الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "المنهل"

التنظيم العمراني (*)

Share

حديثنا الليلة سيكون خاصا بالتنظيم العمرانى فى مصر واملى أن يكون فى هذا الحديث بعض النفع لمن يعنون بهذا الامر الحيوى فى بلادنا . فان حضارة الانسان مستمدة فى اغلب الاحيان من الاقتباس الصالح المصلح  يقول الشاعر العربى الحكيم :

البيت لا يبتني الا على عمد              ولا عماد إذا لم ترس أوقاد

فان تجمع اوتاد واعمدة                  يوما فقد بلغوا الامر الذي كادوا

وهذا قول حكيم وينطبق على شتى الوان الحياة فما ينجح مشروع في الدنيا ذلك النجاح الحق اللهم الا اذا تقدمته دراسة واسعة من قبل الخبراء والاختصاصيين ثم تهيئة لمواد نجاحه المعنوية والمادية فاذا تقدم المتقدمون الى انشائه بعد ذلك كان نجاحهم فيه امرا محتوما بتوفيق الله وقام المشروع نفسه بالفوائد المتوخاة من ورائه خير قيام .. اما المشروعات التى تقوم على اساس من الارتجال والفكر الخاص وحده فان نجح بعضها فان اغلبها سيكون سبيله الاخفاق ان حالا وان مثالا . ومثل المشروعين، اى المبنى على اساس الدراسة ، والمبنى على اساس الارتجال هو مثل دارين احداهما شيدت على اساس عميق محكم والاخرى شيدت على غير اساس فأيهما ابقى واخلد ؟! ....

ومن أجل تحقيق سياسة الدراسة لاصلاح العمران والنهوض بالمجتمعات رأينا العالم المتحضر يعنى اقصى العناية بتربية ذوى الملكات الخاصة من الخبراء الفنيين فى كل حقل من حقول العمرانيات والسياسيات والاجتماعيات والثقافيات والدينيات والاقتصاديات حتى يكون هؤلاء هم بناة الاصلاح فيما تخصص فيه كل فريق منهم ، لتوكل اليهم الحكومة امر تقرير المشروعات المراد بها النهوض كل فى دائرة اختصاصه فاذا درسوها بعد أن يكونوا قد قرروها فلا تكتفي الحكومة بذلك وحده لان الرأى مشترك ويوجد فى الانهار ما لا يوجد فى البحار .. انها تبسط المشروع المقترح والمقرر امام الرأى العام ليدلى كل بدلوه فعسى ان توجد فكرة انسب وارجح خلال هذا السيل الجارف من

مختلف الاتجاهات والآراء حتى اذا وضحت الحقيقة للعيان وظهر الاتجاه الأصلح اخذت به الحكومة حالا ولن تقوم بالمشروع المراد انشاؤه الا من طريقة واحدة هي طرحه فى المناقصة العامة العلنية وحدها دون سواها وبذلك تطمئن الحكومة ويطمئن الشعب معها الى ان الاموال الباهظة صرفت فى خير الوجوه .. وبهذا يثمر المشروع خير إثمار وباقل التكاليف الممكنة وبذلك يبني على اساس متين ويشاد خير اشادة لخير حاضر البلاد ومستقبلها القريب والبعيد .

وقد رأيت فى مصر الشئ الكثير من تطبيق هذا المبدأ الحميد على المشروعات التى يراد من ورائها اصلاح البلاد دور فاهية الشعب وتقدم العمران وتقدم الاقتصاد وعلى أساس من تقدم العمران .. رأيته فى مشروعات فتح الشوارع الجديدة الواسعة العديدة . ورأيته فى مد الاسلاك والانابيب والقضبان من تحت هذه الشوارع ومن فوقها لتأمين الماء والنور والمخابرات والمواصلات بالبلد ، ورأيته فى تعديل بعض وسائل المواصلات الى تمخر القاهرة لان هذه تحدث ضوضاء وضجيجيا يقض مراجع القوم فعمدوا الى التراح يرمى الى انشاء مشروعات عدة تهدف الى تغيير هذا اللون من وسائل المواصلات الى لون جديد هادىء لا يحدث ضجيجيا ولا تنبعث منه ضوضاء مزعجة وقد قال قوم من الخبراء هنالك بتغيير عجلات الحافلات (الترمويات) بعجلات من مطاط وقال آخرون بتغيير الحافلات نفسها والغائها وتبديلها بسيارات النقل الكبيرة وهكذا فان القوم مازالوا يدرسون هذا المشروع العمرانى والصحف تبسط آراء جديدة فيه فاذا استقر الامر على شئ فسرعان ما تاخذ به الحكومة ويكون الاصلاح المنشود

ولقد رأيت هذا التنظيم العمراني في انشاء كورنيش الشارع الجميل الطراز على بحر النيل جنوب القاهرة . ان القوم درسوا المشروع من جميع جهاته وقد بسط المشروع كذلك على صفحات الصحف فلما استكمل الدراسة وطرح في المناقصة العلنية ظهر كورنيش النيل البديع وارى انه اذا تم فلن يقل جمالا عن كورنيش الاسكندرية بشئ وقد كسا النيل العظيم بجمال وفتنة واضاءة رائعة فى

الليل البهيم فكان النيل استحال به سماءا رصمت بها نجوم المصابيح الكهربائية الكبيرة التى نصبت من جانبى شاطئه على اعمدة من حديد ..

وقد رأيت هذا التنظيم العمرانى بعد ما عادت ثكنات النيل الى الحكومة المصرية فقد بدأت دراسة واسعة لمشروعات اصلاحها وتحويلها او ابقائها كما كانت ، كما بدأت دراسة واسعة لفتح ميدان كبير امامها وقد فتح فعلا ، وماذا يقام فى بعض اجزائه من عمارات ؟ ولا يزال الدرس والبحث مستمرين على ما اذكر وعندما يفضى هذا الدرس وهذا البحث التمهيديان الى نتائج منطقية طيبة فيه يشرع فى التنفيذ ، ووقتئذ يكون التنفيذ على اساس مكين .

وقد كان هذا التنظيم ايضا حينما فكرت الحكومة هنالك فى انشاء نفق بشبرى بالتمر فيه الحافلات والسيارات وليمر المشاة من فوقه تخفيفا للضغط عن هذه البوابة العظيمة او هذا الممر الموصل بين قلب القاهرة وتبرى العظيمة المفعمة بمئات الالوف من السكان والعمارات . وقد درس المشروع من قبل الخبراء وفحص وتناوله التفكير العام وطرح فى المناقصة العلنية ثم نفذ فاذا به من خير المشروعات فقد ادى النفق مهمته خير اداء والقوم هناك على ما بلغني يدرسون مشروعا اعظم هو انشاء طرق للمواصلات من تحت ارض القاهرة تخفيفا للضغط واراحة للسكان . وقد رأيت كذلك تاثير التنظيم العمرانى فى انشاء مدينة الجامعة المصرية فقد كان هذا المشروع من اعظم المشروعات التى تتمناها مصر حكومة وشعبا وقد تقدمت به الحكومة وقام الخبراء بدراسته ووضعوا له التصميمات الفنية وعرض المشروع امام الرأى العام كالمتبع وتناولته الصحف بالتقدير والتعديل فلما تم تمامه برز للعيان فى احسن حلة وابهى جمال وعندما اعتزم القوم الافادة من الاراضى البور الواقعة جنوب غربى القاهرة وهي تابعة لوزارة الاوقاف بسط المشروع على صفحات الصحف وتناوله الخبراء الرسميون بالدراسة والتمحيص ووضعت له المواصفات اللازمة وتقدمت به الوزارة وحينما حاز الموافقة الرسمية بعد ماتم تضجه نظريا بدئ فى تنفيذه عمليا وستكون مدينة الاوقاف - إذا تمت - زينة وبهجة بجانب مدينة القاهرة  وقد شغل هذا اللون من التنظيم القطر المصرى كله مثل سائر البلاد التى

تريد تقدما ونهوضا على اساس الدراسة والتفكير والتمحيص . لا على أساس الارتجال فمسحت اجزاء هذا القطر المصرى مسحا فنيا وعرفت صحاراها ومياهها وعرف ريفها وجبالها وعرفت مدنها وقراها وعرفت سائر أنحائها معرفة مفصلة دقيقة وعرفت حاضرتها من باديتها وقد أحصى السكان كذلك لتعرف مطالبهم ولتضمن رفاهيتهم وليكون ما ينالهم من خير مقدرا ومعروفا وما يطلب منهم من عمل خير ، مقدرا ومعروفا ، وبذلك عرف مقدار السكان وعرف مقدار المكان ؛ فاصلح المكان واستصلح السكان على قدر من المكان .

أما القاهرة نفسها فقد مسحت مسحا فنيا بالغ الدقة لانها قلب مصر وعاصمتها الضخمة التى تحوى بين طياتها ما ينوف من مليوني نسمة فلا توجد دار ولا عمارة ولا دكان ولا شارع ولا ناحية من نواحيها الا وهي معروفة الحقيقة والتاريخ والملكية او الوقفية ، وقد ذلل هذا الصنيع كثيرا من العقبات وكان خير ضامن للاصلاح الشامل العام .

ومن اثار التنظيم العمراني الحافل اهتمام الحكومة هنالك بانشاء مدينة فوق جبل المقطم وقد درس الخبراء الرسميون هذا المشروع ودرسه معهم الخبراء الغير رسميين على صفحات الصحف وراينا فى بعض الصحف تصميمات فنية رائعة لهذه المدينة العظيمة المرتفعة التى تطل على القاهرة المعزية والتى تنقذها من وطاة الرمال والتى تزودها بالغذاء الكافي من الخضراوات والفواكه والتى تلطف جوها وتجمل ضاحية كبرى من ارفع ضواحيها ولا يزال درس هذا المشروع سائرا فى طريقه ولابد ان هذا المشروع العظيم سينفذ يوما ما كما نفذ غيره على اساس من البحث والتمحيص والتفكير لا على اساس من الارتجال الفردى الذي كثيرا ما يؤدى الى الاخفاق . واستفادة القوم من طريقة التهيئة والدراسة فى مختلف مرافقهم حفيلة وبارزة للعيان فان المصانع هناك تعج ليل نهار وكثيرا ما تزود هذه المصانع بالفضلات التى يلقيها الناس من خرق بالية ممزقة وأوراق ممزقة مكتوبة وغيرها فادا الاذى يستحيل - بقوة العلم - الى نفع واذا التافه المهمل يتحول الى شئ مهم مفيد ، واذا بالقوم يستغنون بما يصنعون من هذه الاشياء الملقاة ، عن الاستيراد الذي يبتلع الثروات الطائلة ويكون فى

آخر الامر وبالا على ملتزمية ولابد أن نشيد ونحن فى معرض التنظيم العمرانى بآثار التحول البادى فى القاهرة حيث ان داخلها لأول مرة تروفه كثرة الحدائق وكثرة الميادين المفعمة بالنبات المخضر وبباسقات الاشجر المنسقة المشذبة مما يبهج نفوس الساكنين والوافدين وتقر به أعين الناظرين ومما يحيل السمائم اللافحة الى نسمات عذاب رقرافة ، وما اجمل الاصائل فى مصر حيث ترى الولدان يمرحون فى وسط هذه الحدائق الشعبية المنتشرة فى كل شارع وناحية من نواحي القاهرة ، وترى الرجال والنساء والشيوخ والشبان جالسين على الحشائش الخضر الزاهية فرحين باسمين يتحدثون فى وسط هذه الحدائق الشعبية فى هدوء وروعة وجمال .

قرأت فى بعض الكتب ان القاهرة كانت ضيقة الشوارع ملتوية الازقة مملوءة بالسقائف المظلمة والبيوت المهدمة والشوارع القذرة فلما جاء الخديوى اسماعيل ازمع تحويلها الى شىء جديد والى عاصمة عصرية تضاهى فى رونقها وشوارعها ودورها وعماراتها عواصم العالم الحديث .. وقد عزم على ازالة هذه الشوارع الضيقة من الوجود فهدمها ووسعها وقال للشعب الذى تخوف من غمر القاهرة بالسموم والحرارة الطبيعية بسبب هذه التوسعة قال لهم : اننا سنعوضكم بما هو اجدى نفعا فى تلطيف جو قاهرتكم .. ألا وهو ملء شوارعها بالاشجار الباسقة وميادينها بالحدائق الجميلة وان هذه الاشجار وما تحويه الحدائق من نبات وشجر ستكون اكثر تلطيفا للجو من ضيق الازقة وتلاصق البيوت ، وهكذا أوجد مشروعه على اساس الدراسة لمعالم المدنية الاوربية الحديثة وسار فيه قدما حتى اثمر هذه النتيجة المرضية .

وبعد فان الفائدة المتوخاة من وراء هذا الحديث ننصب على ان ينتفع من يهمهم امر التنظيم العمرانى بهذه البلاد من تحارب الغير فان اساس تقدم المدنية هو الاقتباس لصالح كما قلنا فى مستهل هذا الحديث ونحن احوج اليوم الى معالجة مطالبنا وإصلاحاتنا العمرانية على اساس من الخبره الفنية الخاصة والعامة لا على اساس من الارتجال والتفكير الخاص وقد سلكت الحكومات والشعوب طريقا جديدة قمة لأكمال تنظيماتها العمرانية ، وتتمثل فى سياسة انشاء

المشروعات الهامة الكبيرة على مراحل ، وفى ذلك ضمان اكيد لنجاح المشروعات وفيه حفظ لصندوق الدولة من ان يرهق بحمل اكبر الاعباء دفعة واحدة .. وكل من سار على الدرب وصل .

اشترك في نشرتنا البريدية