من الأمر علينا أن نلاحظ أن هذه المرحلة الجديدة تتمثل باستعماله اللغة الانكليزية عوض العربية ( 29 مكرر ) مع أن هذه الثورة لا تكفى لحل المشكل حلا فعليا .
4 - لذلك بدأ جبران فى الميل الى التصوف الهندى خاصة بعد تلاوته أدب ولجأ فى نفس الوقت الى مبدأ التجسد ثائرا مرة أخرى على المبادئ ( 30 ) Blake الدينية المسيحية ويقول فى هذا المضمار : " كذا النفس تنفصل عن الروح العام وتسير فى عالم المادة وتمر كغيمة فوق جبال الأحزان وسهول الافراح فتلتقى بنسيمات الموت فترجع الى حيث كانت الى بحر المحبة والجمال الى الله " ( 31 )
كذلك قال عن المسيح : عرفته هناك شخصيا اتصلت به ثلاث مرات ( 32 ) .
وقال أيضا : سبع مرات ولدت وسبع مرات توفيت (33) .
فما هى نتيجة هذا التقمص فى تفكير جبران الدينى وعاداته الدينية المنافقة إن النتيجة الأولى هى تلاشى المجتمع وتمثل هذا التلاشى كثرة الأجسام العارية فى نصوص هذه المرحلة أما النتيجة الثانية فهى تلاشى النفس فى ذاتها برفض أسباب العمل الانسانية التى تمنع تكوين الذات الجبارة حسب عبارته فقال بعد Nietcsche : " أنا أكرهكم يا بني أمى لأنكم تكرهون المجد والعظمة أنا احتقركم لأنكم تحتقرون نفوسكم " ( 34 ) .
وتعظيم الذات مستمر فى كتابه النبى ( 35 ) حيث يقول مثلا : " أما المعلم فاذا كان بالحقيقة حكيما فانه لا يأمركم أن تدخلوا بيت حكمته بل يقودكم بالأحرى الى عتبة فكركم وحكمتكم " ( 36 ) وأيضا : " أجل إن الخير الذى فيك انما هو فى حنينك الى ذاتك الجبارة " ( 37 ) وفى هذه المرحلة بالذات نجد مفهوما جديدا للصلاة عند جبران فقال : " وهل الصلاة غير اتساع ذاتك فى الأثير الحى " ( 38 ) .
5 - تدل هذه العبارة على فكرة انتقالية الى مرحلة جديدة وهى وحدة الوجود والحلول والانتشار قال فى هذا المضمار : " لأنكم اذا اشتغلتم بمحبة فانما تربطون أنفسكم وأفرادكم بعضا ببعض ويرتبط كل واحد منكم بربه " ( 39 ) فنتساءل هنا هل خلق الله الانسان أو العكس بالعكس لأنه حسب جبران لا خلق إلا فى خيال الانسان وقال فى قصيد باللغة الانكليزية عنوانه : الله :
" أنا جذورك فى الأرض وأنت زهرتى فى السماء ننمو جميعا أمام الشمس " ( 40 ) .
وفى خاتمة كتاب النبى : " ربنا وإلهنا يا ذاتنا المجنحة إننا بإرادتك نريد " ( 41 )
وتتمثل هذه المرحلة بالسخرية المستمرة (42) ويتساءل مثلا : ما هو معنى وجودى أنا الكائن الكامل فى عالم كل شئ فيه ناقص ؟
6 - وبعد هذا التساؤل بقى مشكل الموت فقط فمن جهة نرى جبران ينادى الموت ولكن من جهة أخرى نراه يقول : مات الله اذا ماتت أختى سلطانة وفى حضور الموت سألته راهبة المستشفى : هل أنت كاثوليكى ؟ فأجابها بنبرة قوية : كلا . وبعد أن انتقل الى حالة الغيبوبة جاءه كاهن سورى وأخذ يناديه بأعلى صوته : جبران - وجبران لا يعى فسأل ميخائيل نعيمة الراهبة : هل فعل الكاهن شيئا ؟ أجابت : هذا كل ما فعل (43) .
وكان جبران قد كتب فى أول إنتاجه الأدبى : " لا تدعوا كاهنا الى جانب فراشى لأن تعازيمه لا تكفر عن ذنوبى إن كنت خاطئا ولا تسرع بى الى الجنة إن كنت بارا " ( 44 ) فكان جبران مرشوقا بالجرم الثقيل منذ سنة 1901 وترك من الكتب المقدسة كل شئ إلا الأسلوب ( 45 ) وترك ( excommunie ) ايضا طائفته المارونية قائلا : أحب يسوع فى نصف قلبى وأحب محمدا فى النصف الآخر (46) .
فما هى خلاصة لقول ؟ اتبعنا تطور تمرد جبران الدينى فى حياته وفى انتاجه الأدبى وإن كان هذا الانتاج مرآة مشوهة من الحب الى الصبر ومن الثورة الى التجسد فالحلول والموت كما رأينا هذا التطور من خلال تأثرات مختلفة فلا جديد فى هذه النظريات لكن تجربة جبران يبدو أنها خالصة فاننا نفهم هذا الانسان مقيدا بألم الفشل فى تبديل العالم زد على ذلك انه فى نطاق حلوله ابتعد عن تصرف مادى بسيط .
وهذا التفوق يمكن أن نراه لا فى تصوفه فحسب بل كذلك فى الصور التى استعملها فى أدبه عرف حبران معرفة دقيقة رموز الحلول التقليدية ومثل أيضا امثال التوراة وأضاف الى ذلك غنى شعوره الرمزى الطبيعى وعمقه لكن قمة هذا العمل الشخصى تتمثل فى استعماله شخصية يسوع وهو رمز النجاة والخلاص فان جبران اختار هذا الرمز وغيره تغييرا كاملا لأجل هذا كله يمكن أن نعتبر جبران من أكبر الروحانيين .

