اتجه الاستاذ عبد الكريم غلاب الى القصة منذ ان كان يصدر مجلة ((رسالة المغرب)) ألمع المجلات الثقافية فى المغرب العربي أوائل الخمسينيات. وقد كانت القصة فى انتاجه الادبي تلمع من حين لآخر فى خضم الدراسات والابحاث والمقالات والكتب التى حفلت بها حياته الادبية، تلمع وكأنها رصد لتجربته الحافلة التى خاض فيها غمار الوطنية والسياسة، وانتقل فيها من دنيا ((الحرية)) الى دنيا السدود والقيود، ومثل فيها أمام عدة محاكم، وتعرض لاعنف التيارات كجزء من المعركة لا كواحد متفرج من بعيد. وابتسم له عهد الاستقلال أولى بسماته فكان من مؤسسى سياسته الخارجية وانتقل من سجين يحمل رقما الى وزير مفوض، ثم انطلق فيه الانسان الثورى ليثور من جديد على زيف الوظيف السامى فيستقيل مفضلا القلم المتحرك على الكرسى الثابت. ولعله كان فى حاجة الى هذا الفصل من ثورته لينجز مجموعة الكتب التى اختزنها طوال تجربته الحياتية فكان له منها حتى الآن نحو اثنى عشر كتابا فى الادب والسياسة والقانون، ولكن ألمعها وأكثرها نبضا بالحياة القصة والرواية.
أصدر حتى الآن مجموعة قصصية ((مات قرير العين)) وروايتين ((سبعة أبواب)) و ((دفنا الماضى)) وقد صدرت الرواية الاخيرة فى بداية الشتاء الماضى عن احدى دور النشر فى بيروت.
الثورة هى الطابع العام فى الادب القصصى عند غلاب فمن وراء الابواب السبعة ظل يدق باب الحرية حتى انفتح فى وجهه، وفي سبيل الثورة انطلق ((حارس المتحف)) يحطم تماثيل الآلهة، وثارت مارى على جان فى ((والى الابد))، وفي سبيل الثورة غرق ((الفيلسوف)) فى ضباب العقل، وحطم عمى على قصبته، وهي كل ما كان يربط بالحياة. وفى سبيل الثورة تحرك أبطال ((دفنا الماضى)): عبد العزيز، عبد الرحمن، وحتى محمود الذى وقف وراء كرسى المحكمة يحكم على الوطنيين بالاعدام، حتى هو لم يكن الا ثائرا يقتص من مجتمع كان نتاج لعنة من لعناته.
فى هذا الخط سار عبد الكريم غلاب فى أدبه القصصى، لذلك أراه ملتزما طريق الثورة وطريق الحرية فى صوفية لا نكاد نجدها عند كثير من الكتاب.
غير ان هذه الثورة ليست سطحية تلمس الموضوع وتفتعل الحدث وتحتال للاثارة وتعتمد على الاسلوب لتؤكد ثوريتها، وانما هي عميقة عمق الانفعال بها. واذا عرفنا ان عبد الكريم غلاب عاش فى ثورية لافحة أدركنا ان للثورة التى عكسها أدبه جذورا عميقة لا يتلمسها فى المظهر فحسب، ولكنه يستبطنها فى النفس الانسانية ويحرك مكتمنها ليبعثها من عالم المغلق الى العالم المتفتح، بل انه يهدف فى ((دفنا الماضى)) الى تعرية المغلق ليجعل من الماضى الذى قاد الحياة ردحا من زمان نتيجة صراع داخلى وتمزق نفسي خطير. بل هو أخطر ما فى حياة الماضى، وهو الوسط الذى ألهب ظهر هذه الحياة فبدت كما هى جديرة بان تدفن أو هي جديرة بان تكون ما تزال بعد فى حاجة الى دفن، كما همس عبد العزيز فى أذن عبد الرحمن فى السطر الاخير من الرواية.
نحن اذن امام دراسة نفسية عميقة وفر لها الاستاذ غلاب كل طاقاته الفنية ليجعل من الرواية الملتزمة مجالا للتحليل النفسى ولتعمق ما وراء الحدث. واذا كانت هذه الدراسات تستبد اليوم بجهود الباحثين الاجتماعيين والمؤرخين المحدثين، الذين لم يعودوا يؤرخون الحدث وأبطال الاحداث بمقدار ما يؤرخون الباعث النفسى والاجتماعى الذى يدين المجتمعات فيقلبها أو يحولها، فان هذا الاتجاه فى الادب جدير بان يلفت نظرنا فنرصده ونوجهه ونعنى بتسجيله كاتجاه جديد فى الادب العربى.
رواية ((دفنا الماضى)) مثال حى من هذا الاتجاه الذي يستبطن النفسية الانسانية ويبحث عن الدافع النفسى وراء الحدث، ويربط المرحلة المجتمعية بالقوة النفسية التى تسيرها. ولذلك كان الماضى الذى حاول ان يدفنه - فانتهى الى انه لم يمت بعد - ليس احداثا واقعية أو متخيلة فحسب، ولكنه نفسيات متصارعة منفعلة متمزقة ثائرة، تصطدم فى عنف أو تكبت ثورتها واصطراعها فتزيد فى الانفعال والصراع. وتندفع لتؤكد تمزقها فتسوق الماضى الوجهة التى اختارها مؤلف الرواية والتى انتهى فيها الى ان الماضى بكل ابعاده ما يزال حيا ينبغى ان يدفن.
ليس من السهل ان يقتبس الناقد مواقف من الرواية ليدلل بها على هذا التمزق النفسى، فخلف كل موقف صراع أو ثورة أو تمزق، ووراء كل شخصية نفس تعانى محنة التمزق، ولكنها لا تنهزم وانما تنطلق لتؤكد تمزقها فى انحراف الحياة أو فى عمل يكون عنصرا أساسيا فى هذا الماضى الحافل أو صورة من صوره الناطقة.
والكاتب لا يبرز ظاهرة التمزق هذه بالنسبة لبطلى الرواية ((عبد الرحمن)) و ((الحاج محمد)) فحسب، ولكنه يوزعها بالقسطاس على كل شخصيات الرواية، فهى جميعا أبطال وبطلات تلعب دورا رئيسيا على مسرح الماضى فتبينه كهيكل عات تصعب الثورة عليه ويتمنع عن عوامل التحطيم.
لنأخذ مثلا ((ياسمين)) هذه الشخصية التى لم تلعب دورا رئيسيا فيما يبدو من احداث الرواية، فهى خادم منتقاة من سوق النخاسة تختفى داخل القصر الكبير وراء المطبخ أو خلف الاعمال المنزلية العادية، ولكن نفس رب القصر الحاج محمد حينما تهفو اليها ويكون نتيجة هذه الهفوة ((محمود)) تصبح ياسمين بطلة فريدة فى الرواية، لا عن طريق العمل الذى تقوم به، ولكن عن طريق النفسية الممزقة التى تدفع بها الى البحث عن مكانها الذى لم يعد بين الخدم ولم يرق ليكون بين السيدات، وللبحث عن موقفها: هل هى أم لولد من الحاج محمد يسعى بين يديها، أم هى مجرد خادم ((اعتدى)) سيدها على شرفها؟ وللبحث عن مكان ابنها بين اخوته هل هو أخ لهم ولو اختلف لونه عن لونهم أم هو شئ آخر: ((ولد الخادم)) مثلا، كما صفعته بهذا الوصف ((أخته)) عائشة، وتقف الرواية أمام هذا التمزق الداخلى فى فصل رائع يناقش فيه الاطفال أخوتهم وبنوة محمود لوالدهم ((الحاج محمد)) وعدم بنوته لامهم خدوج (الفصل الثامن) يناقشون ذلك وهي تسمع لمنطق الاحداث على لسان أطفال يفلسفون هذه الاخوة غير الطبيعة.
المهم ان ياسمين أصبحت مثالا خطيرا للتمزق النفسى ولم يكن التمزق مظهرا لحياتها فحسب، ولكنه نشر اشعاعه على حياة العائلة باسرها، فكانت الغيرة التى نهشت كبد خدوج والاذلال الذى خضعت له وزوجها يؤدبها ويقتل بذور التمرد فى نفسها حينما ينادى ياسمين فى وضح النهار ويغلق الابوات خلفها تحت سمعها وبصرها، (ص 55) وكانت نكبة خدوج حينما زوجت ابنها عبد الغني فاكتشفت اخيرا ان عروسه سمراء ابنة أمة (ص 184). ونشر هذا التمزق اشعاعه فى نفس البنت الوحيدة ((عائشة)) التى ظهرت فى بداية الرواية طفلة صغيرة تناقش مشكلة الامومة والاخوة وابن الحرة و الخادم مع محمود. وكانت تختفى لتظهر مرة اخرى فى طور آخر من حياتها حتى تبدت فى نهاية الرواية الرواية وهي تجر اطفالها من حولها. التمزق النفسى عند ياسمين ظهر بصورة انتقامية خطيرة وهى تصبه فى نفس الفتاة الصغير ((عائشة)): ((الرجل يا عائشة رجل ... صعب، اياك ان تثقى به يا بنتى. حينما ينظر اليك رجل ما ابتعدى عن ملتقى نظراته، فهو لا ينظر اليك الا لشهوة فى نفسه، الرجال يأكلون الثمرة ويلفظون النواة ... اياك ان تكونى نواة ملفوظة ... الرجال - يا عائشة - يهدمون أخلاق البنات إذا رأيت رجلا فاعرفى ان وراءه الفضيحة ... الرجل مغر ... متودد ... الفتيات الصغيرات لا يفهمن الرجال ... حذار يا عائشة ان يغريك رجل أو يتودد اليك ... فانت تفهمين ما وراء الاغراء والتودد (ص 199).
هذا الرعب القاتل الذى صبته ياسمين فى نفس الفتاة الصغيرة لم يكن الا انعكاسا ((انتقاميا)) للاغتصاب الذي خضعت له ياسمين بحكم أنها أمة مما تملك اليمين، ولكنه كان انعكاسا خطيرا فى نفس فتاة العائلة الكبيرة يدعوها مستقبلها الباسم ان تكون على استعداد نفسى لاستقبال الرجل فتى أحلامها.
وكانت كلمات ياسمين تمزيقا لنفسية الفتاة عانت منه وقد شبت عن صبى: ((وظلت الدوامة تلف كيانها كلما نبضت عروقها بهذا الذى يتحدى هدوءها ... ويثير اعصابها ويشعرها بالحنين ... بالثورة، بالتمرد ... بعالم جديد يقتحم عليها صباها، وحين يصطدم عالمها الجديد هذا بكلمات ياسمين المحذرة المنذرة كانت الثورة تبلغ فى نفسها وتسلمها الى عالم عقدته الرجل ...)) (ص 258) وتتزوج عائشة على كره منها وهي لا تعرف من صور الرجل الا صورة الرعب القاتل الذى صبته ياسمين في نفسها ويبلغ التمزق النفسى قمته وهى بين يدى رجل لا تعرف عنه الا انه ممن يهدمون أخلاق البنات، ومن الذين وراءهم الفضيحة، ومن الذين يأكلون الثمرة ويلفظون النواة ... تزوجت عائشة، وكان أبوها (الحاج محمد) وأمها (خدوج) حريصين - وهى فى أيام عرسها الاولى - ((ان يعرفا النبأ الذى يشغل فكر أب البنت وأم البنت قبل ان تصبح سيدة يعترف لها زوجها بالطهارة والبكارة والعفة ... ومرت الايام الاولى بطيئة تكدر صفو الاحتفال فيها الانباء الباردة التى يلفظها الخباء - خباء العروسين - ... وبدأ الهمس يرى بين المحتفلات فى منزلى العروسين.
- لا ... كارهة ...؟
ولم يكن أحد يدري سر ما يحتضنه الخباء. وظل أحمد (العروس) يعالج فى صبر حزن عائشة فبدل من عبوسها ابتساما ومن صمتها نطقا، ولكنها كانت تفاجئه، كلما اقترب منها، كما يقترب العريس من عروسه، بوجه مصفر وأعضاء باردة مرتعشة وتنكر شديد مخيف .... وكانت عائشة تلجأ للصمت وتعيش فى افكارها:
- الرجل ها أنا ذى أمامه يتطلع الى فى شره، انه هو الذي حدثتني عنه ياسمين ما يزال يهم باغتصابى، ما يزال يلح فى ان يكون عنيفا، قويا، صعبا معى ... اين مفرى الآن من ملتقى نظراته، بل اين مفرى من قبضته وأنا الآن بين يديه؟
ويهتف بها ضمير ينبض بالواقعية:
- ولكنه ظريف مؤدب يعاملك بلطف ويحنو عليك ويعترف بحبه لك، ولم تبد منه حتى الآن مظاهر قسوة ولا عنف.
وتتراءى أمام العينين الحالمتين ياسمين وهى تهتف:
- لا تثقى يا بنيتي بالرجال. أمامهم الغدر ووراءهم الفضيحة ... وتلف الدوامة عائشة لتزيدها تمزقا وحيرة وارتباكا)) ألم تكن صورة الحاج محمد (والد عائشة) تنبعث أمام نظراتها وان لم تتبين ملامحه؟ قدمته اليها ياسمين
دون ان تذكر اسمه أو تحدد ملامحه، قدمته وهو يغتصبها فى عنف وقوة ويجر وراءه الفضيحة، وها هو ذا يقفز أمامها كلما وجدت نفسها بين يدى عريسها.
هذه المشاهد اختصرناها من الرواية لندلل على اشعاع التمزق النفسى من ياسمين الى النفس البريئة، الجوهرة الكريمة فى عقد العائلة: عائشة.
ولم تكن ياسمين وحدها مثالا للتمزق النفسى بين شخصيات الرواية العملاق، فجميع شخصياتها وابطالها كانوا ضحية لهذا التمزق: عبد الرحمن، الحاج محمد، محمود، خدوج عبد العزيز، عبد الله (الذي لم يظهر الا فى منظرين صغيرين ليعرب عن التمزق النفسى الذى كان ينشر اشعاعه فى المجتمع حتى وهو على ابواب التحرر).
ولكنا نأخذ من هذه الشخصيات أمثلة اخرى ومواقف أخرى:
محمود - مثلا - نتاج الاغتصاب، الذى لم يكن فى عرف الحاج محمد والده اغتصابا، وانما كان نتاج ما ملكت اليمين - وان لم يملك الا من دار النخاسة - محمود هذا كان أروع مثال للتمزق النفسى فى المجتمع الذى تحلله رواية ((دفنا الماضى)).
نشأ محمود في وسط مجموعة من الاطفال يشعرون جميعا بالاخوة؛ وتتركز هذه الاخوة حينما ينادون جميعهم - محمود من بينهم - ((خدوج)) بكلمة ((ماما))، ولو لم تكن خدوج هى امه الحقيقية، وحينما ينادون جميعهم - ومحمود من بينهم - والدهم الحاج محمد بكلمة ((أبى)) ولكنه سرعان ما بدأ يشعر بالميز، وشعر بان التى كان يناديها أمي بدأت تضيق به، كما لا تضيق باى طفل اخر من اخوته. وبدأت حركته فى المنزل تثير اعصابها. وبدا اخوته يمتنعون عن ان يشركوه فى نشاطهم وألعابهم، اما والده فلا يكاد يعنى به وهو يدلل اطفاله الصغار ويميزهم بالملابس والالعاب وطيبات الاطفال. ((وبدأت كلمات جديدة تتسرب الى أذنه من اخوته الاطفال والطفلات: ((الاكحل(1) ((ولد الخادم)) ... ومع الكلمات تتداعى معان مضطربة لم تتضح لفكره الصغير، غير ان شعوره بالميز كان يرسم لهذه الكلمات معانى تطفح بالعار وهو لا يدرى سببا لهذا العار)) (ص 73)
من هذا المنطق بدأ التمزق يغمر نفس محمود، وينمو هذا التمزق فى جو يكاد يكون ميزا عنصريا، فلونه الاسمر يكاد يدل عليه، يكاد يطبعه بانه نتاج اغتصاب فى كل مجتمع اقتحمه: فى الكتاب، فى المدرسة، بين اخوته، بين أصدقائه. وتنمو عقدة اللون مع محمود مع نموه الجسمى والفكرى،
ولكنه يعالج العقدة بالكفاح ليؤكد ذاته فلا يترك مجالا لاى كان ان يحتقره دخل المدرسه بدلا من ان يستمر فى الكتاب لينتصر على بعض الميز من عبد الرحمن وليتخلص من النقمة التى يصبها عليه فقيه الكتاب بتحريض من والده، ولكنه فى المدرسة يجد مجتمعا آخر هو مجتمع: ((أبناء الاعيان)) وينظر اليه اساتذة المدرسة كابن من ابناء الاعيان، ولكنه يختلف عن أبناء الاعيان فهو اسمر، وهو ((ابن الخادم)) كما يشى بذلك لونه، وكما تؤكد ذلك الكلمة النابية تصدر من زملائه الذين أخذوا يشعرون بالميز فى نفوسهم الصغيرة عن هذا الطفل الذى يشى لونه بانه ليس منهم. ويحاول ان ينتصر وان يؤكد ذاته مرة أخرى متخلصا من العقدة التى تلاحقه فى كل مجتمع ارتاده فيؤكد وجوده عن طريق التفوق، ولكن اللعنة تلاحقه ولو تفوق، فى المدرسة والمنزل والمجتمع. وتأتيه الفرصة أخيرا ليحقق المساواة مع عبد الغنى أخيه الذى يملك المال ويتصرف بحرية فيغادر المدرسة الى الوظيفة ومن الوظيفة الكتابية العادية الى قاض فى محكمة الباشا.
فرصه نادرة اتيحت لينتقم من المجتمع. المجتمع الذي أبى ان يعترف به. التمزق النفسى يدفع به مرة أخرى ليحكم على الوطنيين - ولو بأمر من الحاكم الفرنسى - بالسجن ... وبالاعدام.
لم يكن راضيا ولكنه منساقا ليؤكد ذاته فى مجتمع أبى أن يعترف به أو بأمه، ولم يكن مرتاح الضمير، ولكنه كان مرتاحا ليقوم بعمل ضد هذا المجتمع. ويلقى مصيره النهائى فى حادثة سيارة وهو فى غمرة التمزق بين واجبه الوطنى. ورغبته فى الانتقام وفى تأكيد الذات. يلقى مصيره فى مشهد رائع يسجله الاستاذ عبد الكريم غلاب في ختام الرواية (ص 388-92).
كان محمود مثالا ممتازا لهذا التمزق الذى لا نجد ملامحه دفعة واحدة. ولكن الكاتب بمقدرته الفنية الرائعة يصبه قطرة قطرة منذ الصفحات الاولى للرواية حتى الصفحات الاخيرة منها.
ولم نشر بعد الى البطل عبد الرحمن، أو الى البطل الثانى الحاج محمد. فللروايه بطلان يحققان صراعا خطيرا بين جيلين وحياتين، بين الماضى والحاضر، بين الاستمرار والثورة. وهل هناك مجال للتمزق النفسى أقوى من المراحل الثورية فى حياة الشعوب؟ وهل هناك مسرح يظهر فيه التمزق أوضح من فترة مخاض يصطدم فيها جيلان كأقوى ما يكون الاصطدام وينبثق خلال القلق والصراع والكفاح فيها روح جديد يسير بالحياة الحديدة الى مصيرها؟
لنأخذ شخصية عبد الرحمن ابن الحاج محمد، الذي تمرد على الحياة التقليدية للعائلة فرفض ان يكون ابنا عاديا يتنقل من الكتاب الى المتجر،
ويصبح بعد زوجا وأبا، وتستمر الحياة من خلاله كما توارثتها عائلة التهامى أبا عن جد حتى وصلت الى الحاج محمد. رفض الاستمرار ليحقق معنى الاجيال الجديدة فاستعاض بالمدرسة عن الكتاب، وبالجماعة السياسية عن مجمع العائلة، وناضل داخل العائلة ليفتح نوافذ واسعة للتيارات الجديدة، وناضل خارج العائلة فتقدم المظاهرة واقتحم باب السجن وحول التيار بين المناضلين لينصرفوا من التفكير فى الماضى الى العمل من اجل المستقبل. وقف بشخصيته وراء كل حدث. وتحدى كل عمل تقليدى وقاوم تيارات الرجعية ونفخ الروح القوى الثائر فى محمود ليشعره بكيانه وليقتلع من نفسه معنى العبودية وابن الامة. هذه الشخصية الثائرة المتمردة التى انعكست عليها كل ثورة المغرب كانت مسرحا للتمزق النفسى. سنوات من طفولته وهو يصارع ليعرف: هل سيكون فى مستقبله مثالا للفقيه اليازغى أم سيكون مثالا للمدرس فرانسوا: ((نموذجان قدما لعبد الرحمن فى مبدأ الطريق وفى كل يوم من ايام المدرسة وفى كل درس من دروسها يطلب اليه ان يختار النموذج ليسير مترسما خطاه ...)) (ص 132) ويلاحقه التمزق فى المنزل وهو يرى أخاه الاكبر عبد الغني ينتقل من الكتاب ليصبح تاجرا يملك المال، وترشحه العائلة ليكون زوجا، ثم تحتفى به العائلة كما لم تحتفل من قبل بزفاف. ويلاحقه عبد الغني هذا. وهو الاخ الاكبر الذى تجب له الطاعة والاحترام والتقدير، يلاحقه فى الشارع حينما يجده وهو ما يزال صغيرا يلعب مع لداته، ويلاحقه فى المنزل حينما يجده منصرفا الى كتبه وعمله المدرسى، ويلاحقه حينما يشاركه الغرفة فيتكلم كما لو كان ينطق بالحكمة لفرط ايمانه بشخصيته التى يحاول ان يستمدها من كونه أكبر الاخوة سنا ... (ص 161) - وكان عبد الرحمن يضيق بهذه الشخصية التى تحاول ان تفرض عليه وجودها لانها شخصية المال والتجارة والنموذج المصغر للحاج محمد. ((هذا الشخص الذي يتلهى بمضغ ((المصطكة)) ويقتل فراغه فى الحركات الآلية يسرع بها فمه دون وعى وتصدر من بين اسنانه فرقعة من حين لآخر وكانه يحاول ان يونس بها وحدته المطلقة ...
كان عبد الغني مصدر تمزق نفسى لعبد الرحمن. لانه كان، بما فيه من تفاهة وفراغ مطلق، كأنه يقدم للعائلة النموذج الذي يجب ان يحتذيه عبد الرحمن. ومن ثم كان يعمل بكل جهده ليتخلص من هذا النموذج التافه الذي يفرض عليه، ولم ير سبيلا لذلك فى غير الثورة. تمزقت نفسه ازاء عبد الغني فانفلقت فى شكل ثورة عارمة لا تكاد تحتك بعبد الغني الا لتنفجر ثائرة تؤكد ثوريتها وانطلاقها.
وكان ثورات هذه الشخصية النادرة فى رواية ((دفنا الماضى)) كلها تعبيرا صادقا عن التمزق أو هى فى الحقيقة نتيجة التمزق: ثار على الحاج محمد لينزل
به من عليائه وليشعره بحقيقة شخصيته حتى انتهى بعد ان انتهى منه عزه وسطوته وأفكاره وتعليماته والطاعة التى كان يتمتع بها فى المنزل والسوق والعائلة. وثار على السلطة التى تحكم المدينة نتيجة التمزق النفسى وهو يرى شعبه يصبح فريسة النهب والعدوان والسيطرة، وكانت ثورته تنفسا عن تمزقه النفسى فاندفع يؤكدها فى المظاهرة، فى السجن، فى تعبئة الجماهير، فى الايحاء لعبد العزيز بالمنطق الجديد: العمل المسلح. يتجلى هذا الاعداد النفسى مند ظهر عبد العزيز على مسرح الرواية (ص 303) منذ ظهر وهو يقنعه بان الماضى انتهى، الماضى طويناه، دفناه، حتى سمع صوت عبد العزيز وهو يهتف به من وراء بوابة غرفة السجن فى طريقه الى الاعدام: الى اللقاء فى الجنة يا عبد الرحمن. أبشر فقد استقلت بلادى (ص 372).
ويبلغ التمزق أقصى مداه والرواية العملاق تلفظ أنفاسها فى هذه الفقرات: ((نفض عبد الرحمن يده من تراب الحاج محمد، وسار فى طريقه الى القصر بين جماعة من أفراد العائلة واصدقائها . . سار وفى أذنه صوت يدوى:
- دفنا الماضى.
سار ثم سار . . . ومن خلال عينيه اللاهبتين المحمرتين انبعث خيال عبد العزيز وصوته يهمس فى أذن عبد الرحمن:
- لا ... لم ندفن بعد الماضى ...؟))
كفاح عمر مديد انتهى بهذا التعبير الصارخ عن التمزق النفسى، الماضى الذى سعى لدفنه لم يدفن بعد، حقيقة مروعة ما أحراها ان تؤكد التمزق الذى يغمر الرواية منذ البداية حتى الكلمة الاخيرة منها.
وجانب آخر يغمر ((دفنا الماضى)) هو التصوير الرائع الذي لم يكتب مثيل به عن المجتمعات العربية: وصف مجتمع العبيد: سيدات وفتيات في سوق النخاسه، ((دار ابن كيران))، فى قصور البورجوازيين، فى حفلات كناوة ((حفلات الزار)) إن التمزق النفسى فى هذا المجتمع الذي احتل فصولا مهمة من الرواية والذى لم يكتب فى غير ((دفنا الماضى)) ياخذ طابع الجنس، تتحدث الأمة منهن وتفكر وهى تحت تأثير الحرمان الابدى. ويلعب ((الكناويون)) فى حفلات الزار وهم مأخوذون بالشوق الى المجهول، المجهول الذي تنبعث صوره فى نفوسهم من خلال الحرمان والتطلع.
رواية ((دفنا الماضى)) استطاعت ان تتخلص من أسر الاحداث والوقائع - وقد حفلت بالاحداث حتى غصت بها - لترسم صورة نفسية رائعة لمجتمع ماقبل
الاستقلال فى المغرب. ان الصورة المجتمعية لا تقدم فى دفنا الماضى فى صورة احداث فحسب، ولكنها تقدم كذلك فى صورة حياة نفسية داخلية كانت ترسم الطريق أمام الماضى، ورسمت الطريق أمام أبطال الرواية الذين حاولوا التخلص من الماضى ليدلفوا الى المستقبل. ومن هنا تأتى عبقرية الكاتب الذى قدم هذه الرواية العملاق بهذه الكلمات: هذه الرواية انبعاث لرواسب عديدة من فترات المخاض فى المغرب. هي فترة عاشها شعب بلادى بكل وعيه وتفتحه على العالم الجديد ... ولكنها ككل فترات المخاض كانت مجال صراع نفسى وفكرى ومجتمعى، اصطدم فيها جيلان كأقوى ما يكون الاصطدام وانبثق خلال القلق والصراع والكفاح روح جديد يعتبر مغرب اليوم بكل محاسنه ومباذله مدينا له)).

